الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -5-

جو حمورة

القسم الأول من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا، والقسم الثاني هـنـا، والقسم الثالث هنــا، والرابع هنــا.

قد نظن أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

صورة مقاتل زغرتاوي (يمين الصورة)، زحلاوي، و درزي (شمال الصورة) تعود للعام 1873.

صورة مقاتل زغرتاوي ماروني (يمين الصورة)، زحلاوي، و درزي (شمال الصورة) تعود للعام 1873.

طول ما النصراني صايم، طول ما الشتي قايم. (مثل يقوله المسلمون، ويعني أن صوم المسيحيين ينتهي مع بداية الطقس المعتدل)

عكروت التلة، لا ببصوم ولا بصلي (مثال يُقال للذي يعيش وحيداً، أو للذي هو متكبر ويتصرف بشكل مخالف لمجتمعه)

بعيد البربارة بياخد النهار من الليل نطة فارة (عيد البربارة هو عيد مسيحي خاص بالكنائس الشرقية، وهو ما يعني أنه في عيد البربارة يبدأ النهار بأن يصبح أطول والليل أقصر وذلك قبل قدوم الربيع)

صوم عن الخبث قبل ما تصوم عن الخبز (تصح لجميع الطوائف، وتعني أن الامتناع عن التصرفات السيئة هو أهم من الصوم عن الأكل)

حب النصراني قد عازتك ليه، ولما بتقدر هبط الحيط عليه (مثل يقوله المسلمون بين بعضهم البعض، وهو يدعو للاستفادة من المسيحيين، ومعاداتهم عندما تنتهي المصلحة بينهما)

ما في مركب بعوم الا بعد مستقرضات الروم (أي أن الشتاء ينتهي بعد مستقرضات الروم. والمستقرضات، حسب الأساطير الشعبية، هي عبارة عن 7 أيام باردة جدًا. وهي آخر ثلاثة أيام من شباط، وأول 4 أيام من آذار. وتسمى “المستقرضات” ، لأن الأسطورة تقول إن “شباط” المعروف بالبرد، استقرض (استعار) من “آذار” أربعة أيام “باردة” ، كي ينتقم من إحدى العجائز التي تكلمت بالسوء عن شهر شباط. ويقال “مستقرضات الروم” لأن تقويم الروم الأرثوذكس أساساً هو التقويم اليوليوسي الذي يتأخر 13 يوماً عن التقويم الغربي المعتمد اليوم. فأول آذار عند الروم مثلاً، يوازي 14 آذار على التقويم العالمي. فتكون مستقرضات الروم عملياً هي نفس التواريخ السابقة زائداً عليها 13 يوماً، أي (11-12-13 آذار) و (14-15-16-17 آذار). وتأتي هذه الأيام باردة حسب الأسطورة ومليئة بالمطر، وهو الأمر الذي يصح كل سنة تقريبا).

بتبعط متل خوري الروم (القداس عند طائفة الروم الأرثوذكس فيه الكثير من الحركات التي يقوم بها رجل الدين)

مش عم يبكي عا رمضان، عم يبكي عا وقعاتو (بعض الناس تتأثر وتبكي عند قدوم رمضان، هذا المثل يَعتبر أن الناس لا تبكي حقيقة بسبب قدوم رمضان، إنما بسبب إشتياقها للأكل: “الوقعة” تعني جلسة الطعام).

يا موارنة يا مجانين بتصوموا بكوانين (مثل يقوله الروم الأرثوذكس حيث يعتبرون أن صوم الموارنة في الشتاء هو غير صحيح وفيه شيء من الجنون)

ترهب البسين (وتعني أن الخبيث يتصرف بشكل جيد لمصلحة خاصة ما)

وهذا شعر صغير يفسّر كيف تتعمل كل طائفة مع المال بشكل مختلف (المتوالي أي الشيعي)

لنصراني إن صاروا مناح …. رزقاتو، بيقعد يرتاح 

والسني بيروح يحج …. حتى يصير من الصلّاح

و المتوالي بيتجوز …. والدرزي بيستقني سلاح

***

الأمثال إذاً، جزء من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

إقرأ أيضاً:

داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين

 بيروت لم تعد مدينتي

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -2-

جو حمورة

القسم الأول من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا، والقسم الثالث هنـا، والرابع هنـا.

قد يظن العديد منّا أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

lebanon

الأمثال الشعبية إذاً ليست مجرد كلمات سهلة الترداد وفيها نوع من القافية، بل هي مرآة صادقة لتجارب تاريخيّة، فرديّة وجماعيّة، تفسّر ما حدث وما زال يحدث على المستوى الفرديّ والجماعيّ.

ولبنان، كما غيره من الدول، يَكثر في تاريخه القديم أمثال لا يزال بعضها يُستعمل حتى اليوم، ومنها ما يدلّ على واقع وإحساس طائفيّ عُبّر عنه من خلالها. أورد بعضَها هنا، مع تفسير موجز عنها:

بـنـزّل بنتي عا السوق وبيعا، ولا بِـعطيا لواحد شـيعا (وتعني أن الرجل يُفضل أن يذهب إلى حد بيع إبنته في السوق على أن تتزوج أحدهم من الطائفة الشيعية)

المسـلماني ولا الـروماني (مثل يقوله أبناء المذاهب الأرثوذكسية ويفضلون فيه المسلم على المسيحي الكاثوليكي)

مـحمِد أبصـرش إمطانيوس (أبصرش = لا يصبح. مثل خاص بأهالي كسروان وجبيل، ويعني أن المسلم سيبقى متخلفاً مهما حاول جاهداً أن يتصرف كالمسيحيين)

إذا سـطل اللبن حَمّض، بكـون من بني مـحمد (وتعني أن حتى أبسط المشاكل سببها المسلمون)

الروم عضـمون أزرق (وتعني أن أبناء طائفة الروم الأرثوذكس كثيرو العناد وإيمانهم كبير)

غِنى الموارنة للـخوارنة، غنى الـروم للبطون، وغنى الإسلام للـنسوان (مثل يدل أين يرى الناس الأموال موجودة بكثرة عند الطوائف)

سَـبّ الدين بوقـتو تْسـابيح (وتعني أنه ومهما يكن مضمونه، فإن الكلام في الوقت المناسب له مقام الصلاة والتسبيح لله)

هيدا الـدرزي وهيدا الـحيط ( تشبيه بين الدرزي والحائط، وتعني أن أبناء الطائفة الدرزية كثيرو العناد ولديهم إصرار)

مْشـي حدّ الكنايـس وصلّي بالمجالـس (أي تقرّب من المسيحيين على الصعيد الإجتماعي ولكن لا تدخل في دينهم)

حوار بين شيخ درزي وخوري ماروني عمره قرن. يقول الشيخ الدرزي للخوري الماروني:

عندي بارودة زنبرك لما بزيح… بتخش على بكركي وعا ألفين زيح

بتخش بروما وبالفاتيكان… وما بتهدى إلا بصدر المسيح

ويرد عليه الخوري الماروني:

عندي بارودة كل تكة بعوزها… سهم المنية بينطلق من بوزها

أصلها متين وخرطشتها مرتين… ومن الشوف لأرض الصين بتمحي دروزها

(هذه الأبيات الشعرية راجت خلال فترة الصراعات الكثيرة بين الموارنة والدروز في جبل لبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. و “الزنبرك” هي قطعة تستخدم في السلاح الحربي، أما الأبيات فتتضمن تهديد درزي بتخريب بكركي (مقر البطريركية المارونية) وروما والفاتيكان، وتهديد جماعي للدروز من الشوف إلى أرض الصين)

***

الأمثال إذاً، جزءٌ من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

إقرأ أيضاً:

كاريكاتير عربي إيراني عن تركيا.. “يا فرحة ما تمت”

مريم نور تركيا.. حالة “جنان”

داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين