تركيا – روسيا: مصالحة ومصالح


جو حمورة

putin-and-erdogan-660x330

خفتت أصوات الأتراك المنددة بالسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والسياسة الروسية في سوريا، وحلت مكانها تعابير المصالحة والإنفتاح والتعاون. يومان فقط كانا كافيين ليتساءل الجميع حول ما يجري في أنقرة، وكيف تحوّل “العدو” الإسرائيلي إلى طرف يمكن التعاون معه، والخصم الروسي إلى شريك اقتصادي وسياسي مهم ودائم؟

غلبت الواقعية السياسية على المثاليات في سياسة تركيا الأخيرة بعدما تحوّلت في الأشهر الماضية إلى متفرج على الأحداث في العراق وسوريا وفلسطين من دون أن تكون لاعباً موازياً للاعبين الإقليميين الآخرين. فالعزلة التي وضعت تركيا نفسها فيها نتيجة الرهان على المعارضة السورية المعتدلة حيناً والإسلامية أحياناً، أضرت بمكانتها الشرق أوسطية، كما أدت إلى تعرض مصالحها الإقليمية للخطر، ونقلت المخاطر الإرهابية إلى داخلها.

وكان الإنفجار الذي وقع في مطار “أتاتورك” الدولي في 28 حزيران الماضي دليلاً على أن الإرهاب ما عاد في حدائق تركيا الخلفية، بل بات في عقر دارها. كما بات الإرهاب خطراً مشتركاً ومتفلتاً من كل ضوابط، ويدعو تركيا وروسيا إلى التعاون لمواجهته، خصوصاً أن المهاجمين الثلاثة على مطار “أتاتورك” جاؤوا من روسيا ودول آسيا الوسطى الدائرة في فلكها والتي تشهد صعوداً للمشاعر الدينية والحركات الإرهابية في الفترة الأخيرة.

الإرهاب المتنقل بين بلد وآخر بات مصدراً حقيقياً لعدم الإستقرار، وخطراً يهدد كل المعنيين في الحرب السورية، ويشكل سبباً أساسياً للتقارب بين الأتراك والروس غير المعفيين من تحمل أوزاره. كذلك الأمر، شكلت عوامل أخرى أسباباً توازي العامل الإرهابي في تحفيز التقارب التركي – الروسي الأخير، وفي إسراع الطرفين للخروج من عنق الزجاجة، ونسيان حادثة إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية فوق أراضيها في تشرين الثاني الماضي.

وتشكّل الحرب السورية الميدان الأساسي للخلاف التركي – الروسي، فكل منهما يقف، سياسياً، على نقيض من الآخر. كما أن دخول موسكو على خط العمل العسكري المباشر في سوريا لم يحافظ على مصالح أنقرة الإقليمية فيها. فعلى العكس من حالة كلٍ من إسرائيل وإيران، لم يحفظ التدخل الروسي مصالح تركيا، أكان في مهاجمته مراراً للميليشيات التركمانية والفصائل المعارضة الحليفة لتركيا، أو في دعمه للمساعي الإستقلالية للأكراد في شمال سوريا. في حين حافظت روسيا، بعد تدخلها العسكري، على قدرة الإيرانيين ليكونوا لاعبين أساسيين في سوريا، كما على مصالح إسرائيل في إبقاء المناطق القريبة من حدودها آمنة وهادئة.

على أن إعادة العلاقات الروسية – التركية الطبيعية سينعكس على الأرض السورية بحيث أن موسكو ستأخذ بحساباتها مصالح أنقرة الإقليمية الآن، فتخفف من مهاجمة الفصائل المعارضة القريبة منها. وهذا ما كان قد أعلن عنه تلميحاً وزير الخارجية التركية مولود تشاويش أوغلو خلال لقاءه نظيره الروسي سيرغي لافروف حيث رأى أنه “لا خلاف بين روسيا وتركيا في تحديد مفهوم الإرهاب”، مشيراً إلى أن بلاده تعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية” و “جبهة النصرة” تنظيمين إرهابيين.

من ناحية أخرى يحمل التقارب التركي – الروسي خبراً سيئاً لأكراد سوريا، فالدعم السياسي والعسكري الذي تلقوه من روسيا قد يتعرض للتراجع في الأيام الآتية. وذلك أكان للحساسية التركية تجاه المساعي الإستقلالية الكردية، أم لأن المعارك الأساسية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” تتركز الآن في العراق بشكل أساسي ولا ضرورة قصوى لدعم أكراد سوريا كما درجت عليه العادة.

وفي إنتظار تبلور صورة للعلاقات المستجدة بين الدولتين، وربما عملهما مستقبلاً على تسوية ما للحرب السورية، تستفيد تركيا الآن من رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا عليها. ومنها إعادة السماح بالرحلات التجارية والسياحية إلى تركيا، ورفع العقوبات على دخول الخضروات والفاكهة التركية إلى أسواقها الداخلية، وهي عقوبات أضرت بالإقتصاد الروسي المتهالك أكثر مما أضرت بالإقتصاد التركي على جميع الأحوال.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1568.

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s