الإجراءات ما بعد محاولة الانقلاب في تركيا

جو حمورة

هذه بعض المقالات عن الإجراءات والأحداث التي جرت في تركيا بعد إفشال محاولة الإنقلاب:

إجراءات ما بعد محاولة الانقلاب: قمع الأكراد متواصل

صعود وانهيار إمبراطورية غولن التعليمية

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

إعلان حالة الطوارئ في تركيا: السلطة “تنظف الدولة”

محاولة انقلاب وصراع على النفوذ: قضاة تركيا يدفعون الثمن

%d9%85%d9%86-%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b9-wsj-com_

Advertisements

الطَيب والداعيّة: صراع الإسلاميين في تركيا

جو حمورة

بعيداً عن الضجيج الإعلامي والاتهامات التخوينية المضادة، يمكن مقاربة الصراع الأخير في تركيا، بين القوتين الإسلاميتين الأكبر فيها، تبعاً للخلفية الفكرية لكلٍ منهما. فما بدأ على شكل خلافٍ سياسي محدود بين طرفي النزاع، الأول ممثلاً برئيس الحكومة التركية، رجب طيب أردوغان وحزبه، والثاني بجماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن، سرعان ما تحول إلى أزمة سياسية عميقة، كشفت النقاب عن الاختلاف الفكري الكبير الذي تعيشه أبرز القوى الإسلامية التركية.

فبعيداً عن الاستقطاب التقليدي في تركيا، ما بين العلمانيين والإسلاميين، أو المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، يدخل صراع  من نوع آخر إلى الساحة التركية من بابها العريض. هذا الصراع بين الطرفين الإسلاميين يبدو جديداً في دولة لطالما عانى إسلاميوها من قسوة العلمانيين والعسكريين عليهم. كما يبرز كم أصبحت القوى العلمانية التركية فاقدة للقدرة على التأثير في المجتمع أو الحياة السياسية، في ظل نظامٍ سياسي لا يزال في الاسم وبعض المضمون “علمانياً” لكنه محكوم بإسلام حداثي تأقلم مع الدولة والنظام السياسي دون أن يسعى لتغيره من فوق أو بالقوة.

ينتمي “غولن” التركي المولد والذي يعيش الآن في منفاه الإرادي في أميركا، إلى مدرسة المفكر الصوفي “بديع الزمان سعيد النورسي” (1877-1960)، المُنشئ للطريقة الصوفية المسماة بالنورسية. وقد راكم قوته الاجتماعية من خلال قطاع التعليم الذي عمل فيه منذ السبعينيات عبر إنشاء المدارس ودور الطلبة، ثم تمدد نفوذه إلى قطاع رجال الأعمال الأناضوليين والقطاع الإعلامي. كذلك استفادت حركته، المعروفة باسم “حزمت”، بين العام 2004 إلى الأمس القريب، من تحالفها مع حكم “أردوغان” في مواجهة المؤسسة العسكرية، لتتغلغل في أجهزة الدولة كالشرطة والقضاء والإدارة بشكل عام. حتى باتت “دولة ضمن الدولة” كما يحب الإعلام توصيف الجماعة، إشارة منه إلى قدراتها في تركيا ونفوذها فيها.

مظاهرة ضد الإسلاميان الأقوى في تركيا من بقايا اليسار التركي

مظاهرة ضد الإسلاميان الأقوى في تركيا من بقايا اليسار التركي

يعتبر “غولن” بأن الشعور الديني والنشاط الاجتماعي يسيران معاً في تناغم، كما يرى أنهما يتلائمان من دون وجود تناقض أو صراع بين القيم الثقافية الدينية والحقائق العلمية. كذلك يركّز على البعد الاجتماعي لأتباعه مبتعداً عن الانخراط في العمل السياسي بشكل صريح. بالإضافة إلى أنه لم يسعَ لبناء أو تبني إيديولوجية دينية أو سياسية محددة، بل سعى من خلال قوته الاجتماعية والمالية والمؤسساتية التي راكمها على مدى السنوات، إلى إظهار نموذج جديدٍ للإسلام في تركيا يتلاءم مع شروط الحداثة.

وتبعاً للتجربة التركية الحديثة، يعتبر “غولن” أن الإسلام التركي استطاع أن يكون حداثياً لأنه “طُعم” بالوطنية التركية، بينما لا يمكن بالنسبة له أن يكون الإسلام الفارسي أو العربي كذلك. فتختلف هذه النظرة الخاصة للتجربة الإسلامية التركية، مع نظرة “أردوغان”، ذو الخلفية الصوفية النقشبنديّة، حول مسألة الإسلام والحداثة. إذ يعتبر الأخير أن الإسلام يمكنه أن يكون حداثياً بغض النظر عن انتماءاته القومية.

كذلك يختلف الاثنان في النظرة للعلويين الأتراك (Alevis)، وهم غير العلويين العرب الموجودون في سوريا، حيث يعبّر”غولن” عن تأييده مطالبهم الثقافية والدينية في نظرة تسامح تجاههم، لاعتبارهم أتراكاً في القومية بالدرجة الأولى بغض النظر عن العامل الديني المختلف. في حين لا يبدي “أردوغان”استعداداً للاعتراف بهم كأكبر أقلية دينية ذات استقلال في إدارة شؤونها في تركيا، أو حتى بتصنيف أماكن عباداتهم بالأماكن الدينية.

أما في النظرة إلى الأكراد، فيبقى “غولن” مختلفاً معهم حول مطالبهم السياسية والثقافية لسبب اختلافهم القومي عن الأتراك. بينما لا يمانع “أردوغان” التعامل معهم تبعاً لانتمائهم الديني حصراً.

أما خارجياً، فإن “غولن” قليل التأيد والإعجاب بمد نفوذ تركيا في الشرق، بالرغم من استفادة حركته من النفوذ التركي لتوسيع نشاطاتها التعليمية خارج تركيا. كذلك فهو لا يؤيد السياسة “النيو-عثمانية” المتبعة من قبل “أردوغان” الساعية إلى عودة تركيا إلى الشرق بكل نفوذها السياسي وتأثيرها الثقافي. بينما يفضل “غولن” الانفتاح فقط على الجمهوريات التركية التي تسكنها شعوب ذو أصول تركمانية (أذربيجان، كرغزستان، كازاخستان، تركمنستان، أوزبكستان وجمهورية قبرص التركية). كذلك لم يتوانَ “غولن” في انتقاد سياسة رئيس الحكومة التركي في سوريا في أكثر من مناسبة، ملمحاً إلى فشلها وتأثيرها السلبي على التعايش بين الأتراك.

من ناحية أخرى فإن “غولن” يبدو أكثر حماساً في توجه تركيا إلى أوروبا، ويسعى جاهداً إلى تسهيل دخولها إلى الإتحاد الأوروبي عبر لقاءات له تحت عنوان “حوار الأديان” من جهة، إضافة لربط الاقتصاد التركي أكثر بالاقتصاد الأوروبي عبر تأثيره على تجمعات رجال الأعمال الأتراك. بينما لا نلمس حماساً “أردوغانياً” هذه الأيام في التوجه أكثر صوب الغرب، بالرغم من أنه لم يتخلَ عن هدف الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولو أنّ عملية الدخول إليه تباطأت بشكلٍ كبير. فأردوغان يعتمد سياسة مدّ اليد إلى الشرق من دون أن يدير ظهره إلى أوروبا، بينما لغولن نظرة أخرى تعتبر أن تركيا كانت دائماً جزءً من الغرب ويجب أن تبقى كذلك.

sufi dancing

suffi dancing

مقارنة بين الرجلين، يبدو “أردوغان” أكثر إهتماماً لإعلاء شأن تركيا ونفوذها الخارجي في الشرق، وأكثر تركيزاً على الإسلام السياسي كعامل يحدد سياسته وعلاقته في الدول والشعوب المحيطة، ومرد ذلك الى إنتماءه الى الطريقة الصوفية النقشبندية ذات الأصول والإمتدادات العربية. بينما، يبدو “غولن” أكثر انفتاحا على الصعيد الديني، لكن أكثر تشدداً على الصعيد القومي، تبعاً لإنتماءه للطريقة النورسية ذات المنشأ والإنتماء التركيين.

تتعدد الاختلافات النظرية بين الرجلين، لكن يبقى خلافهما رهن التطورات السياسية في تركيا مع اقتراب الانتخابات المحلية في آذار المقبل، لنرى مدى تأثير هذا الصراع على الناخبين والجمهور التركي. كذلك يُبرز هذا الصراع الإسلامي – الإسلامي التركي، نمطاً مغايراً عن الصراعات الإسلامية الدموية التي يعيشها المسلمون في الشرق العربي والفارسي بشكل عام. وكما كان الإسلام التركي عاملاً حداثياً في بناء تركيا الجديدة منذ عقد إلى الآن، تبقى القوى الإسلامية التركية لحظة خلافاتها، خصماً “شريفاً”، لا يتعدى الإختلاف الفكري والسياسي بين قواه إلى حدّ الاقتتال الأخوي.. أقله إلى الآن.

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

مقالات عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور عن الحرب الأهلية اللبنانية هنا

صراع “أردوغان” و”غولن”.. و”الحليف” اللدود

جو حمورة

لم تكن نهاية العام 2013 سعيدة لرئيس الحكومة التركية، ولا يبدو أن العام الحالي سيكون كذلك. فصراعاً مستجداً لرجب طيب أردوغان مع جماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، بدأ يهدد شعبيته. كذلك فإن غياب دعم رئيس الجمهورية التركية “عبدالله غول” له، قد يقوّض سلطته.

ما بدأ على شكل مشروع حكومي لإغلاق المدارس التحضيرية في تركيا الشهر الماضي، والتي تعود ملكية معظمها لجماعة “غولن”، سرعان ما تحول إلى أزمةٍ مفتوحة بين “أردوغان” والجماعة. فانتهى بذلك تحالفهما الناجح، الذي استطاع تقليم أظافر الجيش التركي عبر إخراجه من الأروقة السياسية وإعادته إلى ثكناته العسكرية.

رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والداعية الإسلامية فتح الله غولن أيام التحالف.

رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والداعية الإسلامية فتح الله غولن أيام التحالف.

رداً على مشروع إغلاق مدارسها، سربت الجماعة للإعلام فضائح فساد مالية تطال مقربين من الحكومة، بينهم أبناء ثلاثة وزراء وابن “أردوغان” بلال. فاستعرت الاتهامات “التخوينية” بين الطرفين، خاصة وأن معظم الإعلام التركي واقع تحت سيطرة الحزب الحاكم أو تعود ملكيته لجماعة “غولن”. أما القسم العلماني من الإعلام، فدخل معركة الاتهامات إلى جانب الأخير، معتبراً أن فرصة الانقضاض على الحزب الحاكم بدت سانحة أكثر من أي يومٍ مضى. فتكللت تباشيرها الأولى باستقالة ثلاثة وزراء من الحكومة وسبعة نوابٍ من الحزب، وبضعة مظاهرات ليلية تندد بفساد الدولة.

استوجب استقالة الوزراء تغير “أردوغان” لحكومته، فانتقل معها الصراع بين الطرفين إلى مستوى آخر. حيث عمدت إلى نقل وطرد مئات رؤساء الشرطة والإداريين الموالين للجماعة، بعد أن تغلغل أنصارها إلى أجهزة الدولة المختلفة مستفيدة من تحالفها مع الحزب الحكم سابقاً، حتى باتت توصف “بالدولة ضمن الدولة”.

وعلى الرغم من قدراتها الشعبية والانتخابية المحدودة، إلا أن قوة جماعة “غولن” الحقيقية تبرز من خلال شبكة نفوذها في تركيا، والتي عملت ضمن نمطٍ متكامل في استغلال كل ما تملك لمحاربة السلطة خلال الشهر الماضي. فكان “إداريوها” يسربون قضايا الفساد الحكومي لإعلامها، ثم تقوم “شرطتها” بالقبض على الموالين للحكومة ليعودوا ويحولوهم إلى “قضاتها”. ما استدعى ضغطاً حكومياً على القضاء التركي بعد تسريبه تفاصيل التحقيقات في قضايا الفساد، تبعه موقفٍ يتيم من الرئيس التركي مطالباً بعدم تدخل السياسة في عمل القضاء. فشكل هذا الموقف “الحيادي” لرئيس الجمهورية “الحَكَم”، مع ميلٍ لصالح كشف كل المتورطين في أزمات الفساد، ما يمكن وصفه بنقطة تحول في خطابه المعتاد على دعم الحكومة وحليفه “أردوغان”.

أما الخلاف بين الجماعة وأردوغان، وعدى الصراع على النفوذ، فيعود في عمقه، إلى الخلاف بنظرتهما للإسلام وعلاقة القوى الدينية والقومية في تركيا، ودور الدولة الخارجي.

للجماعة خلفية نورسيّة، وهي الطريقة الصوفية “المطَعّمة” بالوطنية التركية، والتي ترى، حسب “غولن” نفسه، أن الإسلام التركي حداثي لأنه تركي، بينما الإسلام العربي والفارسي لا يمكنه أن يكون كذلك. فتختلف هذه النظرة الخاصة للتجربة الإسلامية مع توجه”أردوغان” ومعظم حزبه، ذو الخلفية الصوفية النقشبنديّة، الذي يرون أن الإسلام يمكنه أن يكون حداثي بغض النظر عن الوطنية.

كذلك يختلف الاثنان في النظرة للعلويين الأتراك، حيث يعبّر”غولن” عن تأيده لمطالبهم، في حين لا يبدي “أردوغان” استعداداً للاعتراف بهم كأقلية دينية مستقلة في تركيا. كذلك، يبقى “غولن” بعيداً عن الأكراد ومختلفاً مع مطالبهم السياسية والثقافية لأسباب قومية، بينما لا يمانع “أردوغان” التعامل معهم تبعاً لانتمائهم الديني حصراً.

هذه الاختلافات الفكرية بين الفريقين الإسلامييّن الأقوى في تركيا، تصبح مثيرة عند مقارنتها بانتماء وآراء “غول”. إذ يبدو بمواقفه الأكثر اعتدالاً إسلامياً، وتعاطفاً مع العلويين وغير المكترث لنفوذ تركيا عند العرب، أقرب إلى “غولن” منه إلى “أردوغان”. وجميعها أسباباً كافية لعدم دخوله طرفاً في الدفاع عن الأخير.

سبب آخر قد يكون الدافع في تريث “غول” وابتعاده التدريجي عن “أردوغان”، ويعود إلى أن الأخير ينوي الترشح لرئاسة الجمهورية التركية في الصيف المقبل. وهو الأمر الذي يحق دستورياً للرئيس الحالي أيضاً.

فتبعاً للنظام الداخلي لحزب “العدالة والتنمية”، لم يعد يحق لرئيسه الترشح لولاية نيابية أخرى، في بلدٍ يكون فيه رئيس أي حكومة هو ذاته رئيس أكبر كتلة نيابية. كذلك فقد عبّر “أردوغان” علناً، ولأكثر من مرة، عن أن لا رجوع عن النظام الداخلي لحزبه. فبات الرجل الأقوى في تركيا أمام حلين لا ثالث لهما، فإما أن يخوض الانتخابات الرئاسية أو اعتزال العمل السياسي. ما يعني، أن احتمال منازلة الرئيسين الحاليين في الصيف المقبل على موقع رئاسة الجمهورية، قد بات شبه مؤكد.

قبل موعد هذه الانتخابات المنتظرة، والتي ستكون عبر الانتخاب المباشر لأول مرة في تاريخ تركيا، لرئيس الحكومة وحزبه موعد مع الانتخابات المحلية في الـ 30 من آذار المقبل. والتي تحمل طابع الأهمية في مستقبل تركيا، لأنها ستكون مقدمة لمعرفة نبض الشارع التركي تجاه استمرار حكم الحزب الحاكم، ومؤشراً مهم لمدى قبول “أردوغان” ليكمل حكمه مستقبلا في السدة الرئاسية الأولى. لذلك لا يبدو أن “غول” مستعداً لإنقاذ “حليفه” من ورطته قبل الانتخابات، فوصول “أردوغان” إلى انتخابات رئاسة الجمهورية منهكاً وفاقداً للكثير من شعبيته يصبّ في مصلحته.

تتجمع المؤشرات بأن مستقبل “أردوغان” السياسي بات في خطر، خاصة أن الصراع الحالي بين الحزب الحاكم وجماعة “غولن” سيكون وقعه جلياً في صناديق الاقتراع، بعد تسريب نيتها مقاطعة الانتخابات على الأقل، بعد أن كان أعضاءها يدعمون مرشحي الحزب في كل استحقاق انتخابي. كذلك، فإن تحالف حزب “الشعب الجمهوري” العلماني والمعارض الأساسي مع بعض الأحزاب الكردية والشبابية في المدن الكبرى، قد بات قيد التداول، ما يشكل خطراً على إمكانية نجاح الحزب الحاكم أو أقله يجعله يحقق فوزاً عادياً، قبل المنازلة بين “الحليفين” اللدودين في الصيف المقبل.

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور عن الحرب اللبنانية هنا

مقالات عن تركيا