المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان


جو حمورة

استناداً للقانون الداخلي لحزب “العدالة والتنميّة” الحاكم في تركيا، تنتهي ولاية رئيسه، الثالثة والأخيرة، عام 2015. حينها يفقد “رجب طيب أردوغان” إمكان ترؤسه للحكومة، في دولةٍ لا يشكّل حكومتها إلا أحد رؤساء الأحزاب الكبرى الممثلة في البرلمان. يراجع أردوغان خياراته: اعتزال العمل السياسي عند انتهاء ولايته، أو تغير الدستور ليجعل تركيا ذات نظامٍ رئاسيّ، يكون هو أول رئيس جمهوريةٍ منتخبٍ لها مع صلاحياتٍ واسعة.

Ardogan-1

بعد أشهر قليلة من فوز حزبه في الانتخابات البرلمانيّة العامة، بدأ أردوغان عام 2007 أولى محاولاته لإقرار دستورٍ جديد لتركيا. ردّت النخبة العلمانية، التي كانت لا تزال ممسكة بأعلى المراتب القضائيّة، بمحاولة حلّ حزبه. لذا، نقل أردوغان معركته إلى السلك القضائي نفسه، متراجعا عن سعيه لتغيير الدستور بكلّيّته، ومكتفياً بإدخال 26 تعديلاً عليه عام 2010. كان من إحدى نتائج هذا التعديل أن أفقد العلمانيين نفوذهم في المراتب العليا في السلك القضائي التركي.

أتاح فوز حزب “العدالة والتنميّة” بالأغلبيّة النيابيّة عام 2011، بإنشاء لجنة برلمانيّة تضم الأحزاب الأربعة الممثلة فيه، تكون مهمتها وضع دستورٍ توافقيّ جديد، وعد رئيس البرلمان جميل تشتشيك بتقديمه للجمهور التركي نهاية عام 2012. لم تفِ اللّجنة بالمهمة التي أوكلت إليها بالسرعة المطلوبة، فلم تناقش سوى 88 مادة من أصل 120 في سنةٍ ونصف، ولم يتم التوافق بين أعضائها إلا على 30 مادةٍ منها.

أمام فشل عمل اللجنة، اضطر أردوغان أن يحدد نهاية شهر آذار المقبل موعداً نهائيّاً لكتابة الدستور الجديد، وإلا فإن حزبه سيتوجه إلى الهيئة العامة للتصويت على مسودة دستورٍ خاص عمل على وضعه الحزب منذ عام 2007. هذه المسودة تحتاج لـ330 صوتاً على الأقل لطرحها على الاستفتاء العام، لا يملك منها الحزب الحاكم سوى 326 نائباً.

بسبب حاجته للمزيد من الأصوات البرلمانيّة، أصبح حزب “العدالة والتنمية” مضطراً للتفاوض مع الأحزاب الثلاثة الأخرى المؤلِفة للبرلمان التركي. لكنّ الحزبين الرئيسين في المعارضة، “الشعب الجمهوري” و”الحركة القوميّة”، يرفضان فكرة النظام الرئاسي من الأساس. أضف إلى رفض الأول المسّ بالمواد التي تؤكد علمانيّة الدولة، ورفض الثاني إعطاء الأكراد لأيٍ من حقوقهم.

ضاق مجال مناورة أردوغان. لم يعد أمامه من حل سوى التوجه إلى التفاهم مع كتلة حزب “السلام والديمقراطية” المؤلفة من نوابٍ أكراد. هذه الكتلة، الأصغر في البرلمان التركي، تملك 34 نائباً، ما يكفي لتمرير مسودة الدستور المقترحة إلى الاستفتاء العام.

هذا التفاهم المتوقع، سيفضي إلى موافقة حزب “السلام والديمقراطية” الكردي على مسودة الدستور الرئاسي المقترحة من الحزب الحاكم، مقابل إدخاله كشريك في المفاوضات التي تقودها الحكومة التركية مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، بالإضافة إلى تضمين الدستور الجديد حرية الأكراد باستعمال لغتهم، والتعبير عن ثقافتهم، والإقرار بتمايزهم الثقافي والإثني، وإعطائهم بعضاً من الاستقلاليّة في إدارة مناطقهم في جنوب شرق تركيا.

بعد طرحه على الاستفتاء العام، سيكون نجاح الدستور الجديد مرتبطاً بمدى تقبل الرأي العام التركي لتضمنه حلاً للمسألة الكردية. غير أن “مخاطرة” أردوغان بالتواصل مع حزب الأكراد المعارض، وتلبيّة رغباته، طمعاً بتأمين انتقال الدستور من أروقة البرلمان إلى صناديق الاقتراع، يبرز مدى جديته في حلّ المسألة الكردية من جهة، كما سعيه لإنقاذ مستقبله السياسي، وجعل الجمهورية التركية ذات نظام رئاسي يكون هو صاحب السلطة الأكبر فيه.

كان الأكراد، وخاصة القوميّون منهم، أعداء الحكم التركي الدائمين خلال القرن الماضي. أما اليوم، فتحولوا إلى عاملٍ أساسيّ قد يساهم في تغير شكل النظام السياسي التركي، كما لجسر عبور “لأردوغان”، ليتمكن من الاحتفال كرئيس جمهورية الدولة التركية، في الذكرى المئوية الأولى لتأسيسها عام 2023.

———————————–

يمكنكم الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

مقالات  أخرى عن تركيا:

أردوغان: ثلاثة أو أكثر

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته
الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفنيق والذئب الأغبر
 

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s