الفرص المهدورة لإيقاف الحرب السورية: مضيعة وقت برعاية دولية

جو حمورة

14446069_1225931354115346_5202945444224908682_n

لم تعد الحرب السورية، منذ زمن طويل، حرباً أهلية. بل تحوّلت، مع كثرة المتدخلين والفاعلين فيها، إلى مواجهة من نوع آخر. لا هي حرباً باردة دولية بالمعنى التقليدي، ولا مواجهة مباشرة بين القوى العظمى. إنما فوضى محلية وإقليمية ودولية، يلعب فيها الكثير من الأطراف دور المتدخل والفاعل حيناً، والمهادن والراعي أحياناً أخرى. كما تساهم الدول المحيطة بتذكية نار الحرب بالسلاح والمقاتلين غالباً، أو بتقديم مبادرات وحلول كما فعلت واشنطن وموسكو مؤخراً.

ليل العاشر من أيلول خرج وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري من اجتماعهم في جنيف بمبادرة حل للأزمة السورية. وتضمنت وقفاً لإطلاق النار بين قوات النظام السوري والمعارضة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة لقصف مواقع “الدولة الإسلامية” و “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً). هذا بالإضافة إلى أن مبادرة الحل تضمنت بنوداً بقيت سرية حول العملية السياسية وتغيير النظام بعد سريان وقف إطلاق النار.

إتفاق لافروف – كيري ليس الأول من نوعه، وعلى الأرجح لن يكون الأخير. إذ أن السنوات الخمس الماضية حفلت بعشرات المبادرات ومشاريع الحلول، والتي بقيت بمعظمها حبراً على ورق بسبب تسويف النظام السوري، كما بسبب غياب الجدية الدبلوماسية في التعاطي مع الأزمة. وكما الحال مع هذه المبادرات كلها، تبقى الإرادة الدولية ضعيفة القدرة في فرض اتفاقاتها على القوى المحلية، إذ أن الكثير منها لا تكترث لكل هذه الإتفاقات والحلول، ولا ترى إلا الحرب طريقاً للنضال، وتعتبر هذه التسويات مجرد مضيعة للوقت. في حين تستغل قوى أخرى وقف إطلاق النار والعمليات الحربية من أجل تجميع القوى المقاتلة والتحضير للمواجهات العسكرية القادمة.

وكما الحال مع معظم اتفاقات وقف إطلاق النار، تسير الأمور بشكل إيجابي بداية، ثم ما تلبث أن تستعر الحرب من الجديد. وهذا ما بدأ بعد إتفاق لافروف – كيري، حيث صمد وقف إطلاق النار، بصعوبة، لعدة أيام، ثم بدأت المواجهات تعود إلى سابق عهدها. وهذا بات مساراً شبه طبيعي ومُكرر في الحرب السورية، ذلك لأن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، كما الحلول المقترحة، فشلت كلها بعد فترات زمنية بسيطة.

في الماضي، في الثاني من تشرين الثاني عام 2011، توصلت الجامعة العربية إلى اتفاق مع الحكومة السورية نص على إنهاء القتال، والإفراج عن المعتقلين وإخراج الجيش من المدن. إلا أن الحكومة السورية لم تلتزم بما تعهدت به وتابعت ممارسة العنف ضد شعبها، فتم طردها من الجامعة. ثم قام مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان بالتوافق مع الحكومة السورية على هدنة في 12 نيسان عام  2012، إلا أنها انهارت بعد ساعات قليلة بسبب استمرار عنف النظام.

الفشل الذي مُني به كوفي أنان إستمر بعد ذلك، إذ أنه سعى في 30 حزيران، في جنيف، إلى التوصل إلى توافق على عملية إنتقالية في سوريا. غير أن الدول الحاضرة، وخاصة روسيا والصين، كان لها تفسيراً مختلفاً عن الدول الأخرى للبنود المتفق عليها، فتحوّل الإتفاق إلى فرصة مهدورة إضافية بعدما تمسكت كل من الدولتين بعبارة “الشعب السوري يحدد مستقبله”. بينما أرادت الدول الأخرى، وخاصة تركيا وبريطانيا وفرنسا، إخراج بشار الأسد من السلطة كمقدمة ضرورية لنجاح العملية الإنتقالية.

وبعد إستعمال النظام لغاز السارين ضد السوريين، تم التوصل نهاية العام 2013 إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو قضى بتسليم دمشق لأسلحتها الكيميائية. ويُعتبر هذا الإتفاق المُرعى دولياً، إلى حد ما، الإتفاق اليتيم الذي تم تطبيقه، ولم يتم نقضه أو القفز فوق بنوده. ويعود هذا الأمر إلى الخطر الضخم الذي يُشكله السلاح الكيميائي على الدول المحيطة بسوريا بشكل أساسي، وليس إلى الإكتراث الدولي بمئات المدنيين الذي قضوا نتيجة استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية.

في بداية العام 2014، رعت واشنطن وموسكو محادثات بين النظام السوري وشخصيات المعارضة فيما يُعرف بـ”جنيف 2″. إلا أن الإختلافات العميقة بين الطرفين أدت إلى قيام الوسيط الأممي الأخضر الإبراهيمي بتعليق المفاوضات، ومن ثم الإستقالة من مهمته في 13 أيار من نفس العام. وكانت هذه المحادثات الجدية الأخيرة التي جسلت فيها القوى السورية المحلية على طاولة واحدة، لتعود وتتحوّل كل المحادثات والإتفاقات اللاحقة إلى تواصل إقليمي ودولي حصراً. ومنها محادثات فيينا التي أتت بعد شهر واحد من بداية العمليات الجوية الروسية فوق الأراضي السورية، وضمت، بالإضافة إليها، 16 دولة أخرى كان من بينهم، للمرة الأولى، الجمهورية الإيرانية. وعلى الرغم من مشاركة جميع القوى الدولية كما الإقليمية المحيطة بسوريا، إلا أن مصير المحادثات كان كسابقاته، ولم يتوصل إلى أي نتيجة عملية.

مع فشل المحادثات المحلية، كما المبادرات الإقليمية والدولية، قام مجلس الأمن بتبني خطة حل للأزمة السورية. وتضمنت إقتراحاً لمفاوضات مباشرة بين المعارضة والنظام السوري، كما وقفاً لإطلاق النار، بالإضافة إلى تبني قيام حكومة سورية إنتقالية بعد 6 أشهر وإجراء انتخابات. إلا أن هذا القرار بقي بعيداً عن التطبيق، وإن تخللته جلسات متقطعة بين المعارضين والنظام لم تفلح بالتوصل إلى أي نتيجة تُذكر، ثم عُلقت الجلسات بعد هجوم النظام السوري على المعارضين في ضواحي دمشق.

وفي 27 شباط 2016 أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي مستورا التوصل إلى تصنيف أميركي – روسي – أممي مشترك للمنظمات الإرهابية، واقتصار الضربات الجوية عليها فقط. إلا أن النظام السوري وروسيا لم تلتزمان بالاتفاق، وتابعا ضربهم للمراكز العسكرية والمدنيين المعارضين. ثم إنتهى الأمر بالتوصل إلى الإتفاق الأخير بين واشنطن و موسكو لفرض وقف لإطلاق النار، وقيادة عمليات عسكرية مشتركة ضد المنظمات الإرهابية.

ومن الملاحظ في هذه المحادثات كلها، أن الأطراف المشاركة فيها كانت تتغير بين فترة وأخرى. وكانت، في البداية، تضم ممثلين عن القوى المحلية والإقليمية، لتعود وتصبح مرتبطة أكثر بالدول الكبرى. كما أن المحادثات التي شهدت مشاركة للسوريين تبقى ضئيلة بالمقارنة مع العدد الإجمالي للمحادثات الدولية والإقليمية، ما يُبرز مدى تعقيد الأزمة من ناحية، كما خروجها عن نطاق سيطرة السوريين ذاتهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، لعب النظام السوري دوراً سلبياً وتسويفياً بعد كل محادثات شارك فيها، فكانت مماطلته وعدم إلتزامه بما وقع عليه السبب المباشر الذي أدى إلى إفشال الكثير من التسويات وعمليات وقف إطلاق النار. وهذا ما كان ينتج عنه تعليق المعارضين لمشاركتهم في المحادثات وعدم العودة إليها إلا بعد تدخلات دولية وضمانات إقليمية. كما أن المحادثات خلال السنوات الماضية، أبرزت ضعف المعارضة السورية في جلسات التفاوض، ويعود هذا الأمر إلى أن المعارضين الذين يسكنون خارج سوريا لا يمثلون الشيء الكثير في الداخل، وهؤلاء يبقون أكثر تحرراً في رفض التسويات أو عدم الإنصياع لها.

على العموم، شهدت السنوات الخمس الأخيرة الكثير من المحادثات والتسويات، إلا أنها لم تؤدِ إلى المأمول منها. هذا في وقت لا ضمانات حقيقية اليوم بأن يكون الإتفاق الأميركي – الروسي الأخير إستثناءاً لهذه القاعدة. وعلى الرغم من الجهود الإقليمية والدولية المبذولة إلا أن الأمم المتحدة، والجامعة العربية وغيرها من المنظمات والدول المعنية بالسلام العالمي أثبتت فشلها الذريع في إيقاف الحرب السورية التي حصدت حوالى نصف مليون شخص.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة

المعارضة “تبايع” أردوغان.. البحث عن شريك دولي جديد

جو حمورة

5_d

مع مرور شهر كامل على المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، يمكن القول أن الأزمة الناتجة عنها قد شارفت على النهاية. في الداخل، سيطر الحكم على المؤسسات العسكرية، وأحكم قبضته على كامل الأجهزة الإدارية والقضائية، وبات الآن يتحضر للعب دور جديد في الخارج لن تكون روسيا إلا شريكاً أساسياً فيه.

أكثر من 5 ملايين تركي تجمعوا في الساحات للقول “لا للإنقلاب ونعم للديمقراطية” في 8 آب الحالي تلبية لدعوة الرئيس رجب طيب أردوغان. لم يكن هذا التجمع استثنائياً من ناحية حجمه فقط، إنما، كذلك، بنوعية الضيوف والمشاركين فيه. إذ حضر اللقاء مناصرو الحزب الحاكم كما معظم أحزاب المعارضة، بالإضافة إلى من بقي في الخدمة من جنرالات الجيش التركي وكبار الموظفين، ووقفوا جميعاً جنبياً إلى جنب تحت عباءة رجل تركيا الأقوى.

تكلم الرئيس التركي لساعات طويلة أمام الحشود المنتمية لمختلف الأحزاب. وهو الأمر الذي يشكّل بحد ذاته ظاهرة استثنائية، إذ يبقى لقاء الأحزاب في تحركات شعبية مشتركة أمراً نادراً جداً، ولا يتم إلا في الأعياد الوطنية وغالباً بأعداد ضئيلة. وشهد التجمع – الحدث غياباً وحيداً عكّر بريق الصورة الوطنية الجامعة، وتمثل بعدم دعوة حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي الممثل في البرلمان، والذي استُثني من دعوة “الدفاع عن النظام الديمقراطي” كما بقية الأتراك.

إلا أن فقدان القطعة الكردية من اللوحة التركية الوطنية لم تعنِ فشل التجمع، إنما أثبت هذا الأخير بطريقة تنظيمه وضيوفه وكلماتهم عدة حقائق باتت مؤكدة. ومنها أن أردوغان نقل موقع رئاسة الجمهورية من موقع بروتوكولي جرده الدستور من صلاحيات حقيقية إلى الحجر الأساسي في النظام السياسي، بل بات بحكم شخصيته وشعبيته وسيطرته على دوائر القرار في حزب “العدالة التنمية” والحكومة بصفة الحاكم بأمره. كما وضع الرجل معظم أحزاب المعارضة، العلمانية والقومية منها، تحت جناحه، بحيث باتت تردد خطابه وتعيد ما ينطق به دون أن تدري. وبدل الحياد عن المعركة الدائرة بين الحكومة التركية وجماعة الإنقلابيين مثلاً أو أخذ موقف متمايز عنهما، التحقت أحزاب المعارضة بالسلطة وراحت تدافع عنها وتغدق عليها النعوت الحسنة، فباتت لاعباً مساعداً لا أساسياً في المعركة الدائرة بين الشرعية وجماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” المتهم بقيادة الإنقلاب الفاشل.

لا شك في أن تراجع تأثير المعارضة التركية من ناحية، وقدرة الحكم على طرد واعتقال آلاف المناوئين له من ناحية أخرى، قد جعلت من أردوغان والحكومة التركية يشعران بالراحة الآن بعد تحسسهما قرب دنو أجلهما ليلة الإنقلاب. فالملايين المؤيدة للشرعية، وقدرة الحكم على التصرف حسبما يشتهي داخلياً ستجعله، بعد فترة، أكثر حرية وقدرة في التصرف في الخارج، وهذا دون خوف من أزمة سياسية محلية أو تقاعس جنرالات عن تنفيذ أوامر السلطة السياسية.

خارجياً، تتحضر تركيا للعب دور جديد في محيطها. لن تتخلى عن سياسة “التنسيق الدائم” مع الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الإقليمية بطبيعة الحال، إلا أن البحث عن شريك دولي جديد بات أكثر من ضرورة. فرفض أميركا تسليم “غولن” إلى السلطات التركية، والتردد في إدانة المحاولة الإنقلابية، كما كثرة الانتقادات لسياسة أردوغان الداخلية جعلت من العلاقة الطيبة معها بالنسبة للأتراك موضوع شك.

وفي أول زيارة له إلى الخارج بعد المحاولة الانقلابية قام الرئيس التركي بزيارة نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وكان قد سبقها تبادل المكالمات الهاتفية الودية بين الجانبين، كما رفع العقوبات التي فرضها كل طرف على البلد الآخر، بالإضافة إلى خروج وزيري خارجيتي تركيا وروسيا من لقائهما الأخير بانطباعات إيجابية كانت غائبة منذ سنوات عن العلاقة بين البلدين.

من الناحية التركية، تأخذ عملية إصلاح العلاقة مع روسيا صفة الإستعجال والضرورة. فإزعاج وإبتزاز الولايات المتحدة ورئيسها العتيد في الشرق لا يمكن أن تتم في فترة توتر العلاقات مع روسيا. كما إن أنقرة بحاجة إلى موسكو لخلق التوازن مع الإتحاد الأوروبي، خاصة وأن التسويات المتعلقة باللاجئين ومسيرة الإنضمام إلى الإتحاد الأوربي متعثرة اليوم أكثر من أي يومٍ مضى، وهذا وسط بلوغ الانتقادات الأوروبية لتركيا وساستها مرحلة الذروة. بالإضافة إلى أن الأحداث المتلاحقة في سوريا قد أثبتت أن روسيا لن تغادرها قريباً، وإن الحرب لن تنتهي بغالب ومغلوب، إنما عبر تسوية دولية وإقليمية لا يمكن أن يكون الروس والأتراك إلا عرابيها الأساسيين من أجل ضمان نجاحها.

أما من الناحية الروسية، فالمصالحة مع الجارة التركية لا تبدو سيئة كذلك. إذ أن العقوبات الدولية المفروضة عليها، والحساسيات الدائمة مع الاتحاد الأوروبي، كما تقهقر حليفها السوري في مدينة حلب ومناطق أخرى تجعل من التلاقي مع الأتراك أمراً مفيداً. هذا في وقت يبقى السوق التركي المكان الأحب إلى قلب الروس لتصريف إنتاجهم الغازي والنفطي وضخ العملة في اقتصادهم المهترئ، كما “الشريك” الذي يمكن التكلم معه عقلانياً لحل المشاكل الناتجة عن صعود الإسلام العنفي في آسيا الوسطى وداخل جمهوريات روسيا الاتحادية.

ولكن السؤال الأبرز يبقى حول انعكاس التلاقي الروسي – التركي على الوضع في سوريا. خصوصاً بعد توجيه انتقادات إلى حجم التدخل الروسي في معركة حلب وتحميل موسكو جزءاً من المسؤولية حول الاختراق الذي حققته المعارضة. فهل سيكون هذا التلاقي على حساب النظام السوري ككل، أم إن التسوية الأساسية القاضية بمغادرة بشار الأسد وبقاء نظامه ستوافق عليها تركيا؟

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1572.

القضاء كأداة انتقام: قضية شاحنات الأسلحة المهرّبة إلى سوريا

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

من موقع Today's Zaman

لم تكن بداية عام 2014 موفقة للحكم في تركيا، ولا يبدو أن السنوات القليلة القادمة ستحمل أخباراً جيدة لمروجيّ النموذج التركي “الناجح” في بناء دولة القانون. فبعد الانتكاسات الاقتصادية والسياسية المتتالية، ظهرت في شهر كانون الثاني/يناير من العام الماضي قضية شاحنات الأسلحة التركية المهرّبة إلى سوريا من قِبل جهاز الاستخبارات التركي، والتي قامت الشرطة التركية بفضحها، ما أدى إلى استعار صراع ذو خلفية سياسية بين مختلف أجهزة الدولة.

كما أدّت قضية شاحنات الأسلحة التي لا تزال تتفاعل إلى اليوم إلى بروز سطوة السلطة السياسية على السلطة القضائية التركية بشكل واضح، كما خلافات لم تعرف الرحمة بين تيارين سياسيين إسلاميين يحكمان ويتحكّمان بالبيروقراطية التركية. التيار الأول، هو تيار حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي الحاكم، والذي استطاع منذ وصوله إلى الحكم في العام 2002 إلى اليوم، أن “يطهر” الإدارات التركية ويستبدل عناصرها في السلطة القضائية والإدارية بالإضافة لمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، بالبيروقراطيين الموالين له ولتياره الإسلامي. أما الثاني، فهو تيار الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” [1] الذي تحالف في الماضي مع حزب “العدالة والتنمية”، واستطاعا سويةً إفقاد المؤسسة العسكرية المنوط بها حماية علمانية الدولة قوتها السياسية. كما استطاعا إفقاد الأحزاب العلمانية التقليدية حضورها الشعبي والإداري والخدماتي، وإدخال عدد كبير من الموالين لـ”غولن” إلى أجهزة الدولة، وتحديداً إلى سِلكي الشرطة والقضاء.

إلا أن سنين التوافق بين القوى الإسلامية التركية لم تدم طويلاً، فأدى الصراع بين تياريها إلى إقرأ المزيد

التدخل التركي في سوريا.. في الصحف فقط

جو حمورة

تبدو الأخبار الحديثة الواردة من أنقرة بالغة الجدية. إجتماعات أمنية وعسكرية، وخطط وخرائط، وإعلام يتكلم عن دخول تركي قريب إلى شمال سوريا.

هذه ليست المرة الأولى التي يعمد الجانب التركي إلى “التهويل” بأنه سيرسل جيشه إلى جنوب الحدود، وربما لن تكون الأخيرة. فمنذ بداية الثورة السورية إلى اليوم، عمدت القيادة التركية أكثر من مرّة إلى التهديد بالدخول إلى التراب السوري، مرّة بحجة إنقاذ المدنيين، ومرّة لحماية ضريح سليمان شاه، ومرات أخرى لمحاربة الإرهاب. إلا أن ما يُبث خلال هذه الفترة في تركيا ينذر بجدية تركية فائضة، توحي بها وسائل الاعلام.

ويعمد الإعلام التركي، عبر متابعته للتطورات ونقلها، إلى تحضير الرأي العام لأي تحرك تركي محتمل. فبداية، كانت صحيفة “يني شفق” المقرّبة من الحزب الحاكم سبّاقة في نشر معلومات عن تحضير الحكومة التركية لإصدار قرار مباشر للجيش للدخول إلى شمال سوريا. لم تثر معلومات “يني شفق” أي تكذيب ونفي رسمي، أو حتى تصريحات سياسية كثيرة تشكك في مصداقيتها، خصوصاً أن صحيفة “سوزجو” المعارِضة للحكم التركي دخلت على خط تأكيد الأنباء الواردة من الاجتماعات الأمنية والعسكرية. كما لم تنسَ الصحيفتان التذكير بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثابت في أن تركيا “لن تسمح بإنشاء دولة كردية شمال سوريا مهما كلف الثمن”.

وبحسب الإعلام التركي دائماً، تبدو العملية العسكرية إن تمّت، طويلة الأمد، وتتطلب بقاءًا تركيًا على الأرض السورية، وموجهة ضد القوات الكردية التي باتت تسيطر على مساحات واسعة من الحدود التركية – السورية. كما تعتبر السلطة التركية بشكل دائم وثابت، إن إمكانية قيام الأكراد بإنشاء كيان لهم في شمال سوريا يعرّض الأمن القومي التركي للخطر، ويفتح شهية كل الأقليات الأخرى على إنشاء كياناتها الخاصة.

438

غير أن الإعلام المشارك في بروباغندا التحضير للحرب، يشوبه بعض “النشاز” عند قرع طبولها. فالصحيفة الموالية للحزب العلماني المعارض “حرييت” أوردت أخبارًا “موثوقة” عن تردد قيادة الجيش التركي في المشاركة في أي عملية في سوريا، ما أجبر هذا الأخير على إصدار بيان رسمي نفى فيه هذا الخبر، وأكد أن الجيش التركي يعمل وفق توجيهات وأوامر السلطة السياسية الشرعية.

وفي إطار بروباغندا مضادة لتلك المقربة من الحكومة، عمد بعض الصحف التركية المعارِضة إلى نشر أخبار وتصاريح مخفِفة من العزيمة التركية. ومنها إفراد حيز مهم لتصريح رئيس الهيئة العامة لأركان الجيش التركي الأسبق الجنرال إلكر باشبوغ، الذي دعا الحكومة “إلى الدخول في تعاون مع الحكومة السورية لمواجهة أي خيار لتأسيس دولة كردية”. فيما تناقلت صحف أخرى تهديدات قيادات كردية وصفتها بالخطيرة والجدية والقائلة إن الحرب على أكراد سوريا سترقى إلى هجوم على الشعب الكردي ككل ما سيؤدي إلى جرّ الداخل التركي إلى حرب أهلية.

تتعدد حملات البروباغندا التركية وتتنوع بين المتحمس للدخول البري إلى سوريا وبين المعارض له، فيما الأكيد أن أمراً ما يتم التحضير له خلف جدران الغرف السياسية المغلقة في أنقرة. كما يبدو أن الإعلام التركي يعمل بجدية أكبر في تحضير الرأي العام التركي لاحتمال التدخل في سوريا إن قورنت هذه الحملات بسابقاتها.

وفيما يبقى الرد التركي غامضاً إلى الآن، ويتأرجح بين تدخل بري طويل الأمد إلى رد حدودي محدود، ومروراً باحتمال فرض منطقة آمنة شمال سوريا (لم تبدِ واشنطن حماسة لها)، يبقى الأكيد أن التقدم العسكري للأكراد بات مزعجاً لتركيا، ما سيجعلهم في مواجهة مع إعلامها، وربما عسكرها في الأيام القليلة المقبلة.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

ثورة روميّة ناقصة وأخرى إسلاميّة شاملة

مقالات أخرى عن تركيا