يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي

جو حمورة

1471341314_

صدر عن مركز “فينيكس للدراسات اللبنانية” في جامعة الروح القدس – الكسليك كتاب جديد بعنوان “يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي“.

يقع الكتاب في 192 صفحة، ويتضمن مقدمة عن يوسف السّودا يليها تقديم عن حياته ومنشوراته، ثم فصلان يتناولان أفكاره القومية التي صبغت فكر جيل كامل من اللبنانيين الذين كان لهم الدور الأبرز في حياة لبنان السياسية والفكرية بعد الاستقلال.

هو المناضل والشاعر والسياسي والدبلوماسي والأكاديمي والمفكر الذي عمل على تحقيق استقلال لبنان وسيادته، وبث الروح الوطنية بين اللبنانيين. اهتم السّودا بالتاريخ اللبناني، وألف الكتب، وتميّز بقدرته على الخطابة وتأليف الشعر. كما لعب دوراً سياسياً بارزاً منذ ما قبل قيام دولة لبنان الكبير إلى حين وفاته عام 1969، ومثل لبنان دبلوماسياً في البرازيل ودولة الفاتيكان.

تقديراً واحتراماً لهذا الوطني الكبير من بلادنا، نشر مركز فينيكس للدراسات اللبنانية هذا الكتاب الذي يحتوي بين دفتيه بعضاً من كتابات وأفكار وأشعار ومشاريع يوسف السّودا. وهي، جميعها، مستقاة من أرشيفه الخاص المودع في جامعة الروح القدس – الكلسليك، والتي تضيء على حقيقة أفكار السّودا الوطنية، وآماله ونضاله في سبيل لبنان واستقلاله.

الكتاب متوفر في: 

Librairie Antoine

Virgin

Université Saint-Esprit de Kaslik – USEK

الأكراد.. “جيش الغرب” في سوريا

جو حمورة

14068240_1188464987861983_8611949303393463814_n

ترافق فقدان نظام “بشار الأسد” السيطرة على شمال سوريا مع تقدم سريع قاده حزب “الاتحاد الديمقراطي” والميليشيات التابعة له في تلك البقعة من الأرض. إلا أن النظام السوري لا يزال بعد سنوات الحرب الطويلة يحافظ على نقطتين فقط شمال سوريا. الأولى، في واحدة من أحياء مدينة القامشلي. والثانية، في بضعة أحياء من مدينة الحسكة. وتؤمن هاتان النقطتان إمكانية للنظام لرصد التحركات التركية العسكرية على المقلب الآخر من الحدود، كما يستفيد منها كأداة للضغط على الأكراد وكبح جماحهم الإستقلالي، إلا أن ذلك لم يمنع “الاتحاد الديمقراطي” ومن يدور في فلكه من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الحرب وظروفها.

منذ البداية، وقف الأكراد على مسافة من طرفي النزاع السوري. لم يتطرفوا في نضالهم الثوري إلى جانب المعارضة، كما لم يأخذوا مكاناً ثابتاً لهم في صف المدافعين عن النظام. إنما آثروا الدفاع عن قوميتهم الكردية أولاً، والاستفادة قدر الإمكان من الحرب وما تخلقه من متغيرات ديمغرافية وعسكرية، وما تتيحه من فرص في تحقيق كيان مستقل لهم.

هذ الموقف المتوازن والبراغماتي لأكراد سوريا لم يبقَ جامداً دون مبادرة أو حركة، إنما أخذوا ما قدمته المعارك والظروف بشكل عقلاني، ومارسوا تبعاً لكل حدث سياسة مختلفة عن الأخرى. فشاركوا مثلاً في قمع الثورة السورية في بدايتها، وخاصة في قمع الأكراد المشاركين فيها واغتيال بعضهم. ثم قاموا بالاشتباك مع قوات النظام لمرات عديدة في أحياء حلب، والقامشلي والحسكة وغيرها.

بنى الأكراد من خلال هذه المعارك الأرضية الصلبة التي أتاحت لهم تحقيق الإنتصارات لاحقاً. إذ أن قمع الأكراد الموالون للثورة السورية مهد المجتمع الكردي للقبول بسلطة حزب “الاتحاد الديمقراطي” دون منازع. في حين ساهمت الاشتباكات مع الجيش السوري في تراجع الوجود العسكري للنظام من مناطق الكثافة الكردية، فتحرروا في إدارتها وتنظيمها. كما حافظوا، طوال فترة الحرب، على شبه سلام مع جارتهم التركية، فلم يطلقوا رصاصة ضدها على الرغم من تعرضهم منذ العام 2014 إلى اليوم لتحرشات دائمة من الجانب التركي.

قابل نجاح الأكراد عسكرياً فشل سياسي، إذ لم تتم دعوتهم ولو لمرة واحدة إلى المؤتمرات الدولية الكثيرة المعنية بحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من الإصرار الروسي على إشراكهم في مؤتمر “جنيف 2” مثلاً، إلا أن الفيتو التركي والعربي لم يتح للأكراد التعبير عن نظرتهم للحل في سوريا، أو عن مطلبهم بإقامة نظام سياسي جديد يتأرجح، حسب الظروف والمعطيات، بين النظام اللامركزي والنظام الفدرالي على نمط إقليم كردستان شمال العراق. فكان الرفض الدولي لإشراكهم بالحل السياسي فرصة ذهبية للإعلان عن قيام “إدارة ذاتية” لحكم وإدارة المناطق التابعة لسيطرة حزب “الاتحاد الديمقراطي” وقوته الأساسية “وحدات حماية الشعب”.

مع ظهور “الدولة الإسلامية” بات المعركة بينها وبين الأكراد حتمية، خصوصاً وأن الطرفان يتجاوران السيطرة على شمال وشمال – شرق سوريا، فكانت معركة كوباني الشهيرة التي انتهت لصالح الأكراد بداية العام 2015. ومثلت هذه المعركة الإختبار الحاسم للقدرة الكردية على الصمود في وجه “الدولة الإسلامية”، وذلك في وقت كان الجميع يتقهقر أمام تقدم جنود “أبو بكر البغدادي”. وإنتهى الأمر بأن تحوّل الأكراد إلى “جيش الغرب” بعد نجاحهم في حسم العديد من المعارك ضد “الدولة الإسلامية”، فتتالت من حينها المساعدات الأميركية والروسية عليهم.

وتشكل القوات الكردية استثناءاً ملفتاً في الحرب السورية. فعدى كونها خارجة عن اصطفاف المعارضة – النظام، ينعم الأكراد بالدعم السياسي الروسي كما بالدعم العسكري الأميركي. ففي وقت تقوم روسيا بضمان مطالبهم القومية وتقديم حقوقهم في المحافل الدولية وافتتاح مكاتب تمثيلية لهم في موسكو، تعمد أميركا إلى تقديم الأسلحة لهم، وإرسال قوات خاصة لتدريبهم، كما تغطية معاركهم جوياً إن كانت ضد “الدولة الإسلامية”.

مؤخراً، ومع التقارب التركي – الروسي، وزيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أنقرة، شهدت هذه الأخيرة بضعة تغيرات في سياستها تجاه سوريا. فقدمت مبادرة على لسان رئيس حكومتها، بن علي يلدريم، تُبقي “الأسد” مؤقتاً في الحكم خلال مرحلة إنتقالية، كما أبدت قبولها دراسة نشر قوات دولية على حدودها الجنوبية. وفي الوقت عينه، لم تعنِ هذه الزيارات للقوات الكردية شيئاً، بل قامت بالسيطرة على مدينة منبج شمال حلب بعد أن طردت قوات “الدولة الإسلامية” منها، كما تبع ذلك تقدم في اتجاه منطقة العريمة، تحضيراً للهجوم على مدينة الباب.

وتعمل “وحدات حماية الشعب” الكردية بأسلوب متقن خلال المعارك. فعدى “استخدامها” بعض العرب والسريان في القتال إلى جانبها، تنسق تحركاتها مع قوات التحالف الدولي وتستفيد من تغطيته الجوية ليتقدموا على الأرض. كما تقوم “الوحدات” بإنشاء مجلس خاص لكل مدينة قبل الدخول إليها، تكون الغاية منه القبض الفوري على السلطة في المنطق المحررة من “الدولة الإسلامية” وإدارتها بشكل جيد.

لم يُعجب النظام السوري بتقدم الأكراد السريع في منبج ومحيطها، لذا فضل فتح جبهة ضد “وحدات حماية الشعب” في الحسكة حيث لا يزال يسيطر على بضعة أحياء فيها. وقامت قوات “الأسد” بالهجوم على حواجز “الأسايش” (الشرطة الكردية) بشكل مفاجئ، ثم تلاها اشتباكات كثيفة بين الطرفان. كما قامت مدفعية النظام بقصف مواقع الأكراد بقوة، بالإضافة إلى استعمال الطيران لأول مرة في المدينة.

هذا في الميدان أما في السياسة فيمكن قراءة فتح جبهة مع الأكراد كرد جميل للموقف التركي المهادن مع النظام السوري. إذ أن سيطرة الأكراد على مناطق إضافية شمال سوريا يشكل خطراً على الأمن القومي التركي، كما يجعل من الفدرالية ضرورة عند حل الأزمة السورية تبعاً لسيطرة الأكراد على مناطق شاسعة ومترابطة. ولم يُخطئ ربما زعيم حزب “الاتحاد الديموقراطي” صالح مسلم عندما اعتبر على أثر الإشتباكات بالحسكة أن “ما يقوم به النظام هو شهادة حسن سلوك الى تركيا، خصوصاً بعد التحرك الإيراني الأخير باتجاه أنقرة”. كما أكد أن “النظام السوري سينتهي عاجلاً أم آجلاً وسيظهر مكانه نظام جديد تعددي لامركزي ديموقراطي بعيد عن ذهنية البعث”.

مع اشتباك جيش “الأسد” مع “الوحدات”، تقدم دمشق نفسها كقوة لها وظيفة تأمين مصالح أنقرة القومية عبر قتل الأحلام الكردية في التوسع والسيطرة وإنشاء إقليم فدرالي مستقل. كما تقدم نفسها كحامية للحدود التركية بعدما نجحت منذ زمن بعيد بتقديم نفسها لإسرائيل كحامية لحدودها من أي طامح للهجوم عليها. وبذلك يستمر النظام في الوجود ليس بسبب قدرته على الحسم أو بسبب شرعيته الشعبية، إنما بسبب قدرته على تقديم نفسه كضمانة للقوى الإقليمية، وخوض معارك محددة تُبقي على دوره الوظيفي في حماية جيرانه من نيران الفوضى، وإن كانت معظم معاركه هذه خاسرة في الميدان.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1574.

تعاون تركي – روسي في إدلب

جو حمورة

123

منذ ثلاثة أشهر فقط، رفضت تركيا طلباً روسياً بنشر مراقبين دوليين على حدودها مع سوريا. كان هذا الرفض الذي لطالما تردد على لسان المسؤولين الأتراك في ذروة الخلاف التركي – الروسي، كما قبل زعزعة استقرار أنقرة عبر المحاولة الانقلابية الفاشلة. إلا أن المصالحة التي تمت بين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، فتحت باب النقاش أمام تلبية بعض الطلبات الملحّة بين الجانبين، خصوصاً وأن وضع كل منها لا يبدو في أفضل حال.

بعد المصالحة تغيّر الموقف التركي، وأعلن وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، في 15 آب، أن “تركيا وعدت بدراسة مسألة إقامة رقابة دولية على الحدود مع سوريا.. من أجل عدم السماح باستخدام الممرات الإنسانية لتعزيز مواقع الإرهابيين”. كما أكد على أن هذا الموضوع كان حاضراً على الطاولة خلال المحادثات التي أجراها بوتين مع نظيره التركي، محدّداً المعابر الحدودية بتلك المرتبطة بمحافظة إدلب.

قد يكون الوعد “الأردوغاني” مجرد ذر للرماد في عيون الروس، إلا أنه يشكّل المسألة الأولى التي أبرزت تغيّراً في موقف أنقرة بعد المصالحة مع موسكو. غير أن هذا التغيّر المحدود في الموقف لا يعني أنه قابل للتعميم والتطبيق على كل المسائل الأخرى، إلا أنه لا ينفي، في الوقت عينه، أن المواقف التركية الرسمية تشهد تغييرات دراماتيكية متلاحقة منذ فترة وجيزة.

من هذه التغيرات كذلك، طرح رئيس الحكومة التركية، بن علي يلدريم، خارطة طريق من ثلاثة مراحل لحلّ الأزمة السورية. وتقوم الأولى على رفض مشاركة القوات الكردية في أي مفاوضات لحلّ سلمي، كما السعي لإضعافها وإضعاف “الدولة الإسلامية” وبقية المنظمات الإرهابية بالتعاون مع روسيا والتحالف الدولي. في حين تقوم المرحلة الثانية على إقرار نظام سياسي جديد “يؤمن العدالة بين الطوائف والإثنيات المكوّنة للشعب السوري”، والتي تُبقي الرئيس السوري “لمرحلة وجيزة في السلطة”، بحسب يلدريم. أما المرحلة الثالثة فتقوم على إعادة إعمار سوريا، وعودة اللاجئين إليها على دفعات.

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة قد لا يُكتب لها أي نجاح، تماماً كعشرات المبادرات التي سبقتها، إلا أنها تبقى مميّزة لأنها صادرة عن الجانب التركي. كما لأن بقاء الأسد لمرحلة انتقالية هو واحد من الشروط الروسية الأساسية للقبول بأي حل للأزمة السورية. وما الموقف التركي الجديد، في توقيته وموضوعه، إلا تلبية لطلب الجانب الروسي، أو ثمناً باهظاً للمصالحة معه.

هذا في السياسية، أما في الميدان فقد كثفت الطائرات الروسية من غاراتها الجوية النوعية على مواقع الفصائل المقاتلة في محافظة ومدينة إدلب، على الرغم من أن المعركة الأساسية تخاض حالياً في مدينة حلب. هذا في وقت نشرت العديد من الصحف التركية والدولية أخباراً عن نيّة أنقرة إغلاق معبر “باب الهوى” الذي يربط محافظة إدلب بالعالم الخارجي كجزء من التوافق مع روسيا. وهذا ما عزز فرضية بداية تعاون روسي – تركي في محافظة إدلب مقابل غض طرف روسي عن معركة حلب حيث استطاعت المعارضة كسر الحصار عنها، والسيطرة على بضعة مراكز مهمة تابعة للجيش السوري.

من ناحية أخرى، يقابل هذه التغييرات التركية طلبات مضادة موجهة إلى روسيا. ومنها تقليص الرعاية للقوات الكردية ولحزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي تصنّفه تركيا بالمنظمة الإرهابية. وبالفعل، قامت روسيا بإغلاق المكتب التمثيلي لحزب “الاتحاد الديمقراطي” في العاصمة موسكو. إلا أن ذلك لم يؤثر على تقدم الأكراد شمال سوريا، واستطاعوا السيطرة مؤخراً على مناطق جديدة، كان أبرزها مدينة منبج التي انتزعوها من أيدي “الدولة الإسلامية” بدعم أميركي واضح ومعلن.

وتشكّل القوات الكردية المدعومة من روسيا والولايات المتحدة الأميركية قلقاً حقيقياً لتركيا يوازي بأهميته ما يجري في مدينة حلب. خاصة وأن الأكراد أبرزوا قدرتهم مراراً وتكراراً على الهجوم والسيطرة، ومن ثم طرد العرب والتركمان والفصائل الموالية لأنقرة من مواقعهم وقراهم شمال سوريا.

قد تبقى العلاقة المستجدة بين تركيا وروسيا بعد المصالحة قابلة للمزيد من التعاون، كما عرضة الفتور بسبب كثرة المصالح المتناقضة بينهما، خصوصاً في الميدان السوري. غير أن الأكيد أن هذا التعاون الثنائي قد بدأ يأخذ شكله تدريجياً وهو يوسع من أعماله، وربما سيصل بسوريا إلى حلٍّ للأزمة فيها. إلا أن الحلّ، إن تم يوماً بتوافق روسي – تركي، لا يعني أنه سيأخذ مصالح القوى المحلية السورية بعين الإعتبار، بل ستدفع الكثير منها ثمناً لهذا التوافق، وخصوصاً الأكراد و “الدولة الإسلامية”، كما الفصائل المقربة من تركيا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1573.

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan, özel uçak TUR ile Azerbaycan’ın başkenti Bakü’ye gitti. (Aykut Ünlüpınar – Anadolu Ajansı)

 

من أكبر جنرال في الجيش إلى أصغر موظف في اتحاد كرة القدم التركي، لم تسلم جمعية أو اتحاد أو مؤسسة، رسمية وخاصة، من تغيير طالها في الفترة الماضية. أتى الانقلاب الفاشل كهدية للحكومة على طبق من فضة، وقدم لها إمكانية تغيير موظفيها بسهولة، كما فتح الباب أمامها لإعادة هيكلة المؤسسات وطرد من لا يواليها، تحضيراً لبسط نفوذها على مؤسسات الدولة كما على القطاع الخاص.

لا حكومة شرعية تريد انقلابيين يسعون لزعزعة استقرار البلاد في داخلها، ولا حكم تعرض لمحاولة انقلاب عنفية يتساهل، مبدأياً، في التعامل مع أخصامه. إلا أن كثرة الذين تعرضوا إلى العقاب، أكان عبر الاعتقال أو الإعفاء أو الفصل، تُبرز أعمال الحكومة كأنها قمعية وانتقامية أكثر من كونها دفاعاً عن أمن الأتراك وصوناً للقانون. من ناحية أخرى، ورغم ضخامة عدد الذين تمت معاقبتهم، والسرعة في انتقائهم، يبقى التغيير الأساسي هو الذي تعرّض وستتعرّض له أنظمة أعرق وأكبر الأجهزة الرسمية التركية.

المؤسسات العسكرية والأمنية والجهاز القضائي هي التي لديها، مقارنة مع بقية أجهزة الدولة، أكبر هاشم من الحرية في التصرف والعمل. فأنظمتها السابقة كانت تعطيها القدرة على العمل غالباً بعيداً عن أعين الدولة والحكومة، وتتمتع بقدرة على مزاحمة السلطة السياسية والتغريد خارج سرب قراراتها. في حين أن الانقلاب الفاشل فتح الباب أمام إعادة هيكلتها، وربط أنظمتها أكثر بالسلطة السياسية المركزية لتكون جزءاً منها وليس كمنافسة لها.

في هذا المقال نلقي الضوء على آخر عمليات معاقبة الانقلابيين وموظفي الدولة في تركيا، كما التغييرات التي طالت المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية. هذا بالإضافة إلى قضايا قانونية أخرى مثل السعي إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وقضية تسليم الولايات المتحدة الأميركية للداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

الطرد القانوني غير أخلاقي.. أميركا لا تسلم غولن

مع مرور أكثر من شهر على فشل المحاولة الانقلابية لم ترسِ التقارير القادمة من تركيا على رقم نهائي للمحجوزين والمطرودين. إلا أن الرقم الرسمي الأخير الذي أعلنه وزير الداخلية التركي “أفكان علاء” في 11 آب / أغسطس أشار إلى أن عدد المطرودين من وظائفهم قد بلغ 76 ألفاً، كما تم احتجاز 5171 شخصاً وألقي القبض على حوالى 17 ألف آخرين[1].

قد تبدو هذه الأرقام الضخمة مفاجئة لشعوب الدول الصغيرة المجاورة للدولة التركية، إلا أن هذه الأخيرة توظّف حوالى 150 ألفاً في السنة الواحدة، كما إن أعداد موظفيها الإجمالي يصل إلى عدة ملايين، فتكون بالتالي نسبة المطرودين بسيطة جداً بالمقارنة مع العدد الإجمالي. من ناحية أخرى يُشكل طرد الموظفين جماعياً “تقليداً” تركياً يتم دائماً بعد العمليات الإنقلابية، ولم يكن آخره اعتقال أكثر من 120 ألف شخص من “غير المرغوب بهم”  بعد انقلاب العام 1980 بأشهر قليلة[2]، وبضعة عشرات آلالاف بعد انقلاب العام 1997.

هذا التخفيف من حجم الطرد الجماعي لا يبرر فعله على جميع الأحوال، ولا هو إقرأ المزيد