كركوك : خطوة صحيحة في إتجاه استقلال كردستان

جو حمورة

ليست الحروب مضرة للجميع دائماً، فبعض مصائب الشعوب قد تكون مفيدة لشعوب أخرى. في العراق، تشتد الحرب بين المكوّنين السني والشيعي فيها، ولكن لا يبدو حتى الآن أن هناك مستفيد منها سوى الأكراد. فبعدما سيطروا على مدينة كركوك ووسعوا حدود إقليمهم شبه المستقل زادوا من فرص إستقلالهم عن حكومة بغداد المركزية بعد شبه الإنهيار الذي لحق بجيشها أمام القوى السنيّة المعادية لها.

بعد الهجوم الأميركي على العراق عام 2003، غنِم الأكراد في دستور العام 2005 تأكيداً على إقامة حكم ذاتي لهم في شمال البلاد، فبات الإقليم شبه مستقل من حينه وبدأ مسيرته نحو النمو والإزدهار بينما رزحت بقية العراق تحت وطأة المعارك بين الشيعة والسنّة والإرهاب والسيارات المفخخة. ومع الربيع العربي وما تلاه، نما الإقليم الكردي أكثر وبات المنطقة الوحيدة التي تتمتع بأمنٍ حقيقي وإزدهارٍ مقبول، فيما غرق بقية المشرق العربي في الحروب والفوضى.

ووسط كل الفوضى التي يشهدها العراق، كان للحراك السنّي الحالي والمعادي لحكومة نوري المالكي أن أجبر هذا الأخير على سحب جيشه من شمال غرب البلاد ووسطها، فسقطت مدينة الموصل ومعظم محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار في يد قوات العشائر السنيّة و”داعش”. فكانت نتيجة التخبّط الحكومي وإنسحاب الجيش من المدن صوب بغداد، إستغلال الإقليم الكردي فراغ مدينة كركوك وقيامه بالسيطرة عليها بعدما أدخل قوات البشمركة الكردية إلى أحياءها بحجة الخوف من توغل المنظمات الإسلامية فيها.

Kurdish Peshmarga forces stationed south of Kirkuk

Kurdish Peshmarga forces stationed south of Kirkuk

ليست كركوك المدينة الغنية بالنفط والمكوّنة من عرب وكُرد وتركمان فقط، بل هي في الأدب والأغاني الكردية المدينة المنشودة التي طالما تغنى الأكراد  بها وتواعدوا على إستعادتها. فكان دخولهم إليها نابعاً من الظروف العسكرية والسياسية كما الإعتبارات القومية، في مقابل غض طرف من قبل القوى الإقليمية المؤثرة في السياسة العراقية على سيطرة الأكراد على المدينة.

من الناحية التركية، يفيد توسع حدود وقوة الإقليم الكردي في العراق مصالح تركيا، ذلك لأن التعاون السياسي والنفطي الوثيق بينهما يعزز حضورها في الشرق، كما يجعل الإقليم الكردي أكثر إستقلالية في عقوده النفطية معها، وهي المحتاجة أكثر من أي يومٍ مضى إلى النفط والغاز لتغطية طلب أسواقها المحلية.

كما في تركيا كذلك في إيران. إذ أن هذه الأخيرة ترى في سيطرة الأكراد على كركوك وغيرها أفضل من أن تسيطر عليها القوى السنيّة المعادية لحكومة المالكي المقرب من إيران. لذا كان غض الطرف الإيراني على تقدم البشمركة صوب كركوك، خصوصاً وأنه تزامن مع زيارة رئيس حكومة الإقليم الكردي نيجيرفان البرزاني إلى إيران حيث تم الإتفاق على “محاربة الإرهاب”.

وفي حين تنشغل الحكومة المركزية وجيشها بمحاربة القوى السنيّة المعارضة، تتوافق الظروف الداخلية والخارجية لتصب في مصلحة الأكراد الذين باتوا أمام فرصة ذهبية بعد إقتناص المدينة النفطية لضمها إلى إقليمهم. كذلك، فإن إستمرار الحرب بين الأطراف الإسلامية في العراق يجعل من الأكراد وجيشهم، البشمركة، القوة الأكثر تنظيماً وقدرةً على التأثير والمبادرة وحفظ الامن الإقليمي عندما تدعي الحاجة، فيزيد بالتالي الإقليم من قيمته في السياسة الإقليمية لكلٍ من تركيا وإيران.

من ناحية أخرى يعمل الإقليم الكردي حالياً على تثبيت حكمه وخطوط دفاعاته في كركوك، كما بترميم وتجيهز الآبار والمنشآت النفطية فيها لإلحاقها في خط الأنابيب الممتد من الإقليم إلى مرفأ “جيهان” في تركيا ليصار إلى بيعها في الأسواق التركية والاوروبية والإسرائيلية لاحقاً، فيحصد الإقليم المزيد من الأموال تمكنه من تمويل آلته الحربية، كما مواجهة أي خطر من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة أو الجيش العراقي، ليقترب خطوة صحيحة في إتجاه إستقلال الأكراد المنشود، بينما  يستمر بقية العراقيين، من سنّة وشيعة، في قتال بعضهم البعض دون جدوى.

وكما في العراق كذلك في سوريا، فقد تمكّن الأكراد عام 2013 من السيطرة على أغلب المناطق الكردية التي تشكّل إمتداداً جغرافياً لإقليم كردستان. لذا يتوقع البعض أنه في حال تكرّست سيطرة “داعش” على وسط العراق وغربه وشرق سوريا أن يمتد الكيان الكردي كذلك ليجتاز الحدود بين الدولتين.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 30 حزيران 2014 (العدد رقم 1463)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

وداعاً “سايكس – بيكو”.. تسونامي “داعش” في العراق

جو حمورة

سريعة ومفاجئة كانت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على المناطق العراقية ذات الأغلبية السنيّة. ففي أسبوعٍ واحدٍ فقط، سيطرت المنظمة المتطرفة على أقسام كبيرة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وربطت العراق بسوريا التي يخضع قسم منها إلى سيطرة “داعش” نفسها، ما أدى عملياً إلى نشوء نواة دولة جديدة على مساحة بلدين بشكلٍ أعاد التفكير بحدود دول المشرق العربي الناشئة بإتفاقية سايكس – بيكو عام 1916.

بالرغم من تصدّرها التقارير الصحافية وتحميلها كل ما يجري في العراق، إلا أن “داعش” ليست وحدها من يقاتل فيه، بل هي إحدى الفصائل من المجموعة السنيّة المنتفضة على النظام العراقي. ويعود تمكّن المعارضة السنيّة من تحقيق “تسونامي” إنتصارات ميدانية إلى عوامل عدة أبرزها تحالف أربع جماعات دينية وسياسية وعسكرية ضد نظام رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي المدعوم من إيران.

وعدا “داعش” التي تملك عدداً لا بأس به من المقاتلين في العراق، تظهر العشائر السنيّة في وسط البلاد وشمالها أكثر تنظيماً وعديداً ورغبةً بمحاربة “النظام الشيعي الإيراني المحتل” كما تصفه. وبالإضافة إليهما، تقوم عناصر جيش صدام حسين المحلول بالمشاركة في الهجمات والسيطرة على المدن والبلدات العراقية الواحدة تلو الآخرى، وهي حسب ما تردد بقيادة الرجل الثاني في النظام البعثي السابق عزت الدوري المتواري عن الأنظار منذ الإطاحة بنظام البعث عام 2003. وكان الدوري قد شغل منصب نائب صدام حسين سابقاً، وتدعمه اليوم “الطريقة” الصوفية النقشبندية التي تنشط في شمال العراق وتملك جيشها الخاص كما نزعة قتالية معادية للشيعة.

ISIL in Iraq

ISIL in Iraq

تحالف هذه القوى الأربعة مكّن المعارضة السنيّة من السيطرة على أكثر من ثلث العراق، في حين بقي الثلثان الآخران مقسمان إلى جزء تسيطر عليه الحكومة المركزية في المناطق الشيعية في وسط وجنوب البلاد، وقسم آخر هو أساساً تحت سيطرة الأكراد. وقد قام هذا الأخير باستغلال الفوضى المستجدة في العراق ليوسع سيطرته إلى مدينة كركوك المتنازع عليها بينه وبين الحكومة المركزية. فعمت الفوضى كل البلاد وأصبحت أقرب من أي يومٍ مضى إلى التقسيم إلى أقاليم أو دول ثلاث ما لم يطرأ تغيير حقيقي يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، وهذا مستبعد في ظل تفاقم الانهيار العام في الدولة العراقية.

ولا يبدو أن هناك أمل بأي حل ينهي أكثر من عقد من الفوضى والدماء في العراق من دون أخذ الواقع الجديد بعين الإعتبار، ومنها فكرة باتت مطروحة في الصحافة الأجنبية كما في الدوائر الدبلوماسية وهي قائمة على إعطاء السنّة نوعاً من استقلال محلي وإدارة ذاتية على نسق الإقليم الكردي وذلك بعد إعادة المناطق التي فقدتها الحكومة المركزية إلى سيطرتها.

في المقابل، لا يبدو أن “داعش” التي باتت شريك بالسيطرة على أقسام كبيرة من سوريا والعراق بعيدة عن إقامة دولتها وإعلانها إمارة إسلامية لتتحول منطلقاً لإستكمال العمليات الجهادية ونشر الفوضى في كل مكان. وقد لا تعود صلابة عود هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة إلا إلى أنها نتاج للظلم الذي لحق بالطائفة السنيّة في ظل حكم البعث السوري والحكم ذي الصبغة الشيعية في العراق بعد دخول الولايات المتحدة اليه عام 2003. فكانت دموية النظامين كما إقصاء السنّة عن السلطة فيهما أن جعلت من ردة الفعل عنفية ومتطرفة ونتيجة حتمية للدكتاتورية التي مارسها النظامين السوري والعراقي بحق فئة من شعبيهما.

أما نهاية هذا الصراع الدموي المنتشر في سوريا والعراق والذي أزهق حياة مئات الآلاف من سكانهما، فلا يمكنها أن تتم إلا عبر إعادة الإعتبار للطائفة السنيّة من ناحية كما إيجاد حل للنزعة المتطرفة التي نشأت داخلها. وهذا لن يتم إلا بعد إبعاد سطوة الطوائف الآخرى عنها أو تحقيقها لدولة تكون هي الحاكمة فيها وتُرسم هذه المرة ليس بحبر السيدين سايكس وبيكو إنما بالعنف والدم وبردات الفعل.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 23 حزيران 2014 (العدد رقم 1462)

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

“أهل الذمة” في بلاد الشام

جو حمورة

مع تصاعد حدّة الحرب في سوريا وإعادة الإعتبار لمسألة “الأقليات المسيحية في الشرق” على المسرح الدولي، يدور نقاش حاد في الأروقة الأوروبية كما بين الجماعة المسيحية السورية حول ما إذا كان النظام السوري يشكّل ضمانة لحماية مسيحيي سوريا ومستقبلهم، أم إن هذا الحامي المفترض يؤمن “الحماية” للآخرين من أجل الحفاظ على نفسه وإستمرار سلطته بوجه تزعّم الطائفة السنّية للثورة الشعبية، وإستغلاله بروز الجماعات الإسلامية المتطرفة كخطر على التنوع الديني والتعدد الطائفي في بلاد الشام.

كان السوريون من أوائل الشعوب التي آمنت بالمسيح واعتنقت المسيحية، وخاصة الآراميين وهم من السوريين الأصليين ولغتهم هي الآرامية؛ لغة المسيح. كما واعتنقت المسيحية قبائل عربية كقبيلة الغساسنة التي سكنت في جنوب سوريا، وقبيلة بني تغلب التي سكنت حلب، فكانت أعداد المسيحيين في سوريا قبيل الفتح العربي تتجاوز الـ 78% من عدد السكان، وبالتالي فهم ليسوا جماعةً جاءت سوريا حديثاً بل وجودهم قديم قدم المسيحية نفسها.

بعد الفتح الإسلامي بدأ عدد المسيحيين في سوريا يتغير بتغيّر الظروف السياسية وإنتقال القبائل الإسلامية من الجزيرة العربية نحو الأراضي السورية الأكثر خصوبة، فأضحت نسبة المسيحيين في سوريا 7% فقط عام 1517. إلا أن هذا التراجع العددي تحسن مع إنتهاء وجود السلطنة العثمانية، نتيجة الإهتمام الغربي بالأقليات المسيحية من ناحية كما بسبب هجرتين وافدتين إلى بلاد الشام من ناحية أخرى. فكانت الأولى في أعقاب المجازر بحق أرمن الأناضول والتي أفضت إلى استقرار أعدادٍ كبيرةٍ منهم في سوريا، في حين أن الهجرة الثانية حصلت في أعقاب المجازر بحق الآشوريّين التي أفضت بدورها إلى إنتقال من بقي منهم إلى بلاد الشام، فأصبحت نسبة مسيحيي سوريا عام 1918 حوالي 30%، ثم بلغت 35% أوائل عهد الاستقلال عام 1946. وقد ناهز عدد المسيحيين في حلب مثلاً حوالي 40 % من سكانها، حيث كان مسيحيو بلاد الشام في منتصف القرن الماضي يملكون 75% من القطاع التجاري ويملكون أغلب الأراضي السورية قبل أن يتمّ تأميمها من قبل نظام “البعث” الإشتراكي.

أمّا اليوم فتتراوح نسبة المسيحيّين بحسب المصادر الرسميّة في سوريا بين 8 و 12%، في حين يعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1990 في ظل حكم “البعث” قد شهدت هجرة لحوالي مليون مسيحي سوري. ويبرز السبب الأساسي لهذه الهجرة إلى عدم المشاركة في القرار السياسي كما نتيجة السياسات الإقتصادية للنظام الحاكم في دمشق.

Syrian Orthodox priests - 2011

Syrian Orthodox priests – 2011

أمّا على صعيد المشاركة في السلطة، فكانت الفترة الممتدة من الانتداب الفرنسي حتى وصول نظام حافظ الأسد فترة مميزة على صعيد مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية. وقد برز العديد من الشخصيات منهم التي احتلت مراكز مهمة في الدولة، كسعيد اسحق الذي تسلم رئاسة البرلمان ومن ثم الدولة أثناء اضطرابات عام 1951، وكذلك فارس الخوري الذي ترأس الحكومة السورية أكثر من مرة. وكان مسيحيو سوريا من الأقوى والأكثر تأثيراً المجال الاقتصادي والأدبي بسبب الحرية التي شهدتها سوريا قبل وصول حزب “البعث” إلى السلطة عام 1963، إلا أن دور المسيحيين عاد لينحسر بعد سياسة التأميم وهيمنة الحزب والرأي الواحد على الدولة والمجتمع.

وعلى الرغم من أن النظام السوري قد رفع شعار ومبدأ العلمانية، إلا أنه حدد في دستوره دين رئيس الدولة الإسلام، ونصّب الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، وأبقى تمثيل المسيحيين في البرلمان السوري وفي الوزارات ضئيلا وغير متناسب مع حجمهم الديمغرافي. وكان أقصى ما حصلوا عليه هو وزيران في أحسن الأحوال وبضعة مقاعد في مجلس الشعب لا تتعدى أصابع اليد حيث يتم انتخابهم في لوائح “الجبهة الوطنية التقدمية” المرؤسة من حزب “البعث” الحاكم. وعلى الرغم من أن الرئيس حافظ الأسد ومن بعده “خليفته” بشار عيّنا مستشارين لهما من الطائفة المسيحية كإسكندر لوقا، جورج جبور وكوليت خوري إلا أن ذلك لا  يعني أن مسيحيي سوريا يشاركون في صنع القرار السياسي، إنما هم بمثابة واجهة مثقفة لمخاطبة الغرب حينما تدعو الحاجة كما هي الحال اليوم.

ومع إندلاع الثورة في سوريا بدا المسيحيون غير معنيين فيها بشكل أساسي وإن شاركوا فيها بشكل خجول في بعض المناطق، غير أن أكثريتهم بدت عليهم معالم الخوف من مصير مجهول وخطر يتهددهم في حال تغير النظام في سوريا. في حين أن جزءًا كبيرًا من هذا الخوف يعود أساساً إلى “طبقة” رجال الدّين المسيحيين في سوريا الذين عملوا في أكثريتهم، وما زالوا يعملون، ضمن توجيهات النظام السوري الذي كان له الدور الأول في تعيينهم و اختيارهم. فنرى منهم من يتمسك بسلطة معنوية دون التدخل في الشأن السياسي كأن الخطر على الجماعة لا يعنيه، ومنهم من يقف على الحياد علناً لكنّه يدعم النظام السوري سراً، وآخرون غالوا في دعمهم للنظام حتى أصبحوا من أبرز القائمين بأعماله.

في حين يبرز الإختلاف في التجربة التاريخية الحديثة بين المسيحيين السوريين واللبنانيين كمثالٍ يمكن الإستدلال منه على أسباب تفضيل السوريين منهم الإحتماء بالنظام وكيفية تعاملهم مع الخطر الآتي على المصير. فعلى عكس حالة المسيحيين اللبنانيين، لم يشهد التاريخ السوري الحديث أي تجربة نضال عسكرية وسياسية حقيقية لمسيحييه، فباتوا أصحاب نفسية جماعية إنهزامية ودفاعية، تبحث عن مخلص من خارجها وتخشى من كل تغيير، وتعيش حالة “الذمية” السياسية دون الإكتراث لما تدفعه من “جزية” لحاميها، كما دون الإهتمام للبُعد الأخلاقي النابع من إيمانها لمن تنحاز له كمسؤول عن مصيرها. فكان تفضيل مسيحيي سوريا الإحتماء خلف النظام العسكري السوري بعد بروز الخطر الإسلامي كالتفضيل بين السيئ والأسوأ.

هذه السلبية في مقاربة المسيحيين السوريين لدورهم وحضورهم في بلاد الشام لا ينطبق على جميع المسيحيين حتماً، فقد دخل العديد منهم بالحراك الثوري حتى وصل بهم الأمر إلى تولي مراكز مهمة في قيادة الثورة. من هؤلاء الشخصيات جورج صبرا رئيس المجلس الوطني السوري، وميشال كيلو زعيم الكتلة الديمقراطية في الائتلاف السوري، إلا أن معظم أركان المعارضة السورية من المسيحيين هم من خلفيات شيوعية أو قومية لا مسيحية من ناحية تمثيلهم للجماعة الدينية التي ينتمون إليها. فضلاً عن مؤسسات مسيحية مؤثرة تُعنى بمساعدة الشعب السوري مثل منظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام” التي أسسها المعارض أيمن عبد النور المستشار السابق لبشار الأسد.

أمّا من الناحية العسكرية فإن “المنظمة الآثورية الديمقراطية” هي التنظيم الجدي والفعال الوحيد ذات الصيغة المسيحية الذي يشارك بالحرب السورية ويسعى للاعتراف بالتعددية القومية ويدافع عن حقوق السريان، الكلدان والآشوريين كمجموعة قومية أصيلة في سورية ولها تمايزها الثقافي واللغوي الخاص. إلا أن المنظمة هذه هي تنظيم علماني بالأساس يدافع عن الهوية القومية للجماعة لا عندينها وإن كان من يشكّلون هذه المجموعة من أتباع الدين المسيحي حصراً ومن مختلف المذاهب.

طوال أربعين عاماً عمل النظام السوري على تغذية الاعتقاد بأنّه حامي الأقليات في سوريا، وأنه بزواله ستلجأ الأغلبية السنية لتصفية حساباتها التاريخية مع تلك الأقليات. ولكن مقولة النظام تفقد مصداقيتها وذلك لأسباب عدّة. ففي البداية عاش المسيحيون في سوريا ولقرون عدة دون نظام الأسد وفي ظل أكثرية سنية حيث كان لهم موقع متميّز في مجالات عدّة. أما فترة سيطرة حزب “البعث” على السلطة فكانت أسوأ فترة عرفوها من حيث الهجرة، حيث فقدوا إمتيازاتهم وتدنّت نسبتهم أكثر مما تدنت في تاريخ سوريا منذ الفتح الإسلامي حتى تاريخ استلام نظام الأسد الحكم.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 16 حزيران 2014 (العدد رقم 1461)

———————-

إقرأ أيضاً:

الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

إلى الجامعة في دبي

جو حمورة

ككل يوم أحد، تقريباً، تجتمع العائلات اللبنانية من ذوي الدخل المحدود حول موائد الطعام المنزلي. هذا يحتسي الكحول لينسى هموم أسبوع العمل الطويل، وتلك تسأل عن تطورات حياة الأقارب الشخصية. وآخر كـ”لبناني عادي”، يتناول السياسات العالمية على مائدته بعد نشرة أخبار الظهيرة. لكن ما اختلف في ذلك الاحد أن معظم وسائل الإعلام المرئية اللبنانية نقلت مباشرةً حفل تخرّج طلاب الجامعة الأميركية في دبي على شاشاتها، ما أجبر اللبنانيين على متابعة الحفل الفاخر “على الآخر”.

عدا تعميم نقل الحفل عبر شاشاتنا المحلية، كان لافتاً أنه لا يبتعد زمنياً من صدور بيانات عدة من وزارة الخارجية الإماراتية تحذر مواطنيها من السفر إلى لبنان. في حين أن هذه الشاشات نادراً ما تنقل حفلات تخرّج لطلاب الجامعات اللبنانية الرسمية أو الخاصة. لكأن الإعلام اللبناني يقول لنا أن تخرّج طلاب الإمارات العربية المتحدة أهم وطنياً من تخرّج طلاب لبنانيين في لبنان، أو إن دبي باتت المكان الأمثل للتعليم بعدما “سلبت” من لبنان حضوره السياحي منذ زمن.

AUD Graduation
وإن كان نقل “الحدث” يُبرر بأن رئيس الجامعة الأميركية في دبي هو الوزير اللبناني إلياس بو صعب، إلا أن كلمته أتت عاديةً نظراً الى طبيعة المناسبة، وإن لم يمنع نفسه من مطالبة المنظمات الدولية بـ600 مليون دولار لمساعدة لبنان في معالجة أزمة اللاجئين السوريين إليه. أما الذي لا يُبرر، فهو الغياب الإعلامي اللبناني شبه الدائم عن الإهتمام بمتخرجي الجامعات اللبنانية. فما الذي يمنع مثلاً، وعملاً بـ”الفولكلور” اللبناني المسمى 6 و 6 مكرر، من نقل وسائل الإعلام اللبنانية حفل تخرّج من جامعة الروح القدس في الكسليك وآخر من جامعة “الجنان” في طرابلس على شاشاتها؟

يبدو الجواب جلياً لدى سؤالنا “اللبناني العادي” عن السبب: لا السياسيون اللبنانيون يهتمون كثيراً للمتخرجين اللبنانيين ليهتم الإعلام بحفلاتهم، ولا الجامعات اللبنانية كريمة مادياً في علاقاتها مع المؤسسات الإعلامية. أما الجامعة الأميركية في دبي فـ “مصرياتها بتحكي”.

نشرت أولاً في جريدة النهار في 22 أيار 2014

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا