مقالات عن الصين وتركيا

Advertisements

صناعة هوية: فهم تركيا من خلال مسلسلاتها التاريخية

جو حمورة1 (1)

لا تكفي النظريات والتحليلات السياسية لفهم سياسات بلد ما. هذه الاختصاصات العلمية ضرورية بطبيعة الحال، إلا أن الاعتماد عليها حصراً ينتج قصوراً في فهم هوية الشعوب وسياسات الدول البارزة في عالم اليوم. وعلى عكس البلاد الراقدة في “روتينها” السياسي، تبرز الإحاطة بكل جوانب “صنع الهوية” ضرورية لفهم الشعوب الحيوية ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين، ثم قراءة سياسات الحكومات تبعاً لمحددات الهوية “المصنوعة”.

تبرز تركيا كواحدة من الدولة التي عمدت إلى “صناعة هوية” قديمة – جديدة لشعبها خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر التركيز على البُعد الإسلامي والقومي في نظرتها إلى نفسها وإلى العالم. وقد تم ذلك بعدة طرق، كاعتماد حكام تركيا وحزب “العدالة والتنمية” على الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي شجعوها (مادياً ومعنوياً) لتخدم كمنشّطات لـ”إعادة إحياء” الهوية الإسلامية التركية، وبالتالي استبدال الهوية العلمانية – الغربية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال “أتاتورك”.

عدا مسلسل “حريم السلطان” الذي أخذ شهرة عالمية في السنوات الماضية، يبرز مسلسلان مهمان مؤخراً يُعرَضان على الشاشات الرسمية. الأول هو “قيامة أرطغرل” الذي احتل المركز الأول في نسبة المشاهدة في السنتين الماضيتين، أما الثاني فهو “عاصمة عبد الحميد” الذي حقق أرقاماً قياسية عند المشاهد التركي، والذي يُبث مترجماً إلى الكثير من لغات العالم في الوقت نفسه [1[.

إن كان “حريم السلطان” قد أتم الغاية من صناعته عبر تنقية الصورة السلبية عن السلاطين والدفاع عنهم، كما إعادة كل فشل سياسي إلى صراعات النساء في أروقة القصور، فقد خدم هذان المسلسلان قضية مكمّلة. وهي قضية ذات طابع “هجومي” أكثر مما هو دفاعي، عبر إبراز هوية خاصة للأتراك، وتقديم فهم محدد لتاريخ هذا الشعب في مراحل متعددة، وربط وجوده على الأرض بمشيئة إلهية، وبث تنميط محدد للآخرين “أعداء الشعب التركي” و “عديمي الشرف” و “الصليبيين الكفار” و “الصهاينة”، إلخ.

يحكي المسلسل الأول قصة حياة أرطغرل بن سليمان شاه (والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية) كقائد قبيلة تركية تجمّعت حوله جميع عناصر تكوين دولة جديدة تحمل لواء الفتح الإسلامي بين عاميّ 1231 و 1281. وذلك في فترة عانى فيها العالم الإسلامي حالة من الشتات والضعف والصراعات.

يهتم المسلسل بالتفاصيل التزيينية وبالمضمون على حد سواء. من الناحية الأولى، تبرز الأزياء العسكرية القديمة بشكل لافت وأساسي بالمسلسل، وهذا ما يمكن أن يقدّم فهماً (أو تبريراً) لاعتماد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان أزياءً مماثلة لحرس قصره الجمهوري [2]. قول الرجل الأقوى في تركيا “نحن أحفاد هذه الشعوب والدولة العثمانية” [3] لا يكون بالكلام فقط، إنما في الرموز كذلك.

1 (6)

من ناحية المضمون، يبرز الخطاب الإسلامي بشكل واضح في المسلسل. فكل حدث له تبرير ديني، وكل خطوة تقوم بها القبيلة هي في سياق تنفيذ مشيئة إلهية. أما المتصوّف والعالِم الإسلامي “ابن عربي”، الذي يؤدي دور المرشد الديني لأرطغرل في المسلسل، فيُعنى بتقديم التبرير والمنطق الديني لكل شيء عبر ذكر الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الدينية والتاريخية والأمثال والحِكم عند التُرك. وبالتالي، إن ما يقوله المسلسل هو أن كل عمل خارج عن إرادة الله هو باطل، كما يؤكد على أهمية الدين في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويُعطي المسوغات التاريخية للقومية التركية، وهو ما يبرز كذلك في سياسات حزب “العدالة والتنمية” الداخلية اليوم بشكل دائم [4[.

أما أعداء التُرك في المسلسل فهم كثر. فحيناً هم المغول “البرابرة”، وحيناً آخر هم “الصليبيون”، وغالباً يتم تسميتهم جميعاً بـ”الكفار” ببساطة، وذلك في أسلوب يجعل من الجميع عدواً للأتراك. الأمر الذي يمكنه، إلى حد ما، تفسير السخط الشعبوي “الأردوغاني” من كل دول العالم الساعية إلى إضعاف بلاده. بالإضافة إلى ذلك، لا يكتفي المسلسل بالتنميط اللفظي الواضح بين الأتراك والآخرين، أو بين “الخير و الشر” كما يظهر في سياق حلقاته، إنما يُدخل التقنيات البصرية والألوان لتحبيب المشاهد بـ”قوى الخير” وتنفيرها من “قوى الشر”. ويتم ذلك عبر إظهار اجتماعات “الصليبيين” التآمرية مثلاً في زوايا القصور المعتمة. وإظهار أبناء القبيلة التركية بخيولهم البيضاء، فيما الأعداء بخيولهم السوداء. وعبر التذكير بأن الغرب يريد جعل الأتراك “يتبعون ملتهم” ويقومون دوماً بتعذيب السجناء، فيما التُرك يحترمون السجناء بشكل دائم ولا يريدون إلا الخير للإنسانية، وأمثلة كثيرة لا تحصى.

عدا أعداء الخارج، فإن لأعداء الداخل حصة الأسد من المشاهد وحبكة المسلسل. ففي القبيلة دائماً خائن يتعامل مع الأغراب لمصلحته الشخصية على حساب مصلحة الجماعة، ويؤسس منظمة أو أخوية لإقلاق راحة التُرك. الأمر الذي يبرز كأنه تدليل على أعداء الحكم التركي الحالي، الذين هم إما منظمة “العمال الكردستاني” الموصوفة بالحزب الإرهابي في القانون التركي، أو منظمة “فتح الله غولن” المتهمة بالقيام بمحاولة انقلابية عام 2016.

للأقليات الدينية والعرقية كذلك وجود في شخصيات المسلسل، ويتم إظهارها كمتيّمة بالتُرك وبجهادهم العسكري والديني والأخلاقي. فالأرمني (التاجر) يساعد الأتراك خلال الحرب، والكردي (الفقير) يقاتل إلى جانبهم، والمسيحية (الأميرة) تقبل الدعوة الإسلامية وتلعب دوراً في نشر الإسلام. ومثلما يؤكد المسلسل على احترام الأديان الأخرى وعلى سعادة أبنائها للعيش بين المسلمين، يؤكد كذلك على أن التُرك هم أصحاب الرسالة الأصلح في بث روح الإسلام وقيادة العالم الإسلامي. ويتم ذلك في الرسائل الدينية الواضحة التي يقولها بطل المسلسل، كما عبر تجاهل المسلسل للخلافة العباسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، على الرغم من أن “قيامة أرطغرل” اعتمد وذكر معلومات تاريخية وأسماء حكام وإمارات صحيحة تاريخياً.

نظرة المسلسل للأتراك وهويتهم وغايتهم تفيد، في نهاية المطاف، بأن قيادة العالم الإسلامي هي حق لهم. وهذا ما يفسر الخطاب التركي الإسلامي العالي النبرة تجاه قضايا “الأمة الإسلامية” ومحاولة مساعدتها. ومنها، مثلاً، إغاثة تركيا شبه وحيدة لمسلمي ميانمار [5]. كما قيامها وحيدة بمغامرة غير محسوبة لمحاولة فك الحصار عن قطاع غزة عام 2010. ومحاولة لعب دور طليعي في قيادة العالم الإسلامي عبر الدعوة إلى تنظيم “القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي” حول مدينة القدس في اسطنبول بعدما اعتبرتها الولايات المتحدة الأميركية عاصمة إسرائيل.

أما المسلسل الثاني فيتابع أبرز الأحداث التي جرت خلال الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه. أما أعداء الأتراك في مسلسل “عاصمة عبد الحميد” فهم البريطانيون والصهاينة الذين يمثل أحدهم دور تيودور هرتزل. ويتم إبراز هذا الناشط النمساوي اليهودي ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة كمخبول، حيث يسرق مؤلفاته من أعمال غيره، ويخون أصدقاءه، ويخطف والده ويعذبه، ولا عمل له سوى إسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة دولة إسرائيل. هذا ويقوم المسلسل ببث الكثير من الدعاية السلبية بحق دولة إسرائيل المفترضة واليهود، بشكل يتلاقى مع النبرة العالية التي يطلقها أردوغان وأعضاء حكومته بحقهما، وربط كل ما يجري من أحداث في العالم بمؤامرة ما يقودها اللوبي اليهودي كما بات يُردد دائماً في الإعلام التركي الرسمي والخاص [6[.

1-5

أما بالنسبة للأقليات، فكما هو حالهم في “قيامة أرطغرل” كذلك هو في “عاصمة عبد الحميد” الذي يُظهر بعضهم متنعمين بالسلام والأمن والغبطة للعيش في ظل الخلافة الإسلامية. إلا أن هذا المسلسل الأخير، يُظهر الأرمن والروم كمغرّر بهم، وتقودهم خفية جماعات غربية وصهيونية هدفها زعزعة استقرار السلطنة، وهو ما يشبه في نتائجه الانتقادات التركية الدائمة للأقليات و “مكرها” وعلاقاتها مع الغرب. وربما يفسّر كذلك بعض أسباب حصول اعتداءات على الأقليات الدينية والعرقية بين الحين والآخر.

وعلى الرغم من أنها كانت “الرجل المريض” في ذلك الزمن، إلا أن سلطنة عبد الحميد الثاني تبدو خارقة القوة في المسلسل، حيث يوعِز إلى الهنود بمهاجمة الإنكليز، ويدعم الإيرلنديين لتحصيل حقوقهم، ويساعد الاقتصاد الأميركي، ويرسل ظابطاً يستطيع سرقة الكتب البريطانية السرية من أرشيف الدولة. إلا أنه، كذلك، طيب القلب وإنساني، حيث يراقب، بعد الصلاة، الأطفال في الشوارع من شرفة قصر “يلدز”، ويصنع رجلاً خشبية لصبي أرمني مبتور الساق.

على هذا المنوال يتابع المسلسل إظهار جبروت الخليفة العثماني وفضائله الأساسية الثلاث: القوة، الإيمان والطيبة. وهذا تماماً ما حاول إظهاره “السلطان” الحديث أردوغان في شخصيته طوال سنوات حكمه. فهو القوي الذي لا يهرب، ويحارب الإنقلابيين وجهاً لوجه، ويرسل جيشه إلى سوريا.. والمؤمن المصمّم على إعادة الإعتبار للدين في بلاده، والذي يبني أكبر مسجد (شاملجا) في تاريخ الجمهورية على أعلى تلة اسطنبولية.. والطيب الذي يلتقي مع الناس في الشوارع ويزور منازل الفقراء [7]، ويستقبل الأفراد العاديين والاستثنائيين في قصره، ويعمل على تحسين الاقتصاد والظروف الاجتماعية لشعبه.

هذا ويبدو الدعم الذي يقدمه الحكم التركي لإنتاج هذه المسلسلات كثير الوضوح. وهو دعم لا يقتصر على انتاجها وتشجيع عرضها على شاشات الدولة، إنما يتعداه إلى زيارات ميدانية يقوم بها أردوغان إلى أماكن التصوير، واستقبال المخرجين وأبطال المسلسلات، والكلام عنها علناً بأسلوب دعائي يشجع الناس على حضور الحلقات المتتالية.

قد يبدو القول بأن هذه المسلسلات التاريخية هي تجسيد للواقع التركي أمراً مبالغاً به، إلا أن الإنصاف يقضي الإقرار بأن المسلسلات والواقع يتغذيان بعضهما من بعض. غير أن الأكيد هو أن سياسات الحكم التركي ومسلسلاته باتت أكثر وضوحاً في إبراز هوية الأتراك وغايتهم وقيمهم. فيما استحصل الحكم الحالي على شرعية استمدها من هوية شعبه “المصنوعة” من أجل تحقيق ما يسعى إليه، وهو قيادة العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال، إلا أنه لا بأس من المحاولة لتحقيقه، خاصة أن قيادة الدول والشعوب العربية للعالم الإسلامي ليست بتجربة ناجحة على جميع الأحوال.

نشرت أولاً على موقع مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

ترامب في تركيا: من عدو المسلمين إلى حليف محتمل

جو حمورة

3500

تتلاحق المواقف المشجعة والمتشائمة من فوز دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وكان آخرها سلسلة مواقف من القيادة السياسية التركية بدت غير اعتيادية بتوقعاتها وتمنياتها. وكعادتها، أبرزت هذه الأخيرة ميلاً للإستفادة من كل حدث يجري في العالم، وبدت منفتحة لإعادة العلاقات التركية – الأميركية إلى سكتها الطبيعية، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد شهدت توترات كثيرة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

خلال السنة الماضية “إفترق” الحليفان التاريخيان لبعض الوقت، وراح كل منهما في طريقه لحل مشاكله الخاصة أو إعادة إنتاج دور له في السياسة الإقليمية والدولية. بالنسبة لتركيا، شكل التردد الأميركي في محاربة النظام السوري، ومنع تركيا من القيام بالأمر مباشرة، سبباً أساسياً لتزعزع العلاقة بين أنقرة ووشنطن. ثم كانت محاولة الإنقلاب العسكرية ليل 15 تموز، والتي اتهمت تركيا الولايات المتحدة بالوقوف وراءها، وذلك بسبب حمايتها لمنفذ الإنقلاب الداعية الإسلامي فتح الله غولن. فما كان من أنقرة إلا أن أدارت ظهرها لواشنطن وراحت تطرق أبواب موسكو، فتلقف الدب الروسي الذئب التركي “المغدور” من أميركا، وتوافقا على إعادة علاقاتهما الوثيقة، أكان في الاقتصاد أو في السياسة أو حتى في الحرب في سوريا. كما اقتنص الحكم التركي فرصة محاولة الانقلاب، وعمل على إنهاء كل النفوذ السياسي والديني والإجتماعي الذي بناه فتح الله غولن على مدى العقود الماضية.

وشكل هذا الأخير مثار جدل وخلاف بين واشنطن وأنقرة بسبب استمرار إقامته في ولاية بنسلفانيا إلى اليوم، وعدم رغبة أميركا بتسليمه إلى السلطات التركية. إلا أن ترامب، ومساعديه، لهم آراء أخرى بدت في مضمونها أقرب إلى تحقيق مصالح تركيا من تلك العائدة للمرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون. ومنها تصريح ترامب الذي قال فيه أنه معجب بسياسة وحنكة وجرأة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب قدراته الكبيرة التي أبداها خلال مواجهته محاولة الإنقلاب، دون أن ينسى التذكير بأهمية العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدين وتاريخهما التعاوني العائد إلى خمسينيات القرن الماضي.

ولترامب عدة استثمارات في تركيا، ومنها برجان تجاريان ضخمان في وسط اسطنبول. إلا أن الحساسية الإسلامية الزائدة لدى القيادة التركية، ورفضها لتصريحات ترامب السابقة التي رأتها معادية للإسلام، لم تدفعها صوب التودد لترامب قبل الإنتخابات. وخلال تلك الفترة، دعا الرئيس التركي، بموقف أقرب إلى الشعبوية منه إلى السياسة المتزنة، إلى إزالة إسم ترامب عن واجهات الأبراج التي يملكها في إسطنبول. ولأن السياسة التركية يمكنها التعايش مع كل المتغيرات وتفتقد للثوابت والوضوح، بات الموقف التركي معاكوساً بعد بروز نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فما عاد “ترامب عدو المسلمين”، بل بات “حليفاً محتملاً لتركيا”.

ومن هذه المواقف دعوة الرئيس الأميركي المنتخب إلى زيارة تركيا، كما ترحيب من أردوغان ومن مسؤولين رسميين آخرين بـ”الديمقراطية” الأميركية وبفوز “الرجل الأميركي الجريء”. هذا وبدت أغلبية المقالات والتحليلات التي بثتها التلفزيونات التركية مرحبة بفوز ترامب، ومهاجِمة لهيلاري كلينتون ولزوجها بيل، لقيامهما مرات عديدة بالمشاركة في مؤتمرات حوار أديان ولقاءات ثقافية نظمها مقرّبون من الداعية الإسلامي فتح الله غولن. بالإضافة إلى ذلك، لم ينسَ أحد من الأتراك مطالبة العهد الأميركي الجديد بتسليم غولن “حفاظاً على سلامة العلاقة بين البلدين”.

وكان أحد أبرز مستشاري ترامب الجنرال المتقاعد مايكل فلين، والذي تمت تسميته مؤخراً مستشاراً للامن القومي، قد عبّر مرات عديدة عن مواقف مؤيدة لتركيا. كما دعا في مقالات له، كما في تصريحات قبل الإنتخابات وبعدها، إلى تسليم غولن إلى السلطات التركية، مشبهاً إياه بالرجل الخطير والخارج عن القانون الذي يجب معاقبته. كما أشارت مجموعة من المقالات الصادرة في الولايات المتحدة إلى أن فلين كان قد تلقى أموالاً من مسؤولين أتراك عبر رجل الأعمال التركي إيكيم ألب تكين والذي هو رئيس المجلس الإقتصادي التركي – الأميركي والمقرّب من الحكومة التركية. وعلى الرغم من صعوبة الجزم والإثبات بأن مواقف فلين قد تكون مدفوعة الثمن مسبقاً، إلا أن الأكيد أنه بات لتركيا رجل موالٍ لها في البيت الأبيض، وهو صاحب أرفع المراكز التنفيذية والأمنية في الإدارة الأميركية الجديدة.

على الجهة المقابلة، وصف أردوغان بأن التغيير والحقبة الجديدة في واشنطن مليئة بالفرص الإيجابية التي يمكن أن يكون لها وقع إيجابي على العلاقات بين تركيا وأميركا. كما باتت أبراج ترامب في إسطنبول مدعاة فخر للإعلام التركي، فيما يتناقل هذا الإعلام “بطولات” فلين بشكل يومي على محطاته وصحفه، كما تم ربط مواقفه الداعمة لتركيا بقدرة حكومتها على فرض نفسها على العالم.

وإذ يبدو الحكم التركي براغماتياً في التعامل من مسألة التغيير في أميركا، كذلك يبدو العهد الأميركي الجديد. فلا ثوابت واضحة في مواقف الطرفين، بل مجرد مواقف شعبوية تتغيّر بحسب الظروف، وهذا ما يمكن أن يجمعهما سوياً، ويعيد العلاقات التركية – الأميركية إلى سابق عهدها. وعندما يتم هذا الأمر سيكون غولن أول الضحايا، وسينتهي أمره سجيناً في أنقرة، لتطوي تركيا حقبة طويلة من عمل الداعية الإسلامي على زعزعة استقرارها.

وعلى الرغم من أن المواقف التركية والأميركية قد تتغيّر في أي لحظة، إلا أن الإشارات الإيجابية الصادرة من الجانبين تؤكد أن تركيا خلال بداية عهد ترامب ستكون أفضل مما كانت عليه عند نهاية عهد أوباما. وهذا ما قد يفتح المجال أمام تعاون روسي – تركي – أميركي في سوريا، لإنهاء الحرب فيها أو تنظيمها على الأقل، خاصة وأن ترامب لا يبدو بعيداً عن النظرة الروسية للحل في سوريا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1587.

“الريّس” يحكم سيطرته على تركيا

جو حمورة

820141212728

لم يعد رجب طيب أردوغان بعيداً جداً عن إعلان نفسه حاكماً أبدياً على الشعب التركي. فبعد أن استحق لقب أقوى الشخصيات السياسية في تاريخ الجمهورية من دون منازع، يتقدم الرجل نحو تتويج حكمه بصلاحيات كبرى في النظام السياسي. إذ أن الدستور الجديد الذي يعمل عليه حزب “العدالة والتنمية” سيعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة في ممارسة الحكم، لينتهي بذلك زمن “الرئيس الحَكَم”، ويصبح فعلاً “الرئيس الحاكم”.

إلا أن القوة التي سيعطيها الدستور لرئيس الجمهورية، تهدف، عملياً، إلى جعل النظام السياسي متناسباً مع الواقع. فأردوغان لن يأخذ من الدستور ما لم يحققه بذاته، أو ما لم تعطه قوته الشخصية القدرة على ممارسته. فإن كان الدستور التركي الآن لا يُعطي الكثير من الصلاحيات للرئيس التركي، إلا أن أردوغان يتصرف وفق الدستور الجديد حتى قبل إقراره.

ويعود هذا الأمر بشكل أساسي إلى القوة السياسية والشعبية التي يملكها أردوغان، والتي استطاع تحقيقها بسبب عوامل عدة. ومنها ما هو مرتبط بفشل الأحزاب المعارضة، وغيرها مرتبط بتحالفه مع تجمعات “غير سياسية” تؤمن له الشعبية والنفوذ. هذا بالإضافة إلى سيطرته على حزبه السابق، واستفادته من الأحداث الأخيرة التي جرت في تركيا، والتي سهلت عليه مهمة الإنقضاض على معارضيه بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية، أكان حزب “العمال الكردستاني”، أو جماعة الداعية الإسلامية فتح الله غولن.

وعلى الرغم من أنه ليس عضواً في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، إلا أن لديه نفوذاً كبيراً على حزبه السابق، أكان بين مناصريه، وحتى في مجالسه السياسية. فيوم إفترق رئيس الحزب السابق أحمد داوود أوغلو عن أردوغان، لم يتكلف هذا الأخير إلا بضعة ضغوط على المجلس السياسي لحزب “العدالة والتنمية”، فتم إحراج أوغلو وإخراجه من رئاسة الحزب والحكم ومن المشهد السياسي في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، يتمتع أردوغان بشعبية كبيرة بين فقراء تركيا وأغنياءها. وهما “عكازتان” تؤمنان له القدرة على الفوز بأي إنتخابات يخوضها. فالفقراء المتحلقون حول الطرق الصوفية التركية المؤثرة جداً في المجتمع، يؤمّنون له نسبة مقبولة من الشعبية والأنصار، تضاف إلى سكان الأناضول وضواحي المدن الكبرى المؤيدين له تقليدياً. في المقابل، عزز أردوغان طوال فترة حكمه من سياسات الدولة الليبرالية، ومكّن الشركات الكبرى من الإستثمار وتحقيق الأرباح، فتحالفت “طبقة” كبيرة من رجال الأعمال مع الحكومة. ففي حين يقوم الحكم بتسهيل أعمالها، وتخفيف أعباءها الضريبية وفتح أسواق لها في الخارج، يستفيد بدوره من تجمعات رجال الأعمال من أجل تعزيز تفوذ الطبقة الحاكمة داخل تركيا، أكان شعبياً أو سياسياً أو مالياً.

من ناحية أخرى، لخطاب حزب “العدالة والتنمية” وأردوغان، قدرة كبيرة على استقطاب الأتراك. ويعود ذلك إلى سياساتهم الإقتصادية الناجحة، كما بسبب السياسات الإجتماعية المحافِظة التي يطبقونها. إذ أن التركيز على أهمية إعلاء شأن الدين من ناحية، والعودة إلى أمجاد السلطنة العثمانية من ناحية أخرى، تؤثر على انتماءات الأتراك وميولهم السياسية والعقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، يعود قسم من قدرة أردوغان على فعل ما يريده في تركيا إلى ضعف المعارضة الداخلية، وبخاصة الأحزاب الأخرى. ومنها حزب “الشعب الجمهوري” العلماني، الذي يتحكم برئاسته كمال كيلتشدار أوغلو ذو الكاريزما الضعيفة، والمحافظ على تنظيم حزبه القديم، والعقيدة العلمانية الأتاتوركية التقليدية. كما حزب “الحركة القومية” المتطرف، المتلهي بخلافات عميقة على السلطة بين أعضائه، والذي لا يقدم أي شيء في خطابه السياسي عدا التهجم العنصري على الأكراد والأقليات الدينية والقومية الأخرى.

بالمقارنة بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، يبدو هذا الأخير أكثر تكيّفاً مع الواقع، وأكثر حيوية في تقديم خطابه إلى الناس، بينما يبقى الحزبان المعارضان جامدين كمن يعيد تكرار عبارات الماضي دون تقديم أي جديد. وهذا ما يُضاف إلى أن الإنتلجنسيا الحاكمة، والمتحلقة حول حزب “العدالة والتنمية”، قامت بنقد الأتاتوركية على مدى السنوات الماضية، وأفقدتها الجاذبية التي كانت مُلهمة للكثير من الأتراك.

فبعد حوالى 15 عاماً على حكم “العدالة والتنمية” تراجع بريق مصطفى كمال وعقيدته العلمانية، ولم يبقَ منها إلا صور أتاتورك على الجدران. فالإنتلجنسيا المتحكمة بالفضاء التركي العام، وفي الإعلام والمؤسسات السياسية، أفقدت العقيدة بريقها، وقدمت نقضاً لها شمل كل مكوّناتها.

لم يعد أتاتورك البطل الأوحد الذي حرر تركيا من الدول الغربية في مطلع القرن الماضي، بل بات واحداً من كثيرين حققوا هذا الأمر. كما لم يعد “البطل المحنّك” الذي توصّل إلى معاهدة لوزان عام 1923 التي أعلنت إستقلال تركيا، بل باتت النظرة النقدية هي الطاغية حالياً عند ذكر المعاهدة، وذلك بسبب تضمنها رسماً لحدود “صغيرة” لتركيا، وإفقادها أراضٍ باتت اليوم تابعة لسوريا واليونان.

وفي الجامعات، كما في الإعلام، وحتى في القضاء، يتراجع وهج الأتاتوركية. إذ ما عاد القضاء التركي يحاكم، إلا نادراً، من ينتقد شخص أتاتورك في العلن. كما بات الإعلام يخفف من استخدامه الكلمات المنمقة عند ذكره مصطفى كمال. هذا في وقت بات انتقاد أفكار أتاتورك العلمانية أمراً طبيعياً في الأوساط الجامعية والبحثية. خسر أتاتورك الهالة التي صنعها لنفسه، وباتت الهالة تحلق فوق رأس أردوغان.

كذلك الأمر، ساهمت السياسات الإجتماعية المحِافظة التي عمد إلى تطبيقها حزب “العدالة والتنمية” إلى إبراز الفروقات الكبيرة بين الإسلام السياسي والعلمانية. وعلى الرغم من أن هذه الفروقات أمر واضح ومفروغ منه، إلا أنها تبقى، بالنسبة إلى الأتراك، أمراً صعب التمييز. غير أن كثرة السياسات المحافظة وإعلاء شأن الدين بالحياة الإجتماعية والسياسية، يجعل من الأتراك يبتعدون رويداً رويداً عن كل ما تعنيه العلمانية والأتاتوركية.

من ناحية أخرى، أدى فشل محاولة الإنقلاب الأخيرة إلى تطبيق سياسات “انتقامية” من قبل أردوغان والحزب الحاكم بحجة محاربة الإرهاب. لذلك، عمدوا إلى إضعاف قوة الداعية الإسلامي عبر اعتقال أنصاره وطردهم أو إغلاق أعمالهم ومصالحهم. فدفع عشرات الآلاف ثمناً لذلك، أكان في المؤسسات الأمنية أو التعليمية أو القضائية أو الإعلامية. هذا في وقت يحل مكانهم اليوم أنصار أردوغان، الذين باتوا يسيطرون بحكم الأمر الواقع على معظم البيروقراطية التركية ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية الرسمية والخاصة. وهذا ما يجعل من أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” أصحاب قدرات كبيرة في التأثير على الأتراك من ناحية، كما في أخذ أي قرار وتطبيقه من دون أن يجدوا أي معارض حقيقي لهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، يجنح المجتمع التركي اليوم نحو نوع من “تأليه” لشخص أردوغان. فيتم الآن إنتاج فيلم ترويجي عن حياته تحت عنوان “الريّس”، كما تقام له غالباً بعض الأدعية في المساجد التي تتضرع لحمايته، ويتم إلصاق صوره في كل مكان. هذا بالإضافة إلى بروز مجموعات مدنية شبه متعسكرة ليلة محاولة الإنقلاب ولها ارتباطات مباشرة به.

بات أتاتورك من الماضي، وللأتراك اليوم “ريّس” وملهم جديد. هو الحاكم القوي والفعلي، أكان عبر الدستور الحالي أو عبر الدستور الجديد المنوي إقراره. فالواقع في تركيا أقوى من الدساتير، والحاكم القوي لا يحتاج دائماً إلى قوانين ومواد، بل إلى شعبية وقدرة مادية ومجموعات دينية تؤمن له استمراره بالسلطة، بالإضافة إلى معارضة بسيطة وبليدة تفيد أردوغان أكثر من أي فائدة يمكن أن تقدمها لبلادها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1581.