تعاون تركي – روسي في إدلب

جو حمورة

123

منذ ثلاثة أشهر فقط، رفضت تركيا طلباً روسياً بنشر مراقبين دوليين على حدودها مع سوريا. كان هذا الرفض الذي لطالما تردد على لسان المسؤولين الأتراك في ذروة الخلاف التركي – الروسي، كما قبل زعزعة استقرار أنقرة عبر المحاولة الانقلابية الفاشلة. إلا أن المصالحة التي تمت بين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، فتحت باب النقاش أمام تلبية بعض الطلبات الملحّة بين الجانبين، خصوصاً وأن وضع كل منها لا يبدو في أفضل حال.

بعد المصالحة تغيّر الموقف التركي، وأعلن وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، في 15 آب، أن “تركيا وعدت بدراسة مسألة إقامة رقابة دولية على الحدود مع سوريا.. من أجل عدم السماح باستخدام الممرات الإنسانية لتعزيز مواقع الإرهابيين”. كما أكد على أن هذا الموضوع كان حاضراً على الطاولة خلال المحادثات التي أجراها بوتين مع نظيره التركي، محدّداً المعابر الحدودية بتلك المرتبطة بمحافظة إدلب.

قد يكون الوعد “الأردوغاني” مجرد ذر للرماد في عيون الروس، إلا أنه يشكّل المسألة الأولى التي أبرزت تغيّراً في موقف أنقرة بعد المصالحة مع موسكو. غير أن هذا التغيّر المحدود في الموقف لا يعني أنه قابل للتعميم والتطبيق على كل المسائل الأخرى، إلا أنه لا ينفي، في الوقت عينه، أن المواقف التركية الرسمية تشهد تغييرات دراماتيكية متلاحقة منذ فترة وجيزة.

من هذه التغيرات كذلك، طرح رئيس الحكومة التركية، بن علي يلدريم، خارطة طريق من ثلاثة مراحل لحلّ الأزمة السورية. وتقوم الأولى على رفض مشاركة القوات الكردية في أي مفاوضات لحلّ سلمي، كما السعي لإضعافها وإضعاف “الدولة الإسلامية” وبقية المنظمات الإرهابية بالتعاون مع روسيا والتحالف الدولي. في حين تقوم المرحلة الثانية على إقرار نظام سياسي جديد “يؤمن العدالة بين الطوائف والإثنيات المكوّنة للشعب السوري”، والتي تُبقي الرئيس السوري “لمرحلة وجيزة في السلطة”، بحسب يلدريم. أما المرحلة الثالثة فتقوم على إعادة إعمار سوريا، وعودة اللاجئين إليها على دفعات.

وعلى الرغم من أن هذه المبادرة قد لا يُكتب لها أي نجاح، تماماً كعشرات المبادرات التي سبقتها، إلا أنها تبقى مميّزة لأنها صادرة عن الجانب التركي. كما لأن بقاء الأسد لمرحلة انتقالية هو واحد من الشروط الروسية الأساسية للقبول بأي حل للأزمة السورية. وما الموقف التركي الجديد، في توقيته وموضوعه، إلا تلبية لطلب الجانب الروسي، أو ثمناً باهظاً للمصالحة معه.

هذا في السياسية، أما في الميدان فقد كثفت الطائرات الروسية من غاراتها الجوية النوعية على مواقع الفصائل المقاتلة في محافظة ومدينة إدلب، على الرغم من أن المعركة الأساسية تخاض حالياً في مدينة حلب. هذا في وقت نشرت العديد من الصحف التركية والدولية أخباراً عن نيّة أنقرة إغلاق معبر “باب الهوى” الذي يربط محافظة إدلب بالعالم الخارجي كجزء من التوافق مع روسيا. وهذا ما عزز فرضية بداية تعاون روسي – تركي في محافظة إدلب مقابل غض طرف روسي عن معركة حلب حيث استطاعت المعارضة كسر الحصار عنها، والسيطرة على بضعة مراكز مهمة تابعة للجيش السوري.

من ناحية أخرى، يقابل هذه التغييرات التركية طلبات مضادة موجهة إلى روسيا. ومنها تقليص الرعاية للقوات الكردية ولحزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي تصنّفه تركيا بالمنظمة الإرهابية. وبالفعل، قامت روسيا بإغلاق المكتب التمثيلي لحزب “الاتحاد الديمقراطي” في العاصمة موسكو. إلا أن ذلك لم يؤثر على تقدم الأكراد شمال سوريا، واستطاعوا السيطرة مؤخراً على مناطق جديدة، كان أبرزها مدينة منبج التي انتزعوها من أيدي “الدولة الإسلامية” بدعم أميركي واضح ومعلن.

وتشكّل القوات الكردية المدعومة من روسيا والولايات المتحدة الأميركية قلقاً حقيقياً لتركيا يوازي بأهميته ما يجري في مدينة حلب. خاصة وأن الأكراد أبرزوا قدرتهم مراراً وتكراراً على الهجوم والسيطرة، ومن ثم طرد العرب والتركمان والفصائل الموالية لأنقرة من مواقعهم وقراهم شمال سوريا.

قد تبقى العلاقة المستجدة بين تركيا وروسيا بعد المصالحة قابلة للمزيد من التعاون، كما عرضة الفتور بسبب كثرة المصالح المتناقضة بينهما، خصوصاً في الميدان السوري. غير أن الأكيد أن هذا التعاون الثنائي قد بدأ يأخذ شكله تدريجياً وهو يوسع من أعماله، وربما سيصل بسوريا إلى حلٍّ للأزمة فيها. إلا أن الحلّ، إن تم يوماً بتوافق روسي – تركي، لا يعني أنه سيأخذ مصالح القوى المحلية السورية بعين الإعتبار، بل ستدفع الكثير منها ثمناً لهذا التوافق، وخصوصاً الأكراد و “الدولة الإسلامية”، كما الفصائل المقربة من تركيا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1573.

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan, özel uçak TUR ile Azerbaycan’ın başkenti Bakü’ye gitti. (Aykut Ünlüpınar – Anadolu Ajansı)

 

من أكبر جنرال في الجيش إلى أصغر موظف في اتحاد كرة القدم التركي، لم تسلم جمعية أو اتحاد أو مؤسسة، رسمية وخاصة، من تغيير طالها في الفترة الماضية. أتى الانقلاب الفاشل كهدية للحكومة على طبق من فضة، وقدم لها إمكانية تغيير موظفيها بسهولة، كما فتح الباب أمامها لإعادة هيكلة المؤسسات وطرد من لا يواليها، تحضيراً لبسط نفوذها على مؤسسات الدولة كما على القطاع الخاص.

لا حكومة شرعية تريد انقلابيين يسعون لزعزعة استقرار البلاد في داخلها، ولا حكم تعرض لمحاولة انقلاب عنفية يتساهل، مبدأياً، في التعامل مع أخصامه. إلا أن كثرة الذين تعرضوا إلى العقاب، أكان عبر الاعتقال أو الإعفاء أو الفصل، تُبرز أعمال الحكومة كأنها قمعية وانتقامية أكثر من كونها دفاعاً عن أمن الأتراك وصوناً للقانون. من ناحية أخرى، ورغم ضخامة عدد الذين تمت معاقبتهم، والسرعة في انتقائهم، يبقى التغيير الأساسي هو الذي تعرّض وستتعرّض له أنظمة أعرق وأكبر الأجهزة الرسمية التركية.

المؤسسات العسكرية والأمنية والجهاز القضائي هي التي لديها، مقارنة مع بقية أجهزة الدولة، أكبر هاشم من الحرية في التصرف والعمل. فأنظمتها السابقة كانت تعطيها القدرة على العمل غالباً بعيداً عن أعين الدولة والحكومة، وتتمتع بقدرة على مزاحمة السلطة السياسية والتغريد خارج سرب قراراتها. في حين أن الانقلاب الفاشل فتح الباب أمام إعادة هيكلتها، وربط أنظمتها أكثر بالسلطة السياسية المركزية لتكون جزءاً منها وليس كمنافسة لها.

في هذا المقال نلقي الضوء على آخر عمليات معاقبة الانقلابيين وموظفي الدولة في تركيا، كما التغييرات التي طالت المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية. هذا بالإضافة إلى قضايا قانونية أخرى مثل السعي إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وقضية تسليم الولايات المتحدة الأميركية للداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

الطرد القانوني غير أخلاقي.. أميركا لا تسلم غولن

مع مرور أكثر من شهر على فشل المحاولة الانقلابية لم ترسِ التقارير القادمة من تركيا على رقم نهائي للمحجوزين والمطرودين. إلا أن الرقم الرسمي الأخير الذي أعلنه وزير الداخلية التركي “أفكان علاء” في 11 آب / أغسطس أشار إلى أن عدد المطرودين من وظائفهم قد بلغ 76 ألفاً، كما تم احتجاز 5171 شخصاً وألقي القبض على حوالى 17 ألف آخرين[1].

قد تبدو هذه الأرقام الضخمة مفاجئة لشعوب الدول الصغيرة المجاورة للدولة التركية، إلا أن هذه الأخيرة توظّف حوالى 150 ألفاً في السنة الواحدة، كما إن أعداد موظفيها الإجمالي يصل إلى عدة ملايين، فتكون بالتالي نسبة المطرودين بسيطة جداً بالمقارنة مع العدد الإجمالي. من ناحية أخرى يُشكل طرد الموظفين جماعياً “تقليداً” تركياً يتم دائماً بعد العمليات الإنقلابية، ولم يكن آخره اعتقال أكثر من 120 ألف شخص من “غير المرغوب بهم”  بعد انقلاب العام 1980 بأشهر قليلة[2]، وبضعة عشرات آلالاف بعد انقلاب العام 1997.

هذا التخفيف من حجم الطرد الجماعي لا يبرر فعله على جميع الأحوال، ولا هو إقرأ المزيد

المعارضة “تبايع” أردوغان.. البحث عن شريك دولي جديد

جو حمورة

5_d

مع مرور شهر كامل على المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، يمكن القول أن الأزمة الناتجة عنها قد شارفت على النهاية. في الداخل، سيطر الحكم على المؤسسات العسكرية، وأحكم قبضته على كامل الأجهزة الإدارية والقضائية، وبات الآن يتحضر للعب دور جديد في الخارج لن تكون روسيا إلا شريكاً أساسياً فيه.

أكثر من 5 ملايين تركي تجمعوا في الساحات للقول “لا للإنقلاب ونعم للديمقراطية” في 8 آب الحالي تلبية لدعوة الرئيس رجب طيب أردوغان. لم يكن هذا التجمع استثنائياً من ناحية حجمه فقط، إنما، كذلك، بنوعية الضيوف والمشاركين فيه. إذ حضر اللقاء مناصرو الحزب الحاكم كما معظم أحزاب المعارضة، بالإضافة إلى من بقي في الخدمة من جنرالات الجيش التركي وكبار الموظفين، ووقفوا جميعاً جنبياً إلى جنب تحت عباءة رجل تركيا الأقوى.

تكلم الرئيس التركي لساعات طويلة أمام الحشود المنتمية لمختلف الأحزاب. وهو الأمر الذي يشكّل بحد ذاته ظاهرة استثنائية، إذ يبقى لقاء الأحزاب في تحركات شعبية مشتركة أمراً نادراً جداً، ولا يتم إلا في الأعياد الوطنية وغالباً بأعداد ضئيلة. وشهد التجمع – الحدث غياباً وحيداً عكّر بريق الصورة الوطنية الجامعة، وتمثل بعدم دعوة حزب “الشعوب الديمقراطي” الكردي الممثل في البرلمان، والذي استُثني من دعوة “الدفاع عن النظام الديمقراطي” كما بقية الأتراك.

إلا أن فقدان القطعة الكردية من اللوحة التركية الوطنية لم تعنِ فشل التجمع، إنما أثبت هذا الأخير بطريقة تنظيمه وضيوفه وكلماتهم عدة حقائق باتت مؤكدة. ومنها أن أردوغان نقل موقع رئاسة الجمهورية من موقع بروتوكولي جرده الدستور من صلاحيات حقيقية إلى الحجر الأساسي في النظام السياسي، بل بات بحكم شخصيته وشعبيته وسيطرته على دوائر القرار في حزب “العدالة التنمية” والحكومة بصفة الحاكم بأمره. كما وضع الرجل معظم أحزاب المعارضة، العلمانية والقومية منها، تحت جناحه، بحيث باتت تردد خطابه وتعيد ما ينطق به دون أن تدري. وبدل الحياد عن المعركة الدائرة بين الحكومة التركية وجماعة الإنقلابيين مثلاً أو أخذ موقف متمايز عنهما، التحقت أحزاب المعارضة بالسلطة وراحت تدافع عنها وتغدق عليها النعوت الحسنة، فباتت لاعباً مساعداً لا أساسياً في المعركة الدائرة بين الشرعية وجماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” المتهم بقيادة الإنقلاب الفاشل.

لا شك في أن تراجع تأثير المعارضة التركية من ناحية، وقدرة الحكم على طرد واعتقال آلاف المناوئين له من ناحية أخرى، قد جعلت من أردوغان والحكومة التركية يشعران بالراحة الآن بعد تحسسهما قرب دنو أجلهما ليلة الإنقلاب. فالملايين المؤيدة للشرعية، وقدرة الحكم على التصرف حسبما يشتهي داخلياً ستجعله، بعد فترة، أكثر حرية وقدرة في التصرف في الخارج، وهذا دون خوف من أزمة سياسية محلية أو تقاعس جنرالات عن تنفيذ أوامر السلطة السياسية.

خارجياً، تتحضر تركيا للعب دور جديد في محيطها. لن تتخلى عن سياسة “التنسيق الدائم” مع الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الإقليمية بطبيعة الحال، إلا أن البحث عن شريك دولي جديد بات أكثر من ضرورة. فرفض أميركا تسليم “غولن” إلى السلطات التركية، والتردد في إدانة المحاولة الإنقلابية، كما كثرة الانتقادات لسياسة أردوغان الداخلية جعلت من العلاقة الطيبة معها بالنسبة للأتراك موضوع شك.

وفي أول زيارة له إلى الخارج بعد المحاولة الانقلابية قام الرئيس التركي بزيارة نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وكان قد سبقها تبادل المكالمات الهاتفية الودية بين الجانبين، كما رفع العقوبات التي فرضها كل طرف على البلد الآخر، بالإضافة إلى خروج وزيري خارجيتي تركيا وروسيا من لقائهما الأخير بانطباعات إيجابية كانت غائبة منذ سنوات عن العلاقة بين البلدين.

من الناحية التركية، تأخذ عملية إصلاح العلاقة مع روسيا صفة الإستعجال والضرورة. فإزعاج وإبتزاز الولايات المتحدة ورئيسها العتيد في الشرق لا يمكن أن تتم في فترة توتر العلاقات مع روسيا. كما إن أنقرة بحاجة إلى موسكو لخلق التوازن مع الإتحاد الأوروبي، خاصة وأن التسويات المتعلقة باللاجئين ومسيرة الإنضمام إلى الإتحاد الأوربي متعثرة اليوم أكثر من أي يومٍ مضى، وهذا وسط بلوغ الانتقادات الأوروبية لتركيا وساستها مرحلة الذروة. بالإضافة إلى أن الأحداث المتلاحقة في سوريا قد أثبتت أن روسيا لن تغادرها قريباً، وإن الحرب لن تنتهي بغالب ومغلوب، إنما عبر تسوية دولية وإقليمية لا يمكن أن يكون الروس والأتراك إلا عرابيها الأساسيين من أجل ضمان نجاحها.

أما من الناحية الروسية، فالمصالحة مع الجارة التركية لا تبدو سيئة كذلك. إذ أن العقوبات الدولية المفروضة عليها، والحساسيات الدائمة مع الاتحاد الأوروبي، كما تقهقر حليفها السوري في مدينة حلب ومناطق أخرى تجعل من التلاقي مع الأتراك أمراً مفيداً. هذا في وقت يبقى السوق التركي المكان الأحب إلى قلب الروس لتصريف إنتاجهم الغازي والنفطي وضخ العملة في اقتصادهم المهترئ، كما “الشريك” الذي يمكن التكلم معه عقلانياً لحل المشاكل الناتجة عن صعود الإسلام العنفي في آسيا الوسطى وداخل جمهوريات روسيا الاتحادية.

ولكن السؤال الأبرز يبقى حول انعكاس التلاقي الروسي – التركي على الوضع في سوريا. خصوصاً بعد توجيه انتقادات إلى حجم التدخل الروسي في معركة حلب وتحميل موسكو جزءاً من المسؤولية حول الاختراق الذي حققته المعارضة. فهل سيكون هذا التلاقي على حساب النظام السوري ككل، أم إن التسوية الأساسية القاضية بمغادرة بشار الأسد وبقاء نظامه ستوافق عليها تركيا؟

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1572.

تركيا – روسيا: مصالحة ومصالح

جو حمورة

putin-and-erdogan-660x330

خفتت أصوات الأتراك المنددة بالسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والسياسة الروسية في سوريا، وحلت مكانها تعابير المصالحة والإنفتاح والتعاون. يومان فقط كانا كافيين ليتساءل الجميع حول ما يجري في أنقرة، وكيف تحوّل “العدو” الإسرائيلي إلى طرف يمكن التعاون معه، والخصم الروسي إلى شريك اقتصادي وسياسي مهم ودائم؟

غلبت الواقعية السياسية على المثاليات في سياسة تركيا الأخيرة بعدما تحوّلت في الأشهر الماضية إلى متفرج على الأحداث في العراق وسوريا وفلسطين من دون أن تكون لاعباً موازياً للاعبين الإقليميين الآخرين. فالعزلة التي وضعت تركيا نفسها فيها نتيجة الرهان على المعارضة السورية المعتدلة حيناً والإسلامية أحياناً، أضرت بمكانتها الشرق أوسطية، كما أدت إلى تعرض مصالحها الإقليمية للخطر، ونقلت المخاطر الإرهابية إلى داخلها.

وكان الإنفجار الذي وقع في مطار “أتاتورك” الدولي في 28 حزيران الماضي دليلاً على أن الإرهاب ما عاد في حدائق تركيا الخلفية، بل بات في عقر دارها. كما بات الإرهاب خطراً مشتركاً ومتفلتاً من كل ضوابط، ويدعو تركيا وروسيا إلى التعاون لمواجهته، خصوصاً أن المهاجمين الثلاثة على مطار “أتاتورك” جاؤوا من روسيا ودول آسيا الوسطى الدائرة في فلكها والتي تشهد صعوداً للمشاعر الدينية والحركات الإرهابية في الفترة الأخيرة.

الإرهاب المتنقل بين بلد وآخر بات مصدراً حقيقياً لعدم الإستقرار، وخطراً يهدد كل المعنيين في الحرب السورية، ويشكل سبباً أساسياً للتقارب بين الأتراك والروس غير المعفيين من تحمل أوزاره. كذلك الأمر، شكلت عوامل أخرى أسباباً توازي العامل الإرهابي في تحفيز التقارب التركي – الروسي الأخير، وفي إسراع الطرفين للخروج من عنق الزجاجة، ونسيان حادثة إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية فوق أراضيها في تشرين الثاني الماضي.

وتشكّل الحرب السورية الميدان الأساسي للخلاف التركي – الروسي، فكل منهما يقف، سياسياً، على نقيض من الآخر. كما أن دخول موسكو على خط العمل العسكري المباشر في سوريا لم يحافظ على مصالح أنقرة الإقليمية فيها. فعلى العكس من حالة كلٍ من إسرائيل وإيران، لم يحفظ التدخل الروسي مصالح تركيا، أكان في مهاجمته مراراً للميليشيات التركمانية والفصائل المعارضة الحليفة لتركيا، أو في دعمه للمساعي الإستقلالية للأكراد في شمال سوريا. في حين حافظت روسيا، بعد تدخلها العسكري، على قدرة الإيرانيين ليكونوا لاعبين أساسيين في سوريا، كما على مصالح إسرائيل في إبقاء المناطق القريبة من حدودها آمنة وهادئة.

على أن إعادة العلاقات الروسية – التركية الطبيعية سينعكس على الأرض السورية بحيث أن موسكو ستأخذ بحساباتها مصالح أنقرة الإقليمية الآن، فتخفف من مهاجمة الفصائل المعارضة القريبة منها. وهذا ما كان قد أعلن عنه تلميحاً وزير الخارجية التركية مولود تشاويش أوغلو خلال لقاءه نظيره الروسي سيرغي لافروف حيث رأى أنه “لا خلاف بين روسيا وتركيا في تحديد مفهوم الإرهاب”، مشيراً إلى أن بلاده تعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية” و “جبهة النصرة” تنظيمين إرهابيين.

من ناحية أخرى يحمل التقارب التركي – الروسي خبراً سيئاً لأكراد سوريا، فالدعم السياسي والعسكري الذي تلقوه من روسيا قد يتعرض للتراجع في الأيام الآتية. وذلك أكان للحساسية التركية تجاه المساعي الإستقلالية الكردية، أم لأن المعارك الأساسية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” تتركز الآن في العراق بشكل أساسي ولا ضرورة قصوى لدعم أكراد سوريا كما درجت عليه العادة.

وفي إنتظار تبلور صورة للعلاقات المستجدة بين الدولتين، وربما عملهما مستقبلاً على تسوية ما للحرب السورية، تستفيد تركيا الآن من رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا عليها. ومنها إعادة السماح بالرحلات التجارية والسياحية إلى تركيا، ورفع العقوبات على دخول الخضروات والفاكهة التركية إلى أسواقها الداخلية، وهي عقوبات أضرت بالإقتصاد الروسي المتهالك أكثر مما أضرت بالإقتصاد التركي على جميع الأحوال.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1568.