صناعة هوية: فهم تركيا من خلال مسلسلاتها التاريخية

جو حمورة1 (1)

لا تكفي النظريات والتحليلات السياسية لفهم سياسات بلد ما. هذه الاختصاصات العلمية ضرورية بطبيعة الحال، إلا أن الاعتماد عليها حصراً ينتج قصوراً في فهم هوية الشعوب وسياسات الدول البارزة في عالم اليوم. وعلى عكس البلاد الراقدة في “روتينها” السياسي، تبرز الإحاطة بكل جوانب “صنع الهوية” ضرورية لفهم الشعوب الحيوية ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين، ثم قراءة سياسات الحكومات تبعاً لمحددات الهوية “المصنوعة”.

تبرز تركيا كواحدة من الدولة التي عمدت إلى “صناعة هوية” قديمة – جديدة لشعبها خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر التركيز على البُعد الإسلامي والقومي في نظرتها إلى نفسها وإلى العالم. وقد تم ذلك بعدة طرق، كاعتماد حكام تركيا وحزب “العدالة والتنمية” على الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي شجعوها (مادياً ومعنوياً) لتخدم كمنشّطات لـ”إعادة إحياء” الهوية الإسلامية التركية، وبالتالي استبدال الهوية العلمانية – الغربية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال “أتاتورك”.

عدا مسلسل “حريم السلطان” الذي أخذ شهرة عالمية في السنوات الماضية، يبرز مسلسلان مهمان مؤخراً يُعرَضان على الشاشات الرسمية. الأول هو “قيامة أرطغرل” الذي احتل المركز الأول في نسبة المشاهدة في السنتين الماضيتين، أما الثاني فهو “عاصمة عبد الحميد” الذي حقق أرقاماً قياسية عند المشاهد التركي، والذي يُبث مترجماً إلى الكثير من لغات العالم في الوقت نفسه [1[.

إن كان “حريم السلطان” قد أتم الغاية من صناعته عبر تنقية الصورة السلبية عن السلاطين والدفاع عنهم، كما إعادة كل فشل سياسي إلى صراعات النساء في أروقة القصور، فقد خدم هذان المسلسلان قضية مكمّلة. وهي قضية ذات طابع “هجومي” أكثر مما هو دفاعي، عبر إبراز هوية خاصة للأتراك، وتقديم فهم محدد لتاريخ هذا الشعب في مراحل متعددة، وربط وجوده على الأرض بمشيئة إلهية، وبث تنميط محدد للآخرين “أعداء الشعب التركي” و “عديمي الشرف” و “الصليبيين الكفار” و “الصهاينة”، إلخ.

يحكي المسلسل الأول قصة حياة أرطغرل بن سليمان شاه (والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية) كقائد قبيلة تركية تجمّعت حوله جميع عناصر تكوين دولة جديدة تحمل لواء الفتح الإسلامي بين عاميّ 1231 و 1281. وذلك في فترة عانى فيها العالم الإسلامي حالة من الشتات والضعف والصراعات.

يهتم المسلسل بالتفاصيل التزيينية وبالمضمون على حد سواء. من الناحية الأولى، تبرز الأزياء العسكرية القديمة بشكل لافت وأساسي بالمسلسل، وهذا ما يمكن أن يقدّم فهماً (أو تبريراً) لاعتماد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان أزياءً مماثلة لحرس قصره الجمهوري [2]. قول الرجل الأقوى في تركيا “نحن أحفاد هذه الشعوب والدولة العثمانية” [3] لا يكون بالكلام فقط، إنما في الرموز كذلك.

1 (6)

من ناحية المضمون، يبرز الخطاب الإسلامي بشكل واضح في المسلسل. فكل حدث له تبرير ديني، وكل خطوة تقوم بها القبيلة هي في سياق تنفيذ مشيئة إلهية. أما المتصوّف والعالِم الإسلامي “ابن عربي”، الذي يؤدي دور المرشد الديني لأرطغرل في المسلسل، فيُعنى بتقديم التبرير والمنطق الديني لكل شيء عبر ذكر الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الدينية والتاريخية والأمثال والحِكم عند التُرك. وبالتالي، إن ما يقوله المسلسل هو أن كل عمل خارج عن إرادة الله هو باطل، كما يؤكد على أهمية الدين في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويُعطي المسوغات التاريخية للقومية التركية، وهو ما يبرز كذلك في سياسات حزب “العدالة والتنمية” الداخلية اليوم بشكل دائم [4[.

أما أعداء التُرك في المسلسل فهم كثر. فحيناً هم المغول “البرابرة”، وحيناً آخر هم “الصليبيون”، وغالباً يتم تسميتهم جميعاً بـ”الكفار” ببساطة، وذلك في أسلوب يجعل من الجميع عدواً للأتراك. الأمر الذي يمكنه، إلى حد ما، تفسير السخط الشعبوي “الأردوغاني” من كل دول العالم الساعية إلى إضعاف بلاده. بالإضافة إلى ذلك، لا يكتفي المسلسل بالتنميط اللفظي الواضح بين الأتراك والآخرين، أو بين “الخير و الشر” كما يظهر في سياق حلقاته، إنما يُدخل التقنيات البصرية والألوان لتحبيب المشاهد بـ”قوى الخير” وتنفيرها من “قوى الشر”. ويتم ذلك عبر إظهار اجتماعات “الصليبيين” التآمرية مثلاً في زوايا القصور المعتمة. وإظهار أبناء القبيلة التركية بخيولهم البيضاء، فيما الأعداء بخيولهم السوداء. وعبر التذكير بأن الغرب يريد جعل الأتراك “يتبعون ملتهم” ويقومون دوماً بتعذيب السجناء، فيما التُرك يحترمون السجناء بشكل دائم ولا يريدون إلا الخير للإنسانية، وأمثلة كثيرة لا تحصى.

عدا أعداء الخارج، فإن لأعداء الداخل حصة الأسد من المشاهد وحبكة المسلسل. ففي القبيلة دائماً خائن يتعامل مع الأغراب لمصلحته الشخصية على حساب مصلحة الجماعة، ويؤسس منظمة أو أخوية لإقلاق راحة التُرك. الأمر الذي يبرز كأنه تدليل على أعداء الحكم التركي الحالي، الذين هم إما منظمة “العمال الكردستاني” الموصوفة بالحزب الإرهابي في القانون التركي، أو منظمة “فتح الله غولن” المتهمة بالقيام بمحاولة انقلابية عام 2016.

للأقليات الدينية والعرقية كذلك وجود في شخصيات المسلسل، ويتم إظهارها كمتيّمة بالتُرك وبجهادهم العسكري والديني والأخلاقي. فالأرمني (التاجر) يساعد الأتراك خلال الحرب، والكردي (الفقير) يقاتل إلى جانبهم، والمسيحية (الأميرة) تقبل الدعوة الإسلامية وتلعب دوراً في نشر الإسلام. ومثلما يؤكد المسلسل على احترام الأديان الأخرى وعلى سعادة أبنائها للعيش بين المسلمين، يؤكد كذلك على أن التُرك هم أصحاب الرسالة الأصلح في بث روح الإسلام وقيادة العالم الإسلامي. ويتم ذلك في الرسائل الدينية الواضحة التي يقولها بطل المسلسل، كما عبر تجاهل المسلسل للخلافة العباسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، على الرغم من أن “قيامة أرطغرل” اعتمد وذكر معلومات تاريخية وأسماء حكام وإمارات صحيحة تاريخياً.

نظرة المسلسل للأتراك وهويتهم وغايتهم تفيد، في نهاية المطاف، بأن قيادة العالم الإسلامي هي حق لهم. وهذا ما يفسر الخطاب التركي الإسلامي العالي النبرة تجاه قضايا “الأمة الإسلامية” ومحاولة مساعدتها. ومنها، مثلاً، إغاثة تركيا شبه وحيدة لمسلمي ميانمار [5]. كما قيامها وحيدة بمغامرة غير محسوبة لمحاولة فك الحصار عن قطاع غزة عام 2010. ومحاولة لعب دور طليعي في قيادة العالم الإسلامي عبر الدعوة إلى تنظيم “القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي” حول مدينة القدس في اسطنبول بعدما اعتبرتها الولايات المتحدة الأميركية عاصمة إسرائيل.

أما المسلسل الثاني فيتابع أبرز الأحداث التي جرت خلال الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه. أما أعداء الأتراك في مسلسل “عاصمة عبد الحميد” فهم البريطانيون والصهاينة الذين يمثل أحدهم دور تيودور هرتزل. ويتم إبراز هذا الناشط النمساوي اليهودي ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة كمخبول، حيث يسرق مؤلفاته من أعمال غيره، ويخون أصدقاءه، ويخطف والده ويعذبه، ولا عمل له سوى إسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة دولة إسرائيل. هذا ويقوم المسلسل ببث الكثير من الدعاية السلبية بحق دولة إسرائيل المفترضة واليهود، بشكل يتلاقى مع النبرة العالية التي يطلقها أردوغان وأعضاء حكومته بحقهما، وربط كل ما يجري من أحداث في العالم بمؤامرة ما يقودها اللوبي اليهودي كما بات يُردد دائماً في الإعلام التركي الرسمي والخاص [6[.

1-5

أما بالنسبة للأقليات، فكما هو حالهم في “قيامة أرطغرل” كذلك هو في “عاصمة عبد الحميد” الذي يُظهر بعضهم متنعمين بالسلام والأمن والغبطة للعيش في ظل الخلافة الإسلامية. إلا أن هذا المسلسل الأخير، يُظهر الأرمن والروم كمغرّر بهم، وتقودهم خفية جماعات غربية وصهيونية هدفها زعزعة استقرار السلطنة، وهو ما يشبه في نتائجه الانتقادات التركية الدائمة للأقليات و “مكرها” وعلاقاتها مع الغرب. وربما يفسّر كذلك بعض أسباب حصول اعتداءات على الأقليات الدينية والعرقية بين الحين والآخر.

وعلى الرغم من أنها كانت “الرجل المريض” في ذلك الزمن، إلا أن سلطنة عبد الحميد الثاني تبدو خارقة القوة في المسلسل، حيث يوعِز إلى الهنود بمهاجمة الإنكليز، ويدعم الإيرلنديين لتحصيل حقوقهم، ويساعد الاقتصاد الأميركي، ويرسل ظابطاً يستطيع سرقة الكتب البريطانية السرية من أرشيف الدولة. إلا أنه، كذلك، طيب القلب وإنساني، حيث يراقب، بعد الصلاة، الأطفال في الشوارع من شرفة قصر “يلدز”، ويصنع رجلاً خشبية لصبي أرمني مبتور الساق.

على هذا المنوال يتابع المسلسل إظهار جبروت الخليفة العثماني وفضائله الأساسية الثلاث: القوة، الإيمان والطيبة. وهذا تماماً ما حاول إظهاره “السلطان” الحديث أردوغان في شخصيته طوال سنوات حكمه. فهو القوي الذي لا يهرب، ويحارب الإنقلابيين وجهاً لوجه، ويرسل جيشه إلى سوريا.. والمؤمن المصمّم على إعادة الإعتبار للدين في بلاده، والذي يبني أكبر مسجد (شاملجا) في تاريخ الجمهورية على أعلى تلة اسطنبولية.. والطيب الذي يلتقي مع الناس في الشوارع ويزور منازل الفقراء [7]، ويستقبل الأفراد العاديين والاستثنائيين في قصره، ويعمل على تحسين الاقتصاد والظروف الاجتماعية لشعبه.

هذا ويبدو الدعم الذي يقدمه الحكم التركي لإنتاج هذه المسلسلات كثير الوضوح. وهو دعم لا يقتصر على انتاجها وتشجيع عرضها على شاشات الدولة، إنما يتعداه إلى زيارات ميدانية يقوم بها أردوغان إلى أماكن التصوير، واستقبال المخرجين وأبطال المسلسلات، والكلام عنها علناً بأسلوب دعائي يشجع الناس على حضور الحلقات المتتالية.

قد يبدو القول بأن هذه المسلسلات التاريخية هي تجسيد للواقع التركي أمراً مبالغاً به، إلا أن الإنصاف يقضي الإقرار بأن المسلسلات والواقع يتغذيان بعضهما من بعض. غير أن الأكيد هو أن سياسات الحكم التركي ومسلسلاته باتت أكثر وضوحاً في إبراز هوية الأتراك وغايتهم وقيمهم. فيما استحصل الحكم الحالي على شرعية استمدها من هوية شعبه “المصنوعة” من أجل تحقيق ما يسعى إليه، وهو قيادة العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال، إلا أنه لا بأس من المحاولة لتحقيقه، خاصة أن قيادة الدول والشعوب العربية للعالم الإسلامي ليست بتجربة ناجحة على جميع الأحوال.

نشرت أولاً على موقع مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

Advertisements

المعارضة التركية عن “جوائز الفن والثقافة”: السلطة تكرّم أفكارها!

جو حمورة

يصنع البعض الفن، فيما يسرقه آخرون وينسبونه لهم. يكفي الاستماع إلى الأغاني التركية الرائجة، مثلاً، ليكتشف المرء كم تعرضت ألحانها للسرقة على أيدي “الفنانين” العرب. قد تشتهر في بعض الأحيان، أغنية عربية ذات لحن مسروق، وتتفوق على شهرة الأغنية الأصلية في بلدها، فليست الموهبة والريادة فحسب ما يعطي العمل قيمته وشهرته، إنما يحصل عليه، غالباً، من الإعلام الذي يروّج له.

الإعلام أداة السلطة، وهو، كذلك، وسيلة الفنان. الأولى تروّج لمن تريده، والثاني يلهث وراء الإعلام للحصول على الشهرة والاعتراف. قد يتلاقى الطرفان عند مصلحة مشتركة، فيتحوّل فنان مغمور إلى نجم وحديث البلاد، فيما يخبو وهج غيره عند اشتباكه مع السلطة أو معارضته لها.

لطالما كانت تركيا منبعاً غنياً للفن وواحة ملأى برواده، غير أن فنانيها ممن تطلق عليهم صفات “القدوة” في الوقت الحالي، يتم تضخيم هالاتهم في مسارح السلطة وإعلامها. وهذا ما ظهر في الحدث الذي أخذ، خلال الأيام القليلة الماضية، حيزاً كبيراً من التداول الإعلامي وردود الأفعال، ودار حول الجوائز التي وزعها رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، لرواد الثقافة في بلاده، في 9 كانون الأول/ديسمبر الحالي.

وككل عام، نظمت رئاسة الجمهورية التركية، حفلة توزيع “جوائز الفن والثقافة”، لثلة من الوجوه التي أعلت الشأن الثقافي التركي. غير أن المعيار في اختيارهم لم يقم على أي أساس علمي أو إحصائي، إنما أختيروا بناءً على “حسّهم الوطني وسمة الوطنية التي يتحلّون بها ويحترمونها في تخصصاتهم”، كما جاء في الكلمة التي ألقاها أردوغان خلال حفلة توزيع الجوائز في مسرح القصر الرئاسي.

وكانت مجموعة من الفنانين الذين لم يحصدوا أياً من الجوائز الموّزعة، قد استنكروا استنسابية الحكم في التعاطي مع الفن والثقافة في تركيا. في هذا الوقت، ظهرت في الإعلام المكتوب والمرئي المعارض مقالات ومقابلات تلفزيونية لإظهار الحفلة فاقدةً للمصداقية، فركزت على إستنسابية اختيار الفائزين من جهة، وعلى دور السلطة التركية السلبي تجاه زملائهم من جهة أخرى.

وتميّزت الوجوه التي حصدت جوائز العام 2015 بقربها جميعها من السلطة السياسية، وعملها في الترويج لها بحسب الإعلام التركي المعارض. وعلى الرغم من أن الفائزين لا يفتقرون إلى الموهبة أو للشهرة من حيث المضمون، إلا أن قبولهم بتصدّر مسرح القصر الرئاسي جعلهم، من حيث الشكل، أقرب إلى الفئة المَرضي عنها من قِبل الحكم أكثر من أي أمر آخر. واعتبر الناقد السينمائي التركي المرموق، أتاليا دورساي، أن الحفلة “تفتقر إلى المصداقية، والجوائز أعطيت لمن لم يُبدوا أي معارضة للحكومة خلال الفترة الماضية”.

1

كذلك الأمر، تُعطي مجالات الفائزين واختصاصاتهم، صورة عمّا يفهمه الحكم التركي من كلمتي “فن وثقافة”. ففي مجال الأدب، فاز الأديب، راسم أوزدان أوران، المشهور بكتاباته المتمحورة حول الترويج للقيم والأفكار الإسلامية. أما الفنان أورهان كنجباي، فحصد جائزة القصر في مجال الموسيقى، وهو المعروف بألحانه التراثية ذات الطابع العثماني. ونال الكاتب محمد غنش جائزة في مجال العلوم الاجتماعية والتاريخ لمساهمته في تقديم دراسات جديدة حول التاريخ العثماني. كما حصد حسين كوتلو جائزة عن فئة الفنون التقليدية لعمله في مجال الرسم وفن التخطيط العثماني، بالإضافة إلى تكريم آخرين لمساهماتهم في إعلاء شأن الفن التركي.

لعل غاية السلطة التركية من هذه الحفلة إبراز الفنانين الذين حملوا إيديولوجيتها ودافعوا عنها، وقدموا أفكاراً تروّج للقيم الإسلامية والتاريخ العثماني، تماماً كما تفعل هي منذ سنوات، بحسب الإعلام التركي المعارض. فاستخدام الإعلام الحكومي ومسارحه من أجل تعزيز مكانة الفنانين الذين يحملون أفكار السلطة، لا شك أنه يصب في مصلحة هذه الأخيرة في نهاية المطاف. كما يؤكد على الشرعية الفكرية للقوى الحاكمة، والتي رعت وكرّمت الفن المرتبط بالقيم الإسلامية والتاريخ العثماني وجعلت منه المعيار لماهية الفن والثقافة التركية.

فمع إبراز هذه القيم وربطها بهوية الأتراك تزداد شرعية السلطة، وتتماهى هوية الأتراك المُروَّجة مع هوية السلطة السياسية الحاملة للقيم الإسلامية والفخورة بتاريخها العثماني. فيصبح التماهي أكثر بروزاً بعد جعل هذه القيم المساحة المشتركة بين السلطة والشعب، فيما يتحوّل الفنانون والمثقفون إلى حلقة الوصل بين الطرفين.

كذلك الأمر، وضع الكثيرون الحفلة، والفائزين بالجوائز، في إطار رد السلطة على الفنانين الأتراك الكثر الذين أبدوا سابقاً معارضتهم للسلطة التركية، كما الترويج لأفكارها عبر الفنانين الذين يشبهونها من حيث الخلفيات الإيديولوجية. في حين عمد آخرون، أمثال الناقد الأدبي التركي الأشهر، دوغان هيزلان، إلى التقليل من أهمية الحفلة، مؤكداً بأنه “لم ينتبه للأسماء التي فازت”.

إلا أن هذه الاعتراضات التي أطلقها بعض الإعلام التركي، لم تُعكر مزاج الفائزين في أي حال من الأحوال، فاختتمت الحفلة السنوية على وقع الكلمات المنمقة والمؤيدة للسلطة والشاكرة لها، كما على صور كثيرة تظهر ابتسامات الفائزين وأقاربهم.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية