الأكراد.. “جيش الغرب” في سوريا


جو حمورة

14068240_1188464987861983_8611949303393463814_n

ترافق فقدان نظام “بشار الأسد” السيطرة على شمال سوريا مع تقدم سريع قاده حزب “الاتحاد الديمقراطي” والميليشيات التابعة له في تلك البقعة من الأرض. إلا أن النظام السوري لا يزال بعد سنوات الحرب الطويلة يحافظ على نقطتين فقط شمال سوريا. الأولى، في واحدة من أحياء مدينة القامشلي. والثانية، في بضعة أحياء من مدينة الحسكة. وتؤمن هاتان النقطتان إمكانية للنظام لرصد التحركات التركية العسكرية على المقلب الآخر من الحدود، كما يستفيد منها كأداة للضغط على الأكراد وكبح جماحهم الإستقلالي، إلا أن ذلك لم يمنع “الاتحاد الديمقراطي” ومن يدور في فلكه من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الحرب وظروفها.

منذ البداية، وقف الأكراد على مسافة من طرفي النزاع السوري. لم يتطرفوا في نضالهم الثوري إلى جانب المعارضة، كما لم يأخذوا مكاناً ثابتاً لهم في صف المدافعين عن النظام. إنما آثروا الدفاع عن قوميتهم الكردية أولاً، والاستفادة قدر الإمكان من الحرب وما تخلقه من متغيرات ديمغرافية وعسكرية، وما تتيحه من فرص في تحقيق كيان مستقل لهم.

هذ الموقف المتوازن والبراغماتي لأكراد سوريا لم يبقَ جامداً دون مبادرة أو حركة، إنما أخذوا ما قدمته المعارك والظروف بشكل عقلاني، ومارسوا تبعاً لكل حدث سياسة مختلفة عن الأخرى. فشاركوا مثلاً في قمع الثورة السورية في بدايتها، وخاصة في قمع الأكراد المشاركين فيها واغتيال بعضهم. ثم قاموا بالاشتباك مع قوات النظام لمرات عديدة في أحياء حلب، والقامشلي والحسكة وغيرها.

بنى الأكراد من خلال هذه المعارك الأرضية الصلبة التي أتاحت لهم تحقيق الإنتصارات لاحقاً. إذ أن قمع الأكراد الموالون للثورة السورية مهد المجتمع الكردي للقبول بسلطة حزب “الاتحاد الديمقراطي” دون منازع. في حين ساهمت الاشتباكات مع الجيش السوري في تراجع الوجود العسكري للنظام من مناطق الكثافة الكردية، فتحرروا في إدارتها وتنظيمها. كما حافظوا، طوال فترة الحرب، على شبه سلام مع جارتهم التركية، فلم يطلقوا رصاصة ضدها على الرغم من تعرضهم منذ العام 2014 إلى اليوم لتحرشات دائمة من الجانب التركي.

قابل نجاح الأكراد عسكرياً فشل سياسي، إذ لم تتم دعوتهم ولو لمرة واحدة إلى المؤتمرات الدولية الكثيرة المعنية بحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من الإصرار الروسي على إشراكهم في مؤتمر “جنيف 2” مثلاً، إلا أن الفيتو التركي والعربي لم يتح للأكراد التعبير عن نظرتهم للحل في سوريا، أو عن مطلبهم بإقامة نظام سياسي جديد يتأرجح، حسب الظروف والمعطيات، بين النظام اللامركزي والنظام الفدرالي على نمط إقليم كردستان شمال العراق. فكان الرفض الدولي لإشراكهم بالحل السياسي فرصة ذهبية للإعلان عن قيام “إدارة ذاتية” لحكم وإدارة المناطق التابعة لسيطرة حزب “الاتحاد الديمقراطي” وقوته الأساسية “وحدات حماية الشعب”.

مع ظهور “الدولة الإسلامية” بات المعركة بينها وبين الأكراد حتمية، خصوصاً وأن الطرفان يتجاوران السيطرة على شمال وشمال – شرق سوريا، فكانت معركة كوباني الشهيرة التي انتهت لصالح الأكراد بداية العام 2015. ومثلت هذه المعركة الإختبار الحاسم للقدرة الكردية على الصمود في وجه “الدولة الإسلامية”، وذلك في وقت كان الجميع يتقهقر أمام تقدم جنود “أبو بكر البغدادي”. وإنتهى الأمر بأن تحوّل الأكراد إلى “جيش الغرب” بعد نجاحهم في حسم العديد من المعارك ضد “الدولة الإسلامية”، فتتالت من حينها المساعدات الأميركية والروسية عليهم.

وتشكل القوات الكردية استثناءاً ملفتاً في الحرب السورية. فعدى كونها خارجة عن اصطفاف المعارضة – النظام، ينعم الأكراد بالدعم السياسي الروسي كما بالدعم العسكري الأميركي. ففي وقت تقوم روسيا بضمان مطالبهم القومية وتقديم حقوقهم في المحافل الدولية وافتتاح مكاتب تمثيلية لهم في موسكو، تعمد أميركا إلى تقديم الأسلحة لهم، وإرسال قوات خاصة لتدريبهم، كما تغطية معاركهم جوياً إن كانت ضد “الدولة الإسلامية”.

مؤخراً، ومع التقارب التركي – الروسي، وزيارة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف أنقرة، شهدت هذه الأخيرة بضعة تغيرات في سياستها تجاه سوريا. فقدمت مبادرة على لسان رئيس حكومتها، بن علي يلدريم، تُبقي “الأسد” مؤقتاً في الحكم خلال مرحلة إنتقالية، كما أبدت قبولها دراسة نشر قوات دولية على حدودها الجنوبية. وفي الوقت عينه، لم تعنِ هذه الزيارات للقوات الكردية شيئاً، بل قامت بالسيطرة على مدينة منبج شمال حلب بعد أن طردت قوات “الدولة الإسلامية” منها، كما تبع ذلك تقدم في اتجاه منطقة العريمة، تحضيراً للهجوم على مدينة الباب.

وتعمل “وحدات حماية الشعب” الكردية بأسلوب متقن خلال المعارك. فعدى “استخدامها” بعض العرب والسريان في القتال إلى جانبها، تنسق تحركاتها مع قوات التحالف الدولي وتستفيد من تغطيته الجوية ليتقدموا على الأرض. كما تقوم “الوحدات” بإنشاء مجلس خاص لكل مدينة قبل الدخول إليها، تكون الغاية منه القبض الفوري على السلطة في المنطق المحررة من “الدولة الإسلامية” وإدارتها بشكل جيد.

لم يُعجب النظام السوري بتقدم الأكراد السريع في منبج ومحيطها، لذا فضل فتح جبهة ضد “وحدات حماية الشعب” في الحسكة حيث لا يزال يسيطر على بضعة أحياء فيها. وقامت قوات “الأسد” بالهجوم على حواجز “الأسايش” (الشرطة الكردية) بشكل مفاجئ، ثم تلاها اشتباكات كثيفة بين الطرفان. كما قامت مدفعية النظام بقصف مواقع الأكراد بقوة، بالإضافة إلى استعمال الطيران لأول مرة في المدينة.

هذا في الميدان أما في السياسة فيمكن قراءة فتح جبهة مع الأكراد كرد جميل للموقف التركي المهادن مع النظام السوري. إذ أن سيطرة الأكراد على مناطق إضافية شمال سوريا يشكل خطراً على الأمن القومي التركي، كما يجعل من الفدرالية ضرورة عند حل الأزمة السورية تبعاً لسيطرة الأكراد على مناطق شاسعة ومترابطة. ولم يُخطئ ربما زعيم حزب “الاتحاد الديموقراطي” صالح مسلم عندما اعتبر على أثر الإشتباكات بالحسكة أن “ما يقوم به النظام هو شهادة حسن سلوك الى تركيا، خصوصاً بعد التحرك الإيراني الأخير باتجاه أنقرة”. كما أكد أن “النظام السوري سينتهي عاجلاً أم آجلاً وسيظهر مكانه نظام جديد تعددي لامركزي ديموقراطي بعيد عن ذهنية البعث”.

مع اشتباك جيش “الأسد” مع “الوحدات”، تقدم دمشق نفسها كقوة لها وظيفة تأمين مصالح أنقرة القومية عبر قتل الأحلام الكردية في التوسع والسيطرة وإنشاء إقليم فدرالي مستقل. كما تقدم نفسها كحامية للحدود التركية بعدما نجحت منذ زمن بعيد بتقديم نفسها لإسرائيل كحامية لحدودها من أي طامح للهجوم عليها. وبذلك يستمر النظام في الوجود ليس بسبب قدرته على الحسم أو بسبب شرعيته الشعبية، إنما بسبب قدرته على تقديم نفسه كضمانة للقوى الإقليمية، وخوض معارك محددة تُبقي على دوره الوظيفي في حماية جيرانه من نيران الفوضى، وإن كانت معظم معاركه هذه خاسرة في الميدان.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1574.

Advertisements

2 thoughts on “الأكراد.. “جيش الغرب” في سوريا

  1. مابين نظام متهاوي ادار الازمة بعنف مفرط اوصلت الامور الى الكارثة، ومابين فصائل معارضة اسلامية جهادية سلفية محسوبة على قطر والسعودية، ومابين داعش، يبقى الاكراد هم العنصر الاكثر فاعلية و موثوقية و استحقاقا.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s