لبنان الكبير وسوريا الكبرى

جو حمورة

منذ تأسيسها العام 1920، لم تكن الدّولة اللّبنانية، بمفهومها المؤسساتي، يوماً على خير. أمّا شعبها، فلم يكن يوماً متآلفاً، أكان في ما بين طوائفه، أو على شكل دولة وسياساتها عموماً. اليوم، تقفز الدّولة اللّبنانية، وشعوبها، إلى الهاوية. تنهار الدّولة أمام أعين اللّبنانيين المشغولين بقضايا الأوطان الأخرى، أمّا هي فلا حول ولا قوة، تستمر بالسّقوط وتفرّغ من مضمونها كلّما زاد تشعّب الأزمة السّورية.

4C9CAE1D-9DEF-4D80-8752-F77355F3B83E_mw1024_n_s_400350_largeشيءٌ ما يدفعنا للتفكير بالبدايات عند اقتراب النّهايات. أنشئت الدّولة اللّبنانية بعد جريمة موصوفة بحق سكّان الأطراف “اللّبنانيين”. هؤلاء، وتبعاً لتوصيات لجنة “كينغ كراين” الموكلة العام 1919، استطلاع آرائهم، لم يريدوا أن يكونوا جزءًا من دولة لبنان الكبير. لكن، وعلى رغم من رفضهم العام للدولة النّاشئة، مفضّلين الاندماج بسوريا الكبرى، ضمّوا إليها قسراً. لم يكن خيار سكّان الأطراف شاذاً عن منطق تاريخهم، فهم كانوا تاريخيّاً جزءًا من سوريا، وأرادوا أن يكونوا فيها، تبعاً لهويّتها الأكثرية الإسلامية. كذلك، كانوا ينظرون ولا يزالوا، إلى العمق العربي – الإسلامي باعتبار أنفسهم جزءاً أساسياً منه، متحسسين لقضاياه أكثر من بقية اللّبنانيين المؤيدين للبنان الكبير.

توالت الحوادث التاريخية، على وقع هذا الخلاف بالذّات. قسمٌ يرى نفسه جزءًا من عالمٍ أوسع من لبنان الكبير، وجزءاً لا يرى إلّا لبنان الأصيل، وأحياناً أطرافه التي جعلته بالجغرافيا “كبيراً”. أمّا صراعات اللّبنانيين اللّاحقة لتاريخ إنشاء دولتهم، فلم تكن سوى تعبير عن هذا الخلاف الجذريّ بين نظرتين للبنان: أكان في عدم المشاركة الإسلامية الفاعلة خلال الانتداب في دولةٍ لم يريدوا أن يكونوا جزءًا منها، أم في حوادث العام 1958 وما رأوه فرصة مناسبة لإحياء حلمهم القومي العابر للحدود، أم في الحرب اللبنانية التي جعلوها وسيلة لقلب النّظام وتغيير شكله وانتمائه، وذوداً عن حق الأطراف اللّبنانية وسكّانها بمغانم السّلطة أسوةً بالآخرين.

أمّا اليوم، فما زلنا نعيش الأزمة عينها. قسمٌ من اللّبنانيين، ذو طابعٍ ديني معيّن، يرى قضاياه مرتبطة بسوريا ويشعر في خلفيّته، الدّينيّة والتّاريخيّة بنفسه جزءًا منها. ولا تبتعد مشاركات أبناء طرابلس (الشام) وصيدا وعكار وعرسال، و”حزب الله” وبعلبك، في الحرب السّورية، عن هذا الإطار. تلعب هنا الخلفيّة التّاريخية والدّينية دوراً أهمّ من الجغرافيا، فبُعد مدينة صيدا الجغرافيّ عن سوريا مثلاً لا يمثّل حائلاً دون انخراط أهلها في ما يعنيهم وراء الحدود.

في المقلب الآخر، لا يرى مسيحيو لبنان الأزمة السّورية وحربها سوى فرصة مناسبة للتضامن الشّكلي مع الحلفاء، أو منبر لموقف يكسبهم بعض التّأييد الشّعبي لا أكثر. فيوم كان مسلمو لبنان يعلنون المشاركة بالحرب السّورية، كان مسيحيوه يفاوضون على قانونٍ انتخابي يؤمّن تمثيلاً أقوى لهم في أطراف دولة لبنان الكبير.

هذا هو عمق الصراع في لبنان، أما باقي الخلافات، السياسية والاجتماعية، التي تظهر حيناً لتعود وتهدأ أحياناً أخرى، فما هي إلّا تعمية على هذا الانشقاق العظيم بين اللّبنانيين، أو نتيجة مشوّهة له، أو ثانوي يعتّم عليه دون أن يلغيه.

توقّف زمن لبنان عند العام 1920، أمّا أهله، فلا ينفكّون عن إعادة إنتاج الأزمة اياها، بأشكالٍ مختلفة، مهما تغيرت الحوادث. هذا الصّراع، مؤبّد ومخفيّ، بين جماعتين مختلفتين في تاريخهما وتطلّعاتهما، أمانيهما وهويّتهما. واحدةٌ ترى نفسها جزءاً من عالمٍ أوسع من لبنان الكبير، وأخرى لا يعنيها، جديّاً، أي قضية أبعد من حدود دولتها، وسط اعتبار الحُكم السّوري الحالي لبنان جزءاً من سوريا الكبرى، فكيف السّبيل إلى بناء دولة حقيقيّة وأبناؤها لهم تطلّعات مختلفة إلى هذا الحدّ؟!

——————

لمراجعة المقال بصيغته الأصلية في جريدة النهار

Advertisements

يومٌ “مجيد” للشعوب اللبنانية!

جو حمورة

هذا يومٌ مجيد، نعم، إنه يومٌ مجيد ! يومٌ من الفرادة اللبنانية الطبيعية، يوم 21 آب 2012.

قسم من الشعب اللبناني يحتسي الكحول في شوارع جونيه، في مهرجان يهدف إلى التسلية، ومحاولة الدخول إلى كتاب “غينيس للأرقام القياسية” في تنظيم أطول “بار” كحولي في العالم.
وقسم آخر من اللبنانيين يرفع الرشاشات والقذائف في وجه طائفة أخرى بين جبل محسن و باب التبانة، محتسين رصاصات الموت، والتي غالباً ما تكون بحق المواطنين العزل. أما المقاتلين فبمعظم الأوقات يَسلمون.

Jounieh Longest Bar 2012

Jounieh Longest Bar 2012

قد يكون الحدث الأول في جونيه، سياحي استثماري يهدف إلى تمضية الوقت مع حفنة مِن مَن بقي من السياح، إلا أن دلالته، مقارنة مع الحدث الثاني، أكبر من ذلك. فإن إعتبرنا أن شرب الكحول هو من الأعمال التي يمارسها المسيحيون عادة، المتدينون وغير متدينون على حد سواء، لا المسلمون على اعتبار أن الدين الإسلامي يحرم الخمر، للأسف! ناهيك عن موقع الاحتفال في منطقة ذات طابع مسيحي، يمكننا أن نقر بسهولة أن الحدث منظم من قبل أناس مسيحيون ويشارك فيه مسيحيون، وإن شذ بعض الوجود الإسلامي المحبب من “المرتدين” ومتلبكي الهوية والانتماء الديني!

أما في المقلب الآخر، فهناك السّنة والعلويين، يمارسون رقصات الموت على وقع أزيز رصاص القنص والإنفجارات وصخب فوهات المدافع المتوسطة، بحفلة مجون حتى بزوغ الفجر لأسباب طائفية بحتة. من المؤكد أن عامل الفقر والحرمان الذي يعاني منه أبناء مدينة طرابلس هو سبب من أسباب اندلاع الاشتباكات، ناهيك عن مدى شدة الالتزام الديني من المقاتلين بما يحمل هذا الالتزام الديني الكبير من مضار تجعل الناس أكثر عنفاً، للأسف! إلا أن الواقع الحقيقي هو أن المقاتلين يمارسون حرباً طائفية، دفاعاً عن وجودهم وطائفتهم ومكاسبها السياسية والجغرافية والديمغرافية لا أكثر ولا أقل.

الداعية الإسلامي في طرابلس الشهال حاملاً الرشاش

الداعية الإسلامي في طرابلس الشهال حاملاً الرشاش

إن قارنا بين الحدثين، ومن دون اعتبار أن أي منهما هو راقٍ أكثر من غيره أو يحمل بطياته أي عمل جيد مقارنة مع غيره، يمكننا الاستنتاج أنه وببساطة هذه الطوائف، كلها، بممارساتها وأفعالها ومفاهيمها وأهدافها وأساليب عيشها لا تلتقي على شيء، سوى على الخوف من الآخر.

فنورد على سبيل الذكر لا الحصر بعض الأمثلة.
إن سألنا أحد العلويين اللبنانيين عن ماذا يعني له لبنان، هل سيكون رأيه كالماروني الساكن في جزين مثلاً؟
وإن سألنا عن من هو العدو، لأحد أبناء طائفة الشيعية في الضاحية الجنوبية لبيروت، هل سيكون جوابه  كمثل جواب ابن بشري مثلاً؟

إن سألنا أحد من دروز الشوف عن رؤيته إلى شكل علاقات لبنان الخارجية المحببة إلى قلبه، هل سيكون رأيه مماثلا لرأي الشيعي الساكن في الهرمل، أو السني الساكن في عرسال ؟

وأترك لكم تصور الأجوبة.

أما ما يعنيني هو القول بكل بساطة أنه في لبنان لا يوجد شعب واحد بل شعوب، وهذه حقيقة الأمر والواقع، مهما رفضناه أو كرهناه. إن المجموعات الطائفية المختلفة جذرياً على الأمور البديهية والتعريفات العادية والمفاهيم الوطنية العامة لا يُكوِنون شعبًا واحدًا. بل إنهم شعوب.

كيف نتأمل بالإستقرار إذاً في دولة لبنان الوحدوية ذات مجتمع تعددي؟ كيف نقيم دولة واحدة لشعوب عدة لا يلتقون على شيء !؟
وبعض الناس مازالوا يستغربون كيف أنه في لبنان لا يوجد إستقرار !!! طبعاً لن يوجد إستقرار في ظل هذا النظام السياسي الوحدوي.

21 آب 2012 يومٌ من الفرادة اللبنانية الطبيعية، ولبنان مقبل على أيامٍ “مجيدة” كثيرةٍ أخرى. للأسف !

لقد اتفقنا حسب النشيد أننا ” كلنا للوطن”، لكننا لم نحدد مفهوم واحد للوطن، فطبيعي أن يكون في وجدان كل طائفة: “وطن”.

———————–

راجع أيضاً:

عودة الحريري إلى… الطائفة !

مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي

ثلاثة أحزاب.. بالمشبرح

الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض