الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفينيق والذئب الأغبر


جو حمورة

كل الشعوب تقريباً، نشأت وترعرعت على أسطورةٍ ما، تعبّر عن معاني وجودها واستمراريتها على أرض معينة، وإن كان للعديد من الشعوب عدة أساطير تعتبر مؤسسة لها إلا أن معظم هذه الشعوب نسيت تفاصيل الأساطير الرمزية مكتفية بذكر تفصيل منها وإعطاءه كمثل لا أكثر، وذلك تبعاً لمدى قدرة الحركات المؤمنة بالفكر القومي في كل شعب على بث تفاصيل هذه الأساطير يوم كانت الحركات القومية رائجة في القرن الماضي، فمثلاً لولا الحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب الكتائب اللبنانية وحزب حراس الأرز وغولاتها كـ سعيد عقل ومي المر، كما بعض الكتابات الأخرى للأشخاص المهتمين برمزية الأساطير لكانت معظم الناس قد نسيت فكرة الأسطورة في لبنان.

للبنانيين أساطير عدة يشيرون إليها عند الحديث عن ذاتهم كشعب، كأسطورة أدونيس وعشتروت على نبع أفقا وأسطورة طائر الفينيق المنبعث من الرماد، إلا أن أسطورة طائر الفينيق تعتبر ذات مغزى سياسي أكثر نسمعها على لسان كل لبناني تبقى له بعض الأمل في لبنان وشعبه، بينما لأسطورة أدونيس وعشتروت رمزيتها في الحب والموت والعشق. الأتراك مثلاً يملكون أسطورتان هما أسطورة “الذئب الأغبر” و أسطورة “أرغاناكون” اللتان تعتبران الأسطورتان المؤسستان للشعب التركي، فما هي هذه الأساطير وما دلالاتها ؟

phoenix - طائر الفينيق

phoenix – طائر الفينيق

تتعدد تفاصيل وصيغ أسطورة طائر الفينيق، إلا أن الثابت منها هو أنه لَم يكن في العالم سوى طائر فينيقٍ واحد، وكان يسكن الْجنة، وهي أرض جمال لا توصف، وهي الرابضة خلف الأُفُق البعيد الذي منه تشرق الشمس بهدوء. بعد ألف سنة، أصبح الطائر يرزح تَحت وطأة عمره الطويل، وقد دانت ساعة موته. ولأن في العالَم الأرضي موتاً على عكس الجنة التي أكتسب منها المقدرات السماوية والحكمة، شقّ طريقه إلى الأرض، فقطع البحار والجبال والسهول، حتى استوقفته رائحة اللبان والبخور الصنوبري المنبعثة من جبال لبنان، فبنا عشَّه على أعلى شجرة أرز من اللبان والمر والعنبر.

وعند الصباح، عندما لاحت خيوط الشمس، شاهد شروقا لم يبصر له نظيرًا في جماله خلال جميع أسفاره، فبدأ ينشد الأغاني السماوية بصوته العذب الملائكي. وعندما سمعه إله الشمس، خرج إليه وهو على عربته التي تجرها أربعة أحصنة نارية ليشكره، وأراد أيضًا، عند طلبه، أن يريه آلام الناس وعذاباتهم. نقل إله الشمس لطائر الفينيق صورة حية وحسية عن الحياة الأرضية. بدأ الطائر الألفي في الصراخ من الغضب والألم لما أحس به من عذاب وظلم بين الشعوب، وبدأ يضرب بجناحيه داخل العش. أجفلت الأحصنة، وضربت بحوافرها الأرض بقوة، فطارت شرارات نارية إلى العش كانت كافية لإحراق الفينيق في داخله. لم يغادر طائر الفينيق عشه، فاحترق باختياره، مشاركا الشعب في آلامه وعذاباته، وتحوَل إلى رماد. لكن لم تكن هذه نهاية الفينيق، بل البداية. خرجت بيضة من تحت الرماد وفي اليوم الأول كبرت وفي الثاني خرج منها جناحان، وفي اليوم الثالث عاد الفينيق حيا. حمل الطائر عشَّه البخوري، وطار به إلى مدينة الشمس بعل-بت (بعلبك)، وقدَمه على مذبح الإله ليضعه قرباناً في معبد الشمس، بانتظار أن يأتي زمن موته الجديد، فيحترق ليولَد من رماده طائر فينيقٍ جديد.

أما الأساطير المؤسسة للشعب التركي فهي إثنان، الأولى والأساسية تدعى “bozkurt destanı” أي ” ملحمة الذئب الأغبر” وهي المؤسسة للأسطورة الثانية التي تدعى “Ergenekon” والتي أتت تتمة للأسطورة الأولى.

تقول أسطورة Bozkurt Destanı أن أجداد الشعب التركي الأوائل كانوا يسكنون على الضفة الغربية من بحر الغرب، فهجم عليهم جيش من دولة تدعى “لين” وقاموا بقتل جميع الأتراك ما عدا صبي في العاشرة من العمر الذي وجده جنود دولة “لين” لكنهم لم يقوموا بقتله، بل أرادوا أن يذيقوا ذلك التركي الأخير أبشع أنواع العذاب قبل أن يموت، فقاموا بتقطيع ذراعيه وساقيه ورموه في أحد المستنقعات. بعد فترة وجدت ذئبة ذلك الفتى وحملته بأنيابها إلى أحد المغاور في جبال “الآلتاي” حيث البرد القارص والمرتفعات العالية التي يصعب الوصول إليها، كان هنالك سهل فسيح داخل تلك المغارة الممتلئة تماماً بالأعشاب والمراعي، لكن حدودها الأربعة كانت موصدة بجبالٍ شاهقة منيعة يصعب تجاوزها، وهناك وفي تلك المغارة بدأت الذئبة بلعق جروح الفتى وعلاجه، وبدأت ترضعه من حليبها وتصطاد له الحيوانات ليتغذى على لحمها. بعدما كبر الفتى، ودخل سن البلوغ، تزوج التركي الأخير من الذئبة، وأنجب هذا الزواج له عشرة أبناء، كبروا وبدؤوا ببناء العلاقات مع الخارج وتزوجوا من النساء، وبدء الأتراك بالتكاثر والانتشار، وبعد أن كثر عددهم أسسوا جيشاً هاجم دولة “لين” وقضوا عليها تماماً آخذين بذلك ثأر لأجدادهم، ثم  أسسوا دولتهم من جديد، وقاموا بالسيطرة على من يجاورهم من دون أن ينسوا فضل تلك الذئبة على استمرار وجودهم.

الذئب الأغبر يرشد الأتراك في معاركهم

الذئب الأغبر يرشد الأتراك في معاركهم

أما  “Ergenekon” فهي اسم الوادي الأسطوري في وسط آسيا، الموطن الأصلي للأتراك. تقول الأسطورة إن الصينيين حين هاجموا القبائل التركية أثناء وجودها في وسط آسيا، فإنهم سحقوهم وقضوا عليهم، بحيث لم يبق من الأتراك إلا عدد قليل من الناس، فاحتموا بواد عميق يدعى “أرغانكون”، وقاموا بتذويب كل الحديد من أسلحتهم ليصنعوا باباً حديدياً يحمي مكان تواجدهم، وهناك ظلوا مختفين ومتحصنين لأربعة قرون، فتكاثروا حتى ضاق بهم المكان، ولم يعرفوا كيف يخرجوا منه لأن كل الجيل القديم كان قد توفي، فقام أحد الحدادين الأشداء منهم بتذويب صخور الجبال من حولهم ليسمح لذئبٍ أغبر يدعى Börteçine أن يدلهم على طريق الخروج، ومن ثم أتيح لهم أن ينفتحوا على العالم ويخوضوا حروبهم مع القبائل والشعوب الأخرى وينتصروا فيها ويقيموا دولتهم الكبرى.

من هذه الأساطير يمكننا المقارنة وإستخلاص التالي:

– إن قول الأسطورة بتميز طائر الفينيق واعتباره الوحيد في هذه الدنيا، يشبه نظرة معظم اللبنانيين إلى أنفسهم، نظرة المؤمنين بالفرادة والتمايز والعبقرية اللبنانية، هذه العبقرية التي لم تنتج شيء حتى اليوم سوى صحون الحمص وعصير الليمون. كذلك إدعاء سكن الفينيق الجنة وأجمل الأماكن الطبيعية، والمقصود فيها لبنان، يشبه تماماً تغزل اللبنانيين المكرر بأرزهم وجبالهم ووديانهم وجمالها، مع إن حوض البحر الأبيض المتوسط مليء بالأماكن التي تشبه طبيعة الأرض اللبنانية، فأين الفرادة في شجرة الأرز، أو ما تبقى من شجيرات الأرز في لبنان، في حين يوجد في المغرب مثلاً غابة أرز تساوي نصف مساحة لبنان !

– الأساطير التركية تركز على الشعب والجماعة وعن نضالها. بينما الأسطورة اللبنانية تركز على الفرد، ففي أسطورة الفينيق لا يُذكر الشعب أو الأفراد سوى بفكرة معاناتهم، ورضوخهم الجبان لهذه المعاناة، بينما الشعب التركي في أساطيره هو شعب مناضل مقاوم ومتضامن يؤمن بعمل الجماعة لا الفرد.

– تنتهي الأسطورة اللبنانية بالموت والحياة من جديد، في سلسلة متكررة من الموت الذي لا ينتهي، في إيمان بلعبة قدرية تدخل فيها الآلهة حيث يموت الطائر المخلص، يليها بعض الأمل ليعود ويموت من جديد، شعب يتنقل بين الموت المقدر والموت المحتوم في لحظات سلام تتجه إلى نهاية حتمية. بينما أساطير الشعب التركي فلا حتمية ولا قدرية لديه ولا تسليم بمشيئة أحد سوى بقدرة الأتراك أنفسهم، فالشعب، أو من تبقى منه، هو الذي يصنع مستقبله بمساعدة من الآخر (الذئب الأغبر، الذئبة)، على عكس الأسطورة اللبنانية المسلمة قدرها بشكل كامل من دون أي إرادة.

– تنتهي الأسطورتان التركيتان بتحقيق بناء دولة عظمى تحفظ الشعب التركي من أعداءه، بينما الأسطورة اللبنانية لا هدف عملي لها، ونتيجتها حياة جديدة مؤقتة منتظرة الموت المؤكد.

– معظم اللبنانيين اليوم لا هدف لهم سوى البقاء أحياء وما عاد هدف بناء دولة أو مجتمع عظيم بالأمر المهم لديهم، فكلمة “اللبناني ينبعث من الرماد كطائر الفينيق” لخير دليل أنه موجود في الرماد أصلاً، ينتظر فرصة لينبعث من جديد، ولكن للمفارقة أن هذا القول بقي على لسان اللبنانيين دوماً، بمعنى أنهم لا يلبثوا أن يخرجوا من رماد الحريق الملتهب في بلادهم حتى يعودوا للعيش في ناره المندلعة من جديد، بإنتظار مخلصٍ قد لا يأتي.

– أما الأتراك اليوم، فهدفهم بناء دولة عظمة تعيد أمجاد الأتراك الغابرة، دولة تكون مرموقة في مصافي دول العالم في هذا الزمن، حلمٌ لا يفارق أبناء الذئب الأغبر، المنتصر في الأسطورة على كل خطر يهدد الأتراك، وللأتراك اليوم شرف المحاولة للوصول إلى دولتهم الكبرى رغم إحتمال عدم تمكنهم من ذلك، بينما للبنانيين خزي الحياة بين نار وأخرى تجتاح بلادهم وتحوله إلى رماد.. ككل مرة.

————————

إقرأ أيضاً:

طريقة بدعوية لعقد الزواج المدني في لبنان: الآن !!

بالإذن من ويكيبيديا ! 

لنلغي تاريخنا المزيف قبل إقرار كتاب للتاريخ

الإنتحار

مواضيع أخرى عن تركيا:

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته
المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب ط أردوغان
أردوغان: ثلاثة أو أكثر

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s