غجر تركيا.. زمن الرقص لم ينتهِ بعد

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

hurriyetdailynews.com

تُصارع معظم الأقليات التركية قدرها من أجل انتزاع الاعتراف بها من قِبل السلطة. تحرز بعض الأقليات تقدماً نحو هدفها من أجل تحقيق حقوق خاصة، فيما تتراجع غيرها ويتم دمجها “قهراً” مع الأكثرية. إلا أن أغلبها لا تتغير أوضاعها على الرغم من كثرة نضال أبنائها الاجتماعي والسياسي والثقافي والقانوني.

وتتعدد الأقليات التركية بشكل يصعب حصره وتبيان ظروف كل منها، إلا أنها تقسم إلى مجموعات ثلاث هي الأقليات الدينية – الطائفية، والأقليات القومية – الإثنية، والأقليات ذات الطابع الاجتماعي. ونادراً ما تضيء المقالات العربية والأجنبية على أوضاع أقليات تركيا الاجتماعية، على الرغم من خصوصيتها. ومنها الأقلية الغجرية التي تُشكل واحدة من أكثر الأقليات تمايزاً وفقراً، كما الشاهدة في السنوات القليلة الماضية على الكثير من التطورات.

ولا تحبّذ الدولة بإيديولوجيتها القومية التركية غالباً، الاعتراف بأي وجود وتمايز في المجتمع، وتسكنها نزعة وقناعة بأهمية وحدة الشعب. فتكتفي ببث أفكارها ونظرياتها القاهرة للأقليات المتعددة، وذلك بغض النظر عمن يحكم تركيا، سواء كانوا علمانيين أو قوميين أو إسلاميين. إلا أن السلطة تفتح أحياناً بعض المجالات وتعطي بعض الحقوق للأقليات من أجل اجتذاب أصواتهم الانتخابية، أو التهدئة من “روعهم” واندفاعهم النضالي، أو من أجل إظهار تركيا كدولة تحترم التعددية الثقافية وإبراز هذا الامر كنقطة إيجابية تقربها من مسعاها للدخول إلى الاتحاد الأوروبي.

في هذا المقال، نناقش أوضاع الأقلية الغجرية في تركيا بعد التعريف بها. كما التعدّي على حيّهم الإسطنبولي وتدميره، ما أدى إلى تشتت أعضاء مجتمعهم. بالإضافة إلى الإصلاحات و”العطاءات” التي تقدّمها السلطة لهم بين الحين والآخر، كما نضالهم السياسي والاجتماعي من أجل تحقيق حقوق خاصة وحصولهم على الاعتراف بالتمايز والوجود.

من هم الغجر؟

تشير معظم الدراسات الأكاديمية إلى أن أصول الغجر تعود إلى شبه القارة الهندية، حيث قام العديد منهم بمغادرتها في القرن الحادي عشر في اتجاه الغرب، فسكنوا إيران وتركيا والقوقاز والبلقان وأوروبا. وكانوا يأتون إلى تلك البلاد يوم كانت ممالك قوية للعمل في مجالات الترفيه كالرقص وعزف الموسيقى في قصور أصحاب السلطة والنفوذ. ثم استوطنوا لاحقاً الأراضي التي قدموا إليها، وسكنوا، غالباً، في ضواحي المدن الكبرى والعواصم.

وفي غالب الأمر، تبنّى الغجر القادمون إلى الأراضي الجديدة دين سكانها. فغجر البلقان هم في معظمهم من إقرأ المزيد

صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

جو حمورة

لا يمكن القول إنّ الحكم الأخير الذي أعلنته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حول حقوق العلويين الأتراك، غير واقعيّ. هذا وصف “ملطّف” لواقع كُبرى الأقليّات الدينية في تركيا، كما هو حكم من جملة أحكام وقرارات أوروبية وتركية كثيرة صدرت سابقاً لصالحهم، وعلى الأرجح أنها لن تكون الأخيرة.

الحكم الصادر في الثاني من كانون الأول، أكد على حق العلويين الأتراك باعتراف حكومتهم بأماكن عبادتهم، واعتبارها مراكز دينية تتمتّع بالصفة القانونية ذاتها التي تتمتع بها الجوامع والكنائس في تركيا. ولهؤلاء مراكز عبادة تسمى “بيوت الجمع” (Cemevis) وهي، حتى اليوم، لا تُعتبر في القانون التركي سوى مراكز ثقافية فقط. هذا الواقع القانوني المجحف لا يشذ عن نظرة الدولة التركية -سابقاً وحالياً- إلى العلويين الأتراك. وهي تتلخص باعتبارهم مسلمين فقط، من دون الاعتراف بهم كطائفة أو دين متمايز عن الأكثرية السنيّة التركية.

في تركيا، يسكنُ العلويين في طول البلاد وعرضها، وخاصة في وسطها الأناضولي، ويُسمّون بالـAlevis. ما من مرادف عربي علمي لهذه الكلمة، إلا أنّ الرائج استعمال كلمة “عليهيين” للدلالة على هذه الطائفة المكوَنة من 12 إلى 18 مليون نسمة وفقاً للإحصاءات المتباينة. وهم يختلفون عن العلويين الذين يسكنون في سوريا وإقليم هاتاي (إسكندرونة)، والذين لا يتعدى عددهم المليون ونصف المليون نسمة في تركيا على أبعد تقدير. كذلك، يختلف الإثنان من حيث الأصول القومية؛ ففي حين أن العلويين الأتراك هم تُرك (وبعض الكُرد) ولغتهم الأم هي التركية، فإن العلويين السوريين هم عرب اللسان.

alevi-2

عدا عن الاختلافات القومية والعددية والجغرافية، يتمايز الطرفان كذلك من حيث النشأة والإيمان الديني. من ناحية الأصل، يعود نشوء العلويين الأتراك إلى القرن السادس عشر في أذربيجيان على يد الشاه إسماعيل الذي أسس العلوية في البدء بالارتكاز على الصوفية. في حين تعود أصول العلويين السوريين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون، وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية والفارسية. كذلك يتشعب الاختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنّهما وإن اعتبرا نفسيهما فرعين من فروع الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين السوريين هم طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال، وتُلقّن لعدد محدد من أبناء الطائفة. من جهة أخرى، فإن لعقيدة العلويين الأتراك تفسير فضفاض نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين. كما تجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية الموجودة في الأناضول قبل الإسلام.

منذ قيام “الدولة الأتاتورية” ذات الايديولوجية القومية عام 1923، كان العلويين الأتراك من منظّريها وبُناتها الأساسيين. كما انخرطوا بالحركات المؤيدة للحكم القومي التركي، ودافعوا عن علمانية النظام المفترَضة. فمصالح الأقليات بشكل عام تبقى مضمونة في الأنظمة ذات الصبغة العلمانية، وذلك عبر تأمين تساويها مع أبناء بقية الطوائف والأديان ذات الأكثرية العددية. إلا أن الانقلاب العسكري الدموي الأخير، والذي قادته تجمعات من النخب القومية والعسكرية التركية عام 1980، راح يستخدم الدين الإسلامي “الرسمي” (السني) لصبغ حكمه الجديد بالشرعية الشعبية، ما أدّى إلى فقدان العلويين لمكتسبات النظام العلماني في ما يخص المساواة. بالإضافة إلى أن صعود الإسلام السياسي، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، أدّى إلى ردّات فعل لدى الأقلية العلوية زادت من الوعي الطائفي عند أبنائها وتمايزهم الثقافي عن الأكثرية السنيّة في تركيا.

هناك عوامل ذاتية أخرى عزّزت الوعي الطائفي لدى العلويين. فقد كان لأحداث مجزرتي “سيواس” و “غازي” عامي 1993 و 1995 على التوالي (والتي راح ضحيتها حوالي 50 مثقفاً علوياً)، تأثيراً كبيراً في هذا الوعي، إذ شكلتا نقطة تحوّل كان لها شأن في تزايد النقمة والإحساس بالمظلومية والتمييز عن بقية الأتراك. من ناحية أخرى، لعب المهاجرون الأتراك في أوروبا، خاصة في ألمانيا، دوراً حيوياً خلال العقدين الأخيرين، عبر بث النشاط الثقافي والديني وإحياء الأدب والتاريخ العلوي، ما حفز الوعي عند أقرانهم في الداخل التركي.

ساهمت كل هذه التطورات والأحداث في ايقاظ هوية العلويين الدينية، وشجّع البعض على العودة إلى الإيمان الخاص، كما شجع الآخرين على التخلّص من ممارسة التقيّة الدينية في المجتمع. بالتوازي، أدى ذلك إلى صعود الحركات المؤلفة من مؤسسات دينية وثقافية ونوادٍ كممثلة للطائفة، وباتت لاعباً أساسياً في السياسة الداخلية التركية، ولها مطالبها السياسية والدينية والتربوية الخاصة.

في السياسة، يطالب العلويين بوقف أسلمة الدولة والمجتمع، وبالمساواة في التمثيل السياسي في السلطات التنفيذية، الحكومية والبلدية، إضافة إلى إعلان يوم عاشوراء عيداً وطنياً. أما دينياً، فيطالبون بالاعتراف بـ”بيوت الجمع” كمراكز دينية، وبالتالي إعفاءها من الضرائب، والسماح بإنشاء مجلس خاص للطائفة يدير شؤونها ويتلقى المساعدات الحكومية، أسوة بالمجلس السنّي الرسمي. بالإضافة إلى ذلك، يطالبون بوقف “تسنين” القرى العلوية، ووقف بناء المساجد فيها، وهي ممارسات بدأت منذ إنقلاب عام 1980 ولا تزال مستمرة حتى اليوم. أما في الشأن التربوي، فيطالبون بجعل التعليم الديني في المدارس اختيارياً لا الزامياً، إضافة إلى إدراج العلوية كإحدى الطوائف في البرامج التعليمية.

A protester holds a banner reading "we are alevi" as he and many others wait to hear the decision of the court in front of a courthouse in Ankara

هذه المطالب تتعارض مع النزعة الإسلامية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا. فمنذ عام 2002، طبق هذا الحزب بقيادة رجب طيب أردوغان سابقاً، ورئيسه أحمد داوود أوغلو حالياً، أسلمة ناعمة للمجتمع والدولة في معظم المجالات. إلّا أن هذه الأسلمة تحوّلت إلى أسلمة صريحة وعميقة منذ عام 2011، بعدما حجّم حكام تركيا المدنييون قدرة الجيش التركي العلماني على التدخل في الشؤون السياسية. فكانت النتيجة أن أصبحت قوى الإسلام السياسي أكثر تحرراً في تطبيق ما تريده، فانتهج حكام تركيا سياسة متصاعدة في تطبيق إصلاحاتهم المحافِظة ذات الجذور الإسلامية.

كعادتها، وقبل كل انتخابات، تقوم حكومة “العدالة والتنمية” ببعض الإصلاحات تجاه الأقليّات. ومن المتوقع، بحسب تقارير صحافية وتصاريح رسمية، أن تعلن الحكومة التركية عن حزمة إصلاحات جديدة مطلع عام 2015 لكل من العلويين والأكراد. إلا أن الإصلاحات المتعلقة بالعلويين، والتي ستأتي قبل الإنتخابات النيابية في صيف العام ذاته، لا يبدو أنها ستلبي أياً من رغباتهم. وستقتصر هذه الإصلاحات على السماح بتعليم المبادئ العلوية في المدارس كثقافة خاصة لمجموعة من السكان، وليس باعتبارها طائفة مستقلة كما يُطالب أبناءها، بالاضافة إلى إعفاءات ضريبية على “بيوت الجمع” من دون تصنيفها كمراكز عبادة.

في المقابل، يُبدي أوغلو كما سلفه أردوغان، تسامحاً نظرياً ولفظياً تجاه العلويين، وذلك عبر خطبه السياسية والأكاديمية المتتالية التي تؤكد على الوحدة التركية والتاريخ الإسلامي المشترك. إلا أن هذا التسامح النظري لا يُترجم عملياً عبر قوانين جديدة أو إصلاحات جذرية تلبي طموحات ومطالب فئة كبيرة من الأتراك بحسب فهمها لذاتها ولهويتها. إنما يكتفي بالتشديد على شرعية الإسلام السنّي الضامن والجامع تحت جناحه لكل توجه ديني وثقافي آخر في البلاد. ومردّ ذلك يعود إلى فهم السلطة وحكامها المتعاقبين للعلوية من منظار سنّي حصراً، واعتبارهم جزءاً من هذا الإسلام، لكن “تشوبه” كثرة طغيان الصوفية والتشيّع عليه ويجب “تسنينه”.

نشرت أولاً على موقع حوارات

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

تركيا بين “العلويين” و”العليهيين”: الولاء للوطن أولاً

جو حمورة

بسبب حاجتها لحلفاء في مواجهة ألمانيا النازية، قامت الدولة المنتدِبة، فرنسا، “بإهداء” لواء الإسكندرونة السوري لتركيا منذ 75 عاماً بالتّمام والكمال. فأضحى اللواء ذو الأغلبية العلوية حينها، أرضاً تركية، مما أدى إلى انقسام “الساحل العلوي” بين بلدين، وتحوّل العلويين في تركيا، منذ العام 1939، إلى أقلية في دولةٍ يشكّل فيها المسلمين السنّة أكثرية شبه مطلقة. أمّا اليوم، وبعد تضخيم أرقامها ودورها في تركيا، “تُستغَل” الأقلية العلوية إعلاميّاً من بعض المدافعين عن النظام السوري لإظهار أن تركيا تخشى التوّرط في سوريا خوفاً من حراكٍ علوييٍ داخليٍ ما، كما الربط بين العلويين في تركيا وإنتماءهم “الصافي” الى سوريا.

عند فحص واقع الأقليات في تركيا نجد نتائج مخالفة لتمنيات المراهنين على حراك علوي مفترض فيها. ذلك لأنه، وعلى عكس المعتقد، لا يشكّل العلويين أكثر من مليون فردٍ في تركيا، مؤلفين ما نسبتة 1.3في المئة فقط من سكانها البالغين 75 مليوناً. بينما الأقلية الحقيقية الأكبر حجماً والأكثر تأثيراً في تركيا هي الطائفة المسماة الـ Alevis والتي لا تملك مرادفاً علمياً لها في اللغة العربية إلا أنّ التعبير الأكثر إستخداماً لها هو “العليهية”. وتختلف هذه الطائفة عن تلك العلوية أكان من ناحية الأصول أو الإيمان أو الانتماء الإتني، بالرغم من كثرة الكتابات الصحافية المغلوطة، وبضعها مقصود، والتي تمزج بين الطائفتين على اعتبار أنّهما واحد.

من ناحية الأصل التاريخي، يعود نشوء “العليهيين” للقرن السادس عشر في أذربيجيان على يد “الشاه إسماعيل” مؤسس الطريقة الصوفية فيها. في حين تعود أصول العلويين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية أو الفارسية. كذلك يتشعب الإختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنهما وإن اعتبرا نفسيهما فروعاً من الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين هم جزءً من طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال ويتلقنها عدد محدد من أبناء الطائفة. بينما لعقيدة “العليهيين” الأتراك تفسير فضفاض نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين، وتجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية التي كانت موجودة في الأناضول قبل الإسلام. أما أعدادها فتبلغ حوالي 15 مليونٍ من الأتراك مقسمين في كل البلاد وخاصة في وسطها، ولا يمتّون للنظام السوري وحكامه العلويين بأية صلة دينية أو مذهبية.

A protester holds a banner reading "we are alevi" in Ankara March 13, 2012.

A protester holds a banner reading “we are alevi” in Ankara March 13, 2012.

أمّا إتنياً، فيتألف “العليهيون” في تركيا من أعراق التركمان والكُرد، ويتكلم كلٌ لغته. بينما العلويون هم عُرب اللّسان، لكنهم وبسبب وجودهم ضمن الدولة التركية لعقود عدّة باتت لغتهم الأولى التركية، مستبدلين اللغة العربية التي لم يحتفظ بها إلا كبار السن وبعض المتخرجين سابقاً من الجامعات السورية.

في السياسة، ينتمي معظم “العليهيين” إلى الأحزاب “العلمانية” اليسارية والقومية، ويرأس حزب “الشعب الجمهوري”، المعارض الأبرز للحزب الإسلامي الحاكم، “عليهي” هو “كمال كيلتشدار أوغلو”، وينقسم حزبه إلى جناحين يشكّل الجناح “العليهي” التيار الأبرز فيه. فلكأن الأحزاب الأساسية التركية أضحت في العمق، منذ عقدٍ من الزمن، ممثلة كلّ لطائفةٍ ما، ففي حين يتحزب “العليهين” لحزبهم المعارض بغطاءه “العلماني”، يتحزب السنّة في الحزب الحاكم بغطاء الدولة والنظام والدستور العلماني. في تركيا يحافظ الجميع على العلمانية في الشكل لكن لا تغيب طائفية التركيبة الإجتماعية والانتماءات الحزبية والممارسات السياسية عن الواقع التركي.

أمّا العلويون الأتراك فلا أحزاب سياسية خاصة وفاعلة لهم، وهم لا يشكّلون في مطلق الأحوال أي تأثير يحسب له حساب داخل البلاد أو خارجها، خاصة بسبب مكوثهم الطويل في الداخل التركي ما جعلهم، في غالبيتهم، أتراك الانتماء أولاً، في حين لا يرتقي المتعاطفون منهم مع النظام السوري إلى حد القيام بردة فعلٍ أكثر من التعاطف النظري. بينما كان لهؤلاء القلة من المؤيدين بقوةٍ للنظام السوري فرصة الانضمام إليه سابقاً مع اندلاع الثورة السورية، فقاموا بالتوجّه إلى الساحل السوري للدفاع عن الطائفة وحُكمها، ومنهم من مات ومنهم من بقي في الساحل السوري إلى اليوم يدافع عن الطائفة وعن ما تبقى من النظام السوري.

من ناحية أخرى، تتدخل تركيا في الشؤون السورية بطرق خفية حيناً وعلنيةٍ أحياناً، لكنها في تدخلها الأخير في الساحل السوري في ريف اللاذقية لم تأخذ، تماماً كما في المرات السابقة، في عين الإعتبار أي حراكٍ علويٍ داخليٍ محتمل، ذلك لأن قدرتهم محدودة نتيجة أعدادهم القليلة وإندماج معظمهم في المجتمع التركي. حتى أنّه، وخلال تزامن التدخل التركي الأخير في سوريا، فاز الحزب التركي الحاكم في معظم المدن التي يسكنها العلويون في الإنتخابات المحلية في 30 آذار الماضي.

في العودة إلى لواء الإسكندورنة أو ما بات يعرف تركياً بإقليم هاتاي، وبعد أن “سلبته” تركيا عام 1939، تخلّى الرئيس السوري حافظ الأسد عن حق سوريا فيه في التفاهمات التي سبقت “اتفاقية أضنة” عام 1998 التي أجبر على توقيعها مع تركيا بعد أن استغلت هذه الأخيرة تحالفها المتين مع إسرائيل لتشكل معها “كماشة” على الدولة السورية. في حين لا يبرز هذا التخلي الإنهزامي لوحده عن فقدان سوريا كل شرعية في المطالبة في اللواء وسكانه العلويين، بقدر ما تبرز تجربة وأهمية انتماء هؤلاء المستجد لوطنهم تركيا بشكل يفوق إنتماءهم الديني وارتباطهم مع سوريا.
تجربة ربما يحتاجها بعض اللبنانيين ليقدموا الانتماء إلى لبنان على الانتماء إلى النظام في سوريا!

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 نيسان 2014 (العدد رقم 1453)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا