“نبحث عن مدير لا عن خادم سلطان”.. إستدارة بوجه الإعلام التركي


جو حمورة

12 (1)

الإعتراض أنواع. وللأتراك دوماً أساليب متمايزة في هذا المجال. فمنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى مظاهرات ميدان “تقسيم” عام 2013 وما بعدها، لجأ الأتراك إلى الكثير من الأساليب الجديدة والمبتكرة للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم للكثير من السياسات والقرارت. كُتب لبعض هذه الاحتجاجات النجاح، فيما فشل غيرها، إلا أن الفرادة في أساليب التعبير ميزت معظمها.

مؤخراً، عمد طلاب الثانويات التركية إلى تنظيم حركة احتجاجية في عدد من المدارس على خلفية تدخل الحكومة في تعيين المدراء وترويج للأفكار المحافِظة فيها. وأخذت الاحتجاجات السلمية بطبيعتها وأهدافها اهتماماً في الإعلام، على اعتبار أن المدارس بقيت في الفترات السابقة بعيدة بعض الشيء عن التعبير عن رفض شعبي لسياسات الحكومة.

ففي الرابع من حزيران / يونيو عمد طلاب ثانوية إسطنبول العليا إلى تنظيم احتجاج ضد المدير والإدارة وذلك عبر الإستدارة خلال إلقاء مدير المدرسة كلمته في حفل تخريجهم. فيما عمد أهالي الطلاب الحاضرون في حفل التخرج إلى دعمهم عبر التصفيق، كما تلقوا دعماً معنوياً آخراً من الكثيرين عبر وسائل التواصل الإجتماعية.

كذلك ترافقت حركة الإحتجاج السلمية مع إصدار الطلاب بيان طالبوا فيه بـ “إبعاد السياسة وأصحاب الإيديولوجيات عن إدارة المدارس”، ووقف فرض اللباس المحافِظ على الطالبات، وتميز بعض الطلاب غلى حساب غيرهم. وذلك في إشارة إلى المدير ذاته الذي تم تعينه حديثاً من قِبل وزارة التربية، بعدما استحصلت الحكومة لنفسها إمكانية تعيين المدراء مباشرة دون استشارة أي من الهيئات التعليمية كما كانت عليه الحال في السابق.

لم تتوقف الحركة الإحتجاجية ضمن حدود مدرسة واحدة، بل تعدتها لتشمل عدداً آخراً من المدارس في الأيام التالية، ومنها ثانوية “غالاترساي العليا”، وثانوية “جايالوغلو الأناضولية العليا” وغيرها. وعلى الرغم من أن معظم هذه المدارس هي من الأكبر والأقدم والأكثر كفاءة في تركيا، إلا أن الإحتجاجات عبر إستدارة الطلاب خلال إلقاء المدراء كلماتهم، وإصدار البيانات المطلبية والداعمة، لم تنحصر في منطقة دون أخرى، بينما كان موضوعها هو نفسه، ويطالب بإبعاد أصحاب الإيديولوجيات عن الإدارة، وتخفيف القبضة الحكومية وإمكانية تأثيرها على حياة الطلاب.

أما الإعلام التركي المنتمي صراحة إلى الحزب الحاكم فلم يُعطِ رأياً واضحاً حول الحركة الإحتجاجية أو يكترث بها، بينما عمد الإعلام الخاص الموالي للحزب إلى مهاجمتها بشكل عام وربطها بأمور تتخطى مطالبها. ومنها جريدة “يني عقد” الإسلامية المحافِظة التي رأت أن “احتجاج الطلاب على فرض اللباس المحتشم يعود إلى رغبة الشباب في مشاهدة سيقان الفتيات”. وهو رأي يُروّج له في هذه الجريدة غالباً، ويُشهر دائماً في وجه كل معارض لفرض قواعد متعلقة باللباس في الإدارات والمدراس والجامعات وغيرها.

من ناحية أخرى، أخذ بيان ثانوية “غالاترساي العليا” أسلوب ساخراً في الإحتجاج، وذلك عبر إطلاق حملة للبحث عن مدير جديد تضمنت إحدى شروطه أن يكون حاصلاً على أكثر من 120 في إختبار الذكاء المخصص للطلاب. كما اعتبروا في بيانهم أن “البحث جاري عن مدير لا عن خادم سلطان”، متمنين عل المتقدمين الحضور إلى المدرسة والتعاطي الإيجابي مع الطلاب دون فوقية.

أما جريدة “ستار” المقرّبة من الحكومة فاعتبرت “أن الطلاب يتم تحريضهم من قِبل أيادي خفية، ويحضرون لعصيان جديد مماثل لحركة تقسيم”. كما ألمحت الجريدة، في أكثر من مقال لها، على أن الطلاب “قد يكونون عرضة لتنفيذ مؤامرة ألمانية”، على اعتبار أن الحكومة الألمانية تساعد القطاع التعليمي في تركيا ببعض التجهيزات وتنظم النشاطات المشتركة أحياناً.

هذا الرهاب الإعلامي التي تبثه بعض الصحافة المقرّبة من الحزب الحاكم، دون أن يقوم الحزب أو إعلامه الرسمي بتبنيه، ينطق أحياناً بما لا تستطيع الصحافة الحزبية والرسمية النطق به. كذلك الأمر، يجعل بعض الإعلام المبارزة حول ربح الرأي العام، بين المعترض على سياسة ما والمدافع عنها، غير متكافئة، وذلك عندما يجعل من كل محتج متآمراً، ويربط كل نشاط بمؤامرة خارجية أقرب إلى الخيال من قربها إلى الواقع. وعلى الرغم من أن بعض الإعلام التركي لا يزال “مهوساً” بالترويج لنظرية المؤامرة، إلا أن الطلاب تعاملوا مع الصحف المعارضة لهم تماماً كما تصرفوا مع مدراءهم، وذلك عبر الإستدارة وعدم الإكتراث بحديثهم.

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s