صناعة هوية: فهم تركيا من خلال مسلسلاتها التاريخية

جو حمورة1 (1)

لا تكفي النظريات والتحليلات السياسية لفهم سياسات بلد ما. هذه الاختصاصات العلمية ضرورية بطبيعة الحال، إلا أن الاعتماد عليها حصراً ينتج قصوراً في فهم هوية الشعوب وسياسات الدول البارزة في عالم اليوم. وعلى عكس البلاد الراقدة في “روتينها” السياسي، تبرز الإحاطة بكل جوانب “صنع الهوية” ضرورية لفهم الشعوب الحيوية ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين، ثم قراءة سياسات الحكومات تبعاً لمحددات الهوية “المصنوعة”.

تبرز تركيا كواحدة من الدولة التي عمدت إلى “صناعة هوية” قديمة – جديدة لشعبها خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر التركيز على البُعد الإسلامي والقومي في نظرتها إلى نفسها وإلى العالم. وقد تم ذلك بعدة طرق، كاعتماد حكام تركيا وحزب “العدالة والتنمية” على الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي شجعوها (مادياً ومعنوياً) لتخدم كمنشّطات لـ”إعادة إحياء” الهوية الإسلامية التركية، وبالتالي استبدال الهوية العلمانية – الغربية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال “أتاتورك”.

عدا مسلسل “حريم السلطان” الذي أخذ شهرة عالمية في السنوات الماضية، يبرز مسلسلان مهمان مؤخراً يُعرَضان على الشاشات الرسمية. الأول هو “قيامة أرطغرل” الذي احتل المركز الأول في نسبة المشاهدة في السنتين الماضيتين، أما الثاني فهو “عاصمة عبد الحميد” الذي حقق أرقاماً قياسية عند المشاهد التركي، والذي يُبث مترجماً إلى الكثير من لغات العالم في الوقت نفسه [1[.

إن كان “حريم السلطان” قد أتم الغاية من صناعته عبر تنقية الصورة السلبية عن السلاطين والدفاع عنهم، كما إعادة كل فشل سياسي إلى صراعات النساء في أروقة القصور، فقد خدم هذان المسلسلان قضية مكمّلة. وهي قضية ذات طابع “هجومي” أكثر مما هو دفاعي، عبر إبراز هوية خاصة للأتراك، وتقديم فهم محدد لتاريخ هذا الشعب في مراحل متعددة، وربط وجوده على الأرض بمشيئة إلهية، وبث تنميط محدد للآخرين “أعداء الشعب التركي” و “عديمي الشرف” و “الصليبيين الكفار” و “الصهاينة”، إلخ.

يحكي المسلسل الأول قصة حياة أرطغرل بن سليمان شاه (والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية) كقائد قبيلة تركية تجمّعت حوله جميع عناصر تكوين دولة جديدة تحمل لواء الفتح الإسلامي بين عاميّ 1231 و 1281. وذلك في فترة عانى فيها العالم الإسلامي حالة من الشتات والضعف والصراعات.

يهتم المسلسل بالتفاصيل التزيينية وبالمضمون على حد سواء. من الناحية الأولى، تبرز الأزياء العسكرية القديمة بشكل لافت وأساسي بالمسلسل، وهذا ما يمكن أن يقدّم فهماً (أو تبريراً) لاعتماد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان أزياءً مماثلة لحرس قصره الجمهوري [2]. قول الرجل الأقوى في تركيا “نحن أحفاد هذه الشعوب والدولة العثمانية” [3] لا يكون بالكلام فقط، إنما في الرموز كذلك.

1 (6)

من ناحية المضمون، يبرز الخطاب الإسلامي بشكل واضح في المسلسل. فكل حدث له تبرير ديني، وكل خطوة تقوم بها القبيلة هي في سياق تنفيذ مشيئة إلهية. أما المتصوّف والعالِم الإسلامي “ابن عربي”، الذي يؤدي دور المرشد الديني لأرطغرل في المسلسل، فيُعنى بتقديم التبرير والمنطق الديني لكل شيء عبر ذكر الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الدينية والتاريخية والأمثال والحِكم عند التُرك. وبالتالي، إن ما يقوله المسلسل هو أن كل عمل خارج عن إرادة الله هو باطل، كما يؤكد على أهمية الدين في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويُعطي المسوغات التاريخية للقومية التركية، وهو ما يبرز كذلك في سياسات حزب “العدالة والتنمية” الداخلية اليوم بشكل دائم [4[.

