تركيا بين “العلويين” و”العليهيين”: الولاء للوطن أولاً

جو حمورة

بسبب حاجتها لحلفاء في مواجهة ألمانيا النازية، قامت الدولة المنتدِبة، فرنسا، “بإهداء” لواء الإسكندرونة السوري لتركيا منذ 75 عاماً بالتّمام والكمال. فأضحى اللواء ذو الأغلبية العلوية حينها، أرضاً تركية، مما أدى إلى انقسام “الساحل العلوي” بين بلدين، وتحوّل العلويين في تركيا، منذ العام 1939، إلى أقلية في دولةٍ يشكّل فيها المسلمين السنّة أكثرية شبه مطلقة. أمّا اليوم، وبعد تضخيم أرقامها ودورها في تركيا، “تُستغَل” الأقلية العلوية إعلاميّاً من بعض المدافعين عن النظام السوري لإظهار أن تركيا تخشى التوّرط في سوريا خوفاً من حراكٍ علوييٍ داخليٍ ما، كما الربط بين العلويين في تركيا وإنتماءهم “الصافي” الى سوريا.

عند فحص واقع الأقليات في تركيا نجد نتائج مخالفة لتمنيات المراهنين على حراك علوي مفترض فيها. ذلك لأنه، وعلى عكس المعتقد، لا يشكّل العلويين أكثر من مليون فردٍ في تركيا، مؤلفين ما نسبتة 1.3في المئة فقط من سكانها البالغين 75 مليوناً. بينما الأقلية الحقيقية الأكبر حجماً والأكثر تأثيراً في تركيا هي الطائفة المسماة الـ Alevis والتي لا تملك مرادفاً علمياً لها في اللغة العربية إلا أنّ التعبير الأكثر إستخداماً لها هو “العليهية”. وتختلف هذه الطائفة عن تلك العلوية أكان من ناحية الأصول أو الإيمان أو الانتماء الإتني، بالرغم من كثرة الكتابات الصحافية المغلوطة، وبضعها مقصود، والتي تمزج بين الطائفتين على اعتبار أنّهما واحد.

من ناحية الأصل التاريخي، يعود نشوء “العليهيين” للقرن السادس عشر في أذربيجيان على يد “الشاه إسماعيل” مؤسس الطريقة الصوفية فيها. في حين تعود أصول العلويين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية أو الفارسية. كذلك يتشعب الإختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنهما وإن اعتبرا نفسيهما فروعاً من الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين هم جزءً من طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال ويتلقنها عدد محدد من أبناء الطائفة. بينما لعقيدة “العليهيين” الأتراك تفسير فضفاض نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين، وتجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية التي كانت موجودة في الأناضول قبل الإسلام. أما أعدادها فتبلغ حوالي 15 مليونٍ من الأتراك مقسمين في كل البلاد وخاصة في وسطها، ولا يمتّون للنظام السوري وحكامه العلويين بأية صلة دينية أو مذهبية.

A protester holds a banner reading "we are alevi" in Ankara March 13, 2012.

A protester holds a banner reading “we are alevi” in Ankara March 13, 2012.

أمّا إتنياً، فيتألف “العليهيون” في تركيا من أعراق التركمان والكُرد، ويتكلم كلٌ لغته. بينما العلويون هم عُرب اللّسان، لكنهم وبسبب وجودهم ضمن الدولة التركية لعقود عدّة باتت لغتهم الأولى التركية، مستبدلين اللغة العربية التي لم يحتفظ بها إلا كبار السن وبعض المتخرجين سابقاً من الجامعات السورية.

في السياسة، ينتمي معظم “العليهيين” إلى الأحزاب “العلمانية” اليسارية والقومية، ويرأس حزب “الشعب الجمهوري”، المعارض الأبرز للحزب الإسلامي الحاكم، “عليهي” هو “كمال كيلتشدار أوغلو”، وينقسم حزبه إلى جناحين يشكّل الجناح “العليهي” التيار الأبرز فيه. فلكأن الأحزاب الأساسية التركية أضحت في العمق، منذ عقدٍ من الزمن، ممثلة كلّ لطائفةٍ ما، ففي حين يتحزب “العليهين” لحزبهم المعارض بغطاءه “العلماني”، يتحزب السنّة في الحزب الحاكم بغطاء الدولة والنظام والدستور العلماني. في تركيا يحافظ الجميع على العلمانية في الشكل لكن لا تغيب طائفية التركيبة الإجتماعية والانتماءات الحزبية والممارسات السياسية عن الواقع التركي.

أمّا العلويون الأتراك فلا أحزاب سياسية خاصة وفاعلة لهم، وهم لا يشكّلون في مطلق الأحوال أي تأثير يحسب له حساب داخل البلاد أو خارجها، خاصة بسبب مكوثهم الطويل في الداخل التركي ما جعلهم، في غالبيتهم، أتراك الانتماء أولاً، في حين لا يرتقي المتعاطفون منهم مع النظام السوري إلى حد القيام بردة فعلٍ أكثر من التعاطف النظري. بينما كان لهؤلاء القلة من المؤيدين بقوةٍ للنظام السوري فرصة الانضمام إليه سابقاً مع اندلاع الثورة السورية، فقاموا بالتوجّه إلى الساحل السوري للدفاع عن الطائفة وحُكمها، ومنهم من مات ومنهم من بقي في الساحل السوري إلى اليوم يدافع عن الطائفة وعن ما تبقى من النظام السوري.

من ناحية أخرى، تتدخل تركيا في الشؤون السورية بطرق خفية حيناً وعلنيةٍ أحياناً، لكنها في تدخلها الأخير في الساحل السوري في ريف اللاذقية لم تأخذ، تماماً كما في المرات السابقة، في عين الإعتبار أي حراكٍ علويٍ داخليٍ محتمل، ذلك لأن قدرتهم محدودة نتيجة أعدادهم القليلة وإندماج معظمهم في المجتمع التركي. حتى أنّه، وخلال تزامن التدخل التركي الأخير في سوريا، فاز الحزب التركي الحاكم في معظم المدن التي يسكنها العلويون في الإنتخابات المحلية في 30 آذار الماضي.

في العودة إلى لواء الإسكندورنة أو ما بات يعرف تركياً بإقليم هاتاي، وبعد أن “سلبته” تركيا عام 1939، تخلّى الرئيس السوري حافظ الأسد عن حق سوريا فيه في التفاهمات التي سبقت “اتفاقية أضنة” عام 1998 التي أجبر على توقيعها مع تركيا بعد أن استغلت هذه الأخيرة تحالفها المتين مع إسرائيل لتشكل معها “كماشة” على الدولة السورية. في حين لا يبرز هذا التخلي الإنهزامي لوحده عن فقدان سوريا كل شرعية في المطالبة في اللواء وسكانه العلويين، بقدر ما تبرز تجربة وأهمية انتماء هؤلاء المستجد لوطنهم تركيا بشكل يفوق إنتماءهم الديني وارتباطهم مع سوريا.
تجربة ربما يحتاجها بعض اللبنانيين ليقدموا الانتماء إلى لبنان على الانتماء إلى النظام في سوريا!

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 نيسان 2014 (العدد رقم 1453)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

أسس النصر “الأردوغاني”

جو حمورة

ضخماً ومهماً كان نصر حزب “العدالة والتنمية” يوم الأحد الماضي في الإنتخابات المحلية التركية. فعلى الرغم من ازدياد نسبة ناخبيه من 38.8 في المئة عام 2009 إلى 45.5 في المئة في الإنتخابات الاخيرة، إلا أن أهمية هذا الفوز تكمن في أنها تأتي مباشرة بعد فضائح وتسريبات مسّت بكبار قيادات الحزب. وتسببت في كشف قضايا فساد طالت رئيس الحزب، رجب طيب أردوغان، ومقربين منه. هذا عدا عن قمعٍ حكومي للحريات العامة في تركيا، وخلافات داخل التيار الإسلامي في البلاد.

لم تتمكن الأزمات التي عصفت بحكم أردوغان وحزبه في إضعافه، بدءاً من مظاهرات ميدان “تقسيم” في العام الماضي وما تلاها. قد يكون ذلك لأن الحزب الحاكم ذا الجذور الإسلامية يعتمد على قواعد تأييد، خارج نطاق المتضررين المباشرين من سياساته الأخيرة. تلك القواعد كانت “مداميك” لوصوله إلى الحكم عام 2002، ولا تزال تشكل “الأسس” الصلبة في استمراره حتى اليوم.
تشكل “شريحة” رجال الأعمال الأتراك الأساس الأول للحكم “الأردوغاني”. وتتألف من “تجمع رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (موسياد)”، و”تجمع رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (توسياد)”، اللذين يضمان سوية حوالي 8000 رجل أعمال، يملكون آلاف المصانع والشركات التجارية في تركيا وخارجها، كما مئات الألوف من الموظفين والعمال.
في البدء، ومنذ مطلع التسعينيات، راكمت هذه الشريحة أموالها حين مثّلَ السقوط المدوي للإتحاد السوفيتي فرصة ذهبية لهم للاستثمار في أسواق جمهورياته الآسيوية السابقة. فاغتنوا بسبب غياب المنافسة، ثم عادوا إلى تركيا ووسعوا نشاطاتهم التجارية والصناعية في الأناضول والمدن الكبرى. في عهد رئيس الوزراء أردوغان، انتعشت أعمالهم، وساعدتهم سياساته الخارجية على التمدد خارجاً حين فتحت لهم الأسواق العربية والأفريقية.
300862_mainimg
أما الطرق الصوفية، وخاصة النقشبندية منها والتي تعد الأقوى في تركيا، فتشكّل داعماً أساسياً للحزب الحاكم. ويشكل بعض أعضائها جناحاً حزبياً قوياً داخل العدالة والتنمية ذا خلفية نقشبندية. وبسبب فعاليته، زاوج هذا الجناح بين نفوذ الحركة الصوفية التركية من جهة، واستمرار الحزب الحاكم الإسلامي في السلطة من جهة ثانية. يأتي هذا التحالف في وجه العلمانيين الأتراك؛ أعداء الحركات الصوفية التاريخيين.
الأساس الثالث، هو الإسلام التقليدي، وشارعه المتأثر بحركات الإسلام السياسي. تتركز هذه الكتلة في الأناضول وضواحي المدن الفقيرة، والذين يعبر عنهم سياسياً الحزب الإسلامي الحكم.  تاريخياً، أفسحت ديكتاتورية العسكر ضد اليسار التركي المجال أمام قوى الإسلام السياسي لتمثيل سكان ضواحي المدن وفقراء الأناضول. أما “العدالة والتنمية” فاستفاد من غياب ممثلي اليسار، وعمل على كسب الشارع الإسلامي. مرّ ذلك بمراحل من النهوض الإقتصادي، حسّنت من وضع الأتراك، وزادت من متوسط الدخل لهم بمقدار ثلاثة أضعاف من العام 2002 إلى اليوم، بحسب إحصاءات البنك الدولي.
أما الأساس الرابع لحكم أردوغان فهو سياسته الخارجية، التي تشكل للأتراك الإسلاميين والقوميين مصدر فخر واعتزاز، على اعتبار أن هذه السياسة تزيد من قوة تركيا وحضورها، وما سياسة تركيا الخارجية، بالنسبة لهم، سوى دفاع عن الشعوب الإسلامية المضطهدة. لذلك وقبل الانتخابات بأيام قليلة، لم يفلح تسريب فيديو مناقشة المسؤولين الأتراك احتمال تدخل تركي في سوريا من تقليل شعبية الحزب الحاكم.

على العكس، أفاده هذا التسريب في إبراز السلطة التركية كمدافع عن تركيا وأمنها القومي وحدودها الجغرافية والمسلمين في “الأمة”. وهذا ما برهن عليه فوز حزب أردوغان في الولايات التي كانت تعد معاقل للقوميين الأتراك منذ عشرات السنين وحتى الأمس القريب، كولايتي سامسون و كاستامانو.

لذلك فإن أردوغان وحزبه يمكنهم “المس” بمسائل تتعلق بالحريات في تركيا، أو حتى الإفلات من شبهات فساد دون الخوف من خسارة السلطة. ذلك لأن أسس حكمهم صلبة وقوية وموزعة في كل الجوانب الاقتصادية والدينية والجغرافية في تركيا، ما يجعل خسارته لنسب الأصوات محدودة. في حين يعول منافسوهم العلمانيون على الشباب النشط فقط في المدن الغربية القريبة من أوروبا وعلى سواحل المتوسط والمعارضة أصلا للحزب الحاكم.

انتهت معركة أردوغان في الانتخابات المحلية بنجاح، وحافظ على أسس حكمه التي تزداد قوةً وتأثيراً كلما استمر بالسلطة. أما هو فيستعد لمعركة أخرى تتمحور حول  تعديل الدستور التركي لجعله رئاسياً قبل ترشحه إلى منصب رئاسة الجمهورية في شهر آب المقبل. في حين يبدو توليه هذا المنصب أمراً شبه محسوم طالما بقيت أسس نصره ثابتة في تأييده.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

اللاذقية مقابل القرم.. وأصوات الأتراك؟

جو حمورة

بكلامه الحازم المعتاد، وفي 23 آذار الماضي، هدد رئيس الحكومة التركية سوريا بالآتي: “إن ردّ تركيا سيكون قاسيًا إذا انتُهك مجالنا الجوي”. لم يطغَ حديث رجب طيب أردوغان ذات النبرة الدفاعية على حدث هجوم جيشه قبل خطابه بساعات قليلة. ذلك لأن إسقاط تركيا لطائرة سورية قرب الحدود المشتركة بين البلدين، وتغطية الجيش التركي بمدفعيته الثقيلة لتقدم قوات المعارضة السورية أخذ كل الاهتمام. كما أفضى إلى نتيجتين مباشرتين: افتتاح معركة الساحل في ريف اللاذقية، والدخول العلني والمباشر الأول لتركيا في الحرب السورية.

لم تكن تركيا يومًا بعيدةً عن الحرب السورية. لكنها كذلك، وفي الوقت عينه، لم تكن اقرب إليها مما هي عليه اليوم. دعمت تركيا سابقاً “المعارضات” السورية لوجستياً وعسكرياً، كما رعت المعارضة السورية في الخارج دبلوماسياً. أما اليوم، فتدخل تركيا الحرب علنيةً من باب رغبتها برد صاع من أفقدها نفوذها في القرم صاعين، كما استجابةً لضرورات أمنها القومي واحتياجاتها الداخلية.

بدايةً، يندرج التدخل التركي في الساحل السوري ضمن مسألة العلاقات المتشعبة بين تركيا وروسيا. هذه العلاقات تبدأ بدول آسيا الوسطى ذات التركيبة التركمانية والنفوذ الروسي. وتمتد إلى حوض البحر الأسود ومسألة القضم الروسي للقرم ذات الأقلية المسلمة التركية. لتصل إلى تقاسم النفوذ في حوض المتوسط ومنها الشواطئ المحاذية للساحل السوري؛ آخر موطئ قدم للقوات الروسية في المتوسط.

ومع انضمام القرم لروسيا، ودخول هذه الأخيرة كعاملٍ حاسمٍ في السياسة الداخلية في القرم، فقدت تركيا نفوذها الحصري على أقليته المسلمة. كذلك، فضّل هؤلاء مقاطعة الاستفتاء على انضمام القرم بدل التصويت المتوقع بـ “لا” في 16 آذار الماضي، “راضخين” ومهادنين للروس، وفي ذهنهم ذكريات القمع الروسي تاريخيًا.

بالمقابل لم “تهضم” تركيا بعد سلب روسيا النفوذ منها على الضفاف الأوروبية من البحر الأسود. لكنها في الوقت عينه، بقيت مقيدة بعدم الردّ في القرم أو البحر الأسود نتيجة ضعف الموقف الأوروبي والأميركي من التصرفات الروسية هناك. لذا، فضلت تركيا الردّ منفردةً على روسيا برسالة في صندوق بريدها الشرق متوسطي لا الشرق أوروبي مفادها: كما تستطيعين الدخول إلى القرم وضمه إلى نفوذكِ، نستطيع كذلك الدخول إلى الساحل السوري وزيادة نفوذنا فيه.

p01-04-25347-640_829491_large

خارجياً كذلك، وعلى صعيد التوقيت، يأتي التدخل التركي مباشرةً بعد يومٍ واحدٍ من تحذير الملك الأردني، عبد الله الثاني، من “النتائج الكارثية لتقسيم سوريا” الذي بدأ يلوح بالأفق. هذا التقسيم، إن تمّ يوماً ما، سيكون أكثر ضررًا على تركيا من غيرها من الدول المحيطة بسوريا. وذلك بسبب تشكيله خطراً على أمن تركيا القومي عبر فتحه لشهية أقلياتها الدينية والقومية، العلوية والكردية، للحصول على دولِها الخاصة. في حين يمكن قراءة  التدخل التركي المباشر في الحرب السورية على ضوء ضرورات الأمن القومي التركي، على اعتبار أنه  أداة لإبراز تركيا نفسها، من جديد، لاعبًا أساسيًا لا يمكن تخطيه في أي حلٍ سوري محتمل، أو إغفال الحلّ هذا للثابتة في السياسة الخارجية التركية: لا للتقسيم.

من ناحية أخرى، وعلى الجبهة الداخلية، لم يبتعد التدخل التركي المباشر بتوقيته عن توقيت الانتخابات المحلية في تركيا. والتي حملت أهمية مصيرية لحكم أردوغان و”نموذجه” الإسلامي، المحتاج أكثر من أي يومٍ مضى إلى محرك عاطفي وقضية قومية-إسلامية ما، تُكسب الحزب الحاكم أصوات المترددين من الأتراك.

هذه الحاجة تعود بالأساس إلى فقدان الحكم التركي بعضاً من بريقه داخلياً نتيجة الانقسامات الأخيرة بين القوى الإسلامية، كما بسبب تتالي فضائح الفساد المالي والسياسي التي طالت أردوغان وأعضاء حزبه. لذا، وبقدر ما يشكّل التدخل التركي المباشر في سوريا ردة فعلٍ على أزمةٍ تركيةٍ داخليةٍ، يمثل، وبالنسبة عينها،”فرصةً” دعائية للحزب الحاكم لشحذ همم القوميين والإسلاميين الأتراك لكسب أصواتهم في صناديق الاقتراع.

هذه “الفرص” الدعائية كانت قد أثبتت جدواها سابقاً لاستمرار حكم أردوغان على مدى 12 عاماً. فعام 2009 مثلاً عمد رئيس الحكومة التركية إلى الانسحاب من مؤتمر “دافوس” بعد اشتباكٍ كلامي مع الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، مستغلاً الحدث لكسب تأييد الأتراك في انتخابات العام نفسه التي فاز فيها. كذلك، أطلق أردوغان شعار “رابعة” الدعائي المساند لحركة “الإخوان المسلمين” في مصر ضد انقلاب العسكر عليهم، ليصبح الشعار بعدها رمزاً للحركة في كل مكان.

لذلك، ومع التركيز على اعتبار الهجوم التركي رداً عملي على روسيا وضرورةً للحفاظ على أمن تركيا القومي، لا يمكن إغفال البُعد الدعائي في التحرك التركي الأخير في ريف اللاذقية. خاصة بعد أن أعلن أردوغان، بحماسة وحزم، خبر إسقاط الطائرة السورية أمام مليونان من مناصريه في إسطنبول وسط صيحات التكبير والتأييد. فأردوغان “ممثل” دعائي جيد.. و”خشبة مسرحه” تمتد من إسطنبول إلى الشرق برمته، وهدفه الدائم أن يكون صاحب “الدور” الأول في تركيا وخارجها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 4 نيسان 2014 (العدد رقم 1451)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

الإعلام البديل ملاذ تركي

جو حمورة

تدخل تركيا اليوم الانتخابات المحلية المنتظرة، وسط تحديات سياسية مختلفة أمام حزب العدالة والتنمية ووسط اتهامات بالفساد والقمع والتعتيم من قبل رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، بعد إغلاقه موقعي التواصل الإجتماعي “تويتر” و”يوتيوب” إثر نشر تسريبات لاجتماعات أمنية حساسة، وأخرى تتهمه وحزبه بالفساد.

من هنا يمكن القول إن مشهدين متناقضين طبعا الساحات العامة والافتراضية في تركيا خلال شهر آذار. الأول، مهرجانات لحزب “العدالة والتنمية” تخللها تجمهر لمئات الآلاف من مناصريه، وصوت رئيسه، رجب طيب أردوغان، خطيباً لـ56 مرة بين 20 شباط و28 آذار. أما المشهد الثاني، فقمع غير مسبوق للناشطين الأتراك في ساحات العالم الافتراضي.

تختلف توجهات الجمهورين السياسية بطبيعة الحال، لكن أيادي الجميع بقيت تعمل كلٌ لقضيتها. يرفع مناصرو أردوغان قبضاتهم دعاءً لله وتأييداً “للحاكم”، وبالرغم من إغلاق مواقع تواصل إجتماعي، إلا أن كثيرين يرون في إصلاحات أردوغان إيجابيات تطغى على سلبيات التعتيم الإعلامي.

لكن هذا لا يمنع أن معارضي حزب “العدالة والتنمية” لا يغفرون له سيطرته على الكثير من وسائل الإعلام، وإعطاء صورة متخلفة عن البلاد بممارسات غير ديموقراطية وبوضع ملف الحريات العامة بيد القضاء. لهذا كله تنقر أصابع الناشطين تغريدات الحرية رغم القمع المنظم لهم. وتتجه الآراء الحرة للتعبير عن نفسها في شبكات الإعلام البديل، المتنفس الوحيد والآمن.

بين العام 2002 واليوم، استطاع أردوغان، ترغيباً أو ترهيباً، السيطرة على معظم الإعلام الخاص والتقليدي في تركيا. فطغى من حينها الخطاب التبريري والتسويقي للحزب الحاكم في معظم وسائل الإعلام. ما أدى الى ضيق مساحة الحريات في تركيا، وجعل من وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والمدونات المنشأة بمبادرات فردية، آخر حيزٍ حرٍ لإعلام بديل عن الإعلام “الرسمي” الموجه.

في عالم التواصل الاجتماعي، وبعدما أسرّ لهم مؤسس موقع “تويتر” جاك دورسي بأساليب بديلة “للتغريد”، تمكن الأتراك من خرق الحظر الحكومي بسهولة. ففتحوا “القفص” التركي الرسمي و”حلقوا” بآرائهم في العالم الافتراضي، حتى وصلت تغريداتهم إلى ضعف المعتاد خلال الحظر. وذلك بعدما أخذت قضية الحريات التركية بعداً “عالمياً” استدعى تدخل المفوضية العليا لحقوق الإنسان، التي إعتبرت على لسان المتحدث باسمها، روبرت كولفيل، “إن حظر مواقع التواصل ينافي التزامات أنقرة في مواضيع حقوق الإنسان”.
1962622_762038300488144_125489

أما المواقع الإلكترونية المستقلة فتتزايد ثقة الأتراك بها بشكل مضطرد، وذلك بعدما قدمت نفسها كمصحح ومحقق للمعلومات المغلوطة التي تبثها أجهزة الدولة الإعلامية. ويعود ازدهار هذا النوع من الصحافة البديلة إلى تجربة الناشطين الأتراك خلال مظاهرات منتزه “جيزي” العام الماضي، حين تُركوا في شوارع المدن بوجه قنابل الشرطة المسيلة للدموع، من دون تأثير حقيقي للإعلام التقليدي في تقديم قضيتهم للجمهور غير المعارض تقليدياً للحكومة.

من هذه التجارب، موقع 140journos الذي أسسه إنغن أوندر. والقائم على جهد شبكة تواصل من 300 ناشطٍ ميداني موزعين في تركيا للتحقق من الأحداث والصور والفيديوهات ومن ثم بثها في مواقع التواصل، كما فضح التعميم والمخالفات التي يرتكبها الإعلام التقليدي الموجه في تركيا. لا يصف أوندر نفسه بالصحافي، ويرفض هذه التسمية، لكنه بالمقابل يؤكد أنه يسعى “إلى خلق لغة تواصل جديدة قائمة على الحقيقة والمعلومة الصحيحة لتعزيز الحريات”.

تتحول هذه التجربة إلى نموذجٍ قابل للتطبيق بمبادرات مشابهة، ما يجعل أوندر هدفاً مشتهى للسلطة التركية لتضيف مواقعه إلى حوالي 15600 موقعٍ آخر حُظرت خلال عشر سنوات. لكن الناشط الإعلامي وسع عمله عبر خلق تطبيق على الهواتف المحمولة يعطي المعلومات السريعة للأحداث بعد التأكد منها من قبل الناشطين المنتشرين في كل تركيا. كما يسمح التطبيق للمتظاهرين والفاعلين أنفسهم بالمشاركة بالصور والفيديوهات للأحداث التي تجري في مدنهم، عبر تحويل كل مواطن إلى “صحافي” في مكان نضاله.

أما المدونات فهي لا تزال مكاناً محبباً للأتراك لاستقصاء التحليلات والآراء المختلفة في القضايا التي تغيب عادةً عن الإعلام التقليدي. واللافت أن عدداً لا بأس به منها يتم تدوينه من خارج تركيا وخاصة من الولايات المتحدة. فمدونة “جمهورية أتاتورك” تقدم تحليلاً ونقداً مهنياً لاذعاً للأحداث التركية. كذلك تفعل مدونة “العثمانيين والصهاينة” عبر تقديمها مقالات تحليلية للوضع التركي والإسرائيلي بشكل منفرد كما محاولة المقارنة بينهما. أما مدونة“السياسة التركية خلال الحدث” فتبقى من أبرز المدونات السياسية الناطقة باللغة الإنكليزية، وهي التي قدمت من العام 2008 إلى اليوم حوالى ألف مقالٍ عن الأحداث التركية.

مقارنة عما كان عليه قبل عشر سنوات، ومستفيداً من فقدان الإعلام التقليدي لمصداقيته، قام الإعلام البديل في تركيا بنقلة نوعية عبر زيادة نسبة الواثقين فيه بشكل كبير. لكنه وبالرغم من كل نشاطه، يتحول هذا العالم الإفتراضي إلى ساحةً حصرية لمعارضي حزب “العدالة والتنمية” وسط عدم القدرة على إجتذاب الموالين تقليدياً لهذا الأخير. في حين تبقى الساحات العملية لمناصري الحزب نفسه الذين يرون إن طاعة “الحاكم” في عالم السياسة أولى من تغريدات المراهقين في العالم الإفتراضي، ما إستدعى الأديب التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموك إلى وصف حال الحرية في بلاده “من سيئة الى أسوأ”.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا