مريم نور تركيا.. حالة “جنان”


جو حمورة

canan (1)

لسنوات طويلة شكّلت مريم نور ظاهرة في الإعلام اللبناني. البعض باتوا من أتباعها، وآخرون وصفوها بالجنون والغرابة، إلا أن عملها الداعي إلى تغيير حياة الإنسان والإهتمام بصحته لم يكن، على مدى السنوات الماضية، إلا استثنائياً.

فمن ناحية الأسلوب وطريقة تقديمها لحلقاتها التلفزيونية، يشكّل برنامج مريم نور استثنائاً نافراً عن بقية البرامج التلفزيونية اللبنانية. كما تتميز خبيرة علم الماكروبايوتيك (علم البدائل الطبيعية) بفرادة مضمون حلقاتها، بحيث لا يمكن مقارنتها مع أي من البرامج التلفزيونية الأخرى في لبنان والعالم العربي.

إلا أن بروز إستثنائية مريم نور على النطاق المحلي والعربي، لا ينطبق عليها عند مقارنتها بآخريات مِن مَن سلكوا طريق الإعلام التلفزيوني وحملوا قضية “إصلاح حياة الناس” وتحسين صحتهم. ففي كل بلد مريم نور ما، ومنها تركيا التي تشكل البرفسورة “جنان كراتاي” أبرز الأمثلة على أن حالة مريم نور ليست استثنائية جداً.

وللبروفسورة في أمراض القلب “كراتاي” الكثير من النصائح الصحية التي يراها العديد من الأتراك على أنها غريبة بعض الشيء. ومنها نصائح تتعلق بعدم تناول الفواكه بشكل قطعي ما عدا التفاح المهترء، وذلك لاعتبارها أن الفواكه تتشابه تركيبتها مع تركيبة الكحول المضرة بالصحة.

وكحال مريم نور، تعمد “كراتاي” إلى توجيه الإنتقادات اللازعة للناس عبر إطلالاتها التلفزيونية، ومنها “أن الأتراك أغبياء لأنهم لا يأكلون البيض بكثرة”. كما الظهور على التلفزيون بثياب يبدو عليها أنها قديمة بعض الشيء، والجلوس بطرق غريبة لا تتشابه مع الطرق المعتمدة عند الظهور على وسائل الإعلام.

من ناحية أخرى، لـ”كراتاي” معجبين كثر، ومنهم من يعتمد على نصائحها الغذائية كما الأخلاقية والدينية. إلا أن آخرون يعارضونها وينسبون لها صفات تتعلق بالجنون والخرف. كما أن بعض المنظمات والجمعيات الصحية والغذائية غالباً ما ترفع دعوات قضائية بحقها بسبب نصائحها الصحية الغريبة والاهانات التي توجهها للأتراك، إلا أنها لا تفلح في ثنيها عن إسداء المزيد من النصائح للناس أو حتى إزدياد شهرتها.

ومن نصائح “كراتاي” كذلك الإكثار من استهلاك حبوب الزيتون بمعدل 71 حبة يومياً، كما الامتناع عن تناول اللحم بعجين، والإكتفاء بوقعة غذائية واحدة يومياً. كما لها كتاباً في السوق التركي يعالج موضوع الحمية، وموقعاً إلكترونياً خاصاً يقدّم النصائح الغذائية للجمهور ويتلقى أسئلتهم واستفساراتهم.

وعلى الرغم من أنها تمارس مهنة “توعية الناس” كما تصف عملها منذ عشرات السنوات، ولها شهادات معتبرة من الجامعات التركية والإنكليزية، إلا أن “كراتاي” لم تحصد الكثير من التقدير والثناء والإحترام من قِبل المجتمع التركي. ومرد ذلك يعود ربما إلى أن أسلوب ظهورها التلفزيوني وطريقة تقديمها للنصائح بطريقة فظة لا يجعل من تواجدها في حياة الأتراك محبباً جداً. كما يشوب عملها، وحلقاتها التلفزيونية ومقابلاتها وموقعها الإلكتروني، التركيز على نشر نصائحها باللغة التركية حصراً، ما يجعل جمهور “كراتاي” محصور في المجتمع التركي ذات الثقافة الغذائية التقليدية الخاصة الذي لا يقبل بسهولة أي تغيير بطريقة أكله واستهلاكه وعيشه.

ولمريم نور كما لـ”كراتاي” كارهون ومنتقدون أكثر من عدد المحبين والمعجبين، فيما يتعلق بقاءهم حديث على لسان الناس على قدرتهم على ابتكار غرابة ما بين الحين والآخر، ليعود ويتحول تناقل وإنتقاد هذه الغرابة إلى مصدر لشعبية لهم. ولهذا، يعمدون، عن دراية أم لا، إلى إستفزاز الجمهور بنصيحة غريبة أو إهانة ما بين فترة وأخرى، فيكون الرد والإنتقاد عليهما مصدراً جديداً لشعبية لهما. فيما لا يبقى من هذه “الشعبية” الجديدة بعد إنتهاء حملة الإنتقادات إلا عدداً قليلاً من المعجبين الجدد من الذين استغلوا الشهرة الظرفية للتوغل في فهم هذه الشخصيات الغريبة والتعلق بها وتطبيق نصائحها.

من ناحية أخرى، يبقى الكثير من الناس رافضين لأساليب كل من مريم نور و “جنان كراتاي” مهما كان مضمون برامجهما جيداً أو صحياً. وهؤلاء هم الأكثرية في الجمهورين العربي والتركي من الذين تغريه العين قبل اللسان، وجمال الصورة قبل عمق النصيحة. كما يهتمون بالمظهر وأسلوب تقديم المادة أكثر من مضمونها، ولا مجال إلى إكتساب شعبية معتبرة عند هذا الجمهور من دون تقديم المواد بشكل منمق إعلامياً دون الخروج كثيراً عن التقليد والكلاسيكية في البث التلفزيوني.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s