مدينة المعوّقين

جو حمورة

image00338

الاستيقاظ صباحاً صعب دائماً لمن يحب السهر، فالحياة هذه الأيام، وسرعتها، تجعل من الليل الوقت المتاح للكتابة والقراءة. وهنا، في مدينة إزميت التركية، لا حياة ليلية صاخبة كما في المدن والدول الأخرى، بل ينام سكانها باكراً، ويخيّم الهدوء على المدينة دون أن يعكره أحد، باستثناء ضجيج من يفترش الشوارع ليحلم بحياة بعيدة عن الفقر.

بعد الفطور والتمتمات الصباحية “الضرورية” في اللغة التركية، يأتي موعد انتظار الباص للانتقال إلى الجامعة. التنظيم والدقة صفات ملاصقة لكل شيء، إذ أن الباص يمر كل ربع ساعة، ولا يتأخر عن موعده المحدد غالباً إلا ببضع دقائق على الأكثر.

من السهل جداً معرفة مَن مِن منتظري الباص أتراك ومن منهم أجانب. إذ أن أبناء البلد، تنضج وجوههم ببعض الحماس الصباحي، بينما نحن، الأجانب، نجر أجسادنا ببلادة كبيرة. وعلى محطة الانتظار أناس من كل الطبقات، والجنسيات والأعمار. فهذا رجل ببدلته الرسمية متوجه إلى مكتبه، وتلك فتاة تذهب يومياً لزيارة والدتها في المستشفى. وهذه، على كرسيها المدولب، تريد لقاء أصدقائها.

التلصلص على حياة الغرباء هوايتي الصباحية والتحضيرية للتعرف عليهم. وعندما تكون أجنبياً، يقع اختيارك، غالباً، على “الطرائد” السهلة. فرجل أعمال بوجه عابس، أو مراهقات كثيرات الضجة، ليسوا أهدافاً محببة ليتعرف عليها غريب. لذلك، يبقى تبادل أطراف الحديث مع عجوز أو طفل أو طالبة، لبضع دقائق، أقصى طموحاتي ريثما أصل إلى وجهتي المقصودة.

وقع اختياري الأخير على صاحبة الكرسي المدولب. ولمَ لا؟ فالمصائب الدائمة تجعل من أصحابها ضعفاء عند الحديث مع غيرهم. ثم، أي نشاط آخر تفعله معوّقة غير الكلام؟ لذا، بادرت بافتتاح الحديث معها عند محطة الانتظار، وكانت لطيفة. سألتني عن بلدي، وعن سبب سكني في إزميت، وكان النقاش عادياً.

بعد الكلام، انتقلت إلى الفِعل. عرضتُ عليها مساعدتي لركوب الباص، فرمقتني بنظرة غاضبة. لم تتقبل مساعدتي بأي شكل من الأشكال، بل انتظرت نزول جسر صغير منحدر من الباص لتمر فوقه، لتعود وتدخل إليه وتأخذ مكاناً مخصصاً لها.

وفي هذا التصرف المُفاجئ الكثير من القوة، خاصة أنني أخطأت بالتقليل من قوة شخصيتها سابقاً. واخترتها، أساساً، بسبب ضعف رأيته فيها. كما أن رفضها للمساعدة رغم حاجتها لها، يلفت الانتباه إلى عزة النفس التي لديها، وإلى الاستقلالية التي تعيشها.

جلستُ بجانبها لإكمال الحديث، فكانت البداية مع قولها “بن غوتشلويوم” (أنا قوية). ثم راحت تشرح لي عن زلزال العام 1999 الذي ضرب مدينة إزميت، وأودى بحياة 25 ألفاً منها، ومن المناطق المجاورة. وكيف أن الآلاف عانوا من بُطء أجهزة الدولة حينها، وقضوا تحت الركام، أو أصيبوا، كما حالتها، بعطب دائم.

ومن حينها، تهتم بلدية المدينة بالمعوّقين بشكل خاص، وتقدم لهم الكثير من الخدمات، خاصة أن أعدادهم كثيرة، حيث يصعب السير في شوارع إزميت دون رؤية أحد منهم على كرسيه المدوّلب أو على عكاز. لذا، كانت سياسات البلدية التي سعت إلى دمج هذه الفئة مع بقية المجتمع، وإشراكها في نشاطاتها ووظائفها وتقديماتها المادية. كما وضعت في كل مكان تقريباً ممرات وأجهزة خاصة لتسهيل تنقلهم وحركتهم.

أما المجتمع فلا يُبدي أي انزعاج من المعوّقين، بل يتقبل حاجاتهم وظروفهم بشكل عادي. ويعود ذلك إلى السياسة الرسمية من جهة، كما إلى التربية في المدارس والندوات التثقيفية والتوعوية التي تسعى إلى تحسين ظروفهم من جهة أخرى. هذا في وقت توظف الدولة كما البلدية نسبة منهم، وتعاملهم تماماً كبقية الموظفين.

التهميش غير موجود، أو هو بسيط إن أردنا أن نكون موضوعيين. وهذه المدينة “جنّة” المعوّقين التي لا تُشعرهم  بالإقصاء أو التمييز، بل بأنهم عاديون كغيرهم تماماً. وهذا ما يقوّي المعوّقين على مواجهة ظروف الحياة ومصاعبها، بدءاً بالصعود إلى حافلة، وصولاً إلى تأسيس عائلة، ومروراً بالاتكال على أنفسهم في كل شيء.

أكمل مشواري إلى مقصدي مستمعاً إلى صديقتي الصباحية، وأحاول أن أكتشف مكامن القوة وأسبابها في شخصيتها. إلا أن مشاوير الصباح ليست رحلات استكشافية طويلة، بل سريعة وظرفية، وتنتهي في دقائق. وأنا أهم بالنزول من الباص وأودعها، ألتفت إلى بقيّة ركاب الحافلة، متوقعاً أن واحداً من هؤلاء المساكين سيستخف بقوة هذه المرأة عند نزولها إلى مقصدها، وسيتعرض، بدوره، إلى نظراتها الغاضبة.

نشرت أولاً على موقع  الجزيرة مباشر.