تركيا تعلّم اللغة العثمانية مستقبلاً

جو حمورة

لا تزال التوصيات التي اتّخذتها الهيئة العامة لمجلس شورى التربية الوطنية في تركيا مدار جدل في أروقة أنقرة السياسية والثقافية. ففي دورتها التاسعة عشر المعقودة خلال الأسبوع الماضي، أعلنت الهيئة المؤلفة من مسؤولين في وزارة التربية والتعليم، ومؤسسات المجتمع المدني، ونقابات تعليمية، توصيتها بتعليم مادة اللغة العثمانية في المناهج الدراسية الرسمية.

لم تُعجِب هذه التوصية حزب “الشعب الجمهوري” المعارض الذي انتقدها بشدة، معتبراً أنّ الفائدة من اللغة العثمانية ضئيلة، كما أنّها “لا تصلح إلا لقراءة النصوص المكتوبة على شواهد القبور”. كما اعتبر على لسان مسؤوليه أنّه من الأولى إدراج مواد علمية إلى المناهج التعليمية بدلاً من اللغة العثمانية.

في المقابل، لا يبدو أنّ السلطات التركية في وارد التراجع عن مشروع تعليم اللغة العثمانية في المدارس، وهذا ما يُستشف من وعد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان بإدراجها في المناهج المدرسية، معتبراً أن الأمر سيتم  “سواء شاء المعارضون أم أبوا”. في حين تكمن أهمية التوصية، أنّها الخطوة الأولى والضرورية التي تتيح لوزارة التربية الوطنية إعداد مشروع قانون على أساسها ليُقدّم للبرلمان، فيصبح بالإمكان البدء بتدريس مادة اللغة العثمانية بعد التصديق على القانون.

osmanlica

وتلخص مسألة اللغة العثمانية المطروحة اليوم في تركيا، والاختلافات الدائرة حولها، إشكالية جوهرية في هوية الجمهورية التركية الحالية وصراعات مكوناتها. من الناحية الأولى، يبدو المشروع بذاته أداة لإعادة هندسة هوية تركيا الحالية كاستمرار للسلطنة العثمانية الإسلامية. غير أنّ إدراج اللغة العثمانية ليس جزءاً من عميلة جعل تركيا والأتراك أكثر فخراً بتراثهم وتاريخهم وحسب، إنّما يتعدّى ذلك في تأثيره ليكون مشروعاً لربط هويتهم وواقعهم أكثر بهذا التراث وهذا التاريخ، تحضيراً لجعلهما المصدر الأساسي للشرعية الشعبية لأي سلطة مستقبلية في تركيا.

من ناحية أخرى، يبدو موقف حزب “الشعب الجمهوري” طبيعياً ومتوقعاً، نظراً لتأثره بالإرث “الأتاتوركي” وقوميته التي ترى اللغة التركية الحالية المعيار الأساس لنشوء الدولة-الأمة عام 1923. في حين لا يبدو حزب “العدالة والتنمية” الحاكم متناقضاً في تشجيعه تعليم اللغة العثمانية في المدارس التركية، وهو الذي أعاد احياء الهوية الإسلامية-العثمانية لتركيا خلال العقد الفائت من حكمه.

إلا أنّ هذا الصراع على هوية تركيا الحالية، يشوبه تفاوت في التكافئ بين المعارضة ذات القدرة الخجولة على التأثير من جهة وقدرة حزب “العدالة والتنمية” المالِك للسلطة والقادر على الفعل والتأثير من جهة أخرى. وهو ما يجعل احتمال إدراج اللغة العثمانية في المناهج التعليمية أمراً محسوماً في المستقبل، في حين يبقى تقدير هذا المستقبل سواء كان قريباً أو متوسطاً أو بعيداً، لا إلى قدرة المعارضة على منعه أو إبطائه، ولكن إلى إشكالية توافر الإمكانيات التقنية والبشرية لتأمين كادرٍ تعليمي قادر على تعليم ملايين الطلاب الأتراك لغة الأجداد التي نادراً ما يعرفونها.

نشرت أولاً على موقع ترك برس

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

معادن الجماعات السورية والمرأة الكردية استثناء

جو حمورة

الحرب فرصة. في البداية، هي مناسبة لتستعيد الجماعات أدبياتها الخاصة، وربط ماضيها المجيد بحاضرها الصعب. وفي الختام، هي فرصة لقياس صلابة ومعادن الجماعات وبأس رجالها كما قياس التغيرات السلطوية في داخلها.

في سوريا، تختلف وظائف الجماعات وتشكّل السلطة داخلها بين جماعة وأخرى. بداية مع الجماعة الأقدم، تبدو المسيحية على اختلاف مذاهبها مغلوب على أمرها في سوريا وتبدي تبعية ذليلة للنظام استجابة لمخاوف بطش الأكثرية المحتمل، في حين تبقى السلطة الفعلية داخلها للنخبة الثيوقراطية فيها.

والسنّة، وإن كان يصعب وصفهم كجماعة واحدة خلال الحرب السورية، إلا أن العودة إلى الجذور الإسلامية راجت بينهم مع فشل محاولات إصلاح النظام أو الثورة عليه سلمياً، فباتت السلطة موزعة داخل الطائفة ما بين “خليفة” وزعماء قبائل ورجال دين متعددي الخلفيات وقادة عسكريين منشقين عن النظام.

أما العلويين والدروز، فلم تغيّر الحرب كثيراً في وضعهم الذي كان سائداً أيام السلم. بقي الأولون ممسكين بالسلطة عبر الدولة ويستخدمون الجيش أداة وستاراً حزبياً لقتال الجماعات الأخرى والغلو في إراقة الدماء، بينما لا يزال التردّد والتنبه وعدم الغلو في التحالفات سيد الموقف لدى الدروز. كذلك، لم تتغيّر التركيبة السلطوية داخل هاتين الجماعتين خلال الحرب، فبقيت السلطة عندهما موزعة ما بين المدنيين ورجال الدين، ولكن بميلٍ واضحٍ لصالح المدنيين عند العلويين ولصالح رجال الدين عند الدروز.

ليست الحرب السورية حرباً دينية ومذهبية بشكل كامل، إذ إن العامل الإثني يدخل في الحسبان فيها. ويشكّل الأكراد هذا الاستثناء الإثني شبه الوحيد عن بقية السوريين، ورغم أنهم أقلية عددية بمقابل أكثرية عربية، إلا أنهم أظهروا صلابة عودهم في قتال الآخرين كما تعاضد ملفت فيما بينهم. فيما كان للمرأة الكردية دوراً لافتاً في الحرب التي خاضتها “الدولة الإسلامية” على منطقة كوباني وغيرها في الأشهر القليلة الماضية.

على عكس كل الجماعات الدينية والمذهبية الآخرى المحكومة من رجال الدين أو رجال السلطة أو رجال البدلات المرقطة، يبقى التنظيم السياسي والعسكري للأكراد في سوريا متمايزاً بمناصفة في القيادة وشبه مناصفة في العديد ما بين الرجال والنساء. ويُردّ ذلك إلى عوامل عدة تُعطي الأفضلية لواقع المرأة الكردية مقارنة مع تلك العربية وتجعلها أكثر فِعلاً وتأثيراً واهتماماً بالشأن العام.

Kurdish Combatant Breastfeeding Her Child.

Kurdish Combatant Breastfeeding Her Child.

في البدء، يلعب التاريخ الأدبي دوراً مهماً في تعزيز دور المرأة داخل الجماعة الكردية، وذلك عبر إنشاءه لذاكرة تاريخية للجماعة الكردية قائمة على المساواة وتلخصها أسطورة “ميم وزين”. هذه الأسطورة التي باتت مروية عند أكراد اليوم، ويتناقلها الأباء على مسامع الأجيال الجديدة، تحكي قصة حب طويلة ومعقدة بين شخصيتين هما ميم وزين، واللذان يمنعهما أعدائهما وظروف الحياة من الزواج. ورغم أن الأسطورة تنتهي بمأساة دفنهما جنباً إلى جنب، إلا أن الرواية تعطي في كل تفاصيلها دوراً متساوياً بين الرجل والمرأة وذلك على عكس أغلب الأساطير الذكورية لشعوب شرق المتوسط.

كذلك، فإن لغلبة التيارات اليسارية على الأكراد السوريين والأتراك خصوصاً تأثيراً إيجابياً في إعطاء دور أكبر للمرأة في المجال السياسي والعسكري. بالمقابل، يبقى دور المرأة الكردية في العراق وإيران أقل ظهوراً، وذلك لأن القوى المسيطِرة فيهما محافظة دينياً وإجتماعياً. بالإضافة إلى ذلك، يلعب الكم العددي للجماعة شأناً في دور المرأة فيها، فالأكراد، ورغم أنهم يشكلون حوالي 30 مليوناً في الشرق الأوسط، هم أقليات عددية في كل بلدٍ يتواجدون فيه مقارنة مع العرب والفرس والتُرك. وبما أن جزءاً كبيراً من الحرب مرتبط بالقدرة البشرية، يضطر الأكراد إلى الاستعانة بالمرأة أكثر من غيرهم في المعارك.

ليس من الحتمي أن يكون لتحرر المرأة الكردية نتائجاً إيجابية على صعيد الجماعة، إذ أنه وفي الوقت الذي تتهافت فيه للدفاع عن قراها وتسقط بين قتيلة ومصابة وأسيرة، تقوم المرأة العربية المحافِظة بـ”إنتاج” المزيد من المقاتلين في المنازل، ما يجعل زيادة التفاوت في العدد بعد كل معركة سبباً لضعف الأكراد في المستقبل وإن فازوا ببعض المعارك ضد العرب في الزمن الحاضر.

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

وحيدون في مواجهة السيسي

جو حمورة

لم تفد الثورتان المصريتان المتتاليتان في تخليص البلاد من الفوضى والصّراعات والأزمات المتلاحقة. كانت المظاهرات ولا تزال دائمة على مدى سنة كاملة، فيما المشاكل الأمنية بازدياد، وضعف الحكم بات “طبيعيا”، والفوضى والأزمات الاقتصادية لا تغيب عن مصر. على وقع الأزمات الدائمة، يستمر الصراع بين جماعة “الإخوان المسلمين” والحكم العسكري من ناحية، كما بين التيارات المدنية والدينية والعسكرية من ناحية أخرى. في المقابل، وبوتيرة أدنى، يستمر الصراع على مصر من خارجها بين محور قطر – تركيا من جهة ومحور السعودية – الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، فيما الثورة المصرية ومفاهيمها التحريرية باتت من الماضي، بعدما تحولت القوى “الثورية” إلى أدوات للصراع السياسي التقليدي داخل مصر وعليها.

ما أن وصل الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية عبد الفتح السيسي إلى الحكم في مصر في العام 2014 حتى تفاءل المصريون خيراً بانتهاء المشاكل الأمنية والإقتصادية الدائمة. لكن التفاؤل هذا تراجع رويداً رويداً مع بقاء الأزمات الاقتصادية على حالها، إضافة لانتهاج الحكم الجديد سياسة عنفية تجاه حركة “الإخوان المسلمين” الخارجة من السلطة برضى شعبي معطوف على شرعنة شعبية لعمل المؤسسة العسكرية بالمجال السياسي. زُجّت قيادات الجماعة في السجون، وحُلّت بعض أجهزتها السياسية ومؤسساتها الاجتماعية وباتت تنظيماً إرهابياً في عين الدولة، إلا أن القطاع الطلابي والنسائي في الجماعة لا يزال ناشطاً ويعمل ليلَ نهار من أجل تقويض السلطة العسكرية والسياسية في مصر.

على وقع العلاقة المتوترة بين الطرفين، زادت جماعة “الإخوان” من حراكها الشعبي على شكل مظاهرات طلابية وتحركات نسوية في أغلبية المدن المصرية خصوصًا في الجامعات، وأتت هذه التحركات المؤلفة من آلاف المظاهرات المتنقلة كردّ فعل على القمع الرسمي لأجهزة “الدولة العميقة”. ففي مصر اليوم، كما في تركيا إبّان حكم العسكر السابق قبل العام 2002 مثلاً، تؤلف المؤسسة العسكرية والقضائية وقطاعات واسعة من المؤسسات الإعلامية شبكة واحدة من المصالح والتوجّهات، وتقوم بممارسة الحُكم للدولة وللرأي العام بعيداً عن المفاهيم الدستورية والقانونية أو حتى الديمقراطية. وتتحول جماعات المصالح هذه إلى دولة ضمن الدولة، وسط ترابطها فكرياً وسياسياً، وتسيّر الدولة والشعب في شكل غير مرئي عبر إيجاد عدوٍ لهما، وهو الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة “الإخوان المسلمين” في الحالة المصرية اليوم.

لم تستطع التحركات المعارِضة تحقيق إنجاز نوعي حتى الآن، إلا أنها عكّرت صفو حكم السلطة المصرية وشكّلت أزمة أمنية وشرعية لها. فالمشاكل الأمنية التي ترافق تتابُع التحركات المعارِضة، كما أولوية السلطة لمكافحة ما تصفه بالإرهاب، يجعل من الشؤون المعيشية والاقتصادية والاجتماعية تتراجع إلى المراتب الدنيا في أولويات السلطة، ما ينتج تزايد المعارضين للحكم لأسباب غير سياسية. وفي حين تخلق “الدولة العميقة” للشعب المصري عدواً لها وهو الإسلام السياسي، يسعى هذا “العدو” إلى تعظيم الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية للمصريين عبر التظاهرات، فيصبح المواطن العادي في حيرة بين اختيار دعم السلطة لمواجهة الأزمة الأمنية التي يخلقها حراك الإسلاميين، أو اختيار معارضة الحكم العسكري بسبب فشله في حل الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية الدائمة.

من مظاهرة في مصر

من مظاهرة في مصر

كما يرافق هذا الاختيار “الصعب” تطرف من قِبل الطرفين، فأصبحت حركة “الإخوان” أكثر راديكالية في مواجهة السلطة وبرزت عندها النزعات السلفية الدفينة التي تصب جام غضبها على الأقليات الدينية حيناً وعلى العسكر غالباً. وفي مقابل راديكالية المعارضة، فإن راديكالية السلطة لا تقلّ عنها سوءاً، فقد بدأت منذ حين بقمع منظم رافقه تعتيم إعلامي وأحكام قضائية معظمها جائرة بحق المعارضين. بالإضافة إلى إعادة الإعتبار للرئيس المصري السابق حسني مبارك والحكم عليه بالبراءة في قضايا عدة، فيما الرئيس الأسبق محمد مرسي لا يزال في السجن ينتظر براءة لا يبدو أنها ستأتي.

وفي وقت تتصالح قطر الداعمة للـ”إخوان” المصريين مع كل من السعودية والإمارات الداعمتين للحكم المصري، وتعيد هذه الدول علاقاتها الدبلوماسية مع بعضها البعض، تبدو جماعة “الإخوان” في مصر قد باتت معزولة أكثر من أي وقت مضى. فباستثناء الدعم التركي الذي يبقى محدود التأثير، باتت الجماعة شبه وحيدة في مواجهة الحكم العسكري، فيما لم يبقَ لها سوى مواجهة ما تسميه “الراديكالية السلطوية” براديكالية إسلامية مضادة، ما قد يوصل مصر إلى ما لا تحمد عقباه في مواجهة لا يبدو أن هناك أفقاً لحلّها إلا بقضاء طرف على آخر، أو تسوية سياسية تبدو بعيدة التحقيق.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 12 كانون الثاني 2015 (العدد رقم 1490)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

جو حمورة

لا يمكن القول إنّ الحكم الأخير الذي أعلنته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حول حقوق العلويين الأتراك، غير واقعيّ. هذا وصف “ملطّف” لواقع كُبرى الأقليّات الدينية في تركيا، كما هو حكم من جملة أحكام وقرارات أوروبية وتركية كثيرة صدرت سابقاً لصالحهم، وعلى الأرجح أنها لن تكون الأخيرة.

الحكم الصادر في الثاني من كانون الأول، أكد على حق العلويين الأتراك باعتراف حكومتهم بأماكن عبادتهم، واعتبارها مراكز دينية تتمتّع بالصفة القانونية ذاتها التي تتمتع بها الجوامع والكنائس في تركيا. ولهؤلاء مراكز عبادة تسمى “بيوت الجمع” (Cemevis) وهي، حتى اليوم، لا تُعتبر في القانون التركي سوى مراكز ثقافية فقط. هذا الواقع القانوني المجحف لا يشذ عن نظرة الدولة التركية -سابقاً وحالياً- إلى العلويين الأتراك. وهي تتلخص باعتبارهم مسلمين فقط، من دون الاعتراف بهم كطائفة أو دين متمايز عن الأكثرية السنيّة التركية.

في تركيا، يسكنُ العلويين في طول البلاد وعرضها، وخاصة في وسطها الأناضولي، ويُسمّون بالـAlevis. ما من مرادف عربي علمي لهذه الكلمة، إلا أنّ الرائج استعمال كلمة “عليهيين” للدلالة على هذه الطائفة المكوَنة من 12 إلى 18 مليون نسمة وفقاً للإحصاءات المتباينة. وهم يختلفون عن العلويين الذين يسكنون في سوريا وإقليم هاتاي (إسكندرونة)، والذين لا يتعدى عددهم المليون ونصف المليون نسمة في تركيا على أبعد تقدير. كذلك، يختلف الإثنان من حيث الأصول القومية؛ ففي حين أن العلويين الأتراك هم تُرك (وبعض الكُرد) ولغتهم الأم هي التركية، فإن العلويين السوريين هم عرب اللسان.

alevi-2

عدا عن الاختلافات القومية والعددية والجغرافية، يتمايز الطرفان كذلك من حيث النشأة والإيمان الديني. من ناحية الأصل، يعود نشوء العلويين الأتراك إلى القرن السادس عشر في أذربيجيان على يد الشاه إسماعيل الذي أسس العلوية في البدء بالارتكاز على الصوفية. في حين تعود أصول العلويين السوريين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون، وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية والفارسية. كذلك يتشعب الاختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنّهما وإن اعتبرا نفسيهما فرعين من فروع الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين السوريين هم طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال، وتُلقّن لعدد محدد من أبناء الطائفة. من جهة أخرى، فإن لعقيدة العلويين الأتراك تفسير فضفاض نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين. كما تجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية الموجودة في الأناضول قبل الإسلام.

منذ قيام “الدولة الأتاتورية” ذات الايديولوجية القومية عام 1923، كان العلويين الأتراك من منظّريها وبُناتها الأساسيين. كما انخرطوا بالحركات المؤيدة للحكم القومي التركي، ودافعوا عن علمانية النظام المفترَضة. فمصالح الأقليات بشكل عام تبقى مضمونة في الأنظمة ذات الصبغة العلمانية، وذلك عبر تأمين تساويها مع أبناء بقية الطوائف والأديان ذات الأكثرية العددية. إلا أن الانقلاب العسكري الدموي الأخير، والذي قادته تجمعات من النخب القومية والعسكرية التركية عام 1980، راح يستخدم الدين الإسلامي “الرسمي” (السني) لصبغ حكمه الجديد بالشرعية الشعبية، ما أدّى إلى فقدان العلويين لمكتسبات النظام العلماني في ما يخص المساواة. بالإضافة إلى أن صعود الإسلام السياسي، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، أدّى إلى ردّات فعل لدى الأقلية العلوية زادت من الوعي الطائفي عند أبنائها وتمايزهم الثقافي عن الأكثرية السنيّة في تركيا.

هناك عوامل ذاتية أخرى عزّزت الوعي الطائفي لدى العلويين. فقد كان لأحداث مجزرتي “سيواس” و “غازي” عامي 1993 و 1995 على التوالي (والتي راح ضحيتها حوالي 50 مثقفاً علوياً)، تأثيراً كبيراً في هذا الوعي، إذ شكلتا نقطة تحوّل كان لها شأن في تزايد النقمة والإحساس بالمظلومية والتمييز عن بقية الأتراك. من ناحية أخرى، لعب المهاجرون الأتراك في أوروبا، خاصة في ألمانيا، دوراً حيوياً خلال العقدين الأخيرين، عبر بث النشاط الثقافي والديني وإحياء الأدب والتاريخ العلوي، ما حفز الوعي عند أقرانهم في الداخل التركي.

ساهمت كل هذه التطورات والأحداث في ايقاظ هوية العلويين الدينية، وشجّع البعض على العودة إلى الإيمان الخاص، كما شجع الآخرين على التخلّص من ممارسة التقيّة الدينية في المجتمع. بالتوازي، أدى ذلك إلى صعود الحركات المؤلفة من مؤسسات دينية وثقافية ونوادٍ كممثلة للطائفة، وباتت لاعباً أساسياً في السياسة الداخلية التركية، ولها مطالبها السياسية والدينية والتربوية الخاصة.

في السياسة، يطالب العلويين بوقف أسلمة الدولة والمجتمع، وبالمساواة في التمثيل السياسي في السلطات التنفيذية، الحكومية والبلدية، إضافة إلى إعلان يوم عاشوراء عيداً وطنياً. أما دينياً، فيطالبون بالاعتراف بـ”بيوت الجمع” كمراكز دينية، وبالتالي إعفاءها من الضرائب، والسماح بإنشاء مجلس خاص للطائفة يدير شؤونها ويتلقى المساعدات الحكومية، أسوة بالمجلس السنّي الرسمي. بالإضافة إلى ذلك، يطالبون بوقف “تسنين” القرى العلوية، ووقف بناء المساجد فيها، وهي ممارسات بدأت منذ إنقلاب عام 1980 ولا تزال مستمرة حتى اليوم. أما في الشأن التربوي، فيطالبون بجعل التعليم الديني في المدارس اختيارياً لا الزامياً، إضافة إلى إدراج العلوية كإحدى الطوائف في البرامج التعليمية.

A protester holds a banner reading "we are alevi" as he and many others wait to hear the decision of the court in front of a courthouse in Ankara

هذه المطالب تتعارض مع النزعة الإسلامية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا. فمنذ عام 2002، طبق هذا الحزب بقيادة رجب طيب أردوغان سابقاً، ورئيسه أحمد داوود أوغلو حالياً، أسلمة ناعمة للمجتمع والدولة في معظم المجالات. إلّا أن هذه الأسلمة تحوّلت إلى أسلمة صريحة وعميقة منذ عام 2011، بعدما حجّم حكام تركيا المدنييون قدرة الجيش التركي العلماني على التدخل في الشؤون السياسية. فكانت النتيجة أن أصبحت قوى الإسلام السياسي أكثر تحرراً في تطبيق ما تريده، فانتهج حكام تركيا سياسة متصاعدة في تطبيق إصلاحاتهم المحافِظة ذات الجذور الإسلامية.

كعادتها، وقبل كل انتخابات، تقوم حكومة “العدالة والتنمية” ببعض الإصلاحات تجاه الأقليّات. ومن المتوقع، بحسب تقارير صحافية وتصاريح رسمية، أن تعلن الحكومة التركية عن حزمة إصلاحات جديدة مطلع عام 2015 لكل من العلويين والأكراد. إلا أن الإصلاحات المتعلقة بالعلويين، والتي ستأتي قبل الإنتخابات النيابية في صيف العام ذاته، لا يبدو أنها ستلبي أياً من رغباتهم. وستقتصر هذه الإصلاحات على السماح بتعليم المبادئ العلوية في المدارس كثقافة خاصة لمجموعة من السكان، وليس باعتبارها طائفة مستقلة كما يُطالب أبناءها، بالاضافة إلى إعفاءات ضريبية على “بيوت الجمع” من دون تصنيفها كمراكز عبادة.

في المقابل، يُبدي أوغلو كما سلفه أردوغان، تسامحاً نظرياً ولفظياً تجاه العلويين، وذلك عبر خطبه السياسية والأكاديمية المتتالية التي تؤكد على الوحدة التركية والتاريخ الإسلامي المشترك. إلا أن هذا التسامح النظري لا يُترجم عملياً عبر قوانين جديدة أو إصلاحات جذرية تلبي طموحات ومطالب فئة كبيرة من الأتراك بحسب فهمها لذاتها ولهويتها. إنما يكتفي بالتشديد على شرعية الإسلام السنّي الضامن والجامع تحت جناحه لكل توجه ديني وثقافي آخر في البلاد. ومردّ ذلك يعود إلى فهم السلطة وحكامها المتعاقبين للعلوية من منظار سنّي حصراً، واعتبارهم جزءاً من هذا الإسلام، لكن “تشوبه” كثرة طغيان الصوفية والتشيّع عليه ويجب “تسنينه”.

نشرت أولاً على موقع حوارات

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا