الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -4-

جو حمورة

القسم الأول من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا، والقسم الثاني هـنـا، والقسم الثالث هنــا

قد يظن العديد منّا أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

13932702_1583668715268933_8727891160820242793_n

رسم بريشة جريج بو هارون

تجنب إسلام بيروت، مسيحية دير القمر ودروز عاليه (نصيحة مناطقية – طائفية يتداولها اللبنانيون)

بين عفاريت الإسلام والمسيحية بيطلعلك ملاك درزي (مثل يقوله الدروز عن أفضالهم وتميّزاً عن بقية الأديان)

متل مأذن حمص: بيدعي الناس على الصلا وهوي بروح على شغلو (مثل عن إستغلال رجال الدين للناس، كما يرمز المثل إلى عدم الدقة في المواعيد)

متل اليهود لا دنيا ولا آخرة (مثل يُبرز عنصرية تجاه اليهود بأنهم سيئون في حياتهم وفي مماتهم)

متل الخوارنة: أب هات، مش أب خود (ترمز إلى رجل الدين المسيحي الذي يأخذ المال من الناس ولا يعطيهم)

متل خوري الروم.. بيفوت من باب بيطلع من باب (في الكنيسة الأرثوذكسية يكون المذبح عادة فخم وفيه عدة مداخل، ويرمز هذا المثل إلى الفوضى)

صوم وصلي بتركبك القلة ورزقك بِـ ولّي (من يمارس فرائضه الدينية يصبح فقيراً)

ما إلك قائمة تقوم إلا بعد مستقرضات الروم (مثل يقال عن طائفة الروم الأرثوذكس)

تنبل الإسلام درويش، وتنبل النصارى قشيش (المسلم إن كان بليداً “يتدروش” ويصبح شحاداً، بينما المسيحي فيعمل في أي شي، وحتى في “تقشيش” كراسي الخيزران ولا يقبل أن يكون شحاداً)

عبَر السبت بـ طيز اليهودي (تقال للشخص الذي لا يوفّق في شيء ما)

كيد الرهبان غلب كيد النسوان (تُقال للرهبان وكيفية تنافسهم مع بعضهم البعض على السلطة)

النسك بين السيقان، ومش عَ راس جبل بين أربع حيطان (القداسة الحقيقية هي قرب الخطيئة وفي التجربة، وليس في المكان الآمن والبعيد عن الخطيئة)

***

الأمثال إذاً، جزء من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

إقرأ أيضاً:

كاريكاتير عربي إيراني عن تركيا.. “يا فرحة ما تمت”

مريم نور تركيا.. حالة “جنان”

داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين

إزدهار السينما التركية.. الانقلاب نعمة فنية

جو حمورة

reis-movie-1

باتت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا، فرصة للمنتجين السينمائيين لتقديم أعمال سينمائية، وتحوّل الحدث السياسي إلى نعمة فنية تملأ جعبهم بالأموال وأوقاتهم بالعمل. كما فتحت شهية شركات الإنتاج التي واظبت على تقديم الدراما في وقت سابق، للتوجه سريعاً إلى إنتاج أفلام قصيرة عن حياة بعض الأفراد الذين لقوا حتفهم خلال المحاولة الانقلابية، فيما راح آخرون يحضّرون للعمل على فيلم عن الإنقلاب.

“اتحاد أوراسيا الإعلامي” يعمل حالياً على تصوير فيلم “المحاولة”، وذلك من أجل “تحقيق فهم صحيح حول ما شهدته تركيا ليلة 15 تموز، وللفت الأنظار إلى وحدة الشعب التركي في تلك الليلة التي وقعت فيها محاولة انقلابية فاشلة”، بحسب ما قال رئيس الاتحاد، خالد ضيا ألب تكين. كما أعلن منتجو مسلسل “وادي الذئاب” أنهم سيعدّون فيلماً يتناول محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا، وذلك “تلبية للطلب الجماهيري الكبير”.

فالسينمائيون، من منتجين ومخرجين وممثلين وشركات، كانوا منذ بضع سنوات مقربين من السلطة السياسية، ورفضوا في الأسابيع الماضية، المحاولة الانقلابية، فردياً أو من خلال نقاباتهم، واصطفوا إلى جانب الشرعية ضد الانقلابيين. كما شاركوا بقوة وبشكل متميّز في المظاهرات الداعمة للحكومة بعد 15 تموز، وإتخذوا مكاناً لهم على منصات المهرجانات المحلية في ساحات المدن للدفاع عن السلطة ومعارضة محاولة الانقلاب.

وتأتي تلك الجهود في ظل ازدهار السينما التركية والتنوّع في انتاجها، إذ تواكب المتغيّرات التي تمر بها البلاد وتستغل الأحداث السياسية من أجل تقديم المزيد من الإفلام إلى الجمهور.

وعلى الرغم من إزدياد قدرة القطاع السينمائي على تقديم المزيد كمّاً ونوعاً وحصده للجوائز بشكل دائم، إلا أنه يبقى مقرّباً جداً من الحكومة التركية التي تستخدمه تارة في الترويج لنفسها داخلياً وتارة في الخارج. غير أن التحالف بين السلطة السياسية من جهة وشركات إنتاج الأفلام من جهة أخرى لا يمنع من استفادة وتألق هذخ الأخيرة، كما ازدياد قدرتها على التأثير في الجمهور المحلي والعالمي.

ولا تغيب الأفلام السياسية التي تؤرّخ لحياة أفراد كان لهم تأثير في الشأن العام عن العرض في دور السينما، وكان آخرها إنتاج فيلم يؤرخ لحياة رئيس تركيا الحالي رجب طيب أردوغان. ويتطرق هذا الفيلم الذي يحمل عنوان “الريّس” إلى طفولة أردوغان وشبابه ونضاله الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى فترة دخوله السجن وخروجه منه عام 1999.

وعلى الرغم من اعتبار منتج الفيلم علي آفجي أن إنتاجه “لا يروّج لشخص ولا هو متحيّز”، إلا أن الكثير من النقّاد والمعارضين يجدون صعوبة في تصديق كلامه ويؤكدون على عكسه. وينتظرون تاريخ عرض الفيلم في 14 تشرين الأول القادم للتأكيد على آرائهم.

وحتى ذلك الوقت، تشارك السينما التركية في 11 فيلماً في “مهرجان مونتريال الدولي للأفلام”. هذا الرقم الكبير لصناعة الأفلام التركية تُعطي فكرة عن تطور هذا القطاع كمّاً ونوعاً. فمنذ سنوات قليلة، كانت السينما التركية متواضعة الإنتاج وتركّز في الغالب على أفلام موجّهة للجمهور المحلي، إلا أن الأمور تغيّرت خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل جذري، حيث باتت ميزانية صناعة الأفلام التركية توازي المليار دولار سنوياً.

تنتج “يشيل تشام”، أو هوليوود تركيا، مئات الأفلام كل عام، وتتوزع بين الكوميدي والرومانسي والاجتماعي. في حين برزت، خلال السنوات القليلة الماضية، الأفلام السياسية ذات الإنتاج الضخم، والتي بات لها جمهورها الخاص الذي يوازي بحجمه جمهور الأفلام الأخرى.

فمن فيلم “رجل حر” (2011) الذي يؤرخ لحياة سعيد النورسي (متصوّف ساهم في حرب الإستقلال)، مروراً بفيلم “فاتح 1453″ (2012) الذي يعالج موضوع دخول العثمانيين إلى القسطنطينية، وصولاً إلى “المكتوب الأخير” (2015) الذي تجري أحداثه خلال الحرب العالمية الأولى. تحصد هذه الأفلام السياسية الثناء في الداخل، كما الشهرة والجوائز في الخارج.

وبسبب كثرة تردده، بات خبر حصد بعض هذه الأفلام لجوائز على المستوى العالمي خبراً عادياً بالنسبة للأتراك. إذ لا يمر مهرجان عالمي للسينما ولا يكون لـ”يشيل تشام” حضور فيه، خصوصاً أن صناعة الأفلام التركية باتت، من حيث الحجم، في المركز الثالث عالمياً، بعد الولايات المتحدة الأميركية والهند، وذلك بحسب السفير التركي في كندا سلجوق أونال.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني

يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي

جو حمورة

1471341314_

صدر عن مركز “فينيكس للدراسات اللبنانية” في جامعة الروح القدس – الكسليك كتاب جديد بعنوان “يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي“.

يقع الكتاب في 192 صفحة، ويتضمن مقدمة عن يوسف السّودا يليها تقديم عن حياته ومنشوراته، ثم فصلان يتناولان أفكاره القومية التي صبغت فكر جيل كامل من اللبنانيين الذين كان لهم الدور الأبرز في حياة لبنان السياسية والفكرية بعد الاستقلال.

هو المناضل والشاعر والسياسي والدبلوماسي والأكاديمي والمفكر الذي عمل على تحقيق استقلال لبنان وسيادته، وبث الروح الوطنية بين اللبنانيين. اهتم السّودا بالتاريخ اللبناني، وألف الكتب، وتميّز بقدرته على الخطابة وتأليف الشعر. كما لعب دوراً سياسياً بارزاً منذ ما قبل قيام دولة لبنان الكبير إلى حين وفاته عام 1969، ومثل لبنان دبلوماسياً في البرازيل ودولة الفاتيكان.

تقديراً واحتراماً لهذا الوطني الكبير من بلادنا، نشر مركز فينيكس للدراسات اللبنانية هذا الكتاب الذي يحتوي بين دفتيه بعضاً من كتابات وأفكار وأشعار ومشاريع يوسف السّودا. وهي، جميعها، مستقاة من أرشيفه الخاص المودع في جامعة الروح القدس – الكلسليك، والتي تضيء على حقيقة أفكار السّودا الوطنية، وآماله ونضاله في سبيل لبنان واستقلاله.

الكتاب متوفر في: 

Librairie Antoine

Virgin

Université Saint-Esprit de Kaslik – USEK

الأكراد.. “جيش الغرب” في سوريا

جو حمورة

14068240_1188464987861983_8611949303393463814_n

ترافق فقدان نظام “بشار الأسد” السيطرة على شمال سوريا مع تقدم سريع قاده حزب “الاتحاد الديمقراطي” والميليشيات التابعة له في تلك البقعة من الأرض. إلا أن النظام السوري لا يزال بعد سنوات الحرب الطويلة يحافظ على نقطتين فقط شمال سوريا. الأولى، في واحدة من أحياء مدينة القامشلي. والثانية، في بضعة أحياء من مدينة الحسكة. وتؤمن هاتان النقطتان إمكانية للنظام لرصد التحركات التركية العسكرية على المقلب الآخر من الحدود، كما يستفيد منها كأداة للضغط على الأكراد وكبح جماحهم الإستقلالي، إلا أن ذلك لم يمنع “الاتحاد الديمقراطي” ومن يدور في فلكه من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الحرب وظروفها.

منذ البداية، وقف الأكراد على مسافة من طرفي النزاع السوري. لم يتطرفوا في نضالهم الثوري إلى جانب المعارضة، كما لم يأخذوا مكاناً ثابتاً لهم في صف المدافعين عن النظام. إنما آثروا الدفاع عن قوميتهم الكردية أولاً، والاستفادة قدر الإمكان من الحرب وما تخلقه من متغيرات ديمغرافية وعسكرية، وما تتيحه من فرص في تحقيق كيان مستقل لهم.

هذ الموقف المتوازن والبراغماتي لأكراد سوريا لم يبقَ جامداً دون مبادرة أو حركة، إنما أخذوا ما قدمته المعارك والظروف بشكل عقلاني، ومارسوا تبعاً لكل حدث سياسة مختلفة عن الأخرى. فشاركوا مثلاً في قمع الثورة السورية في بدايتها، وخاصة في قمع الأكراد المشاركين فيها واغتيال بعضهم. ثم قاموا بالاشتباك مع قوات النظام لمرات عديدة في أحياء حلب، والقامشلي والحسكة وغيرها.

بنى الأكراد من خلال هذه المعارك الأرضية الصلبة التي أتاحت لهم تحقيق الإنتصارات لاحقاً. إذ أن قمع الأكراد الموالون للثورة السورية مهد المجتمع الكردي للقبول بسلطة حزب “الاتحاد الديمقراطي” دون منازع. في حين ساهمت الاشتباكات مع الجيش السوري في تراجع الوجود العسكري للنظام من مناطق الكثافة الكردية، فتحرروا في إدارتها وتنظيمها. كما حافظوا، طوال فترة الحرب، على شبه سلام مع جارتهم التركية، فلم يطلقوا رصاصة ضدها على الرغم من تعرضهم منذ العام 2014 إلى اليوم لتحرشات دائمة من الجانب التركي.

قابل نجاح الأكراد عسكرياً فشل سياسي، إذ لم تتم دعوتهم ولو لمرة واحدة إلى المؤتمرات الدولية الكثيرة المعنية بحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من الإصرار الروسي على إشراكهم في مؤتمر “جنيف 2” مثلاً، إلا أن الفيتو التركي والعربي لم يتح للأكراد التعبير عن نظرتهم للحل في سوريا، أو عن مطلبهم بإقامة نظام سياسي جديد يتأرجح، حسب الظروف والمعطيات، بين النظام اللامركزي والنظام الفدرالي على نمط إقليم كردستان شمال العراق. فكان الرفض الدولي لإشراكهم بالحل السياسي فرصة ذهبية للإعلان عن قيام “إدارة ذاتية” لحكم وإدارة المناطق التابعة لسيطرة حزب “الاتحاد الديمقراطي” وقوته الأساسية “وحدات حماية الشعب”.

مع ظهور “الدولة الإسلامية” بات المعركة بينها وبين الأكراد حتمية، خصوصاً وأن الطرفان يتجاوران السيطرة على شمال وشمال – شرق سوريا، فكانت معركة كوباني الشهيرة التي انتهت لصالح الأكراد بداية العام 2015. ومثلت هذه المعركة الإختبار الحاسم للقدرة الكردية على الصمود في وجه “الدولة الإسلامية”، وذلك في وقت كان الجميع يتقهقر أمام تقدم جنود “أبو بكر البغدادي”. وإنتهى الأمر بأن تحوّل الأكراد إلى “جيش الغرب” بعد نجاحهم في حسم العديد من المعارك ضد “الدولة الإسلامية”، فتتالت من حينها المساعدات الأميركية والروسية عليهم.

وتشكل القوات الكردية استثناءاً ملفتاً في الحرب السورية. فعدى كونها خارجة عن اصطفاف المعارضة – النظام، ينعم الأكراد بالدعم السياسي الروسي كما بالدعم العسكري الأميركي. ففي وقت تقوم روسيا بضمان مطالبهم القومية وتقديم حقوقهم في المحافل الدولية وافتتاح مكاتب تمثيلية لهم في موسكو، تعمد أميركا إلى تقديم الأسلحة لهم، وإرسال قوات خاصة لتدريبهم، كما تغطية معاركهم جوياً إن كانت ضد “الدولة الإسلامية”.

مؤخراً، ومع التقارب التركي – الروسي، وزيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أنقرة، شهدت هذه الأخيرة بضعة تغيرات في سياستها تجاه سوريا. فقدمت مبادرة على لسان رئيس حكومتها، بن علي يلدريم، تُبقي “الأسد” مؤقتاً في الحكم خلال مرحلة إنتقالية، كما أبدت قبولها دراسة نشر قوات دولية على حدودها الجنوبية. وفي الوقت عينه، لم تعنِ هذه الزيارات للقوات الكردية شيئاً، بل قامت بالسيطرة على مدينة منبج شمال حلب بعد أن طردت قوات “الدولة الإسلامية” منها، كما تبع ذلك تقدم في اتجاه منطقة العريمة، تحضيراً للهجوم على مدينة الباب.

وتعمل “وحدات حماية الشعب” الكردية بأسلوب متقن خلال المعارك. فعدى “استخدامها” بعض العرب والسريان في القتال إلى جانبها، تنسق تحركاتها مع قوات التحالف الدولي وتستفيد من تغطيته الجوية ليتقدموا على الأرض. كما تقوم “الوحدات” بإنشاء مجلس خاص لكل مدينة قبل الدخول إليها، تكون الغاية منه القبض الفوري على السلطة في المنطق المحررة من “الدولة الإسلامية” وإدارتها بشكل جيد.

لم يُعجب النظام السوري بتقدم الأكراد السريع في منبج ومحيطها، لذا فضل فتح جبهة ضد “وحدات حماية الشعب” في الحسكة حيث لا يزال يسيطر على بضعة أحياء فيها. وقامت قوات “الأسد” بالهجوم على حواجز “الأسايش” (الشرطة الكردية) بشكل مفاجئ، ثم تلاها اشتباكات كثيفة بين الطرفان. كما قامت مدفعية النظام بقصف مواقع الأكراد بقوة، بالإضافة إلى استعمال الطيران لأول مرة في المدينة.

هذا في الميدان أما في السياسة فيمكن قراءة فتح جبهة مع الأكراد كرد جميل للموقف التركي المهادن مع النظام السوري. إذ أن سيطرة الأكراد على مناطق إضافية شمال سوريا يشكل خطراً على الأمن القومي التركي، كما يجعل من الفدرالية ضرورة عند حل الأزمة السورية تبعاً لسيطرة الأكراد على مناطق شاسعة ومترابطة. ولم يُخطئ ربما زعيم حزب “الاتحاد الديموقراطي” صالح مسلم عندما اعتبر على أثر الإشتباكات بالحسكة أن “ما يقوم به النظام هو شهادة حسن سلوك الى تركيا، خصوصاً بعد التحرك الإيراني الأخير باتجاه أنقرة”. كما أكد أن “النظام السوري سينتهي عاجلاً أم آجلاً وسيظهر مكانه نظام جديد تعددي لامركزي ديموقراطي بعيد عن ذهنية البعث”.

مع اشتباك جيش “الأسد” مع “الوحدات”، تقدم دمشق نفسها كقوة لها وظيفة تأمين مصالح أنقرة القومية عبر قتل الأحلام الكردية في التوسع والسيطرة وإنشاء إقليم فدرالي مستقل. كما تقدم نفسها كحامية للحدود التركية بعدما نجحت منذ زمن بعيد بتقديم نفسها لإسرائيل كحامية لحدودها من أي طامح للهجوم عليها. وبذلك يستمر النظام في الوجود ليس بسبب قدرته على الحسم أو بسبب شرعيته الشعبية، إنما بسبب قدرته على تقديم نفسه كضمانة للقوى الإقليمية، وخوض معارك محددة تُبقي على دوره الوظيفي في حماية جيرانه من نيران الفوضى، وإن كانت معظم معاركه هذه خاسرة في الميدان.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1574.