الانقلاب التركي الفاشل: دم، قانون وإعلام

نشرت خلال الأسبوع الماضي بضعة مقالات حول الانقلاب التركي الفاشل. يمكن الاطلاع عليها على الروابط التالية:

كاريكاتير عربي إيراني عن تركيا.. “يا فرحة ما تمت”

“إنقلاب” في 12 ثانية: إعلام تركي جادّ وعربي مسيّس

الإعلام التركي: العالم معنا.. فمن علينا؟

محاولة انقلاب وصراع على النفوذ: قضاة تركيا يدفعون الثمن

إعلان حالة الطوارئ في تركيا: السلطة “تنظف الدولة”

أردوغان: “انتقام” لمرة واحدة وأخيرة

“انقلاب” على الانقلاب: كيف سيحكم أردوغان تركيا؟

Supporters of Tukish President Erdogan celebrate after soldiers involved in the coup surrendered on the Bosphorus Bridge in Istanbul

Supporters of Tukish President Tayyip Erdogan celebrate after soldiers involved in the coup surrendered on the Bosphorus Bridge in Istanbul, Turkey July 16, 2016. REUTERS/Yagiz Karahan

كيف يتعامل الإعلام التركي مع إنفجاراته؟

جو حمورة

Ambulance cars arrive at Turkey's largest airport, Istanbul Ataturk

Ambulance cars arrive at Turkey’s largest airport, Istanbul Ataturk, Turkey, following a blast June 28, 2016.

لبنان، سوريا، العراق وتركيا. الإرهابيون يتجولون بيننا بحرية، وسيئو الحظ يموتون بالعشرات. بات الشرق الأوسط حمام دم لا ينتهي، وحفلات الجنون ورقصات الموت لا توفر أحداً. السياسي يستغل كل انفجار لإنتقاد خصمه أو للحصول على مزيد من الشهرة، فيما الإعلام يبث الرعب حيناً والطمأنينة أحياناً أخرى في قلوب المتابعين.

لا إعلاميين في تركيا يهرولون إلى مكان الجريمة للحصول على “سكوب”.. ولا اعلاميات يلحقنّ بالمصابين الى المستشفيات لسؤالهم عن “شعورهم”. الإعلام الرسمي وفرق الإسعاف وأجهزة الدولة الأمنية، وحدهم يتصدرون المشهد، وشوهدوا في الإنفجار الأخير الذي وقع في مطار أتاتورك الدولي، والذي راح ضحيته حوالى 40 بريئاً.

للإعلام الرسمي حصة الأسد من أي حدث ضخم يهز البلاد. هو أول الواصلين وآخر المغادرين. وهو الذي يبث ما يريده وما يجب أن يطلع عليه الناس، وما الذي يبقيه من “أسرار الدولة”. لا مشاهد دم على شاشات التلفزة، ولا جثث مقطعة الأوصال على نشرات الأخبار. وهذه طبعاً أصول المهنة التي لا يختلف حولها أحد. بل هي أخبار سريعة تقدم للمتابع آخر التطورات باحترافية، وبث للطمأنينة في رسائل نصية سريعة.

هذه هي السياسة الإعلامية الرسمية للدولة في حالات الطوارئ، إلا أن الأمور غالباً ما تخرج عن السيطرة. إذ يكفي أن يُرفع في “فيسبوك” فيديو للإنفجار التقطه بالصدفة أحد المسافرين، أو هاوي تصوير يظهر القتلى في “تويتر”، حتى يُفسدا كامل سياسة الدولة. فما أن تمر دقائق معدودة حتى يكون الفيديو والصور قد تمت مشاركتهما مئات آلاف المرات، فتصبح مشاهد الإنفجار قيد التدوال بين الجميع.

مع بروز أخبار الإنفجار وصوره، يُصبح هامش النشر أكبر للإعلام المعارض. النقل عن وسائل التواصل الإجتماعية يتسرب إلى الإعلام الخاص، ثم يتبعه الإعلام العالمي. في حين تقف الدولة وإعلامها الرسمي حائرين أمام خيارين، إما اللحاق بركب الإعلام الخاص ووسائل التواصل الإجتماعية التي لا تترك لحرمة الموت من قدسية، أو دفن الرأس في التراب من دون إظهار أي مشهد واضح للإنفجار. فتقرر الدولة أخذ قرار حظر مؤقت على نشر أي خبر يتعلق بالهجوم على مطار أتاتورك لوقف حفلة الجنون غير المضبوطة.

وكانت “الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون” التركية قد أعلنت حظراً على نشر أي من الأخبار الخاصة والإضافية على وسائل الإعلام بعد خروج الأمور عن السيطرة. في حين باتت وسائل التواصل الإجتماعية بطيئة، وولوجها صعب هذه المرة، على عكس الإقفال التام الذي تعرضت له خلال الإنفجارات السابقة في أنقرة وسوروج العام الماضي.

وتهدف سياسة الحظر المؤقت إلى التخفيف من وطأة الحدث من ناحية، والحفاظ على هيبة السلطة من ناحية أخرى. فالإعلام التركي المعارض لديه ميل دائم خلال الأحداث الدموية إلى بث المزيد من الصور والمشاهد واستضافة محللين وسياسيين يحمّلون مسؤولية الإنفجار لسياسات السلطة الحاكمة. بينما، في المقابل، يعمد الموالون للسلطة إلى استخدام الحجج نفسها تقريباً لكن عبر توجيه الإتهام للأحزاب المعارضة بإضعاف وحدة البلاد.

أما لمواجهة الإعلام الخاص، فوقع الإختيار، هذه المرة، على كبير مستشاري الرئيس التركي “ييت بولوت”. فاعتبر هذا الأخير خلال إطلالة إعلامية له بعد الإنفجار “أن بث تقارير مضخمة بعد كل تفجير يُظهر لا اخلاقية بعض المؤسسات الإعلامية، وعدم إحترافيتها في مجال الصحافة”، داعياً إلى تطبيق قرار “الهيئة العليا للإذاعة والتلفزيون” فوراً. وإذا كان مبدأ احترام الإنسان، حتى في موته، هو المبدأ الأخلاقي الواجب، فإنه قد يتم تسييسه من قبل طرفي الخصومة في الداخل التركي.

و”للهيئة العليا” صلاحيات واسعة على الإعلام التركي في الأيام العادية كما في فترات الأزمات. وهي عمدت، أكثر من مرة، إلى حظر النشر في أمور عديدة، كقضايا فساد بعض المسؤولين الكبار، ونشاطات عسكرية للجيش التركي وغيرها. في حين تتمتع الهيئة بصلاحيات واسعة تجعل من أي مؤسسة إعلامية عنيدة محكومة بالتعرض لعقوبات تبدأ بغرامات مالية ضخمة وتنتهي بالإقفال التام، الأمر الذي يدفع وسائل الإعلام إلى أخذ تحذيراتها دائماً على محمل الجد.

بعد “تهديد” المستشار التركي، وصدور قرار الهيئة، عاد الإعلام الرسمي ليسيطر على أخبار الإنفجار، فيما وقف الإعلام الخاص، والمعارض، خلفه مردداً أخباره والمشاهد التي يبثها حصراً. في حين بقيت وسائل التواصل الإجتماعية تغرد، وإن ببطء، على راحتها، وتبث كل ما تجده من أشلاء ودمار على هواتف الناس من دون مسؤولية تذكر أو إحترام للضحايا.

وبذلك، يصبح الحظر، وكسره أيضاً، أمرين مشوبين بإشكاليات أخلاقية ومهنية وسياسية.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

إيران تحيي “عوني”.. كاشف صفقات الفساد التركية

جو حمورة

1 (1)

لم تظهر أسماء تركية “وازنة” في فضيحة “وثائق بنما” بعد، وربما لن تظهر أبداً. ففي تركيا، عادة ما يتم تسريب تفاصيل عن النشاطات الاقتصادية والسياسية داخل البلاد أولاً، ويتم نشرها ضمن البيت الداخلي وعلى وسائل الإعلام المحلية، فتفقد بريقها وتأثيرها عند بلوغها العالمية.

تنتقد المعارضة الحكومة التركية، وتكشف عن بعض الوثائق بين الحين والآخر، فيرد المتهمون بفضائح مماثلة تطال المعارضين. فيتحول بعض الأفراد إلى المحاكم، ويستقيل آخرون كما يحصل في أي دولة ديمقراطية، لتعود وتسود فترة من الصمت تحضيراً لمعركة فضح قضايا فساد جديدة بعد فترة. وكانت أبرزها تلك الفضيحة التي طالت أربعة وزراء أتراك في العام 2014 وأدت إلى استقالتهم، والتي عمد إلى تسريب تفاصيلها حساب على موقع “تويتر” يحمل اسم  “فؤاد عوني“.

أخيراً، في 11 نيسان/ أبريل، عاد حساب “عوني” إلى الحياة بعد طول انقطاع. فغرّد عن خلافات بين رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو. واعتبر أن الأخير ما عاد في حسابات الأول الساعي إلى تغيير الدستور التركي “ليتناسب مع طموحاته السلطوية”، كما بدأ العمل على الضغط عليه من أجل دفعه للاستقالة بعدما “بدأ أوغلو يُبدي تمايزاً عن أردوغان في التعاطي مع المعارضة، والقطاع الإعلامي، والحرب مع الأكراد”.

ولهذا الحساب “التويتري” قصة مثيرة. إذ إنه عمد إلى تسريب كثير من التفاصيل عن شؤون السلطة وكواليسها في تركيا بين العام 2013 وبداية 2015، ومنها معلومات صحّت وأخرى لم تصح. في حين لم تستطع الحكومة أن تعرف هوية صاحب الحساب، على الرغم من أنها تشير دائماً إلى “أيادِ خبيثة تعبث بأمن الوطن”، وتتهم الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” والبيروقراطيين في أجهزة الشرطة وقضاة مقربين منه بالوقوف وراءه “بغية إضعاف تركيا”.

وعلى الرغم من أن حساب “عوني” الذي يتابعه نحو 3 ملايين مغرد يستخدم اللغة التركية، إلا أن الإعلام المحلي المرئي والمكتوب لم يكترث كثيراً “بالجديد” الذي أتى به. أكان بسبب حساسية الموضوع الذي طرحه، أو لأن الموضوع الذي طرحه ليس بجديد بسبب كثرة المقالات والتعليقات التي تؤكد كل فترة عن خلافات بين حكام تركيا.

غير أن الإعلام الإيراني الناطق بالعربية، ركز على الخبر وجعله أقرب إلى الحقيقة الحتمية، ونشرته قناة “العالم” على موقعها الالكتروني، فتبعتها معظم المواقع التي تدور في فلكها.

بعد “العالم” نقل موقع “شفقنا” العراقي- الإيراني الخبر، ثم تبعه موقع “أخبارك. نت” المصري وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطة بقناة “العالم” بشكل أو بآخر. ولم تكتفِ هذه الأخيرة بتعميم الخبر، بل أرفقته بصورة تظهر الشخصيتين التركيتين في حالة بكاء، لإبراز صورة تركيا الضعيفة التي تريدها إيران.

ولم تأتِ هذه الدعاية السلبية دون سياق عام، إذ إن الإعلام الإيراني الداخلي زاد من نسبة انتقاداته لحكام تركيا في الفترة الأخيرة، ما أدى إلى استدعاء السفير الإيراني في أنقرة بداية العام 2016 رداً على بث تقارير قاسية ضد تركيا في الإعلام الإيراني. كما يعمد المتحدثون باسم وزارة الخارجية التركية إلى انتقاد الإعلام الإيراني، بين الحين والآخر، لأنه “يبث الشائعات والكراهية ضدنا”.

من ناحية أخرى، تعامل الإعلام العربي الموالي لتركيا مع تسريبات “عوني” ومقالات الإعلام الإيراني بروية. فركز على عمق العلاقة بين أردوغان وأوغلو، وبثت المواقع الإلكترونية التركية- العربية المختلفة صوراً تظهرهما يفتتحان ملعباً لكرة القدم في اسطنبول ويلعبان الكرة، مبرزين عمق الصداقة التي تجمعهما والتي لا تستطيع بعض الأخبار الغامضة والمشكوك بصحتها أن تؤثر عليها.

ولم يستثنِ الإعلام التركي الناطق بالعربية إبراز صور الرئيس التركي السابق عبدالله غول في حالة انسجام مع الثنائي أردوغان- أوغلو. وذلك على الرغم من أن أسباب مغادرة غول السلطة، وتراجع تأثيره في الحياة السياسية التركية، تعود إلى الصراعات الخفية التي تتحكم بهذا الثلاثي، والتي بقيت دائماً خلف جدران القصور المغلقة والتكهنات، ولم تتحوّل يوماً “مانشيتات” فضائح على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

هكذا “حجّم” الاعلام التركي الخطاب الروسي

جو حمورة

تُقاس قوة حكام الدول بسياساتهم وبردود أفعالهم خلال الأزمات. أزمة اسقاط تركيا للطائرة الروسية في شمال سوريا، أظهرت حجم الارتباك لدى الدولتين. الجانب الروسي، بدا متخبطاً، وأظهر إعلامه شبقاً للانتقام جراء إسقاط طائرته الحربية قرب الحدود التركية – السورية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. فيما انتهج ساسة “غريمته” تركيا سياسة أكثر عقلانية، وفضّلوا البحث عن مخرج للأزمة المستجدة، لا تعميقها.

مع مرور أسبوعين على إسقاط الطائرة الروسية باتت الأزمة وراء الدولتين، واقتصرت المواجهة على بعض العقوبات الاقتصادية والسياحية هنا وهناك. فيما أظهرت الأزمة أن الإعلام التركي عقلاني وجدي أكثر، إذا ما قورن بالتصريحات المتضاربة والسياسات المبعثرة والشعبوية للإعلام الروسي.

turkey

التقييم الأخير لأداء الدولتين الاعلامي، أظهر أن كلاً منهما أولى أهمية لإقناع جمهوره بشكل أساسي بأن دولته تنجح في فرض سياساتها على الآخر، ولم يهدفا إلى ممارسة ضغوط معنوية جدّية على الدولة الأخرى. فنسي الجميع الطائرة الروسية وأسباب سقوطها بعد فترة، وانصرف الإعلامَ، في روسيا كما في تركيا، إلى شؤونه الخاصة.

في البداية، أثار إسقاط تركيا للطائرة الروسية زوبعة في فنجان العلاقة بين الشريكين الاقتصاديين. سُمع صدى أزمة الطائرة في أروقة الدول الكبرى، كما على الصفحات الأولى من الصحف العالمية. البعض توقع حرباً، وغيرهم أمل بانتقام روسي من تركيا، فيما قلل آخرون من شأن رد فعل الجانب الروسي، وفي مقدمهم الإعلام التركي.

وسعى الإعلام التركي إلى بث روح معنوية إيجابية في نفوس الأتراك كما فعل ساسة تركيا، فـ”لا حرب في الأفق مع الدبّ الروسي، والأزمة عابرة”. وأجمعت الصحف التركية الورقية كما تلك الإلكترونية، على مُسلّمة واحدة، إذ أنها أفردت، وبشكل غير اعتيادي، الكثير من المساحة للمقالات ولتصريحات الخبراء التي تؤكد حاجة روسيا الاقتصادية للسوق التركي.

كما أظهر الإعلام التركي “سذاجة” إدارة الجانب الروسي للأزمة بين الدولتين. فإلغاء بعض الجامعات الروسية لبروتوكولات التعاون مع أخرى تركية أخذ حيزاً مهماً في الإعلام التركي. كما قيام الشرطة الروسية بالتضييق، وطرد بعض الطلاب الأتراك من مساكنهم في موسكو، لا شك أنه أظهر للأتراك، على الأقل، ضعف الجانب الروسي وردات فعله “الصبيانية”.

واستغلت تركيا تعدّد سياسات روسيا الانتقامية ومحدودية معظمها في وجهتين. الأولى دفعتها للتقليل من قيمتها على الصعيد الإعلامي، فيما الثانية كانت دعوة لروسيا للجلوس على الطاولة “من أجل التفاهم”، من دون أن ترد على الإستفزاز الروسي بآخر. وكان تصريحان تركيان رسميان أخذا أهمية كبرى في الإعلام التركي خلال “المواجهة” مع روسيا، وتم تداولهما بشكل ضخم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية. أحدهما هو وصف رئيس الحكومة التركية، أحمد داوود أوغلو، التصريحات الروسية بـ”الدعايات السوفياتية البالية”، فيما كان الثاني هو التزام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالاستقالة من منصبه في حال أثبتت موسكو إدعاءاتها بأن أنقرة تتعاون مع “داعش” في مجال النفط.

الإعلام سلاح الدول والسياسيين. أوغلو وأردوغان، إلى جانب الإعلام التركي، غيّرا البروباغندا الروسية ضد تركيا، فبات على الجانب الروسي إثبات مصداقية اتهاماته أمام العالم، فيما أبدى الجانب التركي استعداده للذهاب حتى النهاية في تحدي موسكو. الدليل في مقابل الدليل، والتصريح في مقابل التصريح، والمقال في مقابل المقال. البروباغندا تقنع من يضع نفسه في مرماها، فانتهت “المواجهة” الإعلامية بأن أثبت الإعلام التركي للأتراك أن لا تأثير لروسيا وسياساتها فيهم.

كذلك الامر، أظهر الإعلام التركي وحدته في مواجهة التحدي. فمعظم أحزاب المعارضة ساند الحكومة في مواقفها وأعمالها، وكذلك فعلت المؤسسات الإعلامية التابعة لها أو تلك التي تدور في فلكها. وكانت حصة الأسد الإعلامية لحزب “الحركة الوطنية” القومي المعارض، المعروف بشراسته في معارضة الحزب الحاكم، وذلك عبر تأييده المطلق للحكومة ووضع نفسه في خدمتها. فالوحدة الداخلية تصبح عنصر قوة عند الأزمات الكبرى والمخاطر الخارجية، وتختفي ثنائية المعارضة – الموالاة إلى حين انقشاع غبار الأزمة وعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية