“تتريك” أغاني فيروز.. لبنان كمستورد ألحان

جو حمورة

maxresdefault

لم يعد بالأمر المفاجئ أن تستمع لأغنية عربية جديدة وتكتشف أن أنغامها مسروقة من لحن تركي، إسباني أو يوناني. الإستعارة، أو السرقة، باتت أقرب إلى عادةٍ متكررة تعوّض عن النقص في الإبداع العربي. لكن الجديد، أن الالحان اللبنانية باتت خلفية موسيقية لأغان تركية، وأبرزها، أغاني الاخوين الرحباني.

والحال انه بسبب كثرة “مقتبسي” الألحان في دول حوض البحر المتوسط، وتشابه الثقافات والأنغام بينها، لم يَعد يُنظر كثيراً إلى مُقتبِس الألحان بشكل سيء، بل يجرد من بعض التقدير والثناء المستحقين لصاحب اللحن الأصلي، من دون أن ينفي ذلك قدرة الكثير من المقتبسين على الهروب من الإعتراف.. والفضيحة. إلا أن ذلك بات أصعب من الماضي، مع وجود وسائل التواصل الإجتماعية والمواقع الكثيرة المتخصصة بالترويج للموسيقى والأغاني.

بتصفح بعض هذه المواقع، تبرز ظاهرة سرقة الألحان اللبنانية من قِبل فنانين أتراك خلال سبعينيات وثمانينات القرن الماضي بشكل خاص. صحيح أن السرقة هذه قد تبدو تهمة مبالغاً فيها، وربما فيها تجنٍّ، على إعتبار أن نقل اللحن ربما تم بعد شرائه من صاحبه اللبناني، كما يمكن أن يكون الملحن اللبناني والتركي إستعارا اللحن، مداورة، من طرف ثالث.

وتبرز ألحان الأخوان الرحباني وأغنيات فيروز كأكثر المواد التي تم نقلها إلى التركية. وهذه الألحان لم تقتصر على مدة سنوات قليلة فقط، إنما شملت عشرات السنوات، كما لم تقتصر على أغان عاطفية من مشهد مسرحي، بل تعدتها حتى إلى الأغاني الوطنية اللبنانية.

ومن هذه الألحان، أحصينا 21 أغنية “فيروزية” تم نقلها إلى التركية، مع ما يعني ذلك أن إيجاد المزيد منها هو أمر كبير الإحتمال. ومنها لحن “طريق النحل”  التي غنتها الفنانة التركية “أدجا بيكان”، ولحن أغنية “لا إنتَ حبيبي” التي غناها الفنان التركي “فردي أوزبيان”. بالإضافة إلى أغنية “وينن” التي أخذها “إركين كوراي”، وهو الفنان التركي الذي اشتهر بإستعارة الألحان العربية و”تتريكها” وغنائها بصوته مثلما فعل مع لحن أغنية “عالعين موليتين” التراثية التي نقلها إلى التركية عام 1974.

يمكن قياس مسار الإستعارة بين الفن اللبناني والتركي بحسب فترتين زمنيتين مختلفتين. الأولى، الممتدة بين ستينيات إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث كان الفن اللبناني خلالها في “عصره الذهبي”، والعروض المسرحية والمهرجانات لا تتوقف، والإنتاج الموسيقي اللبناني يتخطى حدود بلد الأرز. فيما تشكل استعارته مشروع شهرة لفناني الدول المحيطة به، فأخذ الأتراك الكثير منه.

في المقابل، أدّى تراجع مستوى وضخامة الإنتاج الفني اللبناني، بعد الثمانينات، إلى تحوّل المصدِّر إلى مستهلك وباحث عن ألحان من ثقافات أخرى، فكانت الفترة الثاني حيث تحوّل الإنتاج اللبناني، في الكثير منه، إلى نسخة معدلة ومهجنة من الألحان التركية وألحان الشعوب الأخرى المحيطة بالمتوسط.

أما الأغاني الوطنية اللبنانية، والتي تربى جيل كامل من اللبنانيين عليها، فهي تعرضت بدورها إلى الإستعارة والسرقة. ومن غير المعيب القول أن الرحابنة استقدموا بعض هذه الألحان من الثقافات الأجنبية، إلا أن الأتراك فعلوا الأمر ذاته وحوّلوا الألحان الوطنية إلى أغاني عشق تتناسب مع الأجواء الرومانسية للفن والمسرح التركي في السبعينيات والثمانينيات. فلحن أغنية “هيلا يا واسع” الرحبانية باتت بالتركية أغنية عشق ومناجاة تحت عنوان “أين أنت أين“، فيما باتت الأيقونة الفيروزية “بحبك يا لبنان” أغنية عاطفية من حبيب عاشق لحبيبته الخجولة تحت عنوان “أنظري لسقوطي“.

تراجع مستوى الفن اللبناني ترافق كذلك مع وفاة الرحابنة، وتوقف مسرحهم عن العمل والإنتاج، وغياب الفنانة صباح ووديع الصافي وإنحسار جديد فيروز تحت وطأة العمر، كما وظهور طفرة من الفنانين المهتمين بجمال خدودهم ومؤخراتهم أكثر من صوتهم أو معاني أغانيهم.

في المقابل، شهدت السنوات العشر الأخيرة “ثورة” في الفن التركي، أكان من ناحية الضخامة، أو من ناحية نوعية الإنتاج السينمائي والمسلسلات والفنون الأخرى المرافقة، كما اكتسب الإنتاج التركي أسواقاً جديدة في العالم العربي وفي لبنان. فيما بات الفن اللبناني، بمعظمه، بالكاد يستطيع أن ينافس في دول الخليج العربي والمغرب العربي والأردن بعدما كان الأول والأنشط في هذه الدول منذ سنوات قليلة مضت.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

“نبحث عن مدير لا عن خادم سلطان”.. إستدارة بوجه الإعلام التركي

جو حمورة

12 (1)

الإعتراض أنواع. وللأتراك دوماً أساليب متمايزة في هذا المجال. فمنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى مظاهرات ميدان “تقسيم” عام 2013 وما بعدها، لجأ الأتراك إلى الكثير من الأساليب الجديدة والمبتكرة للتعبير عن احتجاجهم ورفضهم للكثير من السياسات والقرارت. كُتب لبعض هذه الاحتجاجات النجاح، فيما فشل غيرها، إلا أن الفرادة في أساليب التعبير ميزت معظمها.

مؤخراً، عمد طلاب الثانويات التركية إلى تنظيم حركة احتجاجية في عدد من المدارس على خلفية تدخل الحكومة في تعيين المدراء وترويج للأفكار المحافِظة فيها. وأخذت الاحتجاجات السلمية بطبيعتها وأهدافها اهتماماً في الإعلام، على اعتبار أن المدارس بقيت في الفترات السابقة بعيدة بعض الشيء عن التعبير عن رفض شعبي لسياسات الحكومة.

ففي الرابع من حزيران / يونيو عمد طلاب ثانوية إسطنبول العليا إلى تنظيم احتجاج ضد المدير والإدارة وذلك عبر الإستدارة خلال إلقاء مدير المدرسة كلمته في حفل تخريجهم. فيما عمد أهالي الطلاب الحاضرون في حفل التخرج إلى دعمهم عبر التصفيق، كما تلقوا دعماً معنوياً آخراً من الكثيرين عبر وسائل التواصل الإجتماعية.

كذلك ترافقت حركة الإحتجاج السلمية مع إصدار الطلاب بيان طالبوا فيه بـ “إبعاد السياسة وأصحاب الإيديولوجيات عن إدارة المدارس”، ووقف فرض اللباس المحافِظ على الطالبات، وتميز بعض الطلاب غلى حساب غيرهم. وذلك في إشارة إلى المدير ذاته الذي تم تعينه حديثاً من قِبل وزارة التربية، بعدما استحصلت الحكومة لنفسها إمكانية تعيين المدراء مباشرة دون استشارة أي من الهيئات التعليمية كما كانت عليه الحال في السابق.

لم تتوقف الحركة الإحتجاجية ضمن حدود مدرسة واحدة، بل تعدتها لتشمل عدداً آخراً من المدارس في الأيام التالية، ومنها ثانوية “غالاترساي العليا”، وثانوية “جايالوغلو الأناضولية العليا” وغيرها. وعلى الرغم من أن معظم هذه المدارس هي من الأكبر والأقدم والأكثر كفاءة في تركيا، إلا أن الإحتجاجات عبر إستدارة الطلاب خلال إلقاء المدراء كلماتهم، وإصدار البيانات المطلبية والداعمة، لم تنحصر في منطقة دون أخرى، بينما كان موضوعها هو نفسه، ويطالب بإبعاد أصحاب الإيديولوجيات عن الإدارة، وتخفيف القبضة الحكومية وإمكانية تأثيرها على حياة الطلاب.

أما الإعلام التركي المنتمي صراحة إلى الحزب الحاكم فلم يُعطِ رأياً واضحاً حول الحركة الإحتجاجية أو يكترث بها، بينما عمد الإعلام الخاص الموالي للحزب إلى مهاجمتها بشكل عام وربطها بأمور تتخطى مطالبها. ومنها جريدة “يني عقد” الإسلامية المحافِظة التي رأت أن “احتجاج الطلاب على فرض اللباس المحتشم يعود إلى رغبة الشباب في مشاهدة سيقان الفتيات”. وهو رأي يُروّج له في هذه الجريدة غالباً، ويُشهر دائماً في وجه كل معارض لفرض قواعد متعلقة باللباس في الإدارات والمدراس والجامعات وغيرها.

من ناحية أخرى، أخذ بيان ثانوية “غالاترساي العليا” أسلوب ساخراً في الإحتجاج، وذلك عبر إطلاق حملة للبحث عن مدير جديد تضمنت إحدى شروطه أن يكون حاصلاً على أكثر من 120 في إختبار الذكاء المخصص للطلاب. كما اعتبروا في بيانهم أن “البحث جاري عن مدير لا عن خادم سلطان”، متمنين عل المتقدمين الحضور إلى المدرسة والتعاطي الإيجابي مع الطلاب دون فوقية.

أما جريدة “ستار” المقرّبة من الحكومة فاعتبرت “أن الطلاب يتم تحريضهم من قِبل أيادي خفية، ويحضرون لعصيان جديد مماثل لحركة تقسيم”. كما ألمحت الجريدة، في أكثر من مقال لها، على أن الطلاب “قد يكونون عرضة لتنفيذ مؤامرة ألمانية”، على اعتبار أن الحكومة الألمانية تساعد القطاع التعليمي في تركيا ببعض التجهيزات وتنظم النشاطات المشتركة أحياناً.

هذا الرهاب الإعلامي التي تبثه بعض الصحافة المقرّبة من الحزب الحاكم، دون أن يقوم الحزب أو إعلامه الرسمي بتبنيه، ينطق أحياناً بما لا تستطيع الصحافة الحزبية والرسمية النطق به. كذلك الأمر، يجعل بعض الإعلام المبارزة حول ربح الرأي العام، بين المعترض على سياسة ما والمدافع عنها، غير متكافئة، وذلك عندما يجعل من كل محتج متآمراً، ويربط كل نشاط بمؤامرة خارجية أقرب إلى الخيال من قربها إلى الواقع. وعلى الرغم من أن بعض الإعلام التركي لا يزال “مهوساً” بالترويج لنظرية المؤامرة، إلا أن الطلاب تعاملوا مع الصحف المعارضة لهم تماماً كما تصرفوا مع مدراءهم، وذلك عبر الإستدارة وعدم الإكتراث بحديثهم.

إيجابيات التوجه غرباً: مساومات تركية أوروبية على خلفية اللجوء السوري

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

من موقع mashable.com

لطالما شكّلت العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي ميداناً بحثياً للمهتمين بأمن أوروبا من ناحية، وبتصاعد القوة التركية من ناحية أخرى. إلا أن هذا الميدان العلمي الشاهد على الكثير من الإصدارات الغنية في السنوات الأخيرة، شابَه بعض النقص المتعلق بالتغيرات القانونية التي شهدتها تركيا كنتيجة لسعيها لأقلمة نفسها مع معايير الاتحاد الأوروبي ليتم قبولها كعضو فيه.

وعلى الرغم من أن انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد يبقى هدفاً بعيد الأمد حتى لأكثر المتفائلين بهذا المشروع، سعت أنقرة، ولا تزال، إلى إدخال الكثير من التغييرات على قوانينها وأساليب حكمها، والتي أدت، في جانب كبير منها، إلى تحديث البلاد. بالمقابل، قام الاتحاد الأوروبي في أكثر من مناسبة باستغلال سعي تركيا لتكون عضواً به إلى فرض شروطه القاسية والتدخل في شؤونها الداخلية.

هذا المسار القائم على إجراء تحديثات في القوانين التركية بطلب أوروبي لا يزال مستمراً منذ عشرات السنوات، ولم يعفِ قطاعاً واحداً من مراجعة قانونية له وبتحديث الكثير من مواده كلياً أو جزئياً، وذلك على الرغم من عدم شعبية بعض التغييرات واصطدام بعضها بمعارضات سياسية شديدة. فيما تشكل مسألة اللاجئين اليوم موضوعاً مستجداً بين تركيا والاتحاد الأوروبي، والذي بات يفرض طيفه على شكل العلاقة بين الطرفين.

وعمد الطرفان مؤخراً إلى إبرام اتفاقين بينهما حول موضوع اللاجئين. الأمر الذي دفع بتركيا إلى التقدم خطوة في اتجاه أوروبا، وباتت على قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى إلغاء تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك إلى أراضي الاتحاد. وعلى الرغم من أن الأتراك لا يعانون من أي مشكلة حقيقية عند الذهاب إلى أوروبا، تبقى مسألة إلغاء تأشيرات الدخول خطوة ضرورية قد طال انتظارها بالنسبة للأتراك، كما أن تحقيقها سيكون بمثابة تأكيد على حرية الحركة التي يمنحها الاتحاد الأوروبي لأعضائه أو المرشحين ليكونوا أعضاءً فيه مستقبلاً. غير أن إلغاء التأشيرة للأتراك ليس بالمسألة السهلة، وذلك بسبب معارضة بعض القوى الأوروبية لهذه الخطوة، كما رفض تركيا إدخال تعديلات قانونية فرضها الاتحاد عليها في مقابل منح الحرية لمواطنيها بالقدوم والتجول في أراضيه كالأوروبيين.

تحديث القوانين: أوروبا تأمر وتركيا تنفذ

لطالما اعتبرت تركيا أنها جزء من الحضارة الأوروبية، وذلك، بشكل أساسي، منذ تولي مصطفى كمال “أتاتورك” الحكم فيها. وحتى قبل قيام الاتحاد الأوروبي رسمياً، تقدمت تركيا بأول طلب انضمام إلى “الجماعة الأوروبية” في العام 1987. غير أن المفوضية الأوروبية رفضت الطلب التركي معتبرة أنها تعاني نقصاً كبيراً في الديمقراطية، وتدخلاً مؤثراً للعسكر في الحياة السياسية وحقوقاً منقوصة للأكراد[1] . إلا أن نهاية الحرب الباردة أعطت أوروبا فرصة مؤاتية لصياغة دور جديد لها كما لتنظيم أوضاعها الداخلية، فأقرّت معاهدة “ماستريخت” عام 1992 وأنشئ على أثرها الاتحاد الأوروبي رسمياً. ثم أقر في قمة “كوبنهاغن”، عام 1993، الشروط والإجراءات التي يجب أن تستوفيها الدول الراغبة بالانضمام إليه.

وعليه، باتت تركيا أمام جدول أعمال أوروبي تمّ فرضه عليها، ويتعيّن عليها إقرأ المزيد