مصاب غزة يتوج “أردوغان” رئيساً


جو حمورة

من دون إقامة المناسف على شرفه أو إجبار الناس على الحضور إلى القصر للمبايعة، احتفل رجب طيب أردوغان بفوزه برئاسة جمهورية تركيا بالتوجه إلى مقام الصحابيّ أبي أيوب الأنصاري للصلاة، مستكملاً عادة درج السلاطين العثمانيون على القيام بها عند تعيينهم. وأتبع الرجل الأقوى في تركيا زيارته بإلقاء خطاب النصر الانتخابي المعتاد أمام جماهير حزبه حيث تطرق إلى شؤونالأمةوأهمها موضوع فلسطين وتحديداً الحرب على قطاع غزة.

على عكس الشعارات الشعبوية والنظرية التي يطلقها الرؤساء العرب حينانتخابهمحول غزة والقضية الفلسطينية، تضمّن خطاب رئيس تركيا الجديد مبادرة لنقل الجرحى الغزاويين لمعالجتهم فيها. وهذا ما تم بالفعل عبر البدء في ليلة الإنتخاب نفسها بنقل الجرحى الفلسطينيين إلى تركيا، ولكن عبر مطاربن غوريونالإسرائيلي وليس مطار القاهرة بسبب إغلاق مصر لمعبر رفح حتى الآن.

ليس قيام أردوغان بهذه المبادرة وليدة الظروف الآنية فقط، بل إعلان عام وواضح بأنه وتركيا معنيان ومسؤولان عما يجري في العالم الإسلامي تيمناً بما كان يفعله السلاطين العثمانيون سابقاً. كذلك، فإن غزة ومصابها لعبا دوراً أساسياً في الفوزالأردوغانيفي الرئاسة التركية من الدورة الأولى أمام منافسيه العلمانيين والأكراد.

erdogan Gaza 3

تاريخياً، كانت تركيا المحكومة من العلمانيين والقوميين والعسكر مقربة إلى إسرائيل أكثر مما هي معنية بقضايا المسلمين أو القضية الفلسطينية. إلا أن الصعود الجماهيري للإسلام السياسي المحافظ في تركيا، منذ بداية التسعينيات، وتربعه على السلطة في أنقرة منذ العام 2002، جعل من موالاة الأتراك لأخوتهم المسلمين ولفلسطين أمراً طبيعياً. غير أن تعاطف حكام تركيا الحاليين مع فلسطين وغزة ليس مجرد سياسة حكومية رسمية فقط بل مطلب شعبي تلبيه السلطة لتأكيد شرعيتها وإستمرارها بالسلطة بشكل أساسي.

يدخل موضوع غزة في تأكيد شرعية أردوغان وحزبه الإسلامي المحافظ في حسابات السلطة والمحافظة عليها. تنشر إستطلاعات الرأي التركية أن معظم الأتراك يتعاطفون مع غزة فيردد أردوغان إسم القطاع عشرات المرات في كل خطاب له. تهتف الجماهير بدماء الأطفال الفلسطينيين والإجرام الإسرائيلي، فيعتمر الرجل الكوفية الفلسطينية في المهرجانات ويهاجم إسرائيل على الشاشات. تطلق الجمعيات الإنسانية التركية مبادرة لكسر الحصار على غزة، فيرد رئيس حكومتهم بمبادرة لنقل الجرحى الغزاويين إلى تركيا للاستشفاء ويسلط الأضواء الإعلامية عليها. ما هو إلا سوق عرض وطلب سياسي، حيث تدخل فيه غزة كسلعة للمقايضة، وإشباع رغبات الجماهير التركية كوسيلة، واستمرار أردوغان في السلطة كهدف، والجميع يأخذ مراده في النهاية.

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

إربيل خط أميركي أحمر

جو حمورة

ليس الجيش اللبناني وحده من يحارب المنظمات الإرهابية على حدوده. فمن لبنان إلى العراق، يتشارك كل من الجيش اللبناني وجيش إقليم كردستان شبه المستقل، البشمركة، في قتال المنظمات الإرهابية. فيما يبقى كل من الجيشين السوري والعراقي الرسميين فاقدين للقدرة والإمكانيات في دخول معركة حقيقية ضد “داعش” على أراضيهما، مكتفيين بقتالها بالواسطة أحياناً وبخجلٍ أحياناً أخرى. غير أن فعل سيطرة “داعش” على أجزاء واسعة من العراق وسوريا لا يتعدى بنتائجه الخطر على وحدة البلدين واستمرار السلطة الرسمية فيهما إلى حدود الخطر على الوجود الذي يتهدد أكراد شمال العراق بعدما تقدمت “داعش” إلى حدود الإقليم الكردي وسيطرت على المدن والقرى المحيطة به وقضاء سنجار موطن الأقلية الإيزيدية في العراق.

بعد تهجير الأقلية المسيحية من الموصل وضواحيها، إنتقلت “داعش” في إجرامها إلى تهجير وقتل الأقلية الإيزيدية الناطقة بالكردية في قضاء سنجار. تم تخيير الإيزيديين بين الدخول في الإسلام الذي تعتنقه “داعش” أو القتل، ففضلوا النزوح بالآلاف إلى جبال سنجار القاحلة حيث لا ماء ولا غذاء. لم تستطع قوات البشمركة مساعدتهم عسكرياً لانشغالها بقتال “داعش” على كل الجبهات الأخرى، ما أنبأ بقرب حصول إبادة جماعية للطائفة الإيزيدية، ودفع بالولايات المتحدة الأميركية للتحرك عبر توجيه ضربات جوية محدودة لأرتال “داعش” العسكرية وبعض مواقعها وإسقاط المؤن الغذائية فوق النازحين، إضافة لإرسال بعض شحنات الأسلحة الثقيلة لقوات البشمركة عبر مطار إربيل عاصمة الإقليم الكردي.

قتلى وجرحى باشتباك بين الجيش اللبناني ومسلحين

هذا التدخل الأميركي المباشر هو الأول من نوعه منذ صعود “داعش” في كل من سوريا والعراق. إلا أنه يبقى محدوداً ويهدف إلى ضبط إيقاع المعارك وحماية الإقليم الكردي ومساندته في مواجهة “داعش”، ولا يتعدى تلك الأهداف إلى حدود القضاء على التنظيم الإرهابي. في حين أن الولايات المتحدة لم تقم بالعمل ذاته عندما إجتاحت “داعش” الجيش العراقي الرسمي، وقوضت سلطة بغداد المركزية ذات الانتماء الشيعي الغالب والمتحالفة مع إيران.

ويعود تفضيل الولايات المتحدة الأميركية لإربيل على بغداد إلى عاملين أساسيين: الأول، مرتبط بملف التفاوض على البرنامج النووي الإيراني وما يتفرع عنه من قضايا إقليمية تجعل من ضعف السلطة العراقية المتحالفة مع إيران ورقة رابحة لأميركا لحظة جلوسهما على طاولة المفاوضات، في حين يترتب على تقدم “داعش” في سوريا والعراق ضعف للنفوذ الإيراني الخارجي كما زيادة الأعباء المالية الإيرانية لمساعدة الجيش العراقي للحفاظ على ماء الوجه بمواجهة “داعش”. وفي مقابل المصلحة الأميركية في إغراق إيران أكثر في وحول العراق، يشكل الإقليم الكردي نقطة تلاقٍ بين تركيا وإسرائيل حليفي أميركا الدائمين في الشرق، حيث تقوم الأولى بدعم إربيل إقتصادياً والثانية بدعمها سياسياً، خصوصاً في مسألة مسعاها الإستقلالي.

أما العامل الثاني فمرتبط بالمسؤولية المعنوية التي تتحملها الولايات المتحدة الأميركية في العراق، بعدما اجتاحته سابقاً وحلّت جيشه البعثي وبنت بديلاُ منه جيشاً جديداً له لم يكن على قدر الطموحات الأميركية في ضبط الأمن وتأمين الاستقرار في العراق بسبب فئويته الطائفية. في حين أن الإقليم الكردي وحكّامه من المقربين للولايات المتحدة حتى منذ ما قبل الاجتياح الأميركي للعراق، وهم الوحيدون المالكون لسلطة وجيش موحد ومساندة شعبية قادرة على صد “داعش” وتحجيمها.

تبرز وحدة السلطة السياسية والجيش والدعم الشعبي شروط ضرورية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وهي شروط تغيب في الحالة السورية والعراقية الرسمية وتحضر في الحالة اللبنانية والكردية، وتجعل من لبنان والإقليم الكردي أكثر قدرة على الدفاع عن نفسيهما في مواجهة الإرهاب، متكلين على شروط المواجهة الخاصة. بينما، وبالرغم من وفرة العدد والعديد في الجيشين السوري والعراقي، يقف النظامين مكبلين أمام مواجهة “داعش” بسبب محدودية تمثيلهما وشرعيتهما الشعبية والخلافات والإنشقاقات التي طالت سلطتهما وجيشهما.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 18 آب 2014 (العدد رقم 1470)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

في ذكراها الثامنة.. من إنتصر بحرب تموز 2006؟

بعيداً عن الببغائيات والشعارات، والإدعاء الدعائي بالإنتصارات على النمط العربي الفارغ والكاذب. أو، بالمقابل، العداء المطلق من البعض لكل حركة تحررية من السيطرة الإسرائيلية، يمكن مقاربة حرب تموز 2006 في ذكراها الثامنة، وهوية المنتصر فيها، بشكل مختلف.

نظرياً وعلمياً، ولقياس من فاز بأية حرب، يكفي الإتكال على دراسة الإتفاق الذي أنهاها وشروطه. وذلك تبعاً لواقعية أن الإتفاق السياسي على شروط ما بعد الحرب بين المتقاتلين هو صورة سياسية طبق الأصل عن الواقع العسكري والميداني خلالها.

الإتفاق السياسي في حالة حرب تموز هو القرار 1701 وهو النتيجة الأكثر دواماً زمنياً والنتيجة المباشرة للتوازن العسكري الذي فرضته المعركة. الإتفاق السياسي هو المعيار والمقياس وصورة طبق الأصل عن الواقع العسكري الذي لا يدري به أحد بشكل حقيقي سوى قيادتي المتقاتلين فقط.

حرب تموز 2006 بين إسرائل وحزب الله

حرب تموز 2006 بين إسرائل وحزب الله

بالمقابل، لا تهم كمية الصواريخ أو القتلى أو أعداد الجنود الجرحى أو الخسائر الإقتصادية عند الطرفين لمقاربة من فاز بالحرب، على الرغم من أهميتها الدعائية أو في موضوع صياغة الإتفاق النهائي الذي يوقف الحرب. وذلك لأن هذه الخسائر عند الطرفين ظرفية بشكل مبدئي، بينما الإتفاق ما بعد الحرب هو الأكثر دواماً.

لذا القول أن الإقتصاد الإسرائيلي تأثر نتيجة الحرب أكثر من الإقتصاد اللبناني، أو كمية صواريخ حزب الله الكبيرة التي دُمرت خلالها مقارنة مع عتاد إسرائيل ليسا معايير علمية وحقيقية لمقاربة من الفائز أو الخاسر في الحرب. بل مجرد أدوات تصلح للإستغلال الدعائي من جانب الطرفين.

كذلك، لا تشكل الأهداف المعلنة والعلنية، إن تحققت أم لا، من قبل الطرفين لقيامهما بالحرب أي مؤشر علمي لمعرفة هوية الفائز في الحرب. ذلك لأن كل طرف يعمد غالباً إلى تمويه أهدافه الحقيقية من خوضه المعركة بأخرى علنية للإستهلاك الشعبي.

فمثلاً، قيام إسرائيل بإعلان أن هدفها من حرب تموز هو تدمير حزب الله بشكل كامل هو محض دعائي وللإستهلاك الداخلي وربما الدولي. فأي دولة تخوض حرباً لن تقول لشعبها إلا ما يحب سماعه للحصول على التأييد الشعبي والتغطية الدولية.

لذلك، لا يمكن مقاربة من فاز في حرب تموز من خلال الخسائر المادية والبشرية أو الأهداف المعلنية المحققة أم لا، إنما المعيار الدائم هو الإتفاق السياسي النهائي الذي أوقف الحرب والذي هو الصورة الحقيقية للميزان العسكري لها.

لذا، عند البحث في بنود الإتفاق السياسي المعروف بالقرار الدولي 1701 الموافق عليه من قبل أطراف الحرب، يمكن أن نرى أنه لمصلحة إسرائيل وعلى حساب حزب الله: نشر الجيش اللبناني في الجنوب، تراجع قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، تعزيز قوات الأمم المتحدة على أراضي الجنوب اللبناني، حصار بحري على حزب الله…

يمكن القول إذاً أن حزب الله إنهزم في حرب تموز لأن الإتفاق السياسي، والذي هو الصورة الحقيقية للميزان العسكري وما جرى في ساحة المعركة، كان لمصلحة إسرائيل.

لم تكن الهزيمة شاملة طبعاً، كما يمكن الإعتراف موضوعياً ببسالة حزب الله وجنوده في مقارعة قوة كإسرائيل. من ناحية أخرى، وبالرغم من دعايته الناجحة، وأغاني جوليا بطرس الجميلة، تبقى جبهة الجنوب اللبناني منذ اليوم الأول لإقرار الإتفاق 1701 هادئة من الجانب الإسرائيلي الذي يخرق الأجواء اللبنانية يومياً، يقصف حزب الله في سوريا كل 4 أشهر، ويغتال قياداته ويعتقل محازبيه في دول العالم… بينما تنعم إسرائيل بالأمن على حدودها الشمالية، وربما هذا كان هدفها الأساسي من الحرب.

أردوغان يرتب البيت الداخلي: عودة تركيا الثانية إلى الشرق

جو حمورة

بعدما شارك المغتربون الأتراك حول العالم في انتخابات رئاسة جمهورية بلادهم على مدى الأسبوعين الماضيين، يستكمل الأتراك المقيمون في العاشر من آب المشاركة في الإنتخابات الرئاسية التي تجري مباشرة من الشعب لأول مرة في تاريخهم، حيث يتصدر رئيس الحكومة التركية الحالي، والمرشح الرئاسي، رجب طيب أردوغان، كل إستطلاعات الرأي التي تتراوح بين فوزه في الدورة الأولى بصعوبة أو في الدورة الثانية أمام مرشحين يمثلان الجماعات العلمانية والكردية. وتمثل هذه الإنتخابات مرحلة مفصلية في تاريخ تركيا العائدة إلى الشرق بعد إنقطاع دام قرابة قرنٍ من الزمن، كما في حياة أردوغان السياسية، والتي ستمكنه في حال فوزه من السيطرة شبه المطلقة على كل مفاصل السلطة في تركيا بعدما فاز سابقاً في معاركه الداخلية على الجيش التركي حامي العلمانية، كما على منافسيه الإسلاميين الآخرين.

مع وصول حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا إلى السلطة عام 2002، عمد الحزب ورئيسه إلى إنتهاج سياسة إصلاحية إقتصادية وإجتماعية زادت من شعبيته فمكنته من الإنقضاض على خصومه العلمانيين الواحد تلو الآخر بقوة الإنتخابات ونتائج الصناديق. أما خارجياً، فأبقى على السياسة الخارجية التقليدية التركية الطامحة إلى دخول نادي الدول الأوروبية كما على الشراكة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الإقليمية، إلا أنه أضاف عليها طموحاً سياسياً تمثل في إستدارة تركيا إلى الشرق العربي والإسلامي متكلاً على إرثها العثماني الإسلامي وتأثيرها الثقافي وقوتها الإقتصادية، وهي المقدرات الثلاث التي لا ينافسها أحد بجدية فيها في الشرق العربي.

شكلت الأعوام الممتدة من العام 2008 إلى العام 2011 ذروة النفوذ والقوة التركية في الشرق العربي والعالم الإسلامي، أكان عبر الإتفاقات الاقتصادية والسياسية التي عقدتها تركيا مع معظم الدول العربية، أم بسبب زيادة تأثير الإرث الثقافي التركي – العثماني على الجماهير العربية المتلقية، من دون أن تنسى أنقرة إرداف سياستها الخارجية بافتعال أزمة سياسية مع تل أبيب وصلت إلى حدود القطيعة الدبلوماسية ما أثر على زيادة شعبية أردوغان وبلاده في الدول العربية والإسلامية. إلا أن الربيع العربي، وما نتج عنه من سقوط أنظمة كانت على تعاون وثيق مع تركيا، أو في الفشل اللاحق للحركات الشعبية التي ساندتها من الوصول إلى السلطة في بلدانها، قد أضعفت نفوذ تركيا في المنطقة. وإن أبلغ هذه الأمثلة خسارة “الإخوان المسلمين”، حلفاء تركيا، للسلطة في مصر ونشوء خلاف حاد بين كل من تركيا وقطر من جهة والسعودية ومصر من جهة أخرى. هذا الخلاف الذي تبلور غالباً في صراعٍ على تشكيل السلطة في مصر والنفوذ في “الإئتلاف الوطني” السوري المعارض وتوزيع النفوذ والأدوار بين فلسطينيي قطاع غزة والضفة الغربية. يضاف إلى ذلك “الربيع التركي” الذي كاد أن يعصف بحِكم أردوغان في صيف العام 2013 مع مظاهرات ميدان “تقسيم” وما تبعه من قضايا فساد حكومية طالت المقربين من رئيس الحكومة وإستقالة بعضاً من وزراءه.

ويعود جزء أساسي من قدرة تركيا على التأثر الخارجي إلى حالة الهدوء الداخلي و الإزدهار التي تنعم به، كما على الدعم الشعبي الذي تلاقاه حزب “العدالة والتنمية” في خمسة إنتخابات برلمانية وبلدية كسبها جميعها منذ العام 2002، ما يعطي، غالباً، دفعاً متزايداً للسياسة الخارجية بعد ضمان الدعم الداخلي. لذلك، تمثل الإنتخابات الرئاسية الحالية فرصة ذهبية لتأكيد الدعم الشعبي لأردوغان وسياساته من جديد، كما تعطي، حال فوزه، دفعاً شعبياً وشرعياً للعودة والإنغماس أكثر في الشرق العربي وأزماته وقضاياه.

وقياساً على الحالة التي كانت فيها الدول العربية قبل الربيع العربي وبعده، يسهل على تركيا (أو أي دولة إقليمية قوية آخرى) الإنغماس أكثر في قضايا العالم العربي وكسب المزيد من النفوذ لها فيه. ومرد ذلك إلى تضخم عدد القوى الفاعلة في الدول العربية وإختلاف مشاربها، حيث أنتج الربيع العربي وما تلاه من حروب وأزمات ظهور عدد كبير من القوى السياسية والعسكرية الفاعلة بعدما تقاسمت السلطة والنفوذ من السلطات المركزية في كل دولة، وهذا ما يسهل على الدول الإقليمية مد نفوذها ودعمها وسياساتها في أكثر من إتجاه ومع أكثر من طرف وفي الوقت نفسه.

غير أن الإنتخابات التي يخوضها أردوغان لا تملك هدفاً خارجياً حصراً، إنما هدفها الأول هو ترتيب البيت التركي الداخلي وإعادة إنتاج سلطة تركية تعطيه نفوذاً أوسع في الدستور ومع الجماعات التركية المتعددة. وقد أفصح أردوغان أكثر من مرة عن نيته تعديل الدستور والنظام التركي الذي يُعطي موقع رئاسة الجمهورية صلاحياتٍ محدودة، إلى نظامٍ رئاسي أو شبه رئاسي يزيد من قدرة الرئيس الدستورية على تطبيق سياساته. غير أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بعد الفوز بالإنتخابات الرئاسية يليها إستفتاء شعبي مباشر على دستورٍ تركي جديد أو إنتظار الإنتخابات البرلمانية المقبلة عام 2015، على أمل أن يحصد حزب “العدالة والتنمية” فيها أكثرية الثلثين التي تمكنه من تعديل الدستور.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

وإلى الطموحات “الأردوغانية” السلطوية، للرجل الأقوى في تركيا كذلك طموحات تدخله التاريخ التركي العريض عبر إبرام إتفاق نهائي وتاريخي مع الأكراد في تركيا. غير أن هذا الاتفاق وإن كان عمل أردوغان على صوغ بداياته مع ممثلي القوى الكردية في تركيا منذ بداية العام 2013 على قاعدة الهوية الإسلامية المشتركة، إلا أنه لم يتخطَ حدود العموميات وبعض التغيرات القانونية لصالح الأكراد مقابل توقفهم عن قتال الجيش التركي. في حين أنه لن تكبر حظوظ إبرام إتفاق نهائي ينهي حالة الحرب التركية – الكردية منذ العام 1984 إلا بسلطة تركية قوية تملك كامل القدرة على إتخاذ قرار تاريخي مؤلم ينتهي بإعطاء الأكراد حقوقهم السياسية بعد إبعاد بعض القوى والتيارات ذات التوجه اليميني من الإدارة والحكم والحزب الحاكم ذاته والتي تسعى غالباً إلى فرملة الإتفاقات وتسويفها.

وتعود أهمية إبرام إتفاقٍ نهائي مع الأكراد في داخل تركيا إلى أنهم يشكلون العصب الأساسي للشعب الكردي في الدول المحيطة، أكان من حيث كثرة عددهم أو من حيث تجذر نضالهم أو وجود قادتهم السياسيين فيها، ما يسهل بالتالي توسع نفوذ تركيا بين الأكراد في أماكن تواجدهم في سوريا وإيران كما في العراق حيث يبقى نفوذ تركيا كبيراً ومؤثراً. فتتحول القضية الكردية من أزمة دائمة تزعزع إستقرار تركيا الداخلي إلى ورقة نفوذ خارجية.

وما يشير إلى أن تركيا على باب عودة ثانية وأقوى إلى الشرق العربي بعد الإنتخابات الرئاسية هو هبوب عواصف الحرب القاسية في العراق وسوريا وقطاع غزة بشكل أراح تركيا وأعاد بعضاً من دورها المطلوب دولياً كضابطٍ للنزاعات أحياناً ومستفيدٍ من النزاعات والمآسي العربية أحياناً أخرى. وما تتالي المظاهرات الحاشدة الداعمة لغزة والقضايا العربية في إسطنبول وأنقرة، كما ظهور أردوغان في مهرجاناته الإنتخابية المتتالية معتمراً الكوفية الفلسطينية، والأعلام الكثيفة للسلطنة العثمانية القديمة التي ترفرف بأيادي الجمهور من حوله، سوى أدلة على أن إنغماس تركيا في الشرق العربي بات أكثر من مجرد سياسة حكومية أو حزبية خاصة وظرفية، بل مطلباً شعبياً وممراً إجبارياً لأي حاكم شعبي وشرعي في تركيا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 11 آب 2014 (العدد رقم 1469)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا