يومٌ “مجيد” للشعوب اللبنانية!

جو حمورة

هذا يومٌ مجيد، نعم، إنه يومٌ مجيد ! يومٌ من الفرادة اللبنانية الطبيعية، يوم 21 آب 2012.

قسم من الشعب اللبناني يحتسي الكحول في شوارع جونيه، في مهرجان يهدف إلى التسلية، ومحاولة الدخول إلى كتاب “غينيس للأرقام القياسية” في تنظيم أطول “بار” كحولي في العالم.
وقسم آخر من اللبنانيين يرفع الرشاشات والقذائف في وجه طائفة أخرى بين جبل محسن و باب التبانة، محتسين رصاصات الموت، والتي غالباً ما تكون بحق المواطنين العزل. أما المقاتلين فبمعظم الأوقات يَسلمون.

Jounieh Longest Bar 2012

Jounieh Longest Bar 2012

قد يكون الحدث الأول في جونيه، سياحي استثماري يهدف إلى تمضية الوقت مع حفنة مِن مَن بقي من السياح، إلا أن دلالته، مقارنة مع الحدث الثاني، أكبر من ذلك. فإن إعتبرنا أن شرب الكحول هو من الأعمال التي يمارسها المسيحيون عادة، المتدينون وغير متدينون على حد سواء، لا المسلمون على اعتبار أن الدين الإسلامي يحرم الخمر، للأسف! ناهيك عن موقع الاحتفال في منطقة ذات طابع مسيحي، يمكننا أن نقر بسهولة أن الحدث منظم من قبل أناس مسيحيون ويشارك فيه مسيحيون، وإن شذ بعض الوجود الإسلامي المحبب من “المرتدين” ومتلبكي الهوية والانتماء الديني!

أما في المقلب الآخر، فهناك السّنة والعلويين، يمارسون رقصات الموت على وقع أزيز رصاص القنص والإنفجارات وصخب فوهات المدافع المتوسطة، بحفلة مجون حتى بزوغ الفجر لأسباب طائفية بحتة. من المؤكد أن عامل الفقر والحرمان الذي يعاني منه أبناء مدينة طرابلس هو سبب من أسباب اندلاع الاشتباكات، ناهيك عن مدى شدة الالتزام الديني من المقاتلين بما يحمل هذا الالتزام الديني الكبير من مضار تجعل الناس أكثر عنفاً، للأسف! إلا أن الواقع الحقيقي هو أن المقاتلين يمارسون حرباً طائفية، دفاعاً عن وجودهم وطائفتهم ومكاسبها السياسية والجغرافية والديمغرافية لا أكثر ولا أقل.

الداعية الإسلامي في طرابلس الشهال حاملاً الرشاش

الداعية الإسلامي في طرابلس الشهال حاملاً الرشاش

إن قارنا بين الحدثين، ومن دون اعتبار أن أي منهما هو راقٍ أكثر من غيره أو يحمل بطياته أي عمل جيد مقارنة مع غيره، يمكننا الاستنتاج أنه وببساطة هذه الطوائف، كلها، بممارساتها وأفعالها ومفاهيمها وأهدافها وأساليب عيشها لا تلتقي على شيء، سوى على الخوف من الآخر.

فنورد على سبيل الذكر لا الحصر بعض الأمثلة.
إن سألنا أحد العلويين اللبنانيين عن ماذا يعني له لبنان، هل سيكون رأيه كالماروني الساكن في جزين مثلاً؟
وإن سألنا عن من هو العدو، لأحد أبناء طائفة الشيعية في الضاحية الجنوبية لبيروت، هل سيكون جوابه  كمثل جواب ابن بشري مثلاً؟

إن سألنا أحد من دروز الشوف عن رؤيته إلى شكل علاقات لبنان الخارجية المحببة إلى قلبه، هل سيكون رأيه مماثلا لرأي الشيعي الساكن في الهرمل، أو السني الساكن في عرسال ؟

وأترك لكم تصور الأجوبة.

أما ما يعنيني هو القول بكل بساطة أنه في لبنان لا يوجد شعب واحد بل شعوب، وهذه حقيقة الأمر والواقع، مهما رفضناه أو كرهناه. إن المجموعات الطائفية المختلفة جذرياً على الأمور البديهية والتعريفات العادية والمفاهيم الوطنية العامة لا يُكوِنون شعبًا واحدًا. بل إنهم شعوب.

كيف نتأمل بالإستقرار إذاً في دولة لبنان الوحدوية ذات مجتمع تعددي؟ كيف نقيم دولة واحدة لشعوب عدة لا يلتقون على شيء !؟
وبعض الناس مازالوا يستغربون كيف أنه في لبنان لا يوجد إستقرار !!! طبعاً لن يوجد إستقرار في ظل هذا النظام السياسي الوحدوي.

21 آب 2012 يومٌ من الفرادة اللبنانية الطبيعية، ولبنان مقبل على أيامٍ “مجيدة” كثيرةٍ أخرى. للأسف !

لقد اتفقنا حسب النشيد أننا ” كلنا للوطن”، لكننا لم نحدد مفهوم واحد للوطن، فطبيعي أن يكون في وجدان كل طائفة: “وطن”.

———————–

راجع أيضاً:

عودة الحريري إلى… الطائفة !

مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي

ثلاثة أحزاب.. بالمشبرح

الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض

نقديات – 3 –

جو حمورة

1- بلاد العرب تمارس “الحب” في الخفاء، والعنف في العلن. شعبٌ غريب معقد.

تُمنع قبلة حب على الشاشات، بينما الموتى يملؤون الشوارع.

2- أكاد أجزم أن اللبنانيين كلهم في الجنة، فلا احد يدخل الجحيم مرتين.

3- معظمنا يختار زعيمه عاطفياً وحبيبته عقلانياً…معظمنا مجانين !

4- السرقة فن قائم بذاته، له قيمة أخلاقية كبرى عندي عندما يكون على حساب الغني ولمصلحة الفقير، على حساب المهمل لصالح المهتم.

ما في شي إسمو طاولة حوار بلبنان: في شي إسمو طاولة تسوية

ما في شي إسمو طاولة حوار بلبنان: في شي إسمو طاولة تسوية

5- لا دار الفتوى ولا دار الموتور !

6- إسرائيل عدوتنا. لكنها ليست ألد أعدائنا.

7- الشخص الذي يخاف المعاناة، يعاني أصلاً ممّا يخاف.

8- هيي الحرية ما زادت، هيدا بس الحبس وسع.

9- مبروك لكل اللي نجحوا بالبروفيه. ويلي ما نجحوا ما تزعلوا أبداً، بكرا بتصيروا نواب ووزراء متل سليمان فرنجية !

10- كل عمرا الدولة اللبنانية متل الإمام موسى الصدر. إنو كيف دولة غايبة بدها تجيب رجل غايب ؟!

11- في نظر العالم هو إرهابي، في نظر شعبه هو المحرر. كل الأمور نسبية، حتى الحق والموت نسبيان.

12- في بلاد العرب حتى “الثورة” مملة.

13- تاريخ لبنان “أوسخ” من أن يحتويه “كتاب”.

14- إن المؤمنين بإمكانية إلغاء إسرائيل من الوجود يضحكوني دائماً، بالنسبة لي هم تماماً كالمؤمنين بإمكانية تخصيب اليورانيوم في كركة العرق. أوهام !

15- الطائفية كالحب الأول.. لا تزول من شخصية الفرد الذي عاشها يومًا. مهما حاولنا إخفاءها فهي عميقة في نفوس اللبنانيين، لا بل هي هويتهم، ولا يستطيع أحد إلغاءها وكل من يدعي العكس فهو إما جاهل نفسه أو كذاب .

16- بعض الوافدين من الدول العربية الى لبنان وبعد الحياة فيه لمدة… يتلبننون !أما حسن نصرالله، فعلى العكس من ذلك تماماً، يريد منا أن …نتأيرن!

—————————-

منحبك يا لبنان يا مزرعتنا السعيدة.

راجع أيضاً: نقديات – 1 – ، و نقديات – 2 –

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -1-

جو حمورة

القسم الثاني من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا

قد يظن العديد منّا أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

village_in_mount_lebanon-1208817358

الأمثال الشعبية إذاً ليست مجرد كلمات سهلة الترداد وفيها نوع من القافية، بل هي مرآة صادقة لتجارب تاريخيّة، فرديّة وجماعيّة، تفسّر ما حدث وما زال يحدث على المستوى الفرديّ والجماعيّ.

ولبنان، كما غيره من الدول، يَكثر في تاريخه القديم أمثال لا يزال بعضها يُستعمل حتى اليوم، ومنها ما يدلّ على واقع وإحساس طائفيّ عُبّر عنه من خلالها. أورد بعضَها هنا، مع تفسير موجز عنها:

–  اللّي أَخَد من غير مِلّتو مات بعلّتو!  (وتعني أن الذي تزوج من غير طائفته، سيواجه مصاعب جمّة في حياته)

–  موراني وخَيّر؟ شي بـ حَيّر! (وتعني أن المارونيّ لا يمكن أن يكون خيراً ومعطاءاً، وقد يكون المقصود بها أن الماروني بخيل)

–  البَدَوي إذا غسّلتو بـ يموت! (البدوي، أو أبناء البدو، هي الصفة التي كان يطلقها المسيحيون في جبل لبنان على المسلمين، دلالةً منهم على أن المسلمين أتوا من الصحراء وينتمون لحضارة البدو، ودلالة على رائحتهم النتنة)

–  إذا كانت الكنافة بيدخّلا توم، الماروني بيحب الروم! (دليل على “الحب” المستحيل بين الموارنة والروم الأرثوذكس)

–  الروم ما بيكسّر راسو القدوم! ( يُقصد بها أن الروم الأرثوذكس متعصّبون وكثيري العِناد)

–  جازة نصرانية: لا فرّاق الا بالخنّاق! (مثل يقوله المسلمون، إذ يَعتبرون أن الزواج المسيحي لا ينتهي سوى بأن يقتل أحد الزوجين الآخر، لأن طلاق المتزوجين مسيحياً صعب وشبه ممنوع)

–  التِّركي ولا بكركي! (بكركي هي مقر البطريركية المارونية. حين أراد الموارنة إقامة دولة لبنان الكبير، ظهر هذا المَثل عند العديد من الطوائف الأخرى، رفضاً منهم للدولة ذات الغلبة المارونيّة وتفضيلهم الحكم العثمانيّ – التركي عليها)

–  الخوري مارون ومن أميون! (بلدة أميون كان يسكنها الروم الأرثوذكس فقط، بينما اسم “مارون” هو خاص بالموارنة، فالمثل هذا مقصود به التقاء المستحيل)

–  صلّي عند الروم، وقدّس عند الموارنة! (الصلاة عند الروم الأرثوذكس قصيرة بينما قداسهم طويل، أما الموارنة فبالعكس)

–  صباح إبليس ولا صباح القسيس. صباح الشيطان ولا صباح الرهبان. صباح النوري ولا صباح الخوري! (هذه الأمثال الشعبية تقال عن رجال الدين المسيحيين)

–  رَيتو حمار المُوراني يشخّ بديارك! (كان طبيب ماروني من البترون يأتي إلى قرى منطقة الكورة على حماره ليعالج الناس الأرثوذكسيين هناك. هذا القول هو دعاء على الآخر لكي يَمرض)

– تعشّى عند الدرزي ونام عند المسيحي! (أصل هذا المثل يعود إلى صفة الغدر التي كان المسيحيون والمسلمون ينسبوها للدروز، وفي هذا المثل خوف من أن يطعن الدرزي ضيفه في الليل)

***

الأمثال إذاً، جزءٌ من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

المراجع:‏

أنيس فريحة، “معجم الأمثال اللبنانية الحديثة”

سعد الدين فروخ، “قاموس الأمثال البيروتية”

————————

إقرأ أيضاً :

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية (القسم الثاني)

لمحات من علاقة الموارنة بإسرائيل

جو حمورة

على إعتبار أننا في كل هذا الشرق اللعين، كما في لبنان، مجرد طوائف لا مواطنين، والإنتماء الطائفي لمعظمنا هو إنتماءٌ أولي يأتي قبل إنتماءنا الفردي لوطنٍ أو فكرة أو منطقة أو حزب، ولأن هذه الحقيقة المجتمعية تعود الى سببان أساسيان تكونا عبر تاريخنا الغابر:

الأول: إن تكوين الطوائف كجماعات متلاحمة وتطور كل واحدة منها على حدى، بمعزل عن غيرها، حصل تاريخياً قبل تكّون الدولة اللبنانية، فكانت الأوطان المفترضة هي حدود سكن الجماعات الطائفية فيها، فالحيز الجغرافي المتواجد عليه أبناء كل طائفة هو بالنسبة لها “الوطن”، أما بقية أراضي الدولة فهو مكان للتلاقي المصلحي (السياسي والإقتصادي) مع بقية الطوائف لا أكثر (لهذا يحس الماروني أن جبل لبنان الأوسط والشمالي حتى وادي قنوبين وسفوح جبة بشري هو وطنه الأساسي يتشاركه مع من يحس بهواجسه ويؤمن بتطلعاته ذاتها، ولهذا يحس الدرزي أن جبل لبنان الجنوبي من أعالي بعبدا حتى جبال الباروك هي وطنه…)، لذا كانت الأرض التي سكنها تاريخياً أبناء كل طائفة هي الحافظة للتقاليد والتراث والهوية السياسية والثقافية لأبناء كل طائفة، وفيها نبتت الهوية المجتمعية لكلٍ منها.

الثاني: إن الطوائف في هذا الشرق ليست فرقاً دينية بالمعنى الحصري كما هي في الغرب، بل إن الطوائف والمذاهب الشرقية، كما طوائف لبنان، هي مجتمعات تاريخية. وكلٍ منها جسم مجتمعي تاريخي متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت عبر التاريخ المواقف والمفاهيم الدينية والإيمانية بالمواقف والخيارات سياسية لكل جماعة. ( لهذا فإنه وخلال تاريخ لبنان وفي ظرفٍ مصيري معين نرى الأكثرية العظمة من أبناء طائفة معينة يتبلور موقفهم السياسي بمضمون واحد وجامد، مثلاً: موقف السّنة الموحد الرافض لإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، الموقف الماروني الموحد في بداية الحرب اللبنانية عام 1975)

لذا، يمكننا أن نقر بوجود هذه الطوائف والحسّ والوجدان الطائفي لدى معظم أبناءها إن كرهناه أم لا، وإن كنا علمانيين أو عقائدين نرفض تدخل الدين بالسياسة، أو ملحدين غير متدينين. فالطائفية حقيقة حسيّة موجودة في مجتمعاتنا لا لبس على وجودها وهي عميقة عمق وجود الطوائف والدين نفسه.

علما لبنان وإسرائيل في حفل في تورونتو - كندا

علما لبنان وإسرائيل في حفل في تورونتو – كندا

ولكن مع وجود الإحساس الطائفي يأتي ما هو أعمق وأكثر تأثيراً على مجريات الحياة السياسية في لبنان، إنه هذا الخوف المزمن من الآخر، الخوف على الوجود الفاعل والحر من الآخر، الخوف من الحقوق الخاصة لكل طائفة من أن تنتزعها طائفة أخرى… هو هذا الشعور الخفي والفاعل لدى الأفراد والجماعات الذي يؤدي بها الى قيامها بأمور تتنافى مع كل المبادئ الوطنية العامة حفاظاً على وجودها وهويتها، ويتبلور هذا الأمر في العديد من المناسبات والظروف، حتى بات هناك مدراس فكرية تبشر وتعمل للمحافظة على مصالح طائفتها، وقد إختارت أسلوب ومنهج سياسي عملي يعرف بـ “تحالف الأقليات”.

من الأقليات الفاعلة في هذا الشرق، ذات هوية مجتمعية خاصة، اليهود الممثلين بدولة إسرائيل، كذلك الموارنة الذي يتشكل وجودهم الأساسي في لبنان وبعض الأقليات الصغيرة في سوريا والأردن وقبرص وتركيا وفلسطين وإسرائيل. قد يرفض العديد قيام مثل هذه العلاقة بين هذان الطرفان إلا ان قسم آخر، وخاصة أصحاب الشأن من الطرفان، يبرر العلاقة  بين الموارنة وإسرائيل بحجة إقرأ المزيد