القصة الكاملة للتسوية التركية – الإسرائيلية: خطف “حماس” من حضن إيران


جو حمورة

1032010859

ما إن أعلن المسؤولون الأتراك والإسرائيليون عن التوصل إلى حل الخلاف وإنهاء القطيعة الدبلوماسية بينهما حتى ازدادت التكهنات حول تلك الخطوة وتوقيتها. بعض الفاعلين في سياسات الشرق الأوسط وتسوياته رحّبوا، فيما الآخرون شجبوا، إلا أن الجميع ينتظر ليرى مدى جدية تطبيق مقرّرات الاتفاق وعودة المياه إلى مجاريها بين الحليفتين السابقتين.

من أجل تعزيز نفوذها الخارجي وفوزها بإعجاب المسلمين والعرب، بدت العلاقات الجيدة بين تركيا وإسرائيل كشوكة في خاصرة هذه الأخيرة ونقطة ضعف إن أرادت التسويق لنفسها في الشرق الأوسط. فاستمالة المسلمين والعرب تبدأ دائماً بالعداء لإسرائيل، وإن كان هذا العداء شكلياً حيناً، أو مكلفاً أحياناً أخرى للمغامرين في استحداثه. إلا أن تركيا بقيادة حزب “العدالة والتنمية” المحافِظ، “غامرت” في تبني بعض العداء لإسرائيل، خاصة بعد فشل تسوية السلام التي قادتها بين سوريا وجارتها العبرية عام 2007.

وفي تلك السنة كذلك سيطرت حركة “حماس” على غزة، فيما انتهت الحروب الإسرائيلية الموسمية على القطاع بأن دفعت بالمسؤولين الأتراك إلى اتخاذ مواقف عدائية علنية وقاسية ضد إسرائيل. ثم ما لبثت أن انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بعد إرسال أنقرة سفينة “مافي مرمرة” لفك الحصار عن غزة، والتي استقبلها الجيش الإسرائيلي بقوة النار موقعاً عشرة قتلى جلّهم من الأتراك.

مع تلك الحادثة بات في جعبة الإدارة التركية حجة تسهل الترويج للعداء لإسرائيل محلياً وعربياً، وقضية تبرر بها مواقفها دولياً. فما كان منها إلا أن وضعت ثلاثة شروط على إسرائيل من أجل استئناف العلاقات الدبلوماسية معها. وهي، أولاً، الاعتذار العلني عن حادثة “مافي مرمرة”. والتعويض المادي لأهالي القتلى ثانياً. وفك الحصار عن قطاع غزة كشرط ثالث وأخير.

طوال الفترة الممتدة من العام 2010 إلى اليوم شهدت العلاقات الدبلوماسية قطيعة بين الطرفين، بالإضافة إلى تصريحات عدائية لم توفر أي منهما. إلا أن العلاقات السياحية والاقتصادية لم تتأثر سلبياً، بل تعزّزت بشكل متصاعد. وذلك، بشكل خاص، بعد تقديم رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتانياهو” عام 2013 اعتذاراً علنياً لتركيا عن حادثة “مافي مرمرة”، متمّماً بذلك الشرط الأول من الشروط التي وضعتها أنقرة لاستئناف العلاقات الدبلوماسية.

تلى الاعتذار الإسرائيلي تعزيز التبادل التجاري والخدماتي بين البلدين. كما دارت، بالتوازي، مفاوضات طويلة بينهما من أجل إتمام الصفقة النهائية. أما الولايات المتحدة الأميركية فرعت المفاوضات، كما دفعت وزير خارجيتها “جون كيري”، مراراً، إلى التدخل والعمل لتذليل العقبات والمواقف المتصلّبة. وذلك خاصة بعد خروج التفاوض عن مساره وتضمينه طلبات تركية لإسرائيل من أجل الضغط على الأكراد، وطلبات إسرائيلية للجانب التركي تتعلق بشكل علاقاتها مع الأطراف المتحاربة في سوريا.

مع ازدياد الضغوط الأميركية، وُضع هذان البندان ضمن آخر الأولويات، ومن ثم تم إخراجهما من ملف التفاوض وتُركا لما بعد التوافق النهائي وعودة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين. في المقابل، وافقت إسرائيل على دفع حوالى 20 مليون دولار لأهالي ضحايا سفينة “مافي مرمرة” منفذة بذلك الشرط التركي الثاني، فيما تعهدت تركيا بإسقاط الدعاوى القضائية المُقامة على الجيش الإسرائيلي. ثم تلى ذلك فتح باب التفاوض على البند الثالث، وهو الأهم، والمتعلق بفك الحصار عن غزة، وبشكل علاقة تركيا بحركة “حماس”.

قاد المفاوضات الرسمية عن الإسرائيليين مبعوث نتانياهو الشخصي “جوزف جيجانوفر” ووكيل وزارة الخارجية التركية “فاريدوم سينيروغلو”، والذي تم مكافئته على نجاحه في المفاوضات بتعينه ممثلاً دائماً لتركيا في الأمم المتحدة خلال شهر حزيران. إلا أن الملفات الأمنية أخذت بُعداً في المفاوضات كذلك، حيث قاد الأمنيون محادثات موازية لتلك السياسية في أنقرة رئسها مدير الموساد الإسرائيلي “يوسي جوهان” ورئيس الاستخبارات التركية “حقان فيدان”.

جرت المفاوضات حول الشرط الأخير خلال شهري أيار وحزيران في أنقرة حيناً، وفي بعض العواصم الأوروبية أحياناً أخرى. أمّا الأطراف الأميركية والألمانية والنروجية فقد كانت تُبلّغ بتطورات المفاوضات لكونها جزءً من التسوية من ناحية، ولضغطها على الإسرائيليين والأتراك لمتابعة التفاوض من ناحية أخرى وصولاً إلى خواتيمها السعيدة.

انتهى التفاوض نهاية شهر حزيران، وتم الوصول إلى صيغة مقبولة تُرضي الطرفين فيما خص الحصار على غزة من ناحية، وعلاقة تركيا بحركة “حماس” من ناحية أخرى. ففي حين لم يتوصل الأتراك إلى إقناع الإسرائيليين بفك الحصار عن القطاع بشكل كلي، وهو طلب لا يبدو أن إسرائيل مستعدة لدفعه لأي أحد على جميع الأحوال، اقتنع الجانب الإسرائيلي بفك الحصار بشكل محدود. وهو المكسب الذي يُسجل للدبلوماسية التركية التي استطاعت أن تعطي الفلسطينيين متنفساً اقتصادياً حقيقياً لم يستطع أحد من المتشدقين بالقضية الفلسطينية تحقيقه منذ العام 2007.

أمّا مفهوم “فك الحصار بشكل محدود” عن قطاع غزة فيعني عملياً، حسب التفاوض ونتائجه، السماح لتركيا ببناء “مستشفى الصداقة التركية – الفلسطينية” في غزة. وهو مشروع قديم نسبياً كانت قد تقدمت به تركيا وأمنت تمويله، فيما تم التوافق في المفاوضات على قيام شركة “أكر للإعمار” النروجية ببناءه. كما تم السماح لتركيا ببناء معمل لتحلية مياه البحر في القطاع، ومعمل آخر لإنتاج الطاقة الكهربائية بمشاركة ممولين وشركات ألمانية. بالإضافة إلى السماح لأنقرة بإدخال المساعدات الإنسانية بحرية إلى غزة، على أن يبقى لإسرائيل حق مراقبة البضائع وكميتها والمواد التي يتم إدخالها إلى القطاع من أجل بناء كل هذه المشاريع.

قد يبدو هذا الدعم المادي التركي سخياً جداً للغزاويين، إلا أن فوائده عليها تبقى كبيرة وكثيرة على المدى المتوسط والطويل. فعلى الرغم من تراجع بريق القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال تتمتّع بحيز مهم من الاهتمام الإقليمي والدولي. فتركيا، لا تهدف إلى كسب تأييد العرب والغزاويين من خلال هذه المشاريع فحسب، بل تهدف إلى التأثير أكثر في القضية الفلسطينية وعلى حركاتها المسلحة، كما تسعى إلى الحصول على مقعد في أي مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية أو إسرائيلية – عربية مقبلة، وذلك بوصفها صاحبة دور فاعل ليس في محيطها السوري والعراقي فقط بل في قطاع غزة كذلك.

ويبدو الطرفان، التركي والإسرائيلي، في العلاقة مع قطاع غزة كأنهما يهدفان إلى الوقوف في وجه طرف ثالث وهو الطرف الإيراني. فإسرائيل يهمها أن تكون تركيا أفعل وأنشط في القطاع لربط حركة “حماس” بأنقرة أكثر مما هي مرتبطة بطهران، مع ما يعني ذلك من سهولة التواصل بين تل أبيب وأنقرة لحل أي تطور في فلسطين، أو الضغط على حركة “حماس” للتراجع عن موقف من هنا أو القبول بتسوية من هناك. بالإضافة إلى أن الاتفاق التركي الإسرائيلي يقدّم بديلاً للغزاويين لاستبدال العلاقة مع إيران بالعلاقة مع تركيا، وأسلوب الحرب والفوضى بأسلوب آخر يقوم على الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والخدمات، وهي أمور يحتاجها قطاع غزة حالياً أكثر من أي يوم مضى.

من ناحيته، يسعى الجانب التركي إلى مد نفوذه إلى القطاع ومحاولة التأثير أكثر في القضية الفلسطينية ومجرياتها، وذلك ضمن المواجهة والعلاقة الملتبسة بينه وبين الجانب الإيراني. فعلى الرغم من أن الطرفين لا يعلنان العداء لبعضهما البعض بشكل واضح وصريح ويستمران في توطيد علاقاتهما الاقتصادية المباشرة، إلا أن ظل الصراع على النفوذ بين إيران وتركيا لا يغيب عن التطورات والأحداث في الشرق الأوسط والقوقاز. كما يصيب الإتفاق التركي – الإسرائيلي النفوذ الإيراني الإقليمي في الصميم، ويهدف إلى “خطف” حركة “حماس”، بالمعنى السياسي، من حضن طهران ووضعها في حضن أنقرة.

من ناحية أخرى، أدى القبول بشروط تركيا إلى طلب الإسرائيليين من الأتراك تغير شكل علاقاتهم بحركة “حماس”، وهو الأمر الذي استجابت له أنقرة، وأبلغته إلى رئيس المكتب السياسي في الحركة خالد مشعل خلال لقاءه مع رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في 24 حزيران. فبات على حركة “حماس” التزام السكينة الآن، والاتكال أكثر على الدبلوماسية بدل الأعمال العدائية مقابل الحصول على المساعدات التركية، وتجنباً للضغط عليها من قبل أنقرة وتل أبيب معاً.

مع إعلان التوصل النهائي إلى اتفاق بين إسرائيل وتركيا، تكون هذه الأخيرة قد قدمت لقطاع غزة ما لم يستطع كل العرب وإيران، مجتمعين أو متفرقين، من تقديمه. كما ستشهد الأيام المقبلة عودة بعض الحميمية الدبلوماسية والسياسية في علاقات تل أبيب وأنقرة، وربما عملهما على مشاريع أخرى أكثر تعقيداً مثل الحرب السورية وتطوراتها المعرّضة لمواجهة تنسيق سياسي واستخباراتي تركي – إسرائيلي قادم.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1567.

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s