ترامب في تركيا: من عدو المسلمين إلى حليف محتمل

جو حمورة

3500

تتلاحق المواقف المشجعة والمتشائمة من فوز دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وكان آخرها سلسلة مواقف من القيادة السياسية التركية بدت غير اعتيادية بتوقعاتها وتمنياتها. وكعادتها، أبرزت هذه الأخيرة ميلاً للإستفادة من كل حدث يجري في العالم، وبدت منفتحة لإعادة العلاقات التركية – الأميركية إلى سكتها الطبيعية، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد شهدت توترات كثيرة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

خلال السنة الماضية “إفترق” الحليفان التاريخيان لبعض الوقت، وراح كل منهما في طريقه لحل مشاكله الخاصة أو إعادة إنتاج دور له في السياسة الإقليمية والدولية. بالنسبة لتركيا، شكل التردد الأميركي في محاربة النظام السوري، ومنع تركيا من القيام بالأمر مباشرة، سبباً أساسياً لتزعزع العلاقة بين أنقرة ووشنطن. ثم كانت محاولة الإنقلاب العسكرية ليل 15 تموز، والتي اتهمت تركيا الولايات المتحدة بالوقوف وراءها، وذلك بسبب حمايتها لمنفذ الإنقلاب الداعية الإسلامي فتح الله غولن. فما كان من أنقرة إلا أن أدارت ظهرها لواشنطن وراحت تطرق أبواب موسكو، فتلقف الدب الروسي الذئب التركي “المغدور” من أميركا، وتوافقا على إعادة علاقاتهما الوثيقة، أكان في الاقتصاد أو في السياسة أو حتى في الحرب في سوريا. كما اقتنص الحكم التركي فرصة محاولة الانقلاب، وعمل على إنهاء كل النفوذ السياسي والديني والإجتماعي الذي بناه فتح الله غولن على مدى العقود الماضية.

وشكل هذا الأخير مثار جدل وخلاف بين واشنطن وأنقرة بسبب استمرار إقامته في ولاية بنسلفانيا إلى اليوم، وعدم رغبة أميركا بتسليمه إلى السلطات التركية. إلا أن ترامب، ومساعديه، لهم آراء أخرى بدت في مضمونها أقرب إلى تحقيق مصالح تركيا من تلك العائدة للمرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون. ومنها تصريح ترامب الذي قال فيه أنه معجب بسياسة وحنكة وجرأة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب قدراته الكبيرة التي أبداها خلال مواجهته محاولة الإنقلاب، دون أن ينسى التذكير بأهمية العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدين وتاريخهما التعاوني العائد إلى خمسينيات القرن الماضي.

ولترامب عدة استثمارات في تركيا، ومنها برجان تجاريان ضخمان في وسط اسطنبول. إلا أن الحساسية الإسلامية الزائدة لدى القيادة التركية، ورفضها لتصريحات ترامب السابقة التي رأتها معادية للإسلام، لم تدفعها صوب التودد لترامب قبل الإنتخابات. وخلال تلك الفترة، دعا الرئيس التركي، بموقف أقرب إلى الشعبوية منه إلى السياسة المتزنة، إلى إزالة إسم ترامب عن واجهات الأبراج التي يملكها في إسطنبول. ولأن السياسة التركية يمكنها التعايش مع كل المتغيرات وتفتقد للثوابت والوضوح، بات الموقف التركي معاكوساً بعد بروز نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فما عاد “ترامب عدو المسلمين”، بل بات “حليفاً محتملاً لتركيا”.

ومن هذه المواقف دعوة الرئيس الأميركي المنتخب إلى زيارة تركيا، كما ترحيب من أردوغان ومن مسؤولين رسميين آخرين بـ”الديمقراطية” الأميركية وبفوز “الرجل الأميركي الجريء”. هذا وبدت أغلبية المقالات والتحليلات التي بثتها التلفزيونات التركية مرحبة بفوز ترامب، ومهاجِمة لهيلاري كلينتون ولزوجها بيل، لقيامهما مرات عديدة بالمشاركة في مؤتمرات حوار أديان ولقاءات ثقافية نظمها مقرّبون من الداعية الإسلامي فتح الله غولن. بالإضافة إلى ذلك، لم ينسَ أحد من الأتراك مطالبة العهد الأميركي الجديد بتسليم غولن “حفاظاً على سلامة العلاقة بين البلدين”.

وكان أحد أبرز مستشاري ترامب الجنرال المتقاعد مايكل فلين، والذي تمت تسميته مؤخراً مستشاراً للامن القومي، قد عبّر مرات عديدة عن مواقف مؤيدة لتركيا. كما دعا في مقالات له، كما في تصريحات قبل الإنتخابات وبعدها، إلى تسليم غولن إلى السلطات التركية، مشبهاً إياه بالرجل الخطير والخارج عن القانون الذي يجب معاقبته. كما أشارت مجموعة من المقالات الصادرة في الولايات المتحدة إلى أن فلين كان قد تلقى أموالاً من مسؤولين أتراك عبر رجل الأعمال التركي إيكيم ألب تكين والذي هو رئيس المجلس الإقتصادي التركي – الأميركي والمقرّب من الحكومة التركية. وعلى الرغم من صعوبة الجزم والإثبات بأن مواقف فلين قد تكون مدفوعة الثمن مسبقاً، إلا أن الأكيد أنه بات لتركيا رجل موالٍ لها في البيت الأبيض، وهو صاحب أرفع المراكز التنفيذية والأمنية في الإدارة الأميركية الجديدة.

على الجهة المقابلة، وصف أردوغان بأن التغيير والحقبة الجديدة في واشنطن مليئة بالفرص الإيجابية التي يمكن أن يكون لها وقع إيجابي على العلاقات بين تركيا وأميركا. كما باتت أبراج ترامب في إسطنبول مدعاة فخر للإعلام التركي، فيما يتناقل هذا الإعلام “بطولات” فلين بشكل يومي على محطاته وصحفه، كما تم ربط مواقفه الداعمة لتركيا بقدرة حكومتها على فرض نفسها على العالم.

وإذ يبدو الحكم التركي براغماتياً في التعامل من مسألة التغيير في أميركا، كذلك يبدو العهد الأميركي الجديد. فلا ثوابت واضحة في مواقف الطرفين، بل مجرد مواقف شعبوية تتغيّر بحسب الظروف، وهذا ما يمكن أن يجمعهما سوياً، ويعيد العلاقات التركية – الأميركية إلى سابق عهدها. وعندما يتم هذا الأمر سيكون غولن أول الضحايا، وسينتهي أمره سجيناً في أنقرة، لتطوي تركيا حقبة طويلة من عمل الداعية الإسلامي على زعزعة استقرارها.

وعلى الرغم من أن المواقف التركية والأميركية قد تتغيّر في أي لحظة، إلا أن الإشارات الإيجابية الصادرة من الجانبين تؤكد أن تركيا خلال بداية عهد ترامب ستكون أفضل مما كانت عليه عند نهاية عهد أوباما. وهذا ما قد يفتح المجال أمام تعاون روسي – تركي – أميركي في سوريا، لإنهاء الحرب فيها أو تنظيمها على الأقل، خاصة وأن ترامب لا يبدو بعيداً عن النظرة الروسية للحل في سوريا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1587.

“الريّس” يحكم سيطرته على تركيا

جو حمورة

820141212728

لم يعد رجب طيب أردوغان بعيداً جداً عن إعلان نفسه حاكماً أبدياً على الشعب التركي. فبعد أن استحق لقب أقوى الشخصيات السياسية في تاريخ الجمهورية من دون منازع، يتقدم الرجل نحو تتويج حكمه بصلاحيات كبرى في النظام السياسي. إذ أن الدستور الجديد الذي يعمل عليه حزب “العدالة والتنمية” سيعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة في ممارسة الحكم، لينتهي بذلك زمن “الرئيس الحَكَم”، ويصبح فعلاً “الرئيس الحاكم”.

