الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -2-

جو حمورة

القسم الأول من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا، والقسم الثالث هنـا، والرابع هنـا.

قد يظن العديد منّا أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

lebanon

الأمثال الشعبية إذاً ليست مجرد كلمات سهلة الترداد وفيها نوع من القافية، بل هي مرآة صادقة لتجارب تاريخيّة، فرديّة وجماعيّة، تفسّر ما حدث وما زال يحدث على المستوى الفرديّ والجماعيّ.

ولبنان، كما غيره من الدول، يَكثر في تاريخه القديم أمثال لا يزال بعضها يُستعمل حتى اليوم، ومنها ما يدلّ على واقع وإحساس طائفيّ عُبّر عنه من خلالها. أورد بعضَها هنا، مع تفسير موجز عنها:

بـنـزّل بنتي عا السوق وبيعا، ولا بِـعطيا لواحد شـيعا (وتعني أن الرجل يُفضل أن يذهب إلى حد بيع إبنته في السوق على أن تتزوج أحدهم من الطائفة الشيعية)

المسـلماني ولا الـروماني (مثل يقوله أبناء المذاهب الأرثوذكسية ويفضلون فيه المسلم على المسيحي الكاثوليكي)

مـحمِد أبصـرش إمطانيوس (أبصرش = لا يصبح. مثل خاص بأهالي كسروان وجبيل، ويعني أن المسلم سيبقى متخلفاً مهما حاول جاهداً أن يتصرف كالمسيحيين)

إذا سـطل اللبن حَمّض، بكـون من بني مـحمد (وتعني أن حتى أبسط المشاكل سببها المسلمون)

الروم عضـمون أزرق (وتعني أن أبناء طائفة الروم الأرثوذكس كثيرو العناد وإيمانهم كبير)

غِنى الموارنة للـخوارنة، غنى الـروم للبطون، وغنى الإسلام للـنسوان (مثل يدل أين يرى الناس الأموال موجودة بكثرة عند الطوائف)

سَـبّ الدين بوقـتو تْسـابيح (وتعني أنه ومهما يكن مضمونه، فإن الكلام في الوقت المناسب له مقام الصلاة والتسبيح لله)

هيدا الـدرزي وهيدا الـحيط ( تشبيه بين الدرزي والحائط، وتعني أن أبناء الطائفة الدرزية كثيرو العناد ولديهم إصرار)

مْشـي حدّ الكنايـس وصلّي بالمجالـس (أي تقرّب من المسيحيين على الصعيد الإجتماعي ولكن لا تدخل في دينهم)

حوار بين شيخ درزي وخوري ماروني عمره قرن. يقول الشيخ الدرزي للخوري الماروني:

عندي بارودة زنبرك لما بزيح… بتخش على بكركي وعا ألفين زيح

بتخش بروما وبالفاتيكان… وما بتهدى إلا بصدر المسيح

ويرد عليه الخوري الماروني:

عندي بارودة كل تكة بعوزها… سهم المنية بينطلق من بوزها

أصلها متين وخرطشتها مرتين… ومن الشوف لأرض الصين بتمحي دروزها

(هذه الأبيات الشعرية راجت خلال فترة الصراعات الكثيرة بين الموارنة والدروز في جبل لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. و “الزنبرك” هي قطعة تستخدم في السلاح الحربي، أما الأبيات فتتضمن تهديد درزي بتخريب بكركي (مقر البطريركية المارونية) وروما والفاتيكان، وتهديد جماعي للدروز من الشوف إلى أرض الصين)

***

الأمثال إذاً، جزءٌ من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

إقرأ أيضاً:

كاريكاتير عربي إيراني عن تركيا.. “يا فرحة ما تمت”

مريم نور تركيا.. حالة “جنان”

داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين

الأديان في خدمة السياسة: “التسامح” والاستغلال لأقليات تركيا الدينية

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

alevis

لا يختلف المجتمع التركي في تعدديته الدينية والطائفية عن المجتمعات الأخرى في دول الشرق الأوسط. فهذه الدول، وإن كانت تحتوي على أكثريات وأقليات متنوعة، إلا أنها محكومة غالباً بدرجة أو بأخرى من قِبل إحداها. وعلى الرغم من أن تركيا ونظامها السياسي أكثر علمانية من بقية الدول المجاورة، إلا أنها لا تشذ عن قاعدة صراع الطوائف الرائج في محيطها الشرق أوسطي، في حين لا تغيب الطائفية عن دناميات المجتمع التركي من ناحية أو سياسات السلطة من ناحية أخرى.

وتضم تركيا العديد من الأقليات الدينية، كالمسيحية واليهودية والعلاهية[1]، على أن هذه الأخيرة غير معترف بها كدين أو طائفة مستقلة كما يطمح أبناؤها. كما أنه ليس لها عملياً كامل الحقوق كأعضاء الأكثرية السنّية التي تسيطر على السلطة. وفي الوقت الذي يحكم تركيا حزب “العدالة والتنمية” ذو الجذور الإسلامية السنّية المحافِظة، تكثر الضغوطات على الأقليات الدينية حيناً، فيما يتم إعطاؤها بعض الحقوق أحياناً أخرى، إلا أن معظمها يتم إستخدامه كأدوات في السياسة الداخلية والخارجية التركية.

قانونياً، رعت اتفاقية “لوزان” الموقّعة بين الدولة التركية والدول الغربية حقوق كل من الأقليات اليونانية (الأرثوذكسية) والأرمنية واليهودية في تركيا. وأعطت هذه الاتفاقية، السارية المفعول منذ توقيعها في تموز/يوليو من العام 1923، صفة الأقليات المعترف بها لهذه الجماعات الثلاث حصراً ونظمت شؤونها الدينية وشروط المواطنة لها. كما ضمنت لأبنائها حرية العبادة والعمل. في المقابل، لم تصنّف هذه الاتفاقية، أو غيرها، العلاهية أو السريانية كأقليات دينية أو طائفية معترف بها بشكل رسمي في تركيا.

وتنص مواد عدة من الاتفاقية على ضرورة تأمين الحماية والحرية لليونانيين والأرمن واليهود في ممارسة طقوسهم الدينية بالطريقة التي يريدونها، كما المساواة في الحقوق المدنية والوظيفية والسياسية مع بقية المواطنين. بالإضافة إلى ذلك، تسمح الاتفاقية لهذه الأقليات الثلاث باستعمال لغاتها الخاصة، كما ضمنت لهم إنشاء وإدارة جمعيات خيرية ودينية واجتماعية وتعليمية، وفرضت على السلطات احترام أحوالهم الشخصية وفقاً لتقاليدهم الخاصة، كما تأمين الحماية لمراكزهم الدينية [2].

الطوائف المسيحية في خدمة السياسة الخارجية

إلا أن القانون شيء، والواقع غالباً ما يكون شيئاً آخر. فقد عمدت السلطات التركية المتعاقبة خلال القرن الماضي، ورغم علمانيتها المفترضة، على وضع يدها على إقرأ المزيد

الإعلام التركي بالعربية.. أردوغاني

جو حمورة

ما أن أظهرت اهتمامها بلعب دور أكبر في محيطها الإقليمي، حتى أخذت تركيا تعزّز أدواتها الإعلامية للتأثير في الشعوب العربية. فمن المسلسلات والأفلام، إلى المحطات التلفزيونية ووكالات الأنباء، ترسانة كاملة من الأدوات تم توجيهها منذ العام 2004 إلى عقول وقلوب العرب، فيما الغاية منها خدمة الهدف الأول والأخير لتركيا: زيادة التأثير والنفوذ في المنطقة العربية.

أداة أخرى لم تأخذ حقّها في الدراسة والمتابعة كغيرها، وهي المواقع الإلكترونية التركية الناطقة باللغة العربية، والتي غالباً ما يتم نسيانها عند دراسة استراتيجية تركيا في التأثير في سكان المنطقة العربية. كما يتم إهمالها على اعتبار أنها أدوات جديدة وأقل انتشاراً إذا تمّ قياسها بالمسلسلات التركية المدبلجة إلى العربية مثلاً. إلا أن عددها الكبير وتشابهها من حيث المضمون والسياسة، يجعل منها أدوات فعالة لمتتبعي الأخبار في الفضاء الإلكتروني.

لتركيا ومحبيها، عشرات المواقع الإلكترونية السياسية، التي تبث الأخبار باللغة العربية على مدار الساعة. ولا مبالغة في القول أنها، في سوادها الأعظم، ذات توجه إسلامي، ومعظمها يتشابه في التوجه السياسي حد التطابق مع رؤية حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا. بينما المواقع ذات التوجه العلماني التركي لا وجود لها باللغة العربية.

لموقع “ترك برس”  المنظَم في هندسته وألوانه والكثيف في مواضيعه، أهمية من حيث المضمون. يفرد هذا الموقع بشكل دائم ملفات خاصة لقضايا متنوعة، كـ”الأرمن وأحداث 1915″، و”الدولة العثمانية” و”الدراسة في تركيا” وغيرها. كما يعمد إلى بث صور “إنفوغرافية” بشكل يومي، تركّز بمعظمها على قوة تركيا الاقتصادية والعسكرية كما مِنحها الاجتماعية الكبيرة للاجئين السوريين، وهي توجهات يسعى الحزب التركي الحاكم إلى إبرازها بشكل دائم في وسائل إعلامه المحلية، العربية والعالمية.

أما موقع “تركيا نيوز 2023” اللبناني المَنشأ، فغالباً ما يَنشر أخباراً تتعلق بالشؤون الدينية العربية والتركية، فيما خطابات ونشاطات رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان لها حضور دائم في أخبار الموقع.

بدوره، يعمل  “أخبار العالم” على نشر نقد دائم ولاذع للمعارضة التركية على موقعه، ويقدّم صورة مثالية عن الواقع التركي الحالي، كما يقدم دعماً إعلامياً للمعارضين السوريين وحركة “الإخوان المسلمين” المصرية. في حين يتميّز موقع “تركيا بوست” بمقالاته المترجمة عن الصحف التركية، وانتقاد سياسة إيران “الهدّامة” في الشرق الأوسط، إضافة إلى تحفيز السياحة في تركيا وإظهار صورة براقة لشؤونها الثقافية والفنية والأدبية.

موقع صحيفة يني شفق

وفي إطار سعيها لتطاول أكبر عدد من الجمهور، عمدت كل من صحيفتي “يني شفق” و “خبر ترك” المواليتين للحزب التركي الحاكم إلى إنشاء نسخ إلكترونية عربية لهما خلال السنتين الماضيتين. وتعتمد سياسة الصحيفتين على بث الأخبار المتعلقة بالمنطقة العربية بشكل دوري، كما إظهار دور تركيا الإيجابي في الشرق الأوسط، مع التأكيد بأن فوز “العدالة والتنمية” في الانتخابات البرلمانية المقبلة محسوم.

في المقابل، ثمة وجود خجول لبعض المعارضين للحزب الحاكم من الأتراك في الفضاء الإلكتروني العربي، وأبرزهم تيار الداعية الإسلامي، فتح الله غولن، ذو النفوذ القوي في تركيا، والذي دخل في مواجهة مع أردوغان وحزبه منذ نهاية العام 2013. وللداعية عدد من المواقع المهمة والمتمحورة في الأساس حول مجلة “حرّاء” الإسلامية، التي تحولت إلى قناة تلفزيونية لها نسخة إلكترونية في اللغة العربية، والتي تعمد إلى بث أفكاره ومحاضراته المترجمة، كما العقائد الإسلامية المعتدلة، من دون أن تنسى التركيز على سلبيات ممارسات الحكومة التركية فيما خص الحريات وحقوق الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك، يشكّل موقع “زمان” باللغة العربية، وهو أشهر الصحف التركية، منصة إلكترونية لمعارضة أردوغان بشكل صريح، وتقديم الدعم المعنوي لمعارضيه، وإظهار فشل سياسة تركيا الشرق أوسطية. وكما أن هذه الصحيفة تابعة لغولن، كذلك هو حال موقع “تركيا اليوم“، إلا أنه متوقف عن تحديث مضمونه منذ 13 كانون الثاني/يناير من العام الحالي، ومردّ ذلك يعود إلى أن الشرطة التركية كانت قد داهمت المكاتب الإعلامية للموالين لغولن خلال تلك الفترة في تركيا.

يبقى أن هذا الحضور الإلكتروني المعارِض لأردوغان ليس له الكثير من التأثير بين القراء العرب، أكان بسبب ضآلة حجمه، أو بسبب أن المتتبعين للشؤون التركية غالباً ما يعود إهتمامهم هذا إلى صعود الإسلاميين في تركيا وسياساتهم الحيوية في الشرق الأوسط، فيفضلون قراءة ما يرضي توجهاتهم. لذلك تبقى المواقع الموالية للحزب الحاكم هي الأكثر رواجاً وتأثيراً في الجمهور العربي، ومع ذلك تبقى محدودة التأثير إن قورنت بالمواقع العربية الكثيرة الموالية لإيران.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

القانون كأداة تغيير إجتماعية: تركيا وأسلمة المجتمع والدولة

من الحكم إلى السجن إلى “الحرية”: إنقلاب أبيض على الجيش التركي 

“سجن وردي” ونضال الأقليات الجنسية في تركيا

“سجن وردي” ونضال الأقليات الجنسية في تركيا

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

LGBT march in Turkey

LGBT march in Turkey

لم يكن تشريع الولايات المتحدة الأميركية لزواج المثليين مجرد حدث محلي عابر، إنما اكتسب القرار الصادر عن المحكمة العليا في 26 حزيران/يونيو الماضي بُعداً عالمياً، تمثل في تنظيم مسيرات واحتفالات تأييداً للقرار في الكثير من الدول حول العالم.

في تركيا، والتي تعد المكان الأكثر حرية للمثليين الجنسيين إن قورنت مع بقية الدول ذات الأكثرية الإسلامية، كانت الأقليات الجنسية من مثليين، ومثليات، وثنائيي الجنس، والمتحولين جنسياً على موعد فيها مع عنف رسمي مارسته الشرطة تجاههم بعد أن نظموا مسيرة للمطالبة بحقوقهم في شوارع اسطنبول. فمِن استخدام عصي إلى خراطيم المياه وأبشع أشكال التعنيف اللفظي، أدت كل هذه الممارسات إلى فضّ المسيرة التركية بالقوة، فيما حرية الأقليات الجنسية لا تزال تتعرض، كما دائماً، إلى قمع منظم منذ سنوات عديدة.

مع تربّع حزب “العدالة والتنمية” على الحكم في أنقرة، مارس الحزب الإسلامي سياسات محافِظة طالت معظم مجالات الحياة العامة، فكانت الأقليات الجنسية واحدة من الفئات التركية التي تعرضت للتهميش، ولم تُحقق مكاسب كثيرة في نضالها للاعتراف بمساواتها مع بقية الأتراك. إلا أن السنوات القليلة الماضية شهدت، كذلك، على العديد من المحاولات الجماعية والفردية لتوعية الأقليات الجنسية التركية على حقوقها، كما محاولات أخرى لتحقيق مكاسب لها في ظل حكم لا يزال ينظر إليها بعين لا تخلو من الكراهية والتمييز.

القانون والضغط الاجتماعي على الأقليات الجنسية

لم تكن المثلية الجنسية يوماً مخالفة للقانون في تركيا أو تستوجب أي شكل من من أشكال العقاب. فقبل نشوء الجمهورية التركية بأكثر من نصف قرن، ألغت السلطنة العثمانية، عام 1851، جرم المثلية الجنسية، من ضمن محاولاتها العديدة في تلك الفترة لتطبيق إصلاحات لإنقاذ السلطنة من خطر الإنهيار[1] . وعليه، لم يتم تجريم المثلية الجنسية بعد نشوء الجمهورية التركية عام 1923، فحققت الأقليات الجنسية إقرأ المزيد