عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan, özel uçak TUR ile Azerbaycan’ın başkenti Bakü’ye gitti. (Aykut Ünlüpınar – Anadolu Ajansı)

 

من أكبر جنرال في الجيش إلى أصغر موظف في اتحاد كرة القدم التركي، لم تسلم جمعية أو اتحاد أو مؤسسة، رسمية وخاصة، من تغيير طالها في الفترة الماضية. أتى الانقلاب الفاشل كهدية للحكومة على طبق من فضة، وقدم لها إمكانية تغيير موظفيها بسهولة، كما فتح الباب أمامها لإعادة هيكلة المؤسسات وطرد من لا يواليها، تحضيراً لبسط نفوذها على مؤسسات الدولة كما على القطاع الخاص.

لا حكومة شرعية تريد انقلابيين يسعون لزعزعة استقرار البلاد في داخلها، ولا حكم تعرض لمحاولة انقلاب عنفية يتساهل، مبدأياً، في التعامل مع أخصامه. إلا أن كثرة الذين تعرضوا إلى العقاب، أكان عبر الاعتقال أو الإعفاء أو الفصل، تُبرز أعمال الحكومة كأنها قمعية وانتقامية أكثر من كونها دفاعاً عن أمن الأتراك وصوناً للقانون. من ناحية أخرى، ورغم ضخامة عدد الذين تمت معاقبتهم، والسرعة في انتقائهم، يبقى التغيير الأساسي هو الذي تعرّض وستتعرّض له أنظمة أعرق وأكبر الأجهزة الرسمية التركية.

المؤسسات العسكرية والأمنية والجهاز القضائي هي التي لديها، مقارنة مع بقية أجهزة الدولة، أكبر هاشم من الحرية في التصرف والعمل. فأنظمتها السابقة كانت تعطيها القدرة على العمل غالباً بعيداً عن أعين الدولة والحكومة، وتتمتع بقدرة على مزاحمة السلطة السياسية والتغريد خارج سرب قراراتها. في حين أن الانقلاب الفاشل فتح الباب أمام إعادة هيكلتها، وربط أنظمتها أكثر بالسلطة السياسية المركزية لتكون جزءاً منها وليس كمنافسة لها.

في هذا المقال نلقي الضوء على آخر عمليات معاقبة الانقلابيين وموظفي الدولة في تركيا، كما التغييرات التي طالت المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية. هذا بالإضافة إلى قضايا قانونية أخرى مثل السعي إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وقضية تسليم الولايات المتحدة الأميركية للداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

الطرد القانوني غير أخلاقي.. أميركا لا تسلم غولن

مع مرور أكثر من شهر على فشل المحاولة الانقلابية لم ترسِ التقارير القادمة من تركيا على رقم نهائي للمحجوزين والمطرودين. إلا أن الرقم الرسمي الأخير الذي أعلنه وزير الداخلية التركي “أفكان علاء” في 11 آب / أغسطس أشار إلى أن عدد المطرودين من وظائفهم قد بلغ 76 ألفاً، كما تم احتجاز 5171 شخصاً وألقي القبض على حوالى 17 ألف آخرين[1].

قد تبدو هذه الأرقام الضخمة مفاجئة لشعوب الدول الصغيرة المجاورة للدولة التركية، إلا أن هذه الأخيرة توظّف حوالى 150 ألفاً في السنة الواحدة، كما إن أعداد موظفيها الإجمالي يصل إلى عدة ملايين، فتكون بالتالي نسبة المطرودين بسيطة جداً بالمقارنة مع العدد الإجمالي. من ناحية أخرى يُشكل طرد الموظفين جماعياً “تقليداً” تركياً يتم دائماً بعد العمليات الإنقلابية، ولم يكن آخره اعتقال أكثر من 120 ألف شخص من “غير المرغوب بهم”  بعد انقلاب العام 1980 بأشهر قليلة[2]، وبضعة عشرات آلالاف بعد انقلاب العام 1997.

هذا التخفيف من حجم الطرد الجماعي لا يبرر فعله على جميع الأحوال، ولا هو إقرأ المزيد

Advertisements

“إنقلاب” في 12 ثانية: إعلام تركي جادّ وعربي مسيّس

جو حمورة

15 (2)

بمكالمة مجانية واحدة، استطاع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن “يحرق” ملايين صرفت على إنقلاب عسكري فاشل. فما أن بدأت أخبار قيام الجيش بالسيطرة على المرافق العامة في أنقرة واسطنبول حتى استخدم رجب طيب أردوغان سلاح الشعبية الفعال، ولم يكلفه الأمر إلا هاتف بسيط وتطبيق مجاني إسمه “فايس تايم”.

12 ثانية فقط استغرق كلام أردوغان عبر “فايس تايم” ليحث الناس على “النزول إلى الشوارع للحفاظ على الديمقراطية”. فيما تم نقل كلامه على قناة CNN turk التركية بشكل استثنائي عن طريق إبراز صورته الخارجة من هاتف محمول على الشاشة التلفزيون. إلا أن تلبية نداء أردوغان السريعة لم تمنع الجيش من الإستمرار بمحاولة الإنقلاب، فيما وُضعت المحطات التلفزيونية كلها في مأزق حول كيفية متابعة مجريات الإنقلاب وأسلوب تغطيته.

وكأي محاولة إنقلاب عسكرية، باشر الجيش التركي بالسيطرة على محطة التلفزيون الرسمية، فنجح في الدخول إلى مبنى تلفزيون “تي أر تي” بسرعة وبث عليها بيانات إنقلابه و”سيطرة الجيش على الحكم”. في حين راحت المحطات الأخرى الموالية للسلطة تدافع عن الديمقراطية والشرعية، وتبث معظم الوقت كلام أردوغان وصوراً “للشعب الغاضب والرافض لعودة الديكتاتورية”.

إلا ان سيطرة العسكر على محطة “تي أر تي” الرسمية لم تستمر طويلاً، إذ تم “تحريرها” بعد ساعتين من الدخول إليها وطرد معظم الموظفين منها. فعادت المحطة التي تملك قنوات تبث في اللغات التركية والعربية والإنكليزية إلى كنف الحكومة لتتابع تشجيع الأتراك على النزول إلى الشارع ومعارض الحركة الإنقلابية.

اللافت ان المحطات التلفزيونية المعارضة تجاهلت الموضوع والتزمت الصمت تجاه الأحداث بداية، ثم عادت والتحقت بالإعلام الموالي للدفاع عن السلطة. كما تم الدخول إلى بعضها وتعطيل بثها لساعات، كما حصل مع “مجموعة دوغان الإعلامية” التي تملك العديد من المحطات والجرائد والمواقع الإلكترونية ذات التوجه العلماني. كذلك الامر، تم حجب مواقع “السوشيال ميديا” كـ”تويتر” و “فايسبوك” بشكل شبه كامل بعد ساعة واحدة من الإعلان عن بداية الإنقلاب، الأمر الذي جعل من متابعة الأتراك لما يجري في بلادهم أصعب من العادة.

وخلافاً للإعلام التركي، كان الإعلام العربي على العكس، مسيساً جداً وقليل الموضوعية في نقله لمحاولة الإنقلاب. فإن كانت معظم المحطات التركية، الموالية منها والمعارضة، قد رفضت الإنقلاب وشجعت على معارضته بشكل مقبول وخالٍ من التخوين الجارح والمس بهيبة الدولة والبلاد والجيش، إلا أن بعض الإعلام العربي حمل قضية الإنقلاب على أكتافه وجعلها قضيته.

محطة “الجزيرة” إلتزمت الموضوعية في نقلها للحدث الآتي من تركيا، ثم باتت أكثر شجباً له مع بروز بوادر فشله. أما محطة “الميادين” فبدت فرحة “لسقوط أردوغان المدوي.. ولدفع أنقرة ثمن التدخل في شؤون دمشق”. في حين راح ضيوفها يهللون لـ”إنتفاضة الجيش وعودة الديمقراطية” ويعتبر بعضهم، كالعميد المتقاعد أمين حطيط “أن الإنقلاب ناجح ناجح ناجح”، دون أن ينتبه الخبير الإستراتيجي إلى أن أجهزة الشرطة والمخابرات العامة ومعظم قيادات الجيش وفرقه، باستثناء الجوية، تبرأت من محاولة الإنقلاب وعملت على إفشاله.

مع بزوغ ساعات الفجر الأولى، ملأ الاتراك معظم ميادين تركيا وسيطروا على أغلب دبابات الإنقلابيين، كما كرر أردوغان دعواته من على الشاشات هذه المرة “للوقوف أقوياء في وجه أعداء البلاد”. هذا في وقت كانت لا تزال بعض المحطات العربية تغطي على حزنها بفشل الإنقلاب بالتوعد بـ “أن سقوط أردوغان قادم عاجلاً أو آجلاً”.

ككل حدث مفاجئ، سريع ومهم يقع الإعلام أمام إمتحان التعامل معه، إلا أن تجربة محاولة الإنقلاب أبرزت أن المحطات الإعلامية التركية بمختلف مشاربها، جادة ومسؤولة وتهتم لمصالح بلادها. كما أبرز الحدث مجدداً أن الإعلام العربي مسيس جداً، كثير العواطف والتمنيات، وقليل الموضوعية.

نشرت أولاً على موقع جريدة المدن