المعارضة التركية عن “جوائز الفن والثقافة”: السلطة تكرّم أفكارها!

جو حمورة

يصنع البعض الفن، فيما يسرقه آخرون وينسبونه لهم. يكفي الاستماع إلى الأغاني التركية الرائجة، مثلاً، ليكتشف المرء كم تعرضت ألحانها للسرقة على أيدي “الفنانين” العرب. قد تشتهر في بعض الأحيان، أغنية عربية ذات لحن مسروق، وتتفوق على شهرة الأغنية الأصلية في بلدها، فليست الموهبة والريادة فحسب ما يعطي العمل قيمته وشهرته، إنما يحصل عليه، غالباً، من الإعلام الذي يروّج له.

الإعلام أداة السلطة، وهو، كذلك، وسيلة الفنان. الأولى تروّج لمن تريده، والثاني يلهث وراء الإعلام للحصول على الشهرة والاعتراف. قد يتلاقى الطرفان عند مصلحة مشتركة، فيتحوّل فنان مغمور إلى نجم وحديث البلاد، فيما يخبو وهج غيره عند اشتباكه مع السلطة أو معارضته لها.

لطالما كانت تركيا منبعاً غنياً للفن وواحة ملأى برواده، غير أن فنانيها ممن تطلق عليهم صفات “القدوة” في الوقت الحالي، يتم تضخيم هالاتهم في مسارح السلطة وإعلامها. وهذا ما ظهر في الحدث الذي أخذ، خلال الأيام القليلة الماضية، حيزاً كبيراً من التداول الإعلامي وردود الأفعال، ودار حول الجوائز التي وزعها رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، لرواد الثقافة في بلاده، في 9 كانون الأول/ديسمبر الحالي.

وككل عام، نظمت رئاسة الجمهورية التركية، حفلة توزيع “جوائز الفن والثقافة”، لثلة من الوجوه التي أعلت الشأن الثقافي التركي. غير أن المعيار في اختيارهم لم يقم على أي أساس علمي أو إحصائي، إنما أختيروا بناءً على “حسّهم الوطني وسمة الوطنية التي يتحلّون بها ويحترمونها في تخصصاتهم”، كما جاء في الكلمة التي ألقاها أردوغان خلال حفلة توزيع الجوائز في مسرح القصر الرئاسي.

وكانت مجموعة من الفنانين الذين لم يحصدوا أياً من الجوائز الموّزعة، قد استنكروا استنسابية الحكم في التعاطي مع الفن والثقافة في تركيا. في هذا الوقت، ظهرت في الإعلام المكتوب والمرئي المعارض مقالات ومقابلات تلفزيونية لإظهار الحفلة فاقدةً للمصداقية، فركزت على إستنسابية اختيار الفائزين من جهة، وعلى دور السلطة التركية السلبي تجاه زملائهم من جهة أخرى.

وتميّزت الوجوه التي حصدت جوائز العام 2015 بقربها جميعها من السلطة السياسية، وعملها في الترويج لها بحسب الإعلام التركي المعارض. وعلى الرغم من أن الفائزين لا يفتقرون إلى الموهبة أو للشهرة من حيث المضمون، إلا أن قبولهم بتصدّر مسرح القصر الرئاسي جعلهم، من حيث الشكل، أقرب إلى الفئة المَرضي عنها من قِبل الحكم أكثر من أي أمر آخر. واعتبر الناقد السينمائي التركي المرموق، أتاليا دورساي، أن الحفلة “تفتقر إلى المصداقية، والجوائز أعطيت لمن لم يُبدوا أي معارضة للحكومة خلال الفترة الماضية”.

1

كذلك الأمر، تُعطي مجالات الفائزين واختصاصاتهم، صورة عمّا يفهمه الحكم التركي من كلمتي “فن وثقافة”. ففي مجال الأدب، فاز الأديب، راسم أوزدان أوران، المشهور بكتاباته المتمحورة حول الترويج للقيم والأفكار الإسلامية. أما الفنان أورهان كنجباي، فحصد جائزة القصر في مجال الموسيقى، وهو المعروف بألحانه التراثية ذات الطابع العثماني. ونال الكاتب محمد غنش جائزة في مجال العلوم الاجتماعية والتاريخ لمساهمته في تقديم دراسات جديدة حول التاريخ العثماني. كما حصد حسين كوتلو جائزة عن فئة الفنون التقليدية لعمله في مجال الرسم وفن التخطيط العثماني، بالإضافة إلى تكريم آخرين لمساهماتهم في إعلاء شأن الفن التركي.

لعل غاية السلطة التركية من هذه الحفلة إبراز الفنانين الذين حملوا إيديولوجيتها ودافعوا عنها، وقدموا أفكاراً تروّج للقيم الإسلامية والتاريخ العثماني، تماماً كما تفعل هي منذ سنوات، بحسب الإعلام التركي المعارض. فاستخدام الإعلام الحكومي ومسارحه من أجل تعزيز مكانة الفنانين الذين يحملون أفكار السلطة، لا شك أنه يصب في مصلحة هذه الأخيرة في نهاية المطاف. كما يؤكد على الشرعية الفكرية للقوى الحاكمة، والتي رعت وكرّمت الفن المرتبط بالقيم الإسلامية والتاريخ العثماني وجعلت منه المعيار لماهية الفن والثقافة التركية.

فمع إبراز هذه القيم وربطها بهوية الأتراك تزداد شرعية السلطة، وتتماهى هوية الأتراك المُروَّجة مع هوية السلطة السياسية الحاملة للقيم الإسلامية والفخورة بتاريخها العثماني. فيصبح التماهي أكثر بروزاً بعد جعل هذه القيم المساحة المشتركة بين السلطة والشعب، فيما يتحوّل الفنانون والمثقفون إلى حلقة الوصل بين الطرفين.

كذلك الأمر، وضع الكثيرون الحفلة، والفائزين بالجوائز، في إطار رد السلطة على الفنانين الأتراك الكثر الذين أبدوا سابقاً معارضتهم للسلطة التركية، كما الترويج لأفكارها عبر الفنانين الذين يشبهونها من حيث الخلفيات الإيديولوجية. في حين عمد آخرون، أمثال الناقد الأدبي التركي الأشهر، دوغان هيزلان، إلى التقليل من أهمية الحفلة، مؤكداً بأنه “لم ينتبه للأسماء التي فازت”.

إلا أن هذه الاعتراضات التي أطلقها بعض الإعلام التركي، لم تُعكر مزاج الفائزين في أي حال من الأحوال، فاختتمت الحفلة السنوية على وقع الكلمات المنمقة والمؤيدة للسلطة والشاكرة لها، كما على صور كثيرة تظهر ابتسامات الفائزين وأقاربهم.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

لبنان ليس إسطنبول: جدّي غلب التمدّن

جو حمورة

knyst_mar_shlytta

“لا تتوهم أن الحياة خارج لبنان أكلة عسل”. بهذه الكلمات ودّعني جدّي، ثم طبع قبلة على خدّي وأنهى حديثه: “لا تتأخر بالعودة قبل أن أغادر (إلى السماء)”.

يثبت أجدادنا دوماً أنهم على حق، خصوصاً إن كان الأمر يتعلق بالمشاعر. فمن عاصر لبنان الحديث، من ازدهار وحرب وفقر وكرامة، لا شك بأنه يعرف أكثر من شاب يقصد بلداً أجنبياً بهدف الدراسة. مرّت أربعة أشهر على مغادرتي للبنان، ولا تبدو الحياة هنا، في تركيا، “أكلة عسل”.

تستقبلك هذه البلاد بأبهى حللها. الشرق والغرب وحضاراتهما يُختصرون بمدينة سُميّت إسطنبول. هنا، كل شيء يلمع. الجدران، الأطباق، المساجد، التُحف… والعيون. حتى البحر الذي يقسم المدينة إلى شطرين فيه شيء من اللمعان. كيف لمدينة تحوي على 15 مليون إنسان أن تنعم ببحر غير ملوث!؟

تتفاجأ وأنت تنظر إلى السياح الأوروبيين بمدى الدهشة الظاهرة على وجوههم. التمعن في أدق تفاصيل الشوارع والمتاحف هواية السائح، خصوصاً من توحي لك مشيته البطيئة أنه في سن التقاعد. الضخامة صفة ملتصقة بكل شيء، وهذه المدينة تكره البساطة. كنائسها ومساجدها أبزر معالمها، وتحتل مساحة كبيرة من وسط المدينة، كما الاهتمام الأكبر من آلات تصوير المارة.

من حيث آتي، من جبل لبنان، تغلب البساطة على بيوت الله. ضخامة الكنائس عندي أقرب إلى الاسراف غير المبرر من أي أمر آخر. البساطة سمة كنيستي وشكلها وناسها، فيما كنائس إسطنبول أقرب إلى متاحف ضخمة وقصور عاجية، حيث يراود زائرها شعور من اثنين: إما الدهشة وإما النفور.

مقارنة كنائس لبنان مع كنائس اسطنبول تبدو مغرية. البساطة سمة الأولى، وشكلها الحجري المربّع يوحي إليك بالدقة والعشوائية في آن. أجراسها الصدئة تضفي على روادها الدائمين لمحة من التاريخ والتراث. لم تُبنَ كنيسة في جبل لبنان بقدرة إمبراطورية أو مساهمة صندوق أجنبي، إنما بزنود وتعب فلاحي القرى. هؤلاء هم الكنيسة على جميع الأحوال.

هؤلاء الذين نراهم جالسين في زوايا الكنائس بخشوع، ولا يعيشون ازدواجية بين حياتهم الروحية والعامة هم الكنيسة. هؤلاء الذين يتنافسون بفرح على من “يربّع” الجرس هم الكنيسة. أشتاق إلى هؤلاء، وليس لقاصدي الكنائس للمناسبات الاجتماعية وحب الاختلاط. اشتقت لصوت الجرس “الطبيعي” المصنوع بقوة زنود رجال القرى، وليس لمكبر الصوت الذي يُعيد شريط صوت الجرس كصنم تنقصه حياة.

بعيداً عن التفاصيل.. والبساطة، كنائس إسطنبول تأتي من عالم آخر. يدخل إلى كل واحدة منها بضعة آلاف من الناس يومياً، ولكن لالتقاط الصور. الكنائس في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الغابرة هي، عملياً، متاحف، بعضها تحوّلت ملكيته رسمياً إلى الدولة، وغيرها أصبح متحفاً بحكم الأمر الواقع وندرة المؤمنين وغياب الرعية وخدّامها.

مجنون ذلك الذي يبحث عن البساطة في إسطنبول. الهندسة، الزخرفة، الذهب واللوحات الرائعة توحي إليك بأنك أمام عرش عثماني أو حاكم روماني سيخرج عليك من وراء المذبح. كيف لكنيسة كانت تحكم المشرق كله من حديقتها الخلفية أن تتحول إلى متحف لالتقاط الصور؟ كيف لرعية ملكت أبهى الكنائس وأجمل المزارات أن تتضاءل إلى حد الاختفاء؟

صحيح أن الحكم العثماني كما التركي العلماني اللاحق لم يعاملا، غالباً، أقليات إسطنبول بشكل جيد. إلا أن مصائب مسيحيي هذا الزمن هم “المسيحيون” أنفسهم، وليس أي أحد آخر. الكذب، الدجل، البغض والنميمة أخطر على المسيحيين من أعتى جيوش الأرض. عدم الاهتمام بالشأن العام والمجتمع، و “الترفع” عن العمل السياسي والتنموي أخطر على المسيحيين من شرور أقوى الممالك. اللامبالاة مرضنا القاتل.

في حالة إسطنبول، تفكّكت الروابط العائلية وزاد حب المظاهر وامتلاك الكماليات عندما قلّدت إسطنبول أسلوب استهلاك ونمط المدن الأوروبية، فأغرى التمدّن الناس للابتعاد عن الكنيسة (والجامع). وحياة التمدّن، بدورها، حثت الناس على ترك الأرض والهجرة للبحث عن أحلام الثروة والسعادة. فُقد الإيمان وفُقد حب الوطن، ففرِّغت الكنيسة وهاجرت الرعية. فيما بقيت الكنائس مجرد متاحف أنيقة شاهدة على أناس إستسلموا أمام خطر صنعوه بأيديهم، و”فرّوا” إلى أوروبا دون معركة.

كثرت الكنائس (والمساجد) في هذه المدينة حتى باتت معظمها فارغة. غلبت الضخامة بساطة الإيمان. تم إيلاء الشكل أهمية فاقت المضمون والمعنى. اهتم الأتراك ببيوت الله الفارهة لأسباب تجارية وإيديولوجية وأهملوا أبناءه. غلب التمدّن والاستهلاك على نمط حياة ملايين المدينة، واستسلم الجميع للمال واللذة. هجر الله المدينة وترك لزوارها بيوته.

التمدّن مصيبة العصر، وهو المرض الذي يخلق ازدواجية في حياة الناس. تُبهرك المدينة و “ثقافتها” الرثة بالألوان والأموال. وعلى مبانيها الفارهة تقدّم لك “الخلاص” على شكل لوحة إعلانية: استهلك تعش سعيداً. امتلك لتصبح أهم. اقترض لترضي غرورك. صفّق لتترقى…

لبنان ليس إسطنبول. تختلف الكنائس ويختلف الناس. التمدّن لم يقتل أرواحنا بعد. لا يزال جدّي، وآخرون مثله، ينظرون إلى المدينة بشيء من التوجّس والبُغض. هذه المدن “الغريبة” سرقت أبناءهم في الحرب أو هربتهم عبر موانئها ومطارها، وانتجت كل فساد وظلم في لبنان. كيف لمن يرى فقراء بيروت مرميين على زجاج السيارات للتسوّل وآخرين تحت جسورها ألا يكره هذه المدينة؟ كيف يمكن لمن وعدته المدينة بالسعادة والفرح والعمل وأنهته مرمياً ومذلولاً على قارعة طريق ألا يكره زعماءها؟ كيف يمكن لأبناء الجبل والبقاع وأطراف لبنان ألا يكرهوا فساد ومركزية المدينة وأموالهم تذهب لتنميتها فقط؟

جدّي ربى أولاده الثمانية على حب الأرض والكنيسة والقرية، وأحفاده استمروا على العهد. لم نغرق في وحل المدن، ولم نتعلق بقشورها وإعلاناتها المثيرة ووعودها الكاذبة. بقينا أولاد قرى، نعيش فيها أو نزورها مواظبين كل أسبوع. التربية الصالحة غلبت التمدّن وأبقتنا أولاد الأرض والرجاء.

اقترب عيد الميلاد ولا عيد في إسطنبول. زيارة لبنان باتت ضرورة، وجدّي ينتظر أحفاده في زاوية الكنيسة.

نشر أولاً على موقع لبنان الرسالة

هكذا “حجّم” الاعلام التركي الخطاب الروسي

جو حمورة

تُقاس قوة حكام الدول بسياساتهم وبردود أفعالهم خلال الأزمات. أزمة اسقاط تركيا للطائرة الروسية في شمال سوريا، أظهرت حجم الارتباك لدى الدولتين. الجانب الروسي، بدا متخبطاً، وأظهر إعلامه شبقاً للانتقام جراء إسقاط طائرته الحربية قرب الحدود التركية – السورية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. فيما انتهج ساسة “غريمته” تركيا سياسة أكثر عقلانية، وفضّلوا البحث عن مخرج للأزمة المستجدة، لا تعميقها.

مع مرور أسبوعين على إسقاط الطائرة الروسية باتت الأزمة وراء الدولتين، واقتصرت المواجهة على بعض العقوبات الاقتصادية والسياحية هنا وهناك. فيما أظهرت الأزمة أن الإعلام التركي عقلاني وجدي أكثر، إذا ما قورن بالتصريحات المتضاربة والسياسات المبعثرة والشعبوية للإعلام الروسي.

turkey

التقييم الأخير لأداء الدولتين الاعلامي، أظهر أن كلاً منهما أولى أهمية لإقناع جمهوره بشكل أساسي بأن دولته تنجح في فرض سياساتها على الآخر، ولم يهدفا إلى ممارسة ضغوط معنوية جدّية على الدولة الأخرى. فنسي الجميع الطائرة الروسية وأسباب سقوطها بعد فترة، وانصرف الإعلامَ، في روسيا كما في تركيا، إلى شؤونه الخاصة.

في البداية، أثار إسقاط تركيا للطائرة الروسية زوبعة في فنجان العلاقة بين الشريكين الاقتصاديين. سُمع صدى أزمة الطائرة في أروقة الدول الكبرى، كما على الصفحات الأولى من الصحف العالمية. البعض توقع حرباً، وغيرهم أمل بانتقام روسي من تركيا، فيما قلل آخرون من شأن رد فعل الجانب الروسي، وفي مقدمهم الإعلام التركي.

وسعى الإعلام التركي إلى بث روح معنوية إيجابية في نفوس الأتراك كما فعل ساسة تركيا، فـ”لا حرب في الأفق مع الدبّ الروسي، والأزمة عابرة”. وأجمعت الصحف التركية الورقية كما تلك الإلكترونية، على مُسلّمة واحدة، إذ أنها أفردت، وبشكل غير اعتيادي، الكثير من المساحة للمقالات ولتصريحات الخبراء التي تؤكد حاجة روسيا الاقتصادية للسوق التركي.

كما أظهر الإعلام التركي “سذاجة” إدارة الجانب الروسي للأزمة بين الدولتين. فإلغاء بعض الجامعات الروسية لبروتوكولات التعاون مع أخرى تركية أخذ حيزاً مهماً في الإعلام التركي. كما قيام الشرطة الروسية بالتضييق، وطرد بعض الطلاب الأتراك من مساكنهم في موسكو، لا شك أنه أظهر للأتراك، على الأقل، ضعف الجانب الروسي وردات فعله “الصبيانية”.

واستغلت تركيا تعدّد سياسات روسيا الانتقامية ومحدودية معظمها في وجهتين. الأولى دفعتها للتقليل من قيمتها على الصعيد الإعلامي، فيما الثانية كانت دعوة لروسيا للجلوس على الطاولة “من أجل التفاهم”، من دون أن ترد على الإستفزاز الروسي بآخر. وكان تصريحان تركيان رسميان أخذا أهمية كبرى في الإعلام التركي خلال “المواجهة” مع روسيا، وتم تداولهما بشكل ضخم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية. أحدهما هو وصف رئيس الحكومة التركية، أحمد داوود أوغلو، التصريحات الروسية بـ”الدعايات السوفياتية البالية”، فيما كان الثاني هو التزام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالاستقالة من منصبه في حال أثبتت موسكو إدعاءاتها بأن أنقرة تتعاون مع “داعش” في مجال النفط.

الإعلام سلاح الدول والسياسيين. أوغلو وأردوغان، إلى جانب الإعلام التركي، غيّرا البروباغندا الروسية ضد تركيا، فبات على الجانب الروسي إثبات مصداقية اتهاماته أمام العالم، فيما أبدى الجانب التركي استعداده للذهاب حتى النهاية في تحدي موسكو. الدليل في مقابل الدليل، والتصريح في مقابل التصريح، والمقال في مقابل المقال. البروباغندا تقنع من يضع نفسه في مرماها، فانتهت “المواجهة” الإعلامية بأن أثبت الإعلام التركي للأتراك أن لا تأثير لروسيا وسياساتها فيهم.

كذلك الامر، أظهر الإعلام التركي وحدته في مواجهة التحدي. فمعظم أحزاب المعارضة ساند الحكومة في مواقفها وأعمالها، وكذلك فعلت المؤسسات الإعلامية التابعة لها أو تلك التي تدور في فلكها. وكانت حصة الأسد الإعلامية لحزب “الحركة الوطنية” القومي المعارض، المعروف بشراسته في معارضة الحزب الحاكم، وذلك عبر تأييده المطلق للحكومة ووضع نفسه في خدمتها. فالوحدة الداخلية تصبح عنصر قوة عند الأزمات الكبرى والمخاطر الخارجية، وتختفي ثنائية المعارضة – الموالاة إلى حين انقشاع غبار الأزمة وعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

تزوير توقيع “أتاتورك”.. متحف “آيا صوفيا” كنيسة أم مسجد؟

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

wallpaper-Hagia-sophia-is-a-unique-Turkey-Wallpapers

عند بروز أي نزاع بين تركيا وأحد جيرانها، تطفو بعض الملفات العالقة على العلن. النزاع التركي – الروسي الأخير أعاد إحياء موضوع متحف “آيا صوفيا” التركي، بعدما طالب نواب في البرلمان الروسي بتسليم المتحف الذي كان يوماً الكنيسة الأم للمسيحيين الأرثوذكس، إلى الجانب الروسي[1] . وعلى الرغم من أن هذه الدعوات لم تكن الأولى من نوعها، وتنم غالباً عن عصبوية ونوستالجيا دينية، إلا أن إعادة إحياء الموضوع يتم بموازاة دعوات تركية متصاعدة لتحويل المتحف إلى مسجد، والتي، بدورها، تنم غالباً عن ردات فعل شعبوية ذات منحى انتقامي.

يُعتبر متحف “آيا صوفيا” الأيقونة التراثية والمعمارية والدينية الأشهر الذي يُظهر أبهى حلل ومعالم مدينة إسطنبول. كما يُعطي فكرة لزواره عن جبروت وعراقة الإمبراطوريات التي مرّت على هذه المدينة الضخمة، فيما أنّ انتقال المعلم من كنيسة إلى مسجد، ومن بعدها إلى متحف، تناسب دائماً مع هوية المدينة الدينية والسياسية، وبالتالي مع هوية تركيا ككل.

فيوم كانت القسطنطينية (إسطنبول سابقاً) عاصمة مسيحيي المشرق، كانت “أيا صوفيا” أبرز كنائسها المقدسة، وقد تحوّلت إلى مسجد يوم دخل العثمانيون إليها، لتعود وتصبح متحفاً تحت حكم العلمانيين الأتراك. أما اليوم، فتتصاعد الدعوات للعبث بهوية المتحف مع صعود الإسلاميين في تركيا، وذلك بالاعتماد على حجة قانونية تؤكد أن مرسوم العام 1934 القاضي بتحويل “آيا صوفيا” إلى متحف لم يكن قانونياً، ولم يكن يعبّر عن إرداة باني الجمهورية الحديثة مصطفى كمال “أتاتورك”.

الحكمة المقدسة”… الحلم الذي أصبح كنيسة ثم مسجداً

من الصعوبة تصوّر حاكم ناجح من القرون الماضية دون وجود مشاريع قام بتنفيذها في عهده. فلا الجاه ولا التيجان يخلّدها التاريخ أو يحفر أسماء حامليها فيه. لا يكترث التاريخ مطولاً للضحايا أو للأبطال، للخونة أو للجزارين، فكل ما يبقى من أعمال رجال الماضي هو ما دُوِّن في الكتب عنهم، أو ما حملته اللوحات الرخامية من أسماء على مداخل المشاريع الكبرى.

هذه المشاريع لا تأتي من عدم، إنما، غالباً، من أحلام أصحابها. يتحوّل بعضها الى حقيقة تدوم لأجيال لاحقة، أما التي لا يُكتب لها النجاح، فتخلد قليلاً على وسادة الزمن وتبقى فكرة تنتظر من يعيد إيقاظها. عام 360، كانت المسيحية قد بدأت انتشارها الواسع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، فأراد الإمبراطور الروماني “قسطنطين” إقامة كنيسة ضخمة للدين الجديد؛ فلا استمرارية للإمبراطوريات إن لم يكن فيها إقرأ المزيد