إلا أن القوة التي سيعطيها الدستور لرئيس الجمهورية، تهدف، عملياً، إلى جعل النظام السياسي متناسباً مع الواقع. فأردوغان لن يأخذ من الدستور ما لم يحققه بذاته، أو ما لم تعطه قوته الشخصية القدرة على ممارسته. فإن كان الدستور التركي الآن لا يُعطي الكثير من الصلاحيات للرئيس التركي، إلا أن أردوغان يتصرف وفق الدستور الجديد حتى قبل إقراره.

ويعود هذا الأمر بشكل أساسي إلى القوة السياسية والشعبية التي يملكها أردوغان، والتي استطاع تحقيقها بسبب عوامل عدة. ومنها ما هو مرتبط بفشل الأحزاب المعارضة، وغيرها مرتبط بتحالفه مع تجمعات “غير سياسية” تؤمن له الشعبية والنفوذ. هذا بالإضافة إلى سيطرته على حزبه السابق، واستفادته من الأحداث الأخيرة التي جرت في تركيا، والتي سهلت عليه مهمة الإنقضاض على معارضيه بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية، أكان حزب “العمال الكردستاني”، أو جماعة الداعية الإسلامية فتح الله غولن.

وعلى الرغم من أنه ليس عضواً في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، إلا أن لديه نفوذاً كبيراً على حزبه السابق، أكان بين مناصريه، وحتى في مجالسه السياسية. فيوم إفترق رئيس الحزب السابق أحمد داوود أوغلو عن أردوغان، لم يتكلف هذا الأخير إلا بضعة ضغوط على المجلس السياسي لحزب “العدالة والتنمية”، فتم إحراج أوغلو وإخراجه من رئاسة الحزب والحكم ومن المشهد السياسي في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، يتمتع أردوغان بشعبية كبيرة بين فقراء تركيا وأغنياءها. وهما “عكازتان” تؤمنان له القدرة على الفوز بأي إنتخابات يخوضها. فالفقراء المتحلقون حول الطرق الصوفية التركية المؤثرة جداً في المجتمع، يؤمّنون له نسبة مقبولة من الشعبية والأنصار، تضاف إلى سكان الأناضول وضواحي المدن الكبرى المؤيدين له تقليدياً. في المقابل، عزز أردوغان طوال فترة حكمه من سياسات الدولة الليبرالية، ومكّن الشركات الكبرى من الإستثمار وتحقيق الأرباح، فتحالفت “طبقة” كبيرة من رجال الأعمال مع الحكومة. ففي حين يقوم الحكم بتسهيل أعمالها، وتخفيف أعباءها الضريبية وفتح أسواق لها في الخارج، يستفيد بدوره من تجمعات رجال الأعمال من أجل تعزيز تفوذ الطبقة الحاكمة داخل تركيا، أكان شعبياً أو سياسياً أو مالياً.

من ناحية أخرى، لخطاب حزب “العدالة والتنمية” وأردوغان، قدرة كبيرة على استقطاب الأتراك. ويعود ذلك إلى سياساتهم الإقتصادية الناجحة، كما بسبب السياسات الإجتماعية المحافِظة التي يطبقونها. إذ أن التركيز على أهمية إعلاء شأن الدين من ناحية، والعودة إلى أمجاد السلطنة العثمانية من ناحية أخرى، تؤثر على انتماءات الأتراك وميولهم السياسية والعقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، يعود قسم من قدرة أردوغان على فعل ما يريده في تركيا إلى ضعف المعارضة الداخلية، وبخاصة الأحزاب الأخرى. ومنها حزب “الشعب الجمهوري” العلماني، الذي يتحكم برئاسته كمال كيلتشدار أوغلو ذو الكاريزما الضعيفة، والمحافظ على تنظيم حزبه القديم، والعقيدة العلمانية الأتاتوركية التقليدية. كما حزب “الحركة القومية” المتطرف، المتلهي بخلافات عميقة على السلطة بين أعضائه، والذي لا يقدم أي شيء في خطابه السياسي عدا التهجم العنصري على الأكراد والأقليات الدينية والقومية الأخرى.

بالمقارنة بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، يبدو هذا الأخير أكثر تكيّفاً مع الواقع، وأكثر حيوية في تقديم خطابه إلى الناس، بينما يبقى الحزبان المعارضان جامدين كمن يعيد تكرار عبارات الماضي دون تقديم أي جديد. وهذا ما يُضاف إلى أن الإنتلجنسيا الحاكمة، والمتحلقة حول حزب “العدالة والتنمية”، قامت بنقد الأتاتوركية على مدى السنوات الماضية، وأفقدتها الجاذبية التي كانت مُلهمة للكثير من الأتراك.

فبعد حوالى 15 عاماً على حكم “العدالة والتنمية” تراجع بريق مصطفى كمال وعقيدته العلمانية، ولم يبقَ منها إلا صور أتاتورك على الجدران. فالإنتلجنسيا المتحكمة بالفضاء التركي العام، وفي الإعلام والمؤسسات السياسية، أفقدت العقيدة بريقها، وقدمت نقضاً لها شمل كل مكوّناتها.

لم يعد أتاتورك البطل الأوحد الذي حرر تركيا من الدول الغربية في مطلع القرن الماضي، بل بات واحداً من كثيرين حققوا هذا الأمر. كما لم يعد “البطل المحنّك” الذي توصّل إلى معاهدة لوزان عام 1923 التي أعلنت إستقلال تركيا، بل باتت النظرة النقدية هي الطاغية حالياً عند ذكر المعاهدة، وذلك بسبب تضمنها رسماً لحدود “صغيرة” لتركيا، وإفقادها أراضٍ باتت اليوم تابعة لسوريا واليونان.

وفي الجامعات، كما في الإعلام، وحتى في القضاء، يتراجع وهج الأتاتوركية. إذ ما عاد القضاء التركي يحاكم، إلا نادراً، من ينتقد شخص أتاتورك في العلن. كما بات الإعلام يخفف من استخدامه الكلمات المنمقة عند ذكره مصطفى كمال. هذا في وقت بات انتقاد أفكار أتاتورك العلمانية أمراً طبيعياً في الأوساط الجامعية والبحثية. خسر أتاتورك الهالة التي صنعها لنفسه، وباتت الهالة تحلق فوق رأس أردوغان.

كذلك الأمر، ساهمت السياسات الإجتماعية المحِافظة التي عمد إلى تطبيقها حزب “العدالة والتنمية” إلى إبراز الفروقات الكبيرة بين الإسلام السياسي والعلمانية. وعلى الرغم من أن هذه الفروقات أمر واضح ومفروغ منه، إلا أنها تبقى، بالنسبة إلى الأتراك، أمراً صعب التمييز. غير أن كثرة السياسات المحافظة وإعلاء شأن الدين بالحياة الإجتماعية والسياسية، يجعل من الأتراك يبتعدون رويداً رويداً عن كل ما تعنيه العلمانية والأتاتوركية.

من ناحية أخرى، أدى فشل محاولة الإنقلاب الأخيرة إلى تطبيق سياسات “انتقامية” من قبل أردوغان والحزب الحاكم بحجة محاربة الإرهاب. لذلك، عمدوا إلى إضعاف قوة الداعية الإسلامي عبر اعتقال أنصاره وطردهم أو إغلاق أعمالهم ومصالحهم. فدفع عشرات الآلاف ثمناً لذلك، أكان في المؤسسات الأمنية أو التعليمية أو القضائية أو الإعلامية. هذا في وقت يحل مكانهم اليوم أنصار أردوغان، الذين باتوا يسيطرون بحكم الأمر الواقع على معظم البيروقراطية التركية ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية الرسمية والخاصة. وهذا ما يجعل من أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” أصحاب قدرات كبيرة في التأثير على الأتراك من ناحية، كما في أخذ أي قرار وتطبيقه من دون أن يجدوا أي معارض حقيقي لهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، يجنح المجتمع التركي اليوم نحو نوع من “تأليه” لشخص أردوغان. فيتم الآن إنتاج فيلم ترويجي عن حياته تحت عنوان “الريّس”، كما تقام له غالباً بعض الأدعية في المساجد التي تتضرع لحمايته، ويتم إلصاق صوره في كل مكان. هذا بالإضافة إلى بروز مجموعات مدنية شبه متعسكرة ليلة محاولة الإنقلاب ولها ارتباطات مباشرة به.

بات أتاتورك من الماضي، وللأتراك اليوم “ريّس” وملهم جديد. هو الحاكم القوي والفعلي، أكان عبر الدستور الحالي أو عبر الدستور الجديد المنوي إقراره. فالواقع في تركيا أقوى من الدساتير، والحاكم القوي لا يحتاج دائماً إلى قوانين ومواد، بل إلى شعبية وقدرة مادية ومجموعات دينية تؤمن له استمراره بالسلطة، بالإضافة إلى معارضة بسيطة وبليدة تفيد أردوغان أكثر من أي فائدة يمكن أن تقدمها لبلادها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1581.

الإجراءات ما بعد محاولة الانقلاب في تركيا

جو حمورة

هذه بعض المقالات عن الإجراءات والأحداث التي جرت في تركيا بعد إفشال محاولة الإنقلاب:

إجراءات ما بعد محاولة الانقلاب: قمع الأكراد متواصل

صعود وانهيار إمبراطورية غولن التعليمية

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

إعلان حالة الطوارئ في تركيا: السلطة “تنظف الدولة”

محاولة انقلاب وصراع على النفوذ: قضاة تركيا يدفعون الثمن

%d9%85%d9%86-%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b9-wsj-com_

إزدهار السينما التركية.. الانقلاب نعمة فنية

جو حمورة

reis-movie-1

باتت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا، فرصة للمنتجين السينمائيين لتقديم أعمال سينمائية، وتحوّل الحدث السياسي إلى نعمة فنية تملأ جعبهم بالأموال وأوقاتهم بالعمل. كما فتحت شهية شركات الإنتاج التي واظبت على تقديم الدراما في وقت سابق، للتوجه سريعاً إلى إنتاج أفلام قصيرة عن حياة بعض الأفراد الذين لقوا حتفهم خلال المحاولة الانقلابية، فيما راح آخرون يحضّرون للعمل على فيلم عن الإنقلاب.

“اتحاد أوراسيا الإعلامي” يعمل حالياً على تصوير فيلم “المحاولة”، وذلك من أجل “تحقيق فهم صحيح حول ما شهدته تركيا ليلة 15 تموز، وللفت الأنظار إلى وحدة الشعب التركي في تلك الليلة التي وقعت فيها محاولة انقلابية فاشلة”، بحسب ما قال رئيس الاتحاد، خالد ضيا ألب تكين. كما أعلن منتجو مسلسل “وادي الذئاب” أنهم سيعدّون فيلماً يتناول محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا، وذلك “تلبية للطلب الجماهيري الكبير”.

فالسينمائيون، من منتجين ومخرجين وممثلين وشركات، كانوا منذ بضع سنوات مقربين من السلطة السياسية، ورفضوا في الأسابيع الماضية، المحاولة الانقلابية، فردياً أو من خلال نقاباتهم، واصطفوا إلى جانب الشرعية ضد الانقلابيين. كما شاركوا بقوة وبشكل متميّز في المظاهرات الداعمة للحكومة بعد 15 تموز، وإتخذوا مكاناً لهم على منصات المهرجانات المحلية في ساحات المدن للدفاع عن السلطة ومعارضة محاولة الانقلاب.

وتأتي تلك الجهود في ظل ازدهار السينما التركية والتنوّع في انتاجها، إذ تواكب المتغيّرات التي تمر بها البلاد وتستغل الأحداث السياسية من أجل تقديم المزيد من الإفلام إلى الجمهور.

وعلى الرغم من إزدياد قدرة القطاع السينمائي على تقديم المزيد كمّاً ونوعاً وحصده للجوائز بشكل دائم، إلا أنه يبقى مقرّباً جداً من الحكومة التركية التي تستخدمه تارة في الترويج لنفسها داخلياً وتارة في الخارج. غير أن التحالف بين السلطة السياسية من جهة وشركات إنتاج الأفلام من جهة أخرى لا يمنع من استفادة وتألق هذخ الأخيرة، كما ازدياد قدرتها على التأثير في الجمهور المحلي والعالمي.

ولا تغيب الأفلام السياسية التي تؤرّخ لحياة أفراد كان لهم تأثير في الشأن العام عن العرض في دور السينما، وكان آخرها إنتاج فيلم يؤرخ لحياة رئيس تركيا الحالي رجب طيب أردوغان. ويتطرق هذا الفيلم الذي يحمل عنوان “الريّس” إلى طفولة أردوغان وشبابه ونضاله الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى فترة دخوله السجن وخروجه منه عام 1999.

وعلى الرغم من اعتبار منتج الفيلم علي آفجي أن إنتاجه “لا يروّج لشخص ولا هو متحيّز”، إلا أن الكثير من النقّاد والمعارضين يجدون صعوبة في تصديق كلامه ويؤكدون على عكسه. وينتظرون تاريخ عرض الفيلم في 14 تشرين الأول القادم للتأكيد على آرائهم.

وحتى ذلك الوقت، تشارك السينما التركية في 11 فيلماً في “مهرجان مونتريال الدولي للأفلام”. هذا الرقم الكبير لصناعة الأفلام التركية تُعطي فكرة عن تطور هذا القطاع كمّاً ونوعاً. فمنذ سنوات قليلة، كانت السينما التركية متواضعة الإنتاج وتركّز في الغالب على أفلام موجّهة للجمهور المحلي، إلا أن الأمور تغيّرت خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل جذري، حيث باتت ميزانية صناعة الأفلام التركية توازي المليار دولار سنوياً.

تنتج “يشيل تشام”، أو هوليوود تركيا، مئات الأفلام كل عام، وتتوزع بين الكوميدي والرومانسي والاجتماعي. في حين برزت، خلال السنوات القليلة الماضية، الأفلام السياسية ذات الإنتاج الضخم، والتي بات لها جمهورها الخاص الذي يوازي بحجمه جمهور الأفلام الأخرى.

فمن فيلم “رجل حر” (2011) الذي يؤرخ لحياة سعيد النورسي (متصوّف ساهم في حرب الإستقلال)، مروراً بفيلم “فاتح 1453″ (2012) الذي يعالج موضوع دخول العثمانيين إلى القسطنطينية، وصولاً إلى “المكتوب الأخير” (2015) الذي تجري أحداثه خلال الحرب العالمية الأولى. تحصد هذه الأفلام السياسية الثناء في الداخل، كما الشهرة والجوائز في الخارج.

وبسبب كثرة تردده، بات خبر حصد بعض هذه الأفلام لجوائز على المستوى العالمي خبراً عادياً بالنسبة للأتراك. إذ لا يمر مهرجان عالمي للسينما ولا يكون لـ”يشيل تشام” حضور فيه، خصوصاً أن صناعة الأفلام التركية باتت، من حيث الحجم، في المركز الثالث عالمياً، بعد الولايات المتحدة الأميركية والهند، وذلك بحسب السفير التركي في كندا سلجوق أونال.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني