“لا معلّقة ولا مطلّقة”.. مسلسل لبناني–مكسيكي في إسطنبول

جو حمورة

12-3

تتحوّل إسطنبول اليوم إلى مركز لإنتاج اللبنانيين الفني. يحط فيها الكتّاب والمصورون والمنتجون، ويملأون مقاهيها وشوارعها، ويعملون ليلاً ونهاراً على انتاجاتهم لتقديمها إلى المشاهد اللبناني والعربي والعالمي. فإسطنبول باتت، منذ زمن، أرض الفرص.

مؤخراً، يعمل فريق من اللبنانيين على مسلسل قصير في تركيا، يحمل إسم “لا معلّقة ولا مطلّقة” (My Single Married Friend). يحكي قصة فتاتين، واحدة لبنانية وأخرى مكسيكية، ومغامراتهما المتتالية في المدينة. ويستعرض مواقف طريفة وأحداثاً شيقة تتعرض لها الصديقتان القادمتان من عالمين مختلفين تماماً؛ صوفيا من المكسيك، ومها من لبنان. كما يتضمن هذا المسلسل المنوي عرضه في الإنترنت (Web Tv) الكثير من الأحداث ومصاعب الحياة في مدينة لا تعرف إلا المغامرات.

ويَبرز الـWeb Tv  أخيراً كمكان مناسب لعرض الإنتاجات البسيطة، والتي تبقى ميزانيتها مقبولة ومتواضعة بالمقارنة مع أصحاب الإنتاجات الضخمة الذين يتمتعون بتعاقدات مع شركات كبرى. كما يبقى المكان الأمثل للمغامرين والشباب، ومقدمي الأفكار الجديدة والجريئة، وذلك على عكس المسلسلات التلفزيونية التي باتت، بأغلبها، تكرر نفسها بشكل أو بآخر، ولا تقدم أي جديد إلا في ما ندر.

وفي حديث لـ”المدن”، ترى مخرجة المسلسل رانيا عيتاني “أن أهمية هذا العمل تنبع من كونه يُقدم نظرة جديدة لحياة الأجانب في محيط غير عربي”. كما تؤكد أن المسلسل مستوحى من قصة حقيقية، وهي قصة صديقتين لبنانية ومكسيكية عاشتا في إسطنبول، وتسعيان إلى تحقيق نجاح في مجتمع جديد ومختلف عنهما بشكل كبير.

تدور أحداث المسلسل حول حياة فتاة مكسيكية قررت قطع علاقتها مؤقتاً بزوجها، وانتقلت للعيش مع صديقتها اللبنانية. فتعيش بطلتا المسلسل مجموعة أحداث متتالية في محيط غريب عنهما سوياً. هذا في وقت تتشارك كل من عيتاني واستيفانيا سييارا زانيلا في كتابة نص المسلسل وانتاجه، والذي استوحتا فكرته الأساسية من حياتهما في المدينة وبعض تجاربهما السابقة فيها.

يتألف الموسم الأول من المسلسل من 10 حلقات، وتلعب دور البطولة فيه كل من هبة شعيب (لبنانية) وأليانا مصطفينا (مكسيكية). أما الموسيقى، فبعضها لفرقة موسيقية نيوزيلاندية وأخرى أميركية، في حين أن المصورين لبنانيون وأتراك وأجانب، هذا ويتم تصوير المشاهد في أماكن عديدة في مدينة إسطنبول، وتضم بعض الأتراك الذي يؤدون أدواراً ثانوية في المسلسل.

يستخدم المسلسل اللغة الإنكليزية بشكل أساسي، بالإضافة إلى بعض العربية والإسبانية والتركية. إلا أن استخدام الإنكليزية يبقى طاغياً لأنه، بحسب عيتاني، “لغة الأجانب الذين يعيشون في إسطنبول”، واللغة الأبرز القادرة على الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.

وعلى الرغم من أن عدد الممثلين الدائمين في “لا معلّقة ولا مطلّقة” لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، إلا أن الفريق الذي يعمل على تصوير المسلسل كبير نسبياً. فبعضهم تطوع في عمله، وغيرهم قدّم بعض الآلات الضرورية للتصوير، وساهموا في رفع مستوى العمل ككل، كما في إبراز معالم المدينة بطرق جديدة ومبتكرة.

كذلك الأمر، للمسلسل جانب مهم بسبب تسليط الضوء على شخصيات نسائية. فهو يقدم صورة إيجابية للمرأة العربية في المجتمع “الغربي”. كما يكسر الصورة النمطية عن المرأة اللاتينية. هذا بالإضافة إلى مصاعب وأشكال الحياة في مدينة ضخمة ومتنوعة الجنسيات والثقافات كإسطنبول.

وكما دائماً، يبقى تمويل العمل مصدر قلق لمنتجي المسلسلات والأفلام القصيرة، والذين يعتمدون على بعض التبرعات حيناً، وعلى مجهودهم وإمكاناتهم الفردية في أحيان أخرى. وكغيره من الأعمال، طرح فريق “لا معلّقة ولا مطلّقة” الصوت عبر فيديوهات قصيرة من أجل الحصول على تمويل شركة إنتاج لضمان استمرار العمل، ولتصوير بقية الحلقات “تحضيراً لعرضها تباعاً في بداية العام 2017″، كما تأمل عيتاني.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني

Advertisements

كيف يتعامل الإعلام التركي مع إنفجاراته؟

جو حمورة

Ambulance cars arrive at Turkey's largest airport, Istanbul Ataturk

Ambulance cars arrive at Turkey’s largest airport, Istanbul Ataturk, Turkey, following a blast June 28, 2016.

لبنان، سوريا، العراق وتركيا. الإرهابيون يتجولون بيننا بحرية، وسيئو الحظ يموتون بالعشرات. بات الشرق الأوسط حمام دم لا ينتهي، وحفلات الجنون ورقصات الموت لا توفر أحداً. السياسي يستغل كل انفجار لإنتقاد خصمه أو للحصول على مزيد من الشهرة، فيما الإعلام يبث الرعب حيناً والطمأنينة أحياناً أخرى في قلوب المتابعين.

لا إعلاميين في تركيا يهرولون إلى مكان الجريمة للحصول على “سكوب”.. ولا اعلاميات يلحقنّ بالمصابين الى المستشفيات لسؤالهم عن “شعورهم”. الإعلام الرسمي وفرق الإسعاف وأجهزة الدولة الأمنية، وحدهم يتصدرون المشهد، وشوهدوا في الإنفجار الأخير الذي وقع في مطار أتاتورك الدولي، والذي راح ضحيته حوالى 40 بريئاً.

للإعلام الرسمي حصة الأسد من أي حدث ضخم يهز البلاد. هو أول الواصلين وآخر المغادرين. وهو الذي يبث ما يريده وما يجب أن يطلع عليه الناس، وما الذي يبقيه من “أسرار الدولة”. لا مشاهد دم على شاشات التلفزة، ولا جثث مقطعة الأوصال على نشرات الأخبار. وهذه طبعاً أصول المهنة التي لا يختلف حولها أحد. بل هي أخبار سريعة تقدم للمتابع آخر التطورات باحترافية، وبث للطمأنينة في رسائل نصية سريعة.

هذه هي السياسة الإعلامية الرسمية للدولة في حالات الطوارئ، إلا أن الأمور غالباً ما تخرج عن السيطرة. إذ يكفي أن يُرفع في “فيسبوك” فيديو للإنفجار التقطه بالصدفة أحد المسافرين، أو هاوي تصوير يظهر القتلى في “تويتر”، حتى يُفسدا كامل سياسة الدولة. فما أن تمر دقائق معدودة حتى يكون الفيديو والصور قد تمت مشاركتهما مئات آلاف المرات، فتصبح مشاهد الإنفجار قيد التدوال بين الجميع.

مع بروز أخبار الإنفجار وصوره، يُصبح هامش النشر أكبر للإعلام المعارض. النقل عن وسائل التواصل الإجتماعية يتسرب إلى الإعلام الخاص، ثم يتبعه الإعلام العالمي. في حين تقف الدولة وإعلامها الرسمي حائرين أمام خيارين، إما اللحاق بركب الإعلام الخاص ووسائل التواصل الإجتماعية التي لا تترك لحرمة الموت من قدسية، أو دفن الرأس في التراب من دون إظهار أي مشهد واضح للإنفجار. فتقرر الدولة أخذ قرار حظر مؤقت على نشر أي خبر يتعلق بالهجوم على مطار أتاتورك لوقف حفلة الجنون غير المضبوطة.

وكانت “الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون” التركية قد أعلنت حظراً على نشر أي من الأخبار الخاصة والإضافية على وسائل الإعلام بعد خروج الأمور عن السيطرة. في حين باتت وسائل التواصل الإجتماعية بطيئة، وولوجها صعب هذه المرة، على عكس الإقفال التام الذي تعرضت له خلال الإنفجارات السابقة في أنقرة وسوروج العام الماضي.

وتهدف سياسة الحظر المؤقت إلى التخفيف من وطأة الحدث من ناحية، والحفاظ على هيبة السلطة من ناحية أخرى. فالإعلام التركي المعارض لديه ميل دائم خلال الأحداث الدموية إلى بث المزيد من الصور والمشاهد واستضافة محللين وسياسيين يحمّلون مسؤولية الإنفجار لسياسات السلطة الحاكمة. بينما، في المقابل، يعمد الموالون للسلطة إلى استخدام الحجج نفسها تقريباً لكن عبر توجيه الإتهام للأحزاب المعارضة بإضعاف وحدة البلاد.

أما لمواجهة الإعلام الخاص، فوقع الإختيار، هذه المرة، على كبير مستشاري الرئيس التركي “ييت بولوت”. فاعتبر هذا الأخير خلال إطلالة إعلامية له بعد الإنفجار “أن بث تقارير مضخمة بعد كل تفجير يُظهر لا اخلاقية بعض المؤسسات الإعلامية، وعدم إحترافيتها في مجال الصحافة”، داعياً إلى تطبيق قرار “الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون” فوراً. وإذا كان مبدأ احترام الإنسان، حتى في موته، هو المبدأ الأخلاقي الواجب، فإنه قد يتم تسييسه من قبل طرفي الخصومة في الداخل التركي.

و”للهيئة العليا” صلاحيات واسعة على الإعلام التركي في الأيام العادية كما في فترات الأزمات. وهي عمدت، أكثر من مرة، إلى حظر النشر في أمور عديدة، كقضايا فساد بعض المسؤولين الكبار، ونشاطات عسكرية للجيش التركي وغيرها. في حين تتمتع الهيئة بصلاحيات واسعة تجعل من أي مؤسسة إعلامية عنيدة محكومة بالتعرض لعقوبات تبدأ بغرامات مالية ضخمة وتنتهي بالإقفال التام، الأمر الذي يدفع وسائل الإعلام إلى أخذ تحذيراتها دائماً على محمل الجد.

بعد “تهديد” المستشار التركي، وصدور قرار الهيئة، عاد الإعلام الرسمي ليسيطر على أخبار الإنفجار، فيما وقف الإعلام الخاص، والمعارض، خلفه مردداً أخباره والمشاهد التي يبثها حصراً. في حين بقيت وسائل التواصل الإجتماعية تغرد، وإن ببطء، على راحتها، وتبث كل ما تجده من أشلاء ودمار على هواتف الناس من دون مسؤولية تذكر أو إحترام للضحايا.

وبذلك، يصبح الحظر، وكسره أيضاً، أمرين مشوبين بإشكاليات أخلاقية ومهنية وسياسية.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

لبنان ليس إسطنبول: جدّي غلب التمدّن

جو حمورة

knyst_mar_shlytta

“لا تتوهم أن الحياة خارج لبنان أكلة عسل”. بهذه الكلمات ودّعني جدّي، ثم طبع قبلة على خدّي وأنهى حديثه: “لا تتأخر بالعودة قبل أن أغادر (إلى السماء)”.

يثبت أجدادنا دوماً أنهم على حق، خصوصاً إن كان الأمر يتعلق بالمشاعر. فمن عاصر لبنان الحديث، من ازدهار وحرب وفقر وكرامة، لا شك بأنه يعرف أكثر من شاب يقصد بلداً أجنبياً بهدف الدراسة. مرّت أربعة أشهر على مغادرتي للبنان، ولا تبدو الحياة هنا، في تركيا، “أكلة عسل”.

تستقبلك هذه البلاد بأبهى حللها. الشرق والغرب وحضاراتهما يُختصرون بمدينة سُميّت إسطنبول. هنا، كل شيء يلمع. الجدران، الأطباق، المساجد، التُحف… والعيون. حتى البحر الذي يقسم المدينة إلى شطرين فيه شيء من اللمعان. كيف لمدينة تحوي على 15 مليون إنسان أن تنعم ببحر غير ملوث!؟

تتفاجأ وأنت تنظر إلى السياح الأوروبيين بمدى الدهشة الظاهرة على وجوههم. التمعن في أدق تفاصيل الشوارع والمتاحف هواية السائح، خصوصاً من توحي لك مشيته البطيئة أنه في سن التقاعد. الضخامة صفة ملتصقة بكل شيء، وهذه المدينة تكره البساطة. كنائسها ومساجدها أبزر معالمها، وتحتل مساحة كبيرة من وسط المدينة، كما الاهتمام الأكبر من آلات تصوير المارة.

من حيث آتي، من جبل لبنان، تغلب البساطة على بيوت الله. ضخامة الكنائس عندي أقرب إلى الاسراف غير المبرر من أي أمر آخر. البساطة سمة كنيستي وشكلها وناسها، فيما كنائس إسطنبول أقرب إلى متاحف ضخمة وقصور عاجية، حيث يراود زائرها شعور من اثنين: إما الدهشة وإما النفور.

مقارنة كنائس لبنان مع كنائس اسطنبول تبدو مغرية. البساطة سمة الأولى، وشكلها الحجري المربّع يوحي إليك بالدقة والعشوائية في آن. أجراسها الصدئة تضفي على روادها الدائمين لمحة من التاريخ والتراث. لم تُبنَ كنيسة في جبل لبنان بقدرة إمبراطورية أو مساهمة صندوق أجنبي، إنما بزنود وتعب فلاحي القرى. هؤلاء هم الكنيسة على جميع الأحوال.

هؤلاء الذين نراهم جالسين في زوايا الكنائس بخشوع، ولا يعيشون ازدواجية بين حياتهم الروحية والعامة هم الكنيسة. هؤلاء الذين يتنافسون بفرح على من “يربّع” الجرس هم الكنيسة. أشتاق إلى هؤلاء، وليس لقاصدي الكنائس للمناسبات الاجتماعية وحب الاختلاط. اشتقت لصوت الجرس “الطبيعي” المصنوع بقوة زنود رجال القرى، وليس لمكبر الصوت الذي يُعيد شريط صوت الجرس كصنم تنقصه حياة.

بعيداً عن التفاصيل.. والبساطة، كنائس إسطنبول تأتي من عالم آخر. يدخل إلى كل واحدة منها بضعة آلاف من الناس يومياً، ولكن لالتقاط الصور. الكنائس في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الغابرة هي، عملياً، متاحف، بعضها تحوّلت ملكيته رسمياً إلى الدولة، وغيرها أصبح متحفاً بحكم الأمر الواقع وندرة المؤمنين وغياب الرعية وخدّامها.

مجنون ذلك الذي يبحث عن البساطة في إسطنبول. الهندسة، الزخرفة، الذهب واللوحات الرائعة توحي إليك بأنك أمام عرش عثماني أو حاكم روماني سيخرج عليك من وراء المذبح. كيف لكنيسة كانت تحكم المشرق كله من حديقتها الخلفية أن تتحول إلى متحف لالتقاط الصور؟ كيف لرعية ملكت أبهى الكنائس وأجمل المزارات أن تتضاءل إلى حد الاختفاء؟

صحيح أن الحكم العثماني كما التركي العلماني اللاحق لم يعاملا، غالباً، أقليات إسطنبول بشكل جيد. إلا أن مصائب مسيحيي هذا الزمن هم “المسيحيون” أنفسهم، وليس أي أحد آخر. الكذب، الدجل، البغض والنميمة أخطر على المسيحيين من أعتى جيوش الأرض. عدم الاهتمام بالشأن العام والمجتمع، و “الترفع” عن العمل السياسي والتنموي أخطر على المسيحيين من شرور أقوى الممالك. اللامبالاة مرضنا القاتل.

في حالة إسطنبول، تفكّكت الروابط العائلية وزاد حب المظاهر وامتلاك الكماليات عندما قلّدت إسطنبول أسلوب استهلاك ونمط المدن الأوروبية، فأغرى التمدّن الناس للابتعاد عن الكنيسة (والجامع). وحياة التمدّن، بدورها، حثت الناس على ترك الأرض والهجرة للبحث عن أحلام الثروة والسعادة. فُقد الإيمان وفُقد حب الوطن، ففرِّغت الكنيسة وهاجرت الرعية. فيما بقيت الكنائس مجرد متاحف أنيقة شاهدة على أناس إستسلموا أمام خطر صنعوه بأيديهم، و”فرّوا” إلى أوروبا دون معركة.

كثرت الكنائس (والمساجد) في هذه المدينة حتى باتت معظمها فارغة. غلبت الضخامة بساطة الإيمان. تم إيلاء الشكل أهمية فاقت المضمون والمعنى. اهتم الأتراك ببيوت الله الفارهة لأسباب تجارية وإيديولوجية وأهملوا أبناءه. غلب التمدّن والاستهلاك على نمط حياة ملايين المدينة، واستسلم الجميع للمال واللذة. هجر الله المدينة وترك لزوارها بيوته.

التمدّن مصيبة العصر، وهو المرض الذي يخلق ازدواجية في حياة الناس. تُبهرك المدينة و “ثقافتها” الرثة بالألوان والأموال. وعلى مبانيها الفارهة تقدّم لك “الخلاص” على شكل لوحة إعلانية: استهلك تعش سعيداً. امتلك لتصبح أهم. اقترض لترضي غرورك. صفّق لتترقى…

لبنان ليس إسطنبول. تختلف الكنائس ويختلف الناس. التمدّن لم يقتل أرواحنا بعد. لا يزال جدّي، وآخرون مثله، ينظرون إلى المدينة بشيء من التوجّس والبُغض. هذه المدن “الغريبة” سرقت أبناءهم في الحرب أو هربتهم عبر موانئها ومطارها، وانتجت كل فساد وظلم في لبنان. كيف لمن يرى فقراء بيروت مرميين على زجاج السيارات للتسوّل وآخرين تحت جسورها ألا يكره هذه المدينة؟ كيف يمكن لمن وعدته المدينة بالسعادة والفرح والعمل وأنهته مرمياً ومذلولاً على قارعة طريق ألا يكره زعماءها؟ كيف يمكن لأبناء الجبل والبقاع وأطراف لبنان ألا يكرهوا فساد ومركزية المدينة وأموالهم تذهب لتنميتها فقط؟

جدّي ربى أولاده الثمانية على حب الأرض والكنيسة والقرية، وأحفاده استمروا على العهد. لم نغرق في وحل المدن، ولم نتعلق بقشورها وإعلاناتها المثيرة ووعودها الكاذبة. بقينا أولاد قرى، نعيش فيها أو نزورها مواظبين كل أسبوع. التربية الصالحة غلبت التمدّن وأبقتنا أولاد الأرض والرجاء.

اقترب عيد الميلاد ولا عيد في إسطنبول. زيارة لبنان باتت ضرورة، وجدّي ينتظر أحفاده في زاوية الكنيسة.

نشر أولاً على موقع لبنان الرسالة

تزوير توقيع “أتاتورك”.. متحف “آيا صوفيا” كنيسة أم مسجد؟

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

wallpaper-Hagia-sophia-is-a-unique-Turkey-Wallpapers

عند بروز أي نزاع بين تركيا وأحد جيرانها، تطفو بعض الملفات العالقة على العلن. النزاع التركي – الروسي الأخير أعاد إحياء موضوع متحف “آيا صوفيا” التركي، بعدما طالب نواب في البرلمان الروسي بتسليم المتحف الذي كان يوماً الكنيسة الأم للمسيحيين الأرثوذكس، إلى الجانب الروسي[1] . وعلى الرغم من أن هذه الدعوات لم تكن الأولى من نوعها، وتنم غالباً عن عصبوية ونوستالجيا دينية، إلا أن إعادة إحياء الموضوع يتم بموازاة دعوات تركية متصاعدة لتحويل المتحف إلى مسجد، والتي، بدورها، تنم غالباً عن ردات فعل شعبوية ذات منحى انتقامي.

يُعتبر متحف “آيا صوفيا” الأيقونة التراثية والمعمارية والدينية الأشهر الذي يُظهر أبهى حلل ومعالم مدينة إسطنبول. كما يُعطي فكرة لزواره عن جبروت وعراقة الإمبراطوريات التي مرّت على هذه المدينة الضخمة، فيما أنّ انتقال المعلم من كنيسة إلى مسجد، ومن بعدها إلى متحف، تناسب دائماً مع هوية المدينة الدينية والسياسية، وبالتالي مع هوية تركيا ككل.

فيوم كانت القسطنطينية (إسطنبول سابقاً) عاصمة مسيحيي المشرق، كانت “أيا صوفيا” أبرز كنائسها المقدسة، وقد تحوّلت إلى مسجد يوم دخل العثمانيون إليها، لتعود وتصبح متحفاً تحت حكم العلمانيين الأتراك. أما اليوم، فتتصاعد الدعوات للعبث بهوية المتحف مع صعود الإسلاميين في تركيا، وذلك بالاعتماد على حجة قانونية تؤكد أن مرسوم العام 1934 القاضي بتحويل “آيا صوفيا” إلى متحف لم يكن قانونياً، ولم يكن يعبّر عن إرداة باني الجمهورية الحديثة مصطفى كمال “أتاتورك”.

الحكمة المقدسة”… الحلم الذي أصبح كنيسة ثم مسجداً

من الصعوبة تصوّر حاكم ناجح من القرون الماضية دون وجود مشاريع قام بتنفيذها في عهده. فلا الجاه ولا التيجان يخلّدها التاريخ أو يحفر أسماء حامليها فيه. لا يكترث التاريخ مطولاً للضحايا أو للأبطال، للخونة أو للجزارين، فكل ما يبقى من أعمال رجال الماضي هو ما دُوِّن في الكتب عنهم، أو ما حملته اللوحات الرخامية من أسماء على مداخل المشاريع الكبرى.

هذه المشاريع لا تأتي من عدم، إنما، غالباً، من أحلام أصحابها. يتحوّل بعضها الى حقيقة تدوم لأجيال لاحقة، أما التي لا يُكتب لها النجاح، فتخلد قليلاً على وسادة الزمن وتبقى فكرة تنتظر من يعيد إيقاظها. عام 360، كانت المسيحية قد بدأت انتشارها الواسع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، فأراد الإمبراطور الروماني “قسطنطين” إقامة كنيسة ضخمة للدين الجديد؛ فلا استمرارية للإمبراطوريات إن لم يكن فيها إقرأ المزيد