الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض


جو حمورة

في حزب الكتائب اللبنانية مُميّزةٌ غريبة تتمثّل بأن أعداد من تركوه تفوق بأضعافٍ مُضاعفة أعداد من تبقى في صفوفه، ففي حين تُمسك بعض الزُّمر الشابة من جماعة “الفتى” سامي بزمام القرار في الحزب، تصطفُّ المجموعات الحزبية الأخرى بمختلف مشاربها على لوائح الانتظار الطويلة متأملين أيّ “معجزة” تعيدهم إلى الحزب مرفوعي الهامة  وعصا “القرار” في قبضتهم، إلا أن معظمهم قد يئس من الحزب – العائلة الذي لا يهلل أعضاءه سوى لمن تزيّن هويّته الشخصية كلمة “الجميّل” وتسري في دمه بذرة الرئيس المؤسس، إذ يتمتّع هذا الحزب بنظام ملكي، تتعاقب عليه السلالة الملكيّة العريقة، لكأن الحزب هو آل الجميّل وآل الجميّل هم الحزب !

بعيداً عن الشخصانية المُزمنة التي يعاني منها الحزب منذ العام 1936 حتى يومنا الحاليّ، كاستمرار مؤسسه بيار الجميل في رئاسة الحزب لمدة 47 سنة فقط لا غير، وتعديل النظام الداخلي للحزب لكي يستمر أمين الجميل في رئاسته لولاية ثالثة قابلة للتجديد مرات غير محدودة… يعاني الحزب من دونيّةً المرتبة على الصعيد الوطني والسياسي والشعبي مردّها ضعفٌ في الإمكانات من جهة، وثانوية الدور على الساحة المسيحية والوطنية من جهة أخرى، ناهيك عن فقدان أسلوبٍ مُجدي في  تسويق الأفكار والمبادئ الجديدة التي يطرحها سليل عائلة الجميّل المتبقي على قيد الحياة.

وإن كان إلحاد الحزب بالفكرة الخرافية المدعوة: “القومية اللبنانية” أمرٌ جيد، إلا أن نعمة الإيمان بلبنان التعددي والدعوى إلى الحل الفدرالي قد حلّت على مبادئ الحزب، إنما برؤيا مبتورة وشاذة الأسلوب، أي أن تغيير الأفكار و”العقائد” لجماعةٍ ما وتطويرها هو مدعاة فخر وتقدم، ولكن لا بدّ أن نطرح بعض علامات الإستفهام حول أسلوب التغيير، إذ يشكّل أسلوب اعتناق الفكر موضوع جدل ونقاش.

فعادةً بعد أي مؤتمرٍ عام لحزب معين وعلى أثر “المشاورات البناءة” بين مختلف قطاعاته يقرّ الحزب مشروعه الجديد، إنما في هذا الحزب بالذات إعتُمِد رأي الأمير الصغير والوريث “الشرعي” القادم من تجمع “لبناننا” وهو الذي قام بخيانته بنفسه دامجاً إياه في حزب الكتائب ناقضاً أُسُس قيام التجمع أصلاً (وهو التحرر من الأحزاب القديمة وإقتراح بدائل شبابية جديدة)، فارضاً المعجبين بتكتيكاته “الكروية” والسياسية في مختلف مراكز الحزب وقطاعاته، بالإضافة إلى فرض رأيه وفكره الحديث العهد على الكتائبيين القدامى فاستقال من استقال، ورضخ من رضخ إما خوفاً من التسريح من المسؤليات الحزبية والمحاربة، وإما لأن هالة الأمير الصغير قد أثرت فيهم لاعتقادهم أن خدمة القضيّة تكمن في إطاعة خليفة “آل الجميّل “!

تراهم عن أيّ قضيّة يتكلّمون؟  فلا أحد ممّن تبقى يكترث أو يهتم طالما لا زالت بعض الشعارات البالية تملأ هذا الفراغ الفكري لتكونَ مدعاة فخرٍ لبعض الكتائبيّين كـ ” قوة لبنان في ضعفه”، “الله، الوطن، والعائلة”..

إن القوة والضعف لا يتلاقيان فهما كالزيت والماء، فإما يكون لبنان قوياً ويفرض احترامه بين أقرانه، وإما يبقى أداةً للتفاوض بين الدول الطامعة فيه وهذا هو حال لبنان منذ قرون، ناهيك عمّا يخلقه هذا الشعار من نَفسٍ إنهزامي موبوء، يضرب الشعور الوطني ويقوّض الدولة وحسّ الإنتماء والتقدم لدى أفرادها.
أما الأقنوم المتجلّي بثلاثية الكلمات المذكورة سابقاً فيصلح لجمعية خيرية أو أخوية دينية أكثر مما يصلح لحزبٍ سياسي، فأولاً ذِكر الله في شعارٍ حزبي يجعله بالشكل موازياً للأحزاب السلفية التي لا يتوانى الحزب في انتقادها، وثانياُ إن “استهلاك وإستملاك” الله هو تصغير لجلالته واستخدامه كفتاة إغراء في البرامج والإعلانات السياسية، وعنصر لجذب المناصرين، دون التماس البركة منه.

الفرقة النظامية لحزب الكتائب اللبنانية في مسيرة أثناء دفن النائب أنطوان غانم

بالرغم من أن حزبه ليس سوى ملكية عائلية خاصّة إلا أن إيمان الكتائبيّ بحزبه كبير، يتباهى”بالأرنبيطة” المشرئبّة في عَلم الحزب الهرم وثالوثه الغريب، في حين يأخذك كلامه السياسي كل مرة في رحلةٍ عبر الزمن حول التاريخ البعيد للبنان بدءاً بمشاركة الحزب في الاستقلال “المزيّف” مروراً بمحاربة الثورة “المصطنعة” في الـ 1958 بثورة مضادة أكثر تصنّعاً، إلى البطولات “الدونكيشوتية” في الحرب الأهليّة التي لم يتبقّ من مخلّفاتها اليوم سوى ذكرى أليمة لمن خاضها أو أصابته في حين يتفاخر الكتائبي بكلّ عنجهية وسطحية بمجازره كأن القتل على الهوية وإقامة المجازر بحقّ اللبنانيين وغير اللبنانيين هو مدعاة فخر لا مدعاة خجل وندم، فكيف يمحو التاريخ المؤلم دموع الأمّهات الثكلى ونظرات اليتامى الفارغة بحثاً عن والدهم المفقود، ومجازر الصفرا وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا وبوسطة عين الرمانة والسبت الأسود والهجوم على إهدن… مشاهد لا تزال شاخصة أمام أعين من لمس تلك المآسي فأحرقته وأصداؤها لا تزال تتردّد في ذهنيّاتهم نغماتٍ شجيّة ،

أمّا مُصيبة “الكتائبي” فتتعدى موضوع الإختلاف في وجهات النظر عند مقاربة تاريخ الحزب، بل توضح منحىً إنساني مفقود لدى من يتفاخر بهذا التاريخ المُقزز من الإجرام والقتل ….

قد يكون إيمانه بمستقبلٍ واعدٍ لحزبه حقيقيّ، ولكنّه لا يتعدّى كونه إيماناً طفوليّاً أعمى لا تغذّيه سوى الذبائح الدمويّة لأبناء العشيرة وتقديسُ دماء أفراد العائلة المنحورين الواحد تلو الآخر على مذبح “القضيّة”، نتيجةً لحساباتهم السياسية الخاطئة وإجرام أعدائهم، في حين يتأرجح “الشيخ العنيد” وحيداً وهو الراقص العتيق الإنتهازي على الحبال السياسية اللبنانية، شاهداً على أجيال من الأباء والأنسباء والأولاد يُدفنون في مدافن العائلة الإقطاعية في بكفيا، وهو دومًا على أهبة الإستعداد لقطف ثمار دماء من قضوا نحبهم من خالِه موريس الجميّل مروراً بأخيه إلى والده وفلذة كبده… طبعاً من دون ذكر فساده السياسي والمالي إبّان حكمه في الثمانينيات.

وهاهو اليوم يسعى جاهداً إلى لعب دور “المرشد” الأعلى للحزب وواضع سياسته العليا، فبعد قرب إتمام صفقة بيع بيت الكتائب المركزي في الصيفي وارتهان المصلحة العامّة للحزب لجيبه وخصخصتها، كثرت سفراته إلى الخارج للقاء المسؤولين العرب من رجال دين وسياسيين واضعاً نفسه في مصاف اللاعبين الإقليمين، وطبعاً  هذا الأمر لا يدعو إلا إلى الاستهزاء حين تراه يحاول التوفيق بين الأقباط ومشايخ الأزهر في مصر مثلاً ولا يستطيع التوفيق بين أسر إذاعة “صوت لبنان” بجزئيها !!

والمُضحك المبكي هو دعم الكتائبيين “للربيع العربي” والديمقراطية والتقدّم للشعوب العربية مُتجاهلين القذى في أعينهم وكَون حزبهم هو معبد إقطاعي وراثي عائلي مَحض لا مكان فيه لمن لا “يتعبّد” للرأي الأعلى ويضرب التحية الشبه عسكريّة كفرض طاعة للرئيس…

وفي انتظار إعلان إفلاسه، يستمر حزب الكتائب اللبنانية المريض بما تبقى له من رصيد على وقع الإستمرار في تذكية الجراح السابقة التي طالت “الرؤساء والرفاق” في نفوس الحزبيين والمراهنة على تراجع قدرة الاستقطاب الشعبي لحزبي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر.

———————-

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

5 thoughts on “الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض

  1. قراءة هادئة لأحد أبرز الأحزاب التقليدية واللي كان الها دور كبير بحقبات مختلفة من تاريخ لبنان الحديث..
    بعتقد انو باحد المطارح اللي بينطبق ع حزب الكتائب، بينطبق ع اغلب الاحزاب اللي تأسست بالفترة اللي هو تأسس فيها..
    الاحزاب عنا هي اقبية ومعابد عائلية متل ما سميتها.. واغلبها ميتة من زمان. وبانتظار الدفن!

    بس المشكلة انو تعى اقنعهم انو ماتوا.. ما فيك تقنع الميّت انو مات.. ما هو مات الريدي 😀

    تحياتي

    • شكرا على المرور هنيبعل، دائم التسكع.
      اما بالنسبة لهذا الحزب ومعظمهم، فباتوا جثث نتنة تعيد تكرار ذانها دون تقديم جديد وعلى رأسها دوما “بيك” وعلى يمينه ولي العهد إبنه منتظرا الحصول على الميراث ليكمل المسيرة والدوامة ذاتها.

  2. المشكلة أننا كلنا نعبد الأشخاص و نجعلهم قديسين ونتبعهم إلى الموت لانهم احسن منا؟ كل الشعب اللبناني متعلم اكثر نسبيا من أقوى دول العالم. لكن التعليم بالتباهي و يا للاسف. قدم الى منطقتك وكبر أهلك وكل قرية تساعد الاخرى. قوموا بالقومية اللبنانية جديدة من غير الدين والطائفية. و كل زعمائكم ضدها لانها لا تخدم مصالحهم.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s