100 ألف صاروخ وفيلم

جو حمورة

لم يسهم شيء، ربّما، في زيادة وعي الشعوب وتعزيز ثقافتها بقدر ما ساهم فيه الفن السينمائي على مرّ التاريخ الحديث. قد يصحّ هذا القول عن معظم شعوب العالم، أمّا في لبنان، فهذا التأثير لم يأخذ يوماً مداه، أكان بسبب ضآلة الإنتاج السينمائي المحليّ، أو بسبب الرقابة الحكوميّة والأمنيّة المتشدّدة التي تظهر من الحين للآخر لمنع روّاد السينما في لبنان من تذوّق الفن السابع بحريّة.

للأمن العام اللبناني تاريخ حافل باستعمال مقصّه الرقابيّ أو حتى منع عرض الأفلام العالميّة بشكل كامل، وآخرها كان منع الفيلم الإيراني “الأكثرية الصامتة تتكلم”، والذي كان من المفترض أن يُعرض في بيروت ضمن مهرجان “أفلام المقاومة الثقافية” في السادس عشر من الشهر الحالي. ليست هذه المرّة الأولى التي يُمنع فيها اللبنانيون من مشاهدة الأفلام الإيرانيّة السياسيّة والثقافيّة، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة. إلا أنّ حجّة “الإخلال بالآداب العامّة” التي تُجّتر عادةً لتبرير استخدام مقص الرقيب لن تنفع هذه المرّة، فالسّبب سياسيّ بامتياز.

من فيلم الأكثرية الصامتة تتكلم

من فيلم الأكثرية الصامتة تتكلم

الفيلم الإيرانيّ الممنوع يعود للمخرجة الإيرانية باني خوشنودي، ويَعرضُ مشاهد على شكل فيلم وثائقي للثورة الخضراء الإيرانيّة التي قامت سنة 2009 على الحكم الإيراني، والتي قمعتها السلطات الإيرانيّة بشكل وحشي، وأعادت على أثرها “الأكثرية الصامتة” للصمت. وليس بخافٍ على أحد أن وجود قوى سياسيّة وعسكريّة لبنانيّة مرتبطة بالحكم الإيراني تمنع عرض الأفلام الثقافيّة والسياسيّة المعنيّة بالداخل الإيراني، خاصوصاً أنها كانت تظهر بطشه. والمفارقة أن حزب “المقاومة” يمنع، مباشرة أو بشكل غير مباشر، فيلماً مخصصاً لعرضه في مهرجان “أفلام المقاومة الثقافية”، في وقت تشهد البلاد العربية والمشرقيّة كلها “مقاومات” متنوّعة تبدأ بمقاومة السلطات الديكتاتوريّة مروراً بمقاومة الاحتلال ووصولاً إلى مقاومات اجتماعية على أشكالها من أجل تأمين لقمة العيش والحياة الكريمة.

من المؤسف أن دولة وحزباً يصفان نفسهما بالمقاومة، وبلداً يتبجّج بازدهار الحريات في ربوعه، أن يُمنع فيلم يناقش تجربة مقاومة لم يُكتب لها النصر حتى، لكأن أحداً لا يعلم أن الحكم الديني الإيراني، كما غيره، يمارس القمع بحق مواطنيه. والمؤسف أكثر، أن حزباً يمتلك 100 ألف صاروخٍ يخشى من فيلم مدّته ساعة واحدة، وبذلك يمنع اللبنانيين من أبسط حقوقهم الثقافيّة، فيما السينما وروادها يدفعون الثمن وسط غياب شبه كامل للتبرير الرسميّ، وغياب كامل للحجّة المقنعة للمنع.

جو حمورة، 100 ألف صاروخ وفيلم، في 28 تشرين الثاني 2014

———————- 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

رثاء الفكر القومي اللبناني والتركي

جو حمورة

موت كل مفكّر فرصة. في البدء، هي فرصة للقراءة عنه وفيه. وفي الختام، هي مناسبة لاستعراض ما آل إليه فكره. غاب المفكر اللّبناني سعيد عقل لتوّه، وهو، بالإضافة لكونه شاعراً وأديباً وسياسياً، من أهم منظّري القومية اللبنانية التي أنشأت أجيالاً كاملة من القوميين اللبنانيين منذ أواسط القرن الماضي.

عام 1912، أي في تاريخ مولد سعيد عقل في مدينة زحلة اللبنانية، كان الأتراك يعيشون آخر أيام السلطنة بعد قرون مديدة من حكم بني عثمان، فيما طبول الحرب العالمية الأولى تَقرع أبواب أوروبا. بالتوازي، بدأ الفكر القومي التركي يأخذ مداه في رِحاب السلطنة. وكان عماده ثلة من المفكرين المتعلمين في أوروبا والمتأثرين بحداثتها، إذ كان من أبرزهم المنظّر القومي التركي ضياء كوك ألب.

Ziya Gökalp: 1876-1924

Ziya Gökalp: 1876-1924

تعود بداية بروز الفكر القومي إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث أتى كخاتمة لتطور الفكر الأوروبي بعد عصر النهضة في أوروبا. وكانت القومية، بشتى أشكالها، “ضرورة” فكرية وحجّة سياسية لنشوء الدولة بمفهومها الحديث. إلا أن كلاً من الفكر القومي اللبناني والتركي، وغيرهم من الأفكار القومية الشرق-أوسطية المقترحة على مسرح القرن الماضي، أتوا كنسخ “مهجّنة” للفكر القومي ذو النشأة الأوروبية، وقد احتاج هذا الأخير إلى قرن من الزمن ليصل إلى بلادنا. هذه الفترة الزمنية استغرقها الاستشراق من ناحية، والانتداب من ناحية أخرى، لبث فكره “الغريب” في شعوب الشرق الأوسط.

في تركيا، الأقرب جغرافياً إلى أوروبا منه إلى لبنان، راح كوك ألب يبثّ الفكر القومي مع نخبة من المفكرين الآخرين. وقد عمد هؤلاء إلى استحضار التاريخ والسِمات التركية، لا الإسلامية، وإبرازها كمرجع وهوية للعثمانيين. كما أحيوا الأساطير التركية القديمة وأعلوا شأنها، وأبرزوا اللغة التركية كعنصر جامع بين الأتراك داخل حدود السلطنة وصولاً إلى التُرك قاطني آسيا الوسطى، حتى حدود الصين. هذه الأفكار أتت نتيجة ضُعف السلطنة التي كانت توصف بالـ”الرجل المريض” في أدبيات الاستشراق الأوروبي حينها،  وبسبب تأثير الثقافة الأوروبية على كوك ألب ورفاقه.

انتهت الحرب العالمية الأولى ومعها السلطنة. وراح الفكر القومي يأخذ مداه لا بين الناشئة ولا حتى النخب  -كما كان قبل الحرب- إنما في السلطة، حيث تبنّاه أول رئيس للجمهورية التركية: مصطفى كمال “أتاتورك”. باتت القومية المحرك الأساسي للسلطة وهويتها، كما المرجع الفكري لحكامها. فدفعت الإثنيات غير التركية والأقليات الأخرى ثمن الراديكالية القومية للجمهورية التركية الناشئة. كما غابت المساواة بين الجماعات داخل تركيا، وبات كل مخالف لإرادة الدولة القومية عدواً لها. فحُلت الجماعات الدينية، ونُكّل بالأكراد وغابت حرية الرأي والعمل السياسي بحجّة أن الحاكم هو الممثل “للقوم”، وهؤلاء هم مجموع السّكان الخاضعين للدولة والحاكم من دون سؤال.

Said Akl: 1912-2014

Said Akl: 1912-2014

أما في لبنان، فلم يشارك أحد في السلطة بشكل حقيقي بعد تبنيه صراحة قومية سعيد عقل اللبنانية. إلا أن منطلقات فكر الرجل تشبه تلك التي انطلق منها كوك ألب. فمن التركيز على المفهوم القومي للشعب “الواحد”، ونكران الفروقات الإثنية والدينية، إلى إعادة إحياء الأساطير الغابرة، وصولاً إلى إعلاء شأن الدولة القومية التي من شأنها أن تُمحي كل التمايزات والفروقات بين الجماعات. غير أن ظروف الحياة وواقع حقيقة هوية الشعوب أقوى من كل الإيديولوجيات والأفكار.

في تركيا، ذهبت القومية التركية أدراج الرياح، فيما حلّ مكانها تيار الإسلام السياسي الأكثر شرعية في تمثيل الأتراك. ومع وصول حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي للحكم منذ العام 2002، تصالحت هوية السلطة الرمزية مع هوية الناس الحقيقية، وما عاد النقيض بينهما بارزاً. وربما هذا أحد الأسباب الضامنة، من أسباب كثيرة، لفوز “العدالة والتنمية” الدائم في الإنتخابات التركية. فيما باتت الحكومات التركية المتعاقبة تستطيع أن تعترف بالأقلية الكردية مثلاً وتطرح حلولاً لها، في حين كان الحكم القومي يرفض حتى الاعتراف بوجود هذه الأقلية أساساً.

أما في لبنان، فتمايز مكوناته وتعدديته الدينية والطائفية ضمنت دفن الفكر القومي اللبناني في لحده. فقد غلبت تعددية المجتمع اللبناني كل أفكار الصهر القومي التي مرّت على لبنان. وباتت التعددية فيه، ليس شكلاً من أشكال النظام السياسي فحسب، إنما ميزة للبنانيين وهوية السلطة بذاتها، وتُمارس يومياً في السلطة والقوانين الخاصة وبين عامة الناس.

على مدى القرن الماضي، فشلت الأفكار القومية في الشرق الأوسط في قمع الهويات الدينية واللغوية والإثنية الخاصة بمكونات الدول وتوحيدها. ويعود فشل الفكر القومي الهجين إلى أنه، كفكر، جامد في التاريخ من ناحية ويقدّم نفسه كحقيقة مطلقة من ناحية أخرى، في وقت أن الحياة ومتطلباتها وتطور الشعوب دائمي الحركة. أضف إلى ذلك أنه ذو منشأ أوروبي غريب عن شعوب المشرق وتاريخها بشكل عام.  فيما يكمن خلاص هذه الشعوب في تلائم وتجانس هوية النظام والسلطة مع الهوية الأولية لمجمل مكونات الشعب، وهي الهوية الدينية والطائفية في أغلب الأحيان.

نشر أولا على موقع تركيا-نيوز2023

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

دولة “داعش” وجدت.. لتبقى

جو حمورة

على الرغم من إثارته اهتمام العالم بشكل عام والأوساط الأكاديمية الإسلامية بشكل خاص، لم يقدم “داعش” بإعلانه إقامة دولة الخلافة الإسلامية على أي جديد على صعيد الفكر الإسلامي “الحديث”. إنّما التنظيم الموصوف بالإرهابي أتى كخلاصة لتطور هذا الفكر الإسلامي خلال حوالى قرن من الزمن، كما لتطور أجيال متلاحقة ربّاها تنظيم “القاعدة” في الدول الآسيوية ذات الأكثرية الإسلامية من أجل قتال كل آخر مختلف عن هويتهم الدينية ونظرتهم إلى الأمور الشرعية والفقهية.

منذ هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال “أتاتورك” بإلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، عاش العالم الإسلامي في تناقض فكري فيما بين تداعيات نشر مفهوم الدولة الحديثة من جهة وإرث الإسلام التقليدي من جهة أخرى، ووسط غياب “الزعيم” التقليدي الذي بقي وجوده هو الثابت في التجربة التاريخية للمسلمين على الرغم من تبدّل قادتهم وأحوالهم. فمنذ نشأة الدين الإسلامي ومروراً بكل من الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ووصولاً إلى الخلفاء العثمانيين، جمع الخليفة في شخصه على مر الزمن ما بين السلطة الدينية والسياسة والعسكرية في آن واحد. فيما شغل إلغاء الخلافة، وإدخال المجتمعات الإسلامية في طور الحداثة القسرية على يد الانتداب والاستعمار، كمقدّمة لردة فعل عنفية، فكرية وعسكرية، بدأت ملامحها في سعي بعض المفكرين إلى استنباط حلول للمسلمين بالعودة إلى الجذور الإسلامية وإعادة بناء دولة الخلافة، حيث كان أبرزهم المفكر الإسلامي محمد رشيد رضا.

محمد رشيد رضا

محمد رشيد رضا

وتكمن أهمية رشيد رضا في الخط البياني للحركة الإسلامية الحديثة، في أنه شكّل حلقة الوصل فيما بين محمد بن عبد الوهاب وحسن البنا، أي فيما بين “الوهابية” و”الإخوان المسلمون”، فساهمت كتاباته في تشرّب حركة “الإخوان” بعضاً من النزعة السلفية في أوائل بدايتها في العقد الثاني من القرن العشرين. ورشيد رضا، المولود في قرية القلمون في شمال لبنان، عايش فترة إلغاء السلطنة العثمانية والخلافة بشكل نهائي، إلا أنه راح ينشر ويكتب ويزور الأقطار الإسلامية للتبشير بأهمية العودة للحكم الإسلامي الصحيح، فوضع كتابه “الخلافة” مفصّلاً فيه نظرته لكيفية بعث الحكم الإسلامي من جديد، ومركّزاً على تعاون العرب والتُرك والكُرد لتحقيق هذه الغاية، فيما كان اختياره لمدينة الموصل كعاصمة للخلافة الموعودة يعود برأيه لتموضعها في الوسط الجغرافي للعالم الإسلامي من ناحية ولأنها تضم كرداً وعرباً وتركاً من ناحية أخرى.

إلا أن أحلام رشيد رضا لم تثمر إلا بعد حوالي قرن من الزمن، وذلك على يد أبو بكر البغدادي الذي حقق إقامة الخلافة الإسلامية على أجزاء من العراق وسوريا، فيما باتت الموصل عاصمة الدولة الناشئة وأهم مدنها من حيث الموقع والحجم السكاني والتاريخ الثقافي والسياسي، كما أنّها المدينة التي ألقى فيها البغدادي أول خُطبِه الدينية كخليفة. إلا أن الدولة الإسلامية الناشئة لم تعتمد فقط على البُعد الجغرافي الذي ركّز عليه رشيد رضا عند اختياره لعاصمة الخلافة ومكانها، إنما على البُعد السياسي الذي وضعه المفكر الجهادي وأحد منظري “القاعدة” عبدالله بن محمد في كتابه “المذكرة الإستراتيجية” الذي كتبه على شكل رسالة ودليل استراتيجي إلى كل من يريد تطبيق نظام الخلافة وتحقيقه.

وفي هذا الكتاب الصادر عام 2011، يركّز بن محمد على أهمية القوة العسكرية وعملها الضارب والسريع في بناء معنويات جيش الخلافة، كما على الحرب الإعلامية التي يجب أن تكون دموية لدرجة أن تنهي كل معركة قبل بدئها عبر إخافتها للأعداء من هول “الإجرام”. وفي مقاربة ما طرحه بن محمد نظرياً وقام به البغدادي عملياً، يمكن ملاحظة التطابق بين النظرية المقترحة وأدوات التطبيق “الداعشية” في كل من سوريا والعراق على مدار العام 2014، حيث كانت كل الجيوش المختلفة تنهار سريعاً أمام تقدم جنود الخلافة الساحق. أما الماكينة الإعلامية لـ”داعش” فكانت تُنزل الرعب في قلوب أعداء التنظيم، بينما يقوم أعداؤه أنفسهم في بث فيديوهات التنظيم بشكل متكرر وساذج لظنهم أنهم يؤلبون الرأي العام ضد “داعش”، فيما التنظيم يكسب شهرة ويَدب الخوف في نفوس أعدائه في الوقت ذاته.

إضافة إلى الدعاية والحسم السريع، يَذكر كتاب “المذكرة الإستراتيجية” أهمية جذب المهاجرين المسلمين من كل أصقاع الأرض إلى دولة الخلافة اعتماداً على الدعاية وبث الروح المعنوية وتقديم المغريات للمقاتلين. وفي نظرة سريعة على دور المهاجرين إلى دولة الخلافة في الحرب وأهميتهم العددية حيث يمكن رؤيتهم في كل الفيديوهات التي تظهر يومياً على وسائل الإعلام، يمكن القول أن البغدادي وسياسة دولته طبّقت ما اقترحه بن محمد في كتابه.

داعش يستعرض قوته

داعش يستعرض قوته

وعدا ذلك، يقدّم الكتاب نفسه مقترحات على شكل أمثلة عن كيفية العمل العسكري والسياسي، ويقترح مثلاً نقل وقتل كل الأقليات الدينية لكي لا “تبقى شوكة في خاصرة المسلمين وباباً للتدخل في شؤون دولة الخلافة”. بالإضافة إلى استخدام النفط، بعد الاستيلاء عليه، من أجل تحقيق الموارد المادية اللازمة لأدوات الحرب، فيما هي مقترحات يبدو أن البغدادي قد أخذ بها وطبقها بحذافيرها بعدما مارس “داعش” الاضطهاد بحق الأقليات الدينية والعرقية من مسيحيين وشيعة وأيزيديين وأكراد وقبائل عدة، كما جعل من النفط والآبار التي سيطر عليها أدوات لزيادة موارده المادية والتقدم إلى مناطق جديدة بعد تعزيز آلته العسكرية.

بالعودة إلى فكر رشيد رضا من جهة وفكر عبدالله بن محمد من جهة أخرى والكثير من المفكرين فيما بينهما، يمكن الركون إلى حقيقة أن الدولة الإسلامية التي نراها تقوم بممارسة القتل اليوم ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج أزمة سياسية وعسكرية في كل من سوريا والعراق فقط، إنما هي نتاج أزمة دينية في صلبها، وفشل كل المحاولات التحديثية بالمعنى الغربي للمجتمعات الواقعة في قلب المشرق العربي كما ظلم وطائفية نظامي البعث في سوريا والعراق. وعلى الرغم من أن التحالف الدولي المؤلف من 60 دولة يقاتل “داعش” منذ حوالي الثلاثة أشهر، ويلقي بقنابله على رؤوس التنظيم وقياداته، إلا أن هذا الأخير لا يزال يتمدد في العديد من الأماكن. كما أنه بدأ بكسب التعاطف والمبايعة الفعلية خارج أماكن سيطرته، وكان آخرها سيطرة مقاتلين إسلاميين على مدينة درنة على الحدود الليبية – المصرية وقيامهم بمبايعة “داعش”، كما قيام تنظيم “أنصار بيت المقدس” في سيناء المصرية أيضاً بمبايعة التنظيم، وصولاً إلى الخلية المغربية الصغيرة التي أعلنت مبايعة “داعش” وتمكنت السلطات المغربية من القاء القبض على أفرادها الأسبوع الماضي، علماً أن التنظيمين والخلية بعيدون جغرافياً عن أرض الخلافة وعاصمتها. وتؤشر هذه الاحداث المتنقلة إلى أن “داعش” لا يزال يتقدّم في أكثر من مكان ويحقق مكاسب عدة متكلاً على سلسلة من المفكرين الإسلاميين الذين يشكلون القاعدة لفكره وأسلوب عمله السياسي والعسكري، كما على عشرات آلاف المهاجرين القادمين للموت في أرض الخلافة طمعا بالجنة وببقاء دولة الخلافة الإسلامية.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 1 كانون الأول 2014 (العدد رقم 1485)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

تركيا تعزز حضورها في العراق

جو حمورة

لم تكن زيارات رئيس الحكومة التركية الخارجية يوماً إلا حدثاً إستثنائياً في الدبلوماسية الإقليمية. فالبرفوسور التركي المرموق أحمد داوود أوغلو يجمع إلى خبرته الأكاديمية المعتبَرة حِنكة سياسية ملفتة مكّنته من التمايز عن بقية نظرائه من السياسيين. فمن أكاديمي وواضعٍ اللبنات الأساسية للسياسية الخارجية التركية الحديثة إلى صاحب مناصب سياسية عدة تدرّج فيها إلى أن أصبح رئيس الحكومة التركية الحالي، جامعاً ما بين البُعد النظري الذي وَضعه لسياسة بلاده الخارجية والبُعد والعملي لتطبيقها، منتجاً سياسة خارجية حيوية ومؤثرة لتركيا في محيطها.

حطّ أوغلو رحاله في العشرين من شهر تشرين الثاني في جارته العراقية التي تشهد أزمة أمنية وعسكرية بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مساحات واسعة من العراق، إضافة لأزمة سياسية بين حكومة بغداد المركزية وحكومة الإقليم الكردي. ولدولة العراق التي مزّقتها الحروب أولوية في سياسة تركيا الخارجية حالياً، إذ أنّها الجار القريب ومنبع للموارد الطبيعية ومصدر تهديد للأمن القومي التركي. فكانت الزيارة التي بدأها أوغلو في بغداد ومن ثم في عاصمة الإقليم الكردي إربيل محط أنظار العراقيين، كما تضمنت بحثاً بين الجانبين تركّز على المواضيع الأمنية والنفطية بشكلٍ خاص.

من بغداد التي تتخبط بأزمتها السياسية على وقع “الصراع” الإيراني – الأميركي، اتفق الطرفين التركي والعراقي على زيادة التعاون الأمني والإستخباراتي بينهما من أجل مواجهة التهديد المتمثل بـ”داعش”. كما أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أن “تركيا دعتنا للتعاون عسكرياً في مواجهة الإرهاب ونحن رحبنا بذلك”، مضيفاً أن هناك صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين آملاً بالانتصار على “داعش” في القريب العاجل. أمّا أوغلو، فردّ على الإيجابية العراقية بأفضل منها، حيث دعا نظيره العراقي إلى زيارة تركيا في الـ24 من كانون الأول القادم مؤكداً أن العبادي رحب بالدعوة وسيلبيها.

على الرغم من عمق الروابط بين كل من الشعبين التركي والعراقي وتلازم التجربة التاريخية المشتركة بينهما، قد يكون التقارب بين السلطتين التركية والعراقية استثناءاً بذاته. إلا أنّ المميز في هذه الزيارة هو زيادة الحضور التركي في العراق في ظل وجود حكومة محسوبة سياسياً على إيران، وفي وقت تتفاوض فيه هذه الأخيرة مع الدول الغربية على برنامجها النووي وما قد يترتب عليه من إعادة توزيع في النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط في حال تم التوصل إلى اتفاق مبدأي بين الطرفين. وقد يكون أوغلو، من خلال تعزيز تقديم يد العون لحكومة العراق ضد “داعش”، قد أصاب عصفوراً ثانياً في الوقت عينه، وطرح بلاده كضامنٍ إقليمي وبديلٍ أمني وعسكري محتملاً لحكومة بغداد مكان إيران.

خلال زيارة رئيس الحكومة التركية إلى مخيمات تدريب جيش البشمركة الكردي

خلال زيارة رئيس الحكومة التركية إلى مخيمات تدريب جيش البشمركة الكردي

أما إربيل، والتي قام أوغلو بزيارتها أيضاً، فالوضع الأمني والعسكري أفضل حالاً فيها من الوضع في بغداد، كذلك هو التعاون القديم العهد نسبياً بين الإقليم وتركيا والذي قطع أشواطاً متقدمة منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم في أنقرة. وقد بادر أوغلو في اجتماعه مع رئيس الإقليم الكردي مسعود البرزاني إلى التركيز على الشق الأمني بين الطرفين مؤكداً أن “أمن الإقليم الكردي حيوي وضروري لتركيا ويحمل أبعاداً تاريخية، إنسانية واستراتيجية”، فيما اعتبر البرزاني أن أوغلو عرض خلال زيارته “كل أشكال الدعم” من أجل الحفاظ على أمن الإقليم وإستقراره. وقد عرج رئيس الحكومة التركية خلال زيارته كذلك على مركزين لتدريب قوات “البشمركة” الكردية والتي تديره قوات من النخبة التركية في منطقة زاخو في الإقليم الكردي، واعتبر خلال الزيارة أن دعم تركيا لقوات “البشمركة” سيزيد باستمرار.

هذا الحدث، وقبله سماح تركيا بمرور قوات “البشمركة” في أراضيها لدخول مدينة كوباني/عين عرب السورية، يدلّان على عمق التنسيق الأمني والعسكري بين تركيا والإقليم ومدى إيجابيته في مواجهة “داعش”، يضاف إليه التنسيق السياسي والإقتصادي بين الطرفين. ففي الوقت الذي تتشعب فيه العلاقات بين الجانبين لتشمل كافة الأشكال الممكنة، يبقى الموضوع النفطي أساسياً في العلاقة بينهما، وهذا ما يؤكده الطرفان عبر استمرار تدفق النفط الكردي إلى تركيا.

إلا أن قيام الإقليم الكردي بنقل النفط من أراضيه عبر الأراضي التركية، ومن دون الرجوع إلى حكومة بغداد المركزية، لطالما أثار مشاكل ونزاعات سياسية وقضائية بين الطرفين العراقيين. غير أن تسوية مؤقتة لهذا النزاع قد تمّت بالفعل مع توصل الحكومتين العراقيتين إلى اتفاق فيما بينهما يُعطى على أثره الإقليم بعض الأموال المخصصة له من الميزانية المركزية مقابل “تصديره” لبعض منتجاته النفطية لحكومة بغداد. وعلى الرغم من أن الإتفاق المؤقت الذي تم الإعلان عن تفاصيله مع زيارة أوغلو إلى العراق له ملامح إتفاق بين دولتين مستقلتين لا بين حكومة مركزية وإقليم في الدولة نفسها، إلا أنه يضمن لكِلا الطرفين ما يحتاجانه من موارد نفطية ومالية لمواجهة أثار المعركة مع “داعش”، بالاضافة إلى ضمان مصالح تركيا الاقتصادية من صادرات النفط الكردي ويضعها حارساً على الإتفاق خاصة وأن تصدير النفط مرتبط بها بشكل مباشر.

وكما يقدم أوغلو بلاده كضامنٍ إقليمي وأمني للعراق بسلطتيه، كذلك يفعل في الموضوع النفطي، ويرعى اتفاق بين الحكومتين العراقيتين خاصة وأن النفط الكردي، كما النفط العراقي ما عدا الموجود جنوب البلاد، لا يمكنه أن يُصَدّر إلا عبر الأراضي التركية مروراً بالإقليم الكردي لأن “داعش” يسيطر على أنابيب النفط الأخرى. في حين أن الإتفاق النفطي بذاته يؤمّن مصالح الأطراف الثلاث المعنية به، كما يزيد من حضور تركيا في العراق كضامن للإتفاق وللعلاقة بين حكومتيه.

نشر أولا على موقع تركيا-نيوز2023

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا