أكراد تركيا: حلٌ حان وقته


جو حمورة

مع إزاحة الجيش عن المشهد السياسي التركي العام، لم يعد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، ملزماً بالوقوف على رأيه عند محاولة تسوية المسألة الكردية.

منذ العام 2009، سعى أردوغان إلى حلّ النزاع المسلح مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، عبر محاولتين متتاليتين. الأولى، المعروفة باسم “الانفتاح الديمقراطي”، راحت ضحية عدم تحضير الرأي العام التركي لها. أما “محادثات أوسلو” السريّة، التي جرت عام 2011، بين الحكومة التركية و”حزب العمال الكردستاني”، استطاعت تأمين هدنة موقتة استفاد منها حزب “العدالة والتنمية” الحاكم انتخابيا، لتعود وتعلّق بعد فوزه في الانتخابات العامة، فينطلق النزاع العسكري بين الطرفين من جديد.

بدأت أوضاع الأكراد تتحسن في صيف 2012: الحكومة الإقليمية في كردستان تعتمد سياسات “استقلالية” عن حكومة بغداد المركزية. أما في سوريا، ففوضى النزاع العسكري فيها، أدت إلى إقامة منطقة، محكومة في بعض أجزائها من قبل “حزب الإتحاد الديمقراطي”، التابع للـPKK، كنتيجة لانسحاب الفرق العسكرية النظاميّة السورية منها.

عناصر القوة المستجدة هذه، جعلت من “حزب العمال” مستعداً للتفاوض مع تركيا، لتحقيق أكبر قدرٍ من المكاسب الممكنة. ففي 28/12/2012 أعلن “أردوغان” عن إن الحكومة التركية بدأت محادثات مع رئيس “حزب العمال الكردستاني” المسجون في جزيرة “إيميرلي”، “عبدالله أوجلان”، في محاولة لوضع حدّ للنزاع المسلح مع حزبه. هذه المحادثات قادها رئيس جهاز الإستخبارات التركية “حقان فيدان”، وعرفت بـ “محادثات إيميرلي”.

هذا التطور ليس محصوراً فقط بسعي كردي، إنما برغبةٍ “أردوغانية” أيضاً. فتسوية مع الأكراد تؤمن له مصالحٍ جمّة، عبر جعل طريقه معبّداً للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية التركية عام 2014، بعد أن يتمّ إقرار دستورٍ جديد للبلاد يجعل النظام التركي رئاسياً.

مع تصاعد نفوذ “حزب العمال” في سوريا، بات بإمكان تركيا الاستفادة من نفوذها هناك، لإنتاج تسوية سياسية من دون المرور بالمظلة السورية. فالتسوية المتوقعة، تؤدي إلى تحجيم خطر الحزب للأمن التركي من جهة، كما فتح أبواب سوريا للمزيد من النفوذ التركي من جهة أخرى.

أولى تباشير المحادثات، جاءت من إعلان نائبين كرديين، بعد زيارتهما “لأوجلان” في سجنه، أن الأخير بات مقتنعاً أن الحل يجب أن يتم بالوسائل الديمقراطية.

هذا الاقتناع لم يرق لمعارضيه، فأتى الردّ بمقتل ثلاث ناشطات كرديات في باريس، بينهنّ عشيقة “أوجلان”. محاولة عرقلة المحادثات هذه، بددها كلام “أردوغان” مع وصول جثث الكرديات إلى تركيا، رافضاً “الرضوخ للضغوط والحوادث التي ممكن أن تعرقل اتفاق السلام”، كذلك ركزت الخُطب التي ألقيّت في مأتم الكرديات الثلاث في “دياربكر”، على الدعوة إلى السلام ولعن الحرب.

مقاتل من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل - شمال العراق

مقاتل من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل – شمال العراق

تزايد الثقة بين الطرفين، كما قرب التوصل إلى التسوية، لها مؤشراتها: عدّل “أردوغان” أربع حقائب وزارية: الداخلية، التعليم الوطني، الصحة، والثقافة والسياحة، فأخرج منها المتشددين لمصلحة المعتدلين، في حقائب لها دور مهم في تطبيق أي اتفاق مستقبلي مع الأكراد. كذلك أقر البرلمان التركي، حق الأكراد باستعمال لغتهم في المحاكم التركية.

سربت جريدة “طرف” بنود الاتفاق شبه النهائي، التي توصلت إليها المحادثات الثنائية. أما الحل المقترح فقائم على أربع مراحل: أولها، قيام “أوجلان” بإصدار بيان يتضمن تصوره لحلٍ ديمقراطي، يتخلى فيه عن مطلب الحكم الذاتي، ويعلن وقفاً للاعتداءات على الدولة التركية. أما الثانية، فتتضمن إجراء تعديلٍ دستوري يعيد تعريف الإرهاب في الدستور التركي، ليُسمح بالافراج عن مئات الأكراد من السجون، يليها سحب الحزب 4000 آلاف مقاتل له إلى خارج الحدود.

إجراء جولة جديدة من المحادثات لتسليم سلاح الحزب، مقابل وضع دستورٍ جديدٍ يلغي التمييز بين الأتراك والأكراد، كما القيود حول تعلم اللّغة الكردية، ويعطي صلاحيات أوسع للإدارات المحليّة، هي بنود المرحلة الثالثة. أما رابعها، فعنوانها إلقاء الحزب لسلاحه شمال العراق. لذا، ستطلق محادثات جانبيّة بين ممثلي الحزب في شمال العراق، والحكومة التركية، في مدينة “إربيل”، بعدما تم استبعاد مدينة “السليمانية” خوفاً من التأثير الإيراني على المحادثات هناك. هذه المحادثات إن أفضت إلى اتفاق، يُبدأ بتنفيذه بعد تطبيق المراحل السابقة.

لأن غالبية أكراد العالم موجودون في تركيا، كذلك قياداتهم السياسية الفاعلة التي تملك فروعاً في الدول المحيطة، فإن التسوية معهم، ستحول المسألة الكردية من أزمة تركية دائمة، إلى نفوذ خارجي لها في دول الجوار.

خلال 28 سنة من النزاع الدامي، فشلت العديد من المحادثات السابقة. أما “محادثات إيميرلي”، فتبدو خلافاً لسابقاتها، مثمرة أكثر، ويُتلمس حوادث فعليّة تؤكد قرب توصلها إلى حلٍ جديّ للمسألة الكردية في شقها التركي. أما توقيتها، المتوافق مع سعي “أردوغان” للاستفادة سياسياً من حلٍ سلمي للمسألة الكردية، يتناسب زمنياً مع ظرفٍ أمني على حدود تركيا الجنوبيّة يُخشى من توسعه. فتوقيت المحادثات هو سرّها الفعلي، ومفتاح نجاحها المنشود، ورغم العرقلة الخارجية المتوقعة من فرع حزب العمال الموالي لإيران، إلا أن لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها.

————————————
يمكنكم الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

Advertisements

One thought on “أكراد تركيا: حلٌ حان وقته

  1. تنبيه: آخر أحفاد “أتاتورك”.. ينشق! | نقد بنّاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s