أردوغان: ثلاثة أو أكثر

جو حمورة

لم تعد الجمهوريّة التركيّة، تلك الدولة المحدودة الطموح، والنائية بنفسها عن مدّ نفوذها الإقليميّ في كل حدبٍ وصوب. فمنذ وصول حزب “العدالة والتنميّة” إلى الحكم عام 2002، تغيّرت سياسات تركيا الداخليّة كما الخارجيّة.
Turkish Prime Minister Tayyip Erdogan and his wife
أحدثت سياسة الحكومة الحيويّة أثراً إيجابيّاً في تركيا. فأصبحت البلاد القوة الاقتصاديّة السادسة عشر على الصعيد العالمي، بدخلٍ قوميّ ارتفع من 232 مليار دولار عام 2002، إلى 775 مليار دولار عام 2011. أما معدل نموها، ففاق معدل نمو معظم الدول الأوروبيّة، كنتيجةٍ لازدياد الدخل الفرديّ للأتراك ثلاثة أضعاف خلال عشر سنوات.

لم يأتِ هذا التقدم الاقتصادي نتيجة السياسة الحكومية المتبعة حصّراً. ولا بسبب وجود طبقةٍ رأسماليةٍ كبيرة فيها. إنما أيضاً، بسبب تمتع تركيا بنسبة كبيرة من الأفراد من ذوي الفئات العمريّة الشابة القادرون على العمل والإنتاج. بدأت هذه النسبة، التي أسهمت بدايةً بتطوير الاقتصاد التركي، بالتراجع منذ بضعة سنوات، فظهرت مشكلة تدني نسب الولادات، كما شيخوخة المجتمع. هذين الأمرين، نتيجةٍ طبيعيّة لزيادة الدخل ورفاهية الأفراد، كما لزيادة نسب تعلّم المرأة، واشتراكها بقوة في سوق العمل.

حذر التقرير السنوي الأخير للمعهد التركي للإحصاءات (TurkStat)، من بدء تفاقم المشكلة الديمغرافية في تركيا. خلص التقرير إلى إبراز تراجع معدل النمو السكاني من 1.35 % إلى 1.2 % عام 2012. كما أشار إلى أن عدد السكان في تركيا، البالغ اليوم 75.6 مليون شخص، سيصبح 84.2 مليون عام 2023، ثم يستقر ابتداءً من العام 2035، ليعود بعدها ويبدأ بالتراجع بشكلٍ حاد. أما الأخطر في التقرير، فهو أن المعدل الوسطي لأعمار السكان قد تخطى للمرة الأولى عتبة الـ 30 عاماً، ما ينبئ بأن الشعب التركي يجنح نحو الشيخوخة.

لم يكن هذا التحذير الصادر نهاية عام 2012، الأول من نوعه. فالحكومة التركيّة، تحسست مشكلتها الديمغرافية قبل ذلك. لذا، قام رئيسها، “رجب طيب أردوغان”، بدعوة الأتراك إلى سعي كل عائلةٍ منهم، إلى إنجاب ثلاثة أولاد. متوعداً بالمقابل العمل على رفع مستوى رفاهيتهم.

لم يوفر أردوغان، منذ سنتين إلى اليوم، فرصة ولم يكرر الدعوة هذه، وإن بصيغٍ أدبّية مختلفة كل مرة. فتارةً تكون الدعوة أمام الجماهير، وأخرى في اجتماعاته مع أعضاء حزبه أو وزراء حكومته. كما وصل به الأمر، أنه خلال زيارةٍ له إلى دولة كازاخستان عام 2012، أن حث شعبها على الإنجاب! طبعاً، لم يتفاجأ الكازاخستانيون “بوقاحة” الدعوة، طالما هم، كمعظم سكان آسيا الوسطى، من أصول تركمانية. فـ”أردوغان” زعيم كل الترك وليس فقط الأتراك.

لم يكتفِ الرجل الأقوى في تركيا بمجرد الكلام. بل بدأ وحكومته باتخاذ سلسلة من الإجراءات العمليّة لتشجيع العائلات على الإنجاب. كان أولها، تشكيل لجنةٍ من الوزارات المعنيّة، هدفها وضع سلسلة من التحفيذات لزيادة نسبة المواليد، ومحاربة ظاهرة شيخوخة الشعب التركي.

لم تكن اللّجان مقبرة المشاريع. فأولى التحفيذات، كانت زيادة عطلة الأمومة من 16 إلى 24 أسبوعاً. تبعها تقديم علاجات مجانيّة لـ2500 عائلة تعاني من عدم القدرة على الإنجاب. في حين يُتوقع أن تقوم الدولة التركيّة، كبعض الدول الأوروبيّة، بإعطاء بدلٍ ماديّ، أو إعفاءاتٍ ضريبيّة، لكل عائلةٍ تنجب عددٍ معين من الأطفال.

من ناحيةٍ أخرى، لم تنسَ الحكومة التركيّة أن “تستغل” الإعلام في حملتها هذه: فتقارير عن أعداد أولاد الوزراء والبرلمانيين الأتراك، ومدى سعادة العائلة التركية “النموذجيّة”، لا شك أنها تؤثر على الناس بشكلٍ أو بآخر.

للدولة التركيّة مخاوفٍ حقيقيّة، من أن تواجه مصير اقتصادات الدول أكثر تقدمًا. فتشهد في المستقبل، تقلّصًا بالقوى العاملة وقدرتها على الإنتاج بسبب زيادة متوسط الأعمار، يقابلها زيادة معدل الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعيّة. كما أن “أمّة” تحاول أن تقدم نفسها نموذجاً للعالم الإسلامي، لا تتلاءم صورتها مع صورة شعبٍ هرم.

بُعد سياسي داخلي، يضاف للمشكلة الديمغرافيّة التركيّة. فأكراد تركيا، الذين يشكلون على الأقل 15% من مجمل السكان، يتمتعون بنسب ولادات متوسطة للعائلة الواحدة، تبلغ أكثر من ضعف تلك التي يتمتع بها سائر الأتراك. ما سيؤدي، بعد جيلين تقريباً، أن يصبح عدد الأكراد موازٍ لعدد الأتراك في تركيا نفسها.

أمام واقع ازدياد الفرق بين نسب الولادات بين الأكراد والأتراك، عدّل “أردوغان” مطلبه. ففي 02/01/2013، وأمام مؤتمرٍ دوليٍ للعائلة والسّياسات الاجتماعيّة في أنقرة، قال: “طفل واحد أو اثنان يشبه الإفلاس. ثلاثة أطفال للعائلة يعني أننا لا نتحسن ولكننا لا نتراجع.. على كل عائلة تركيّة أن تتألف من ثلاثة أطفالٍ على الأقل، ذلك لأن سكان تركيا يشيخون”.

———————————–

يمكنكم الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

مقالات آخرى عن تركيا:
المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان
أكراد تركيا: حلٌ حان وقته
الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفنيق والذئب الأغبر
 

Advertisements

المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان

جو حمورة

استناداً للقانون الداخلي لحزب “العدالة والتنميّة” الحاكم في تركيا، تنتهي ولاية رئيسه، الثالثة والأخيرة، عام 2015. حينها يفقد “رجب طيب أردوغان” إمكان ترؤسه للحكومة، في دولةٍ لا يشكّل حكومتها إلا أحد رؤساء الأحزاب الكبرى الممثلة في البرلمان. يراجع أردوغان خياراته: اعتزال العمل السياسي عند انتهاء ولايته، أو تغير الدستور ليجعل تركيا ذات نظامٍ رئاسيّ، يكون هو أول رئيس جمهوريةٍ منتخبٍ لها مع صلاحياتٍ واسعة.

Ardogan-1

بعد أشهر قليلة من فوز حزبه في الانتخابات البرلمانيّة العامة، بدأ أردوغان عام 2007 أولى محاولاته لإقرار دستورٍ جديد لتركيا. ردّت النخبة العلمانية، التي كانت لا تزال ممسكة بأعلى المراتب القضائيّة، بمحاولة حلّ حزبه. لذا، نقل أردوغان معركته إلى السلك القضائي نفسه، متراجعا عن سعيه لتغيير الدستور بكلّيّته، ومكتفياً بإدخال 26 تعديلاً عليه عام 2010. كان من إحدى نتائج هذا التعديل أن أفقد العلمانيين نفوذهم في المراتب العليا في السلك القضائي التركي.

أتاح فوز حزب “العدالة والتنميّة” بالأغلبيّة النيابيّة عام 2011، بإنشاء لجنة برلمانيّة تضم الأحزاب الأربعة الممثلة فيه، تكون مهمتها وضع دستورٍ توافقيّ جديد، وعد رئيس البرلمان جميل تشتشيك بتقديمه للجمهور التركي نهاية عام 2012. لم تفِ اللّجنة بالمهمة التي أوكلت إليها بالسرعة المطلوبة، فلم تناقش سوى 88 مادة من أصل 120 في سنةٍ ونصف، ولم يتم التوافق بين أعضائها إلا على 30 مادةٍ منها.

أمام فشل عمل اللجنة، اضطر أردوغان أن يحدد نهاية شهر آذار المقبل موعداً نهائيّاً لكتابة الدستور الجديد، وإلا فإن حزبه سيتوجه إلى الهيئة العامة للتصويت على مسودة دستورٍ خاص عمل على وضعه الحزب منذ عام 2007. هذه المسودة تحتاج لـ330 صوتاً على الأقل لطرحها على الاستفتاء العام، لا يملك منها الحزب الحاكم سوى 326 نائباً.

بسبب حاجته للمزيد من الأصوات البرلمانيّة، أصبح حزب “العدالة والتنمية” مضطراً للتفاوض مع الأحزاب الثلاثة الأخرى المؤلِفة للبرلمان التركي. لكنّ الحزبين الرئيسين في المعارضة، “الشعب الجمهوري” و”الحركة القوميّة”، يرفضان فكرة النظام الرئاسي من الأساس. أضف إلى رفض الأول المسّ بالمواد التي تؤكد علمانيّة الدولة، ورفض الثاني إعطاء الأكراد لأيٍ من حقوقهم.

ضاق مجال مناورة أردوغان. لم يعد أمامه من حل سوى التوجه إلى التفاهم مع كتلة حزب “السلام والديمقراطية” المؤلفة من نوابٍ أكراد. هذه الكتلة، الأصغر في البرلمان التركي، تملك 34 نائباً، ما يكفي لتمرير مسودة الدستور المقترحة إلى الاستفتاء العام.

هذا التفاهم المتوقع، سيفضي إلى موافقة حزب “السلام والديمقراطية” الكردي على مسودة الدستور الرئاسي المقترحة من الحزب الحاكم، مقابل إدخاله كشريك في المفاوضات التي تقودها الحكومة التركية مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، بالإضافة إلى تضمين الدستور الجديد حرية الأكراد باستعمال لغتهم، والتعبير عن ثقافتهم، والإقرار بتمايزهم الثقافي والإثني، وإعطائهم بعضاً من الاستقلاليّة في إدارة مناطقهم في جنوب شرق تركيا.

بعد طرحه على الاستفتاء العام، سيكون نجاح الدستور الجديد مرتبطاً بمدى تقبل الرأي العام التركي لتضمنه حلاً للمسألة الكردية. غير أن “مخاطرة” أردوغان بالتواصل مع حزب الأكراد المعارض، وتلبيّة رغباته، طمعاً بتأمين انتقال الدستور من أروقة البرلمان إلى صناديق الاقتراع، يبرز مدى جديته في حلّ المسألة الكردية من جهة، كما سعيه لإنقاذ مستقبله السياسي، وجعل الجمهورية التركية ذات نظام رئاسي يكون هو صاحب السلطة الأكبر فيه.

كان الأكراد، وخاصة القوميّون منهم، أعداء الحكم التركي الدائمين خلال القرن الماضي. أما اليوم، فتحولوا إلى عاملٍ أساسيّ قد يساهم في تغير شكل النظام السياسي التركي، كما لجسر عبور “لأردوغان”، ليتمكن من الاحتفال كرئيس جمهورية الدولة التركية، في الذكرى المئوية الأولى لتأسيسها عام 2023.

———————————–

يمكنكم الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

مقالات  أخرى عن تركيا:

أردوغان: ثلاثة أو أكثر

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته
الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفنيق والذئب الأغبر
 

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته

جو حمورة

مع إزاحة الجيش عن المشهد السياسي التركي العام، لم يعد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، ملزماً بالوقوف على رأيه عند محاولة تسوية المسألة الكردية.

منذ العام 2009، سعى أردوغان إلى حلّ النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، عبر محاولتين متتاليتين. الأولى، المعروفة باسم “الانفتاح الديمقراطي”، راحت ضحية عدم تحضير الرأي العام التركي لها. أما “محادثات أوسلو” السريّة، التي جرت عام 2011، بين الحكومة التركية و”حزب العمال الكردستاني”، استطاعت تأمين هدنة موقتة استفاد منها حزب “العدالة والتنمية” الحاكم انتخابيا، لتعود وتعلّق بعد فوزه في الانتخابات العامة، فينطلق النزاع العسكري بين الطرفين من جديد.

بدأت أوضاع الأكراد تتحسن في صيف 2012: الحكومة الإقليمية في كردستان تعتمد سياسات “استقلالية” عن حكومة بغداد المركزية. أما في سوريا، ففوضى النزاع العسكري فيها، أدت إلى إقامة منطقة، محكومة في بعض أجزائها من قبل “حزب الإتحاد الديمقراطي”، التابع للـPKK، كنتيجة لانسحاب الفرق العسكرية النظاميّة السورية منها.

عناصر القوة المستجدة هذه، جعلت من “حزب العمال” مستعداً للتفاوض مع تركيا، لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب الممكنة. ففي 28/12/2012 أعلن “أردوغان” عن إن الحكومة التركية بدأت محادثات مع رئيس “حزب العمال الكردستاني” المسجون في جزيرة “إيميرلي”، “عبدالله أوجلان”، في محاولة لوضع حدّ للنزاع المسلح مع حزبه. هذه المحادثات قادها رئيس جهاز الإستخبارات التركية “حقان فيدان”، وعرفت بـ “محادثات إيميرلي”.

هذا التطور ليس محصوراً فقط بسعي كردي، إنما برغبةٍ “أردوغانية” أيضاً. فتسوية مع الأكراد تؤمن له مصالحٍ جمّة، عبر جعل طريقه معبّداً للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية التركية عام 2014، بعد أن يتمّ إقرار دستورٍ جديد للبلاد يجعل النظام التركي رئاسياً.

مع تصاعد نفوذ “حزب العمال” في سوريا، بات بإمكان تركيا الاستفادة من نفوذها هناك، لإنتاج تسوية سياسية من دون المرور بالمظلة السورية. فالتسوية المتوقعة، تؤدي إلى تحجيم خطر الحزب للأمن التركي من جهة، كما فتح أبواب سوريا للمزيد من النفوذ التركي من جهة أخرى.

أولى تباشير المحادثات، جاءت من إعلان نائبين كرديين، بعد زيارتهما “لأوجلان” في سجنه، أن الأخير بات مقتنعاً أن الحل يجب أن يتم بالوسائل الديمقراطية.

هذا الاقتناع لم يرق لمعارضيه، فأتى الردّ بمقتل ثلاث ناشطات كرديات في باريس، بينهنّ عشيقة “أوجلان”. محاولة عرقلة المحادثات هذه، بددها كلام “أردوغان” مع وصول جثث الكرديات إلى تركيا، رافضاً “الرضوخ للضغوط والحوادث التي ممكن أن تعرقل اتفاق السلام”، كذلك ركزت الخُطب التي ألقيّت في مأتم الكرديات الثلاث في “دياربكر”، على الدعوة إلى السلام ولعن الحرب.

مقاتل من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل - شمال العراق

مقاتل من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل – شمال العراق

تزايد الثقة بين الطرفين، كما قرب التوصل إلى التسوية، لها مؤشراتها: عدّل “أردوغان” أربع حقائب وزارية: الداخلية، التعليم الوطني، الصحة، والثقافة والسياحة، فأخرج منها المتشددين لمصلحة المعتدلين، في حقائب لها دور مهم في تطبيق أي اتفاق مستقبلي مع الأكراد. كذلك أقر البرلمان التركي، حق الأكراد باستعمال لغتهم في المحاكم التركية.

سربت جريدة “طرف” بنود الاتفاق شبه النهائي، التي توصلت إليها المحادثات الثنائية. أما الحل المقترح فقائم على أربع مراحل: أولها، قيام “أوجلان” بإصدار بيان يتضمن تصوره لحلٍ ديمقراطي، يتخلى فيه عن مطلب الحكم الذاتي، ويعلن وقفاً للاعتداءات على الدولة التركية. أما الثانية، فتتضمن إجراء تعديلٍ دستوري يعيد تعريف الإرهاب في الدستور التركي، ليُسمح بالافراج عن مئات الأكراد من السجون، يليها سحب الحزب 4000 آلاف مقاتل له إلى خارج الحدود.

إجراء جولة جديدة من المحادثات لتسليم سلاح الحزب، مقابل وضع دستورٍ جديدٍ يلغي التمييز بين الأتراك والأكراد، كما القيود حول تعلم اللّغة الكردية، ويعطي صلاحيات أوسع للإدارات المحليّة، هي بنود المرحلة الثالثة. أما رابعها، فعنوانها إلقاء الحزب لسلاحه شمال العراق. لذا، ستطلق محادثات جانبيّة بين ممثلي الحزب في شمال العراق، والحكومة التركية، في مدينة “إربيل”، بعدما تم استبعاد مدينة “السليمانية” خوفاً من التأثير الإيراني على المحادثات هناك. هذه المحادثات إن أفضت إلى اتفاق، يُبدأ بتنفيذه بعد تطبيق المراحل السابقة.

لأن غالبية أكراد العالم موجودون في تركيا، كذلك قياداتهم السياسية الفاعلة التي تملك فروعاً في الدول المحيطة، فإن التسوية معهم، ستحول المسألة الكردية من أزمة تركية دائمة، إلى نفوذ خارجي لها في دول الجوار.

خلال 28 سنة من النزاع الدامي، فشلت العديد من المحادثات السابقة. أما “محادثات إيميرلي”، فتبدو خلافاً لسابقاتها، مثمرة أكثر، ويُتلمس حوادث فعليّة تؤكد قرب توصلها إلى حلٍ جديّ للمسألة الكردية في شقها التركي. أما توقيتها، المتوافق مع سعي “أردوغان” للاستفادة سياسياً من حلٍ سلمي للمسألة الكردية، يتناسب زمنياً مع ظرفٍ أمني على حدود تركيا الجنوبيّة يُخشى من توسعه. فتوقيت المحادثات هو سرّها الفعلي، ومفتاح نجاحها المنشود، ورغم العرقلة الخارجية المتوقعة من فرع حزب العمال الموالي لإيران، إلا أن لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها.

————————————
يمكنكم الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

“مشروع اللقاء الارثوذكسي” لقانون الانتخابات النيابية في لبنان، دراسة قانونية في مدى دستوريته

نديم يوسف البستاني

انها الأيام السوداء ، ما أكربها ! يخيم على الألباب ادعاء ظاهري بالانفتاح ويتفشى تعام مقصود عن التصارح. أما النفوس فتسودها المحاولات الجوفاء لارساء المجاملة الخادعة بدلا من التصالح الصادق مع الذات.
بتكبيل الفكر النير و اسقاط العقلنة و تغييب النوايا الحسنة و طمس القاعدة المبدئية المعترفة بالحرية ، أي شعب و أي عقد اجتماعي و أي دستور وأي دولة تبقى؟

إنه لون جلدتنا ، أن نكون تعددين في لبنان . فلا يحاولنّ أحد أن يزرع فينا عنصرية خبيثة ضد جلدتنا، فالتعددية ليست مقيتة بل انها نعمة سامية جلل … “فليحل السلام إذن، ناشدتكم الله! و لتعش مختلف أديان البشر جنبا الى جنب…متحملا بعضها بعضا. لا ينبغي أن يسود شيء على هذه البسيطة في غياب نقيضه: لا ينبغي لأية قوة أن تقضي على القوة الأخرى. فانسجام البشرية انما ينجم عن بثها الحر لأشد الأنغام نشازا… لوكريس و القديسة تريزا، ارسطوفانوس و سقراط، فولتير و القديس فرانسوا داشيز، رفاييل و فنسان دو بول، يتساوون جميعا في حقهم في الوجود. و البشرية تنتقص وجودها إذا فقدت عنصرا واحدا من عناصر تركيبها…”[1]voted

ان لبنان طوال تاريخه كان دولة الطوائف و سيظل على هذه الحال الى أن تزول المبررات الاجتماعية التي دفعت بالمكونات البشرية في هذه النقطة من الشرق كيما تحافظ على وجودها الحر و الفاعل أن تتجه نحو الخصوصية الحياتية و السياسية . فقامت الدولة على أساس تعددية المجتمعات المكونة للشعب الواحد. فالشعب، المكون الاول من مكونات الدولة، هو مفهوم قانوني يقاس عبر معيار الجنسية التي تربط الدولة بمواطنيها  و تثبت انتماءهم لها [2].
و هو (الشعب ) ليس من الضروري أن يتكون بشكل تراكمي بسيط على أساس وحدة الفرد، بل يمكن في كثير من الحالات أن تحصل عملية تكوين شعب الدولة الواحدة بشكل تجمعي مركب على أساس الوحدة المجتمعية ، كما هي الحال في لبنان. [3].

و قد مرت علاقة الطوائف ببعضها بتقلبات مختلفة و بتواصلات جدلية متفاعلة عبر تطور التاريخ منذ عهد الامارة حيث لم يكن وجود للبنان بمفهومه كدولة لا من قريب و لا من بعيد، و حتى أن الامارة لم تكن مربوطة بتسمية لبنان بل كانت تعرف بالامارة الدرزية  و مركزها جبل الدروز [4]. فكان الطابع الطائفي هو الدافع الأكثر زخما للحراك السياسي الوطني ناقلا اياه من حالة الركود الاقطاعي نحو حالة بروز الدولة اللبنانية . و لكن الصدمات و القتال و الويلات و الحروب كانت تقع في كل مرة اندفعت العملية السياسية بشكل تجاوزي متخطية قاعدة احترام التعددية و الخصوصيات المجتمعية. بحيث أنه بدأت أركان الامارة تهتز بعدما أطاح الأمير بشير الشهابي الثاني الكبير المعتنق للمذهب الماروني بالأمير بشير جنبلاط أكبر أعيان الدروز ، و قد أتبع أمير الجبل خطوته تلك بمحاولة فرض مركزية شديدة حاصرا كافة الصلاحيات التي كانت تتوزعها الطوائف عبر أعيانها ، جامعا اياها بيده متحكما وحده بفرض الضرائب و سفر برلك و ضبط التسلح [4-5] .

و اكتمل المشهد المتزعزع بنفي الأمير بشير الثاني ثم تبعه نفي الأمير بشير الثالث أخر أمراء آل شهاب المتنصرين عام 1842 ، مما ترك حسرة في نفوس الموارنة لتراجع دورهم في الحكم الذاتي على مناطقهم امام اعادة هيمنة السلطنة العثمانية من جديد على شؤونهم مع ما ترافق من تقلب في الوضعية الدرزية بين موالاة السلطنة و مناهضتها في ظل الهدف لتعزيز مكانتهم في الحكم و اعادة نفوذهم الى سابق عهده على حساب الموارنة . الى أن أعقبه في العام 1843 حلا للنزاع على أساس نظام القائمقاميتين حسب ما أوعز به رئس وزراء النمسا الفيلسوف ميترنيخ و الذي أبدى منذ ذلك الحين ملاحظاته حول الوضع اللبناني التي صبت باتجاه النظام الفدرالي بين الطوائف ليكون أساس الحل لصيغة الحكم في جبل لبنان. و بصدد التقاتل و القلاقل الطائفية المتزايدة طرح شكيب أفندي وزير خارجية السلطنة العثمانية في العام 1845 اصلاحاته للوضع القائم عبر انشاء مجلس ادارة مكون عن ممثلين من الطوائف التأسيسية في كل من القائمقاميتين ليعاون القائمقام في شؤون حكم كل من منطقتي جبل لبنان الذي تكرس بهذه الوضعية للمرة الأولى في تاريخه بكيان سياسي سيكون النواة لتأسيس دولة لبنان فيما يلي [7].

و لكن هذه التركيبة المتمثلة بنظام القائمقاميتين أبقت النار تحت الرماد لأنها لم تراعي قيام فدرالية حقيقية على أساس المجتمعات الطائفية ، انما كانت مجرد قسمة جغرافية بين منطقتين يفصل بينهما طريق الشام دون مراعاة لانتشار المسيحيين في القائمقامية الدرزية أو غيرها من المجموعات البشرية ذات الخصوصية و توجب اقران صيغة السلطة بهذا التواجد المجتمعي [8].

و ظل الوضع الهش مستمرا حتى أن حلت الضربة التي فقأت الدملة، ببروز طانيوس شاهين الذي قاد ثورة الفلاحين الموارنة ضد إقرأ المزيد