أما أعداء التُرك في المسلسل فهم كثر. فحيناً هم المغول “البرابرة”، وحيناً آخر هم “الصليبيون”، وغالباً يتم تسميتهم جميعاً بـ”الكفار” ببساطة، وذلك في أسلوب يجعل من الجميع عدواً للأتراك. الأمر الذي يمكنه، إلى حد ما، تفسير السخط الشعبوي “الأردوغاني” من كل دول العالم الساعية إلى إضعاف بلاده. بالإضافة إلى ذلك، لا يكتفي المسلسل بالتنميط اللفظي الواضح بين الأتراك والآخرين، أو بين “الخير و الشر” كما يظهر في سياق حلقاته، إنما يُدخل التقنيات البصرية والألوان لتحبيب المشاهد بـ”قوى الخير” وتنفيرها من “قوى الشر”. ويتم ذلك عبر إظهار اجتماعات “الصليبيين” التآمرية مثلاً في زوايا القصور المعتمة. وإظهار أبناء القبيلة التركية بخيولهم البيضاء، فيما الأعداء بخيولهم السوداء. وعبر التذكير بأن الغرب يريد جعل الأتراك “يتبعون ملتهم” ويقومون دوماً بتعذيب السجناء، فيما التُرك يحترمون السجناء بشكل دائم ولا يريدون إلا الخير للإنسانية، وأمثلة كثيرة لا تحصى.

عدا أعداء الخارج، فإن لأعداء الداخل حصة الأسد من المشاهد وحبكة المسلسل. ففي القبيلة دائماً خائن يتعامل مع الأغراب لمصلحته الشخصية على حساب مصلحة الجماعة، ويؤسس منظمة أو أخوية لإقلاق راحة التُرك. الأمر الذي يبرز كأنه تدليل على أعداء الحكم التركي الحالي، الذين هم إما منظمة “العمال الكردستاني” الموصوفة بالحزب الإرهابي في القانون التركي، أو منظمة “فتح الله غولن” المتهمة بالقيام بمحاولة انقلابية عام 2016.

للأقليات الدينية والعرقية كذلك وجود في شخصيات المسلسل، ويتم إظهارها كمتيّمة بالتُرك وبجهادهم العسكري والديني والأخلاقي. فالأرمني (التاجر) يساعد الأتراك خلال الحرب، والكردي (الفقير) يقاتل إلى جانبهم، والمسيحية (الأميرة) تقبل الدعوة الإسلامية وتلعب دوراً في نشر الإسلام. ومثلما يؤكد المسلسل على احترام الأديان الأخرى وعلى سعادة أبنائها للعيش بين المسلمين، يؤكد كذلك على أن التُرك هم أصحاب الرسالة الأصلح في بث روح الإسلام وقيادة العالم الإسلامي. ويتم ذلك في الرسائل الدينية الواضحة التي يقولها بطل المسلسل، كما عبر تجاهل المسلسل للخلافة العباسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، على الرغم من أن “قيامة أرطغرل” اعتمد وذكر معلومات تاريخية وأسماء حكام وإمارات صحيحة تاريخياً.

نظرة المسلسل للأتراك وهويتهم وغايتهم تفيد، في نهاية المطاف، بأن قيادة العالم الإسلامي هي حق لهم. وهذا ما يفسر الخطاب التركي الإسلامي العالي النبرة تجاه قضايا “الأمة الإسلامية” ومحاولة مساعدتها. ومنها، مثلاً، إغاثة تركيا شبه وحيدة لمسلمي ميانمار [5]. كما قيامها وحيدة بمغامرة غير محسوبة لمحاولة فك الحصار عن قطاع غزة عام 2010. ومحاولة لعب دور طليعي في قيادة العالم الإسلامي عبر الدعوة إلى تنظيم “القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي” حول مدينة القدس في اسطنبول بعدما اعتبرتها الولايات المتحدة الأميركية عاصمة إسرائيل.

أما المسلسل الثاني فيتابع أبرز الأحداث التي جرت خلال الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه. أما أعداء الأتراك في مسلسل “عاصمة عبد الحميد” فهم البريطانيون والصهاينة الذين يمثل أحدهم دور تيودور هرتزل. ويتم إبراز هذا الناشط النمساوي اليهودي ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة كمخبول، حيث يسرق مؤلفاته من أعمال غيره، ويخون أصدقاءه، ويخطف والده ويعذبه، ولا عمل له سوى إسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة دولة إسرائيل. هذا ويقوم المسلسل ببث الكثير من الدعاية السلبية بحق دولة إسرائيل المفترضة واليهود، بشكل يتلاقى مع النبرة العالية التي يطلقها أردوغان وأعضاء حكومته بحقهما، وربط كل ما يجري من أحداث في العالم بمؤامرة ما يقودها اللوبي اليهودي كما بات يُردد دائماً في الإعلام التركي الرسمي والخاص [6[.

1-5

أما بالنسبة للأقليات، فكما هو حالهم في “قيامة أرطغرل” كذلك هو في “عاصمة عبد الحميد” الذي يُظهر بعضهم متنعمين بالسلام والأمن والغبطة للعيش في ظل الخلافة الإسلامية. إلا أن هذا المسلسل الأخير، يُظهر الأرمن والروم كمغرّر بهم، وتقودهم خفية جماعات غربية وصهيونية هدفها زعزعة استقرار السلطنة، وهو ما يشبه في نتائجه الانتقادات التركية الدائمة للأقليات و “مكرها” وعلاقاتها مع الغرب. وربما يفسّر كذلك بعض أسباب حصول اعتداءات على الأقليات الدينية والعرقية بين الحين والآخر.

وعلى الرغم من أنها كانت “الرجل المريض” في ذلك الزمن، إلا أن سلطنة عبد الحميد الثاني تبدو خارقة القوة في المسلسل، حيث يوعِز إلى الهنود بمهاجمة الإنكليز، ويدعم الإيرلنديين لتحصيل حقوقهم، ويساعد الاقتصاد الأميركي، ويرسل ظابطاً يستطيع سرقة الكتب البريطانية السرية من أرشيف الدولة. إلا أنه، كذلك، طيب القلب وإنساني، حيث يراقب، بعد الصلاة، الأطفال في الشوارع من شرفة قصر “يلدز”، ويصنع رجلاً خشبية لصبي أرمني مبتور الساق.

على هذا المنوال يتابع المسلسل إظهار جبروت الخليفة العثماني وفضائله الأساسية الثلاث: القوة، الإيمان والطيبة. وهذا تماماً ما حاول إظهاره “السلطان” الحديث أردوغان في شخصيته طوال سنوات حكمه. فهو القوي الذي لا يهرب، ويحارب الإنقلابيين وجهاً لوجه، ويرسل جيشه إلى سوريا.. والمؤمن المصمّم على إعادة الإعتبار للدين في بلاده، والذي يبني أكبر مسجد (شاملجا) في تاريخ الجمهورية على أعلى تلة اسطنبولية.. والطيب الذي يلتقي مع الناس في الشوارع ويزور منازل الفقراء [7]، ويستقبل الأفراد العاديين والاستثنائيين في قصره، ويعمل على تحسين الاقتصاد والظروف الاجتماعية لشعبه.

هذا ويبدو الدعم الذي يقدمه الحكم التركي لإنتاج هذه المسلسلات كثير الوضوح. وهو دعم لا يقتصر على انتاجها وتشجيع عرضها على شاشات الدولة، إنما يتعداه إلى زيارات ميدانية يقوم بها أردوغان إلى أماكن التصوير، واستقبال المخرجين وأبطال المسلسلات، والكلام عنها علناً بأسلوب دعائي يشجع الناس على حضور الحلقات المتتالية.

قد يبدو القول بأن هذه المسلسلات التاريخية هي تجسيد للواقع التركي أمراً مبالغاً به، إلا أن الإنصاف يقضي الإقرار بأن المسلسلات والواقع يتغذيان بعضهما من بعض. غير أن الأكيد هو أن سياسات الحكم التركي ومسلسلاته باتت أكثر وضوحاً في إبراز هوية الأتراك وغايتهم وقيمهم. فيما استحصل الحكم الحالي على شرعية استمدها من هوية شعبه “المصنوعة” من أجل تحقيق ما يسعى إليه، وهو قيادة العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال، إلا أنه لا بأس من المحاولة لتحقيقه، خاصة أن قيادة الدول والشعوب العربية للعالم الإسلامي ليست بتجربة ناجحة على جميع الأحوال.

نشرت أولاً على موقع مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

Advertisements

الإعلام المرئي التركي.. تخصصي وتشاركي

جو حمورة

%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%84%d9%81%d8%b2%d9%8a%d9%88%d9%86

تزدحم أيام الأتراك بالكثير من النشاطات خارج دوام العمل. شرب الشاي ولعب الطاولة، التنزه ومشاهدة التلفزيون. وعلى الرغم من كثرة البدائل المتوفرة، لا يزال هذا الأخير المرافق الأكثر حضوراً في حياة العائلات التركية، حيث تتسمر أفرادها، من صغيرها إلى كبيرها، أمام الشاشات ليلاً ونهاراً.

يلعب الإعلام المرئي دوراً أساسياً في تكوين هوية الأفراد. وتزيد أهميته متى شُوهد لفترات طويلة ضمن العائلة الواحدة. هذا في وقت لا تزال التلفزيونات التركية الأكثر مشاهدة إن قورنت مع عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعية بشكل مستمر، أو هؤلاء الذين يشاهدون السينما والمسرح أو يستمعون إلى الراديو.

وفي تركيا حوالى 25 محطة مرئية تُشاهد على المستوى الوطني، كما 20 آخرى تبث في عدد من المحافظات. بالإضافة إلى حوالى 200 محطة خاصة لا تبث إلا لمحافظة واحدة معينة فقط. أما مضمون بثها جميعها فمتنوع جداً، والكثير منها متخصص بموضوع واحد حصراً. فبالإضافة إلى القنوات الإخبارية ذات المكانة المرموقة محلياً، تأخذ المحطات المعنية حصراً بالتعليم، والموسيقى والرياضة حيزاً كبيراً من الإعلام المرئي التركي، وتُسجل غالباً نسب مشاهدة كبيرة.

لمحطة Kral الأم، عدد من القنوات الأخرى المشابهة التي تهتم بالموسيقى على أنواعها. واحدة منها للأغاني الطربية حصراً، وأخرى للأغاني الحديثة، وغيرها تبث الموسيقى على أنواعها . وكما الحال معها، تبث محطة Number One الموسيقى فقط، ولها جمهور كبير. وتتحكم مع Kral، بشكل عام، بالسوق الموسيقي التركي وتحتكرانه بشكل أو بآخر، فيرفعان من شأن من يريدونه من الفنانين و “يقضيان” على أحلام غيرهم.

أما المحطات التعليمية فكثيرة. صحيح أنها من أقل المحطات التي يتم مشاهدتها، إلا أن تأثيرها يبقى كبيراً. عشرات المحطات تبث المواد التعليمية على مدار اليوم ليشاهدها الأطفال والطلاب كما الراشدون. في حين تتنوع برامجها بين عرض مسرحيات يؤديها طلاب المدارس، وأخرى لتنافسهم الأكاديمي والثقافي، وغيرها حول تعليم الشطرنج وألعاب الذكاء المشابهة.

تؤثر هذه المحطات على الجيل التركي الحالي، إذ أن الثقافة والتعليم متوفر له بسهولة. كما أن المدارس تشجع طلابها على مشاهدة هذه المحطات، وتعطيهم فروضاً منزلية تتطلب بعضها مشاهدتهم لبرنامج أو أكثر على هذه الشاشات وكتابة تقارير عنها أو مناقشتها لاحقاً. كذلك الأمر، يظهر تحسين التعليم، في المدرسة والجامعة كما على التلفزيون، كواحد من التغيرات الأساسية التي أدخلت على حياة الأتراك في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يؤدي إلى تحوّل القطاع التعليمي التركي إلى جاذب لشعوب الدول الأخرى.

وكما الحال مع المحطات التعليمية والموسيقية، للرياضة مكان خاص في الإعلام المرئي التركي. بضع محطات تهتم بالرياضة حصراً، وخاصة في شؤون كرة القدم التي تبقى معشوقة الأتراك. كما تعمد محطات أخرى إلى الإهتمام بالنشاطات الرياضية المحلية المنظمة على مستوى الولايات والمدن والأحياء، فتعطي دفعاً للرياضة في البلاد، وتشجع شبابها على ممارستها.

مؤخراً، وعلى الرغم من إقفال الكثير من المحطات التلفزيونية المقربة من الداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بتنفيذ المحاولة الانقلابية، إلا أن العدد الإجمالي للقنوات التي لا تزال تبث في تركيا ما زال كبيراً جداً. وهو ما يجعل من التخصص في مواضيع معينة ضرورة لتمكن القنوات من الاستمرار والحصول على جمهور يتابعها، ولكي لا تتحول إلى نسخة مقلدة من القنوات الأخرى.

كذلك الأمر، تتخصص بعض المحطات في بث الدروس الدينية، وعالم الحيوانات، ومجمل المواضيع الصحية. وهي محطات تم إنشاؤها في السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي يُبرز تنويعاً جديداً في الإعلام المرئي، وسعي للتخصص في مواضيع تطال كافة شرائح المجتمع.

من ناحية أخرى، يبقى للإعلام الرسمي مكان بارز في نهارات وليالي الأتراك. فقناة Trt كانت حتى العام 1990 تتحكم وحدها بالبث التلفزيوني محلياً. إلا أنها عمدت لاحقاً إلى تنويع قنواتها يوم بدأ الإعلام الخاص ينافسها، فخصصت بعض محطاتها للأطفال، والتعليم، والوثائقيات والرياضة وغيرها. كما عمدت في السنوات الأخيرة إلى إنشاء قنوات تبث في اللغة العربية والكردية، وهدفت إلى التواصل والتأثير على أكبر قدر ممكن من الشعوب الموجودة في تركيا أو القريبة منها.

بالمقارنة مع الدول المحيطة، يبدو مضمون ما يُبث للمشاهد التركي أكثر تشاركية وتنوعاً. إذ يركز على إشراك الأفراد معه في معظم ما يبثه. ذلك أن تقارير نشرات الأخبار تعتمد، في كل خبر تقريباً، على مقابلات يتم إجراؤها مع المارين في الشوارع، في ما يُعرف باسم “مايكرو رصيف”. كما تُشرك الأطفال والطلاب في تقديم نشاطاتهم على التلفزيون، وتنقل حفلات الفرق الفنية الصغيرة. التشارك والتنوع سمة الإعلام المرئي التركي، وهو بعيد بالقدر الكافي عن تقديم مواد جافة ووعظية، وهو ما سيؤدي مستقبلاً إلى ظهور جيل تركي نشيط مثقف ومبادر أكثر له مما هو عليه اليوم.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني

الإعلام الكردي يخلق بطلة.. والتركي يدحض الاساطير

جو حمورة

في الوقت الذي كانت تتنافس فيه الدول الراعية لمؤتمر جنيف على استقطاب الأكراد السوريين أو اقصائهم عن طاولة المفاوضات، كان بعض أكراد تركيا يقودون صراعاً من نوعٍ آخر. فمنذ الشهر الأخير للعام الماضي وحتى اليوم، سقط في جنوب شرق تركيا أكثر من ألف قتيل، أغلبهم من مقاتلي حزب “العمال الكردستاني” الذي يقود حرباً ضد الجيش التركي والأجهزة الحكومية الرسمية.

تلف الحرب حياة الأكراد من كل ناحية، ولكل معركة ضحاياها وأبطالها. وحيث تدور المعارك اليوم في “سور” و “جيزري” و “سيلوبي” جنوب شرقي تركيا، بدأت بطلة جديدة مدجّجة بالذخائر وببندقية قنص “تفوق طولها”، تأخذ مكانة في حياة الأكراد، واسمها الحركي هو “روزا أفجي”.

وككل معركة طويلة الأمد، يحتاج المقاتلون إلى بطل. والبطل في معارك الأكراد هو غالباً إمرأة جميلة وعفوية ومسلحة ترد بطش “رجال” السلطة وغير الكُرد عن شعبها. ولخلق أسطورة متكاملة، يبدو اختيار الأكراد لاسم “روزا أفجي” مدروساً وجزءاً من الحرب الإعلامية. فاسم “روزا”، اختير، ربما، تيمناً بـ”روزا شانينا” إحدى أبرز القنّاصات السوفياتيات خلال الحرب العالمية الثانية، فيما كلمة “أفجي” التي تعني “الصياد” في اللغة التركية، تم اختيارها في محاولة لإظهار مهنة ومهنية حاملة الاسم دون عناء.

1 (1)

وتتشابه قصة “روزا” مع “بطلة” أخرى تم الترويج لها في معركة مدينة “كوباني / عين العرب” السورية ضد تنظيم “داعش” في نهاية العام 2014. وكما حال “نالين عفرين” التي نُسجت عنها الكثير من المرويات بعدما “ألبسها” الإعلام الكردي وناشطوه “التويتريون” بطولات الدفاع عن المدينة السورية الكردية، كذلك هي حال “روزا أفجي” الذي يخلق الإعلام الكردي اليوم بطولات حولها، والتي تحوي الكثير من المبالغة.

خبر إطلاق الأكراد، في تركيا، اسم “روزا” على مواليدهم الجدد تيمناً بها، وآخرٌ عن قنصها يومياً، وبدقة متناهية، لبضعة عناصر من الجيش التركي وغيرها الكثير من الروايات المبعثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن “المصادر الميدانية”، يخلق صورة بطولية عن “روزا” قد لا تستحقها. إلا أنّ “معركة الصمود بوجه الجيش التركي”، كما يطلق عليها الأكراد الناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعية، بحاجة إلى أسطورة تشد العزائم وتظهرهم بحكم المدافعين عن أرضهم وعرضهم من “آلة البطش العسكرية التركية”، حتى لو تَطلّب الأمر بعض المبالغة والكذب.

لا صورة حقيقية لروزا..  مثل كل “الأبطال” الوهميين، يترك تخفيها مساحة للتخيل عن شكلها، ومظهرها. أكثر الصور المتداولة لها، هي تلك التي تظهر فتاة جميلة، تحمل قناصة حديثة.. لكن الصورة غير مؤكدة. فكل موقع وحساب في “تويتر” ينشر صورة يجدها “ملائمة” لقصة “الاسطورة الكردية”، علماً أن احدى اكثر الصور مشاركة في الحسابات الكردية، تعود الى تلك الحسناء.

اليوم تتراجع “السياسة” على حساب الحرب في حياة أكراد تركيا. وعلى الرغم من أنّهم شهدوا استقراراً أمنياً منذ نهاية العام 2012 وحتى الأمس القريب، إلا أن هذا المشهد المسالم بات بحكم المنتهي، كما باتت حالتهم مشابهة لحالة أبناء جلدتهم في كل من العراق وسوريا.

و”يتعارك” المهتمون بالحرب الدائرة في جنوب شرقي تركيا، في العالم الافتراضي، بين من ينشر صوراً متعدّدة لفتيات كرديات بثياب “كاكية” بشعرهنّ المجدل وبنادقهنّ الحربية، وبين آخرين، أتراك يكرّرون ما يقوله القانون التركي عن أن مقاتلي حزب “العمال الكردستاني” هم إرهابيون لا أكثر.

فيما تتضخم صورة “روزا” يوماً بعد يوم، وتتحول إلى ظاهرة تخشى تركيا أن تتحوّل إلى قدوة لغيرها من المقاتلين والمقاتلات، فيقوم الإعلام التركي بنشر مقالات عن أنواع الأسلحة القناصة وإظهار القناصين الذين قتلهم الجيش التركي وإحصاء عدد الباقين على قيد الحياة، فيما يعمد آخرون إلى نشر  فيديوهات عن “عملية ملاحقة روزا أفجي” العسكرية ولكن من دون أن يُوفّق بها.

تستمر الحرب الدائرة في جنوب شرقي تركيا، إلا أن مقارنة الضجة التي تحدثها مع تلك التي خلقها الإعلام الكردي والإقليمي والعالمي خلال حرب الدفاع عن “كوباني / عين العرب” لا تبدو ممكنة. فالمعركة اليوم تقع في عمق أراضي تركيا التي لا تسمح للكثيرين بالتدخل في شؤونها الداخلية، وذلك على عكس حال الأراضي السورية التي يتدخل فيها الجميع بسهولة ويخلق كل إعلام روايات وبطولات على هواه.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

“الأخ الأكبر” أردوغان: السيطرة والاستيلاء على وسائل الإعلام التركية

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

الصورة من موقع telegraph.co.uk

لم يكن القرار الأخير لـ”دائرة الصلح والجزاء الخامسة” القاضي بتعيين أوصياء رسميين على شركة “إيباك كوزا” القابضة[1] مفاجئاً للكثيرين في تركيا. فهذا القرار الذي تم تطبيقه في 26 تشرين الأول/ أكتوبر بحق شركة إعلامية معارضة للحزب الحاكم لم يكن الأول من نوعه، ولا يبدو أنه سيكون الأخير. فالحزب لم يترك مناسبة إلا وسعى لفرض هيمنته على الوسائل الإعلامية الرسمية والخاصة وذلك منذ سنوات عديدة.

وتضم شركة “إيباك كوزا” القابضة تحت جناحيها عشرات وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة والتي تشكل آخر “المعاقل” الإعلامية المعارضة المؤثرة على الرأي العام التركي. وقد أتى قرار تعيين الأوصياء الرسميين قبل أيام من إجراء انتخابات نيابية في تركيا، كما بعد فترة قصيرة من مداهمة الشرطة التركية لمقر تلفزيون وصحيفة “بوغون” التابعين لشركة “إيباك كوزا” بعد أن كشفت الصحيفة عن شحنة أسلحة تركية متجهة إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في سوريا.

ولحزب “العدالة والتنمية” الحاكم تاريخ حافل من ممارسة الضغط وتأديب الوسائل الإعلامية التركية. كما امتهن، خلال الفترة الأخيرة، الضغط ومحاكمة الصحافيين المعارضين لسياساته.

الاستيلاء” على المؤسسات الإعلامية التركية

مع وصوله إلى الحكم في العام 2002، لم يكن من السهل على حزب “العدالة والتنمية” الإمساك بالسلطة بشكل حقيقي. فمنذ نشأتها عاشت تركيا تحت حكم العلمانيين والعسكر ولم تعرف غيرهم كحكام لها. هذه الحقيقة أوجبت على الحزب الإسلامي، الحديث في عالم السياسة، العمل بروية على زيادة رقعة نفوذه في الدولة والمجتمع، كما أجبرته على اعتماد سياسة متروية لتحقيق مآربه وزيادة نفوذه ومكاسبه.

فعلى الصعيد الإعلامي، كان الحزب بين عامي 2002 و2004 يتمتع بتأييد وسائل الإعلام التابعة للداعية الإسلامي “فتح الله غولن”. في حينها، لم يكن هذا الأخير يهتم بالسياسة بشكل مباشر، إنما كان يسعى إلى تعزيز التعليم ذات الجذور والقيم الدينية في تركيا، كما وتوسيع إمبراطوريته الإعلامية والتربوية لتصل إلى حدود مئات الوسائل الإعلامية المتنوعة وآلاف المدارس. إلا أن استمرار حزب “العدالة والتنمية” في السلطة بات مربوطاً إقرأ المزيد