بيروت لم تعد مدينتي

جو حمورة

Mideast Lebanon Trash

… وأخيراً وصلت إلى بيروت. وطأت قدماي المدينة التي غبت عنها لفترة، لأعود وأغادرها مسرعاً بعد أيام قليلة.

تفاجئك هذه المدينة بغرابتها، وبكثرة الشعوب والثقافات فيها. بات اللبنانيون عملة نادرة أصلاً، وأحياناً لا ترى أحداً منهم في الشارع. معظم سكانها هجروها أو هاجروا منها، أو باتوا يسكنون في قراهم ويأتون إليها لا لشيء غير السعي إلى الربح المادي.

نهاية الأسبوع البيروتي مضجرة. لا يبقى فيها إلا سيئو الحظ وسكانها “الأصليون”، كما العمال الأجانب والنازحون. طبعت الأزمة السورية ومأساة شعبها بصماتها على كل شبر في المدينة: هنا مكتب لتوظيف الوافدين، وهناك دكان للاجئ جديد، وبجانبهما تمر عربة خضار يجرها فقير، وحولهم جميعاً جبال من النفايات تلف بيروت من كل الزوايا.

وعلى الرغم من مرور سنة ونيف من عمر أزمة النفايات، لا يبدو من مشهدها في بيروت أنها بالفعل قد بدأت بعد. الأزمة بدأت للتو، والقادم أسوأ.

إنه الصباح. رائحة “باريس الشرق” الكريهة تملأ المكان. كل شيء له رائحة الخردل ودخان الحرائق والبكتيريا. إنتهى منذ فترة طويلة زمن الاستيقاظ على زقزقة عصافير الحي وصراخ بائع الكنافة. كل هذا بات من الماضي الذي غاب ولن يعود. لم يبقَ في هذا المكان إلا الفوضى والطمع والجشع والباحثون عن لقة عيش في كومة قمامة في أي شارع.

حتى الفروقات الطبقية تقلصت أمام قوة القمامة. ما عاد هنالك فرق شاسع بين شارع راقٍ وآخر شعبي حقير، إذ أن كل شيء بات متشابهاً، وله نفس اللون الكئيب والرائحة الكريهة. يتشارك الغني والفقير بقاسم مشترك نادر في مدينة كبيروت. ما عادت لعنجهية الغني ورائحة عطره أي أفضلية على عرق جبين أي فقير. فالجميع يتنشقون دخان حرائق النفايات ليلاً، ويمرون في الشوارع المليئة بالنفايات نهاراً، وتنخر أجسادهم الموبقات نفسها دون تمييز أو تفرقة.

العام الماضي، وعلى غير عادة، بادر بعض اللبنانيين إلى مواجهة السلطة السياسية بالتظاهر والعصيان لحل أزمة النفايات. تحمس البعض وعارض آخرون، إلا أن الحركة الشبابية المعارِضة فقدت ثقة الشارع سريعاً، وما عادت تؤخذ على محمل الجد، وباتت نشاطاتها أقرب إلى فلكلور سيئ الإخراج. انتهت الحركة وبقيت الأزمة، ثم زادت الأمراض وكثرت النفايات. ما عاد العيش في بيروت يُحتمل لزائر موسمي مثلي أو حتى لسكانيها الدائمين.

سوداوية المشهد البيروتي له إيجابية وحيدة، القرية اللبنانية باتت ملجأ لكارهي بيروت الجدد. إذ إننا بمعظمنا، نحن اللبنانيين، سكان قرى جبلية بالأساس. وبيروت والمدن الساحلية الأخرى، هي عندنا مجرد مكان للتجارة والعمل والتعليم والطبابة والمادة. يوم نزلنا إليها منذ عشرات السنوات، هربنا من روتين وبساطة القرى، كما هرب البعض منّا بسببب الحرب والفوضى، ورحنا نبحث عن فرص جديدة وخدمات أفضل. ما كنّا ندرك أن هذا النزول هو إنحطاط، ليس في الجغرافيا فقط، إنما في الأخلاق والقيم.

القرى مقبرة الطموح، والمدن مقبرة القيم. يوم نزلنا إلى “باريس الشرق” كنّا مسحورين بألوانها وتعقيدها، وكانت “جنّة” بالنسبة لقادم من قرية ليس فيها أي لون غير خَضار الشجر وقرميدية سطوح المنازل. كثرة الطموح والطمع قتلت أرواحنا في النهاية، أو ربما نحن من قتلنا بيروت. أفسدنا العيش على أهلها، وأخذنا منها ما نريد، ثم تركناها يوم بات العيش فيها شبه مستحيل.

ما إن انتهى يومي الثاني في بيروت، حتى بات الذهاب إلى قريتي ضرورة. لأزمة النفايات حسنات، وهي لقاء الأجداد والتنعم ببعض الهواء الصحي. لا تزال القرية اللبنانية، بالإجمال، تحافظ على معظم هويتها. صحيح أن التمدن دخل إليها حديثاً، إلا أن قدومه لم يكن يسيراً، بل واجهته شدة أبناء القرى وتقاليدها المتجذرة. وهؤلاء بات استهلاكهم مزيجاً من منتجات الأرض والوجبات السريعة، كما تغيّر نوع الآليات التي يستخدموها، فيما باتت بعض بيوتهم من طبقات عدة. إلا أنهم، لحسن حظي، لم يتمدنوا بالقدر الكافي، وبقوا أبناء قرى في التفكير والإحساس، وإن تغيرت بعض أنماط استهلاكهم ومظهرهم الخارجي.

العودة إلى الجذور فيها شيء من الروحانية، ولكون موقع القرى في الجبال، يبدو الصعود إليها إرتفاعاً نحو السماء. وكلما زادت المسافة بُعداً عن بيروت ومحيطها، اكتشفت أنني أغادر مكاناً لم أنتمِ إليه يوماً. قد تكون الأزمات الكثيرة والدائمة التي تندلع في عاصمة لبنان مصدر هذا الإحساس. أو ربما هي إشارة إلى أن الانتماء الحقيقي في بلادي هو انتماء للأرض والجذور، وليس لشقة في بناية في حي في منطقة فيها خليط من لبنانيين قادمين من كل أطراف البلاد لا يربطهم ببعضهم البعض إلا القليل.

أقضي أوقاتي في قريتي، وحيث يجب أن أقضيها أصلا، ما لي ببيروت؟ تبدو من بعيد أرضاً غريبة، لكأنها بلد آخر. سكان القرى لطفاء بشكل عام، وغالباً ما يساعد بعضهم بعضاً. قليل من السياسة، والكثير من التراث والأرض واللقاءات العائلية تشغل أيامهم. لا نفايات ولا أزمات مستعصية تقلق لياليهم، إنما مجرد “هموم” لا تزيد عن مسائل تتعلق بحال موسم الزيتون، والطقس المتقلب، ومَن سيتزوج مَن.

بيروت لم تعد مدينتي، باتت من الماضي. لن أطأها إلا لمغادرة لبنان عبر مطارها بين فترة وأخرى، تخلينا عن قرانا مرة في الماضي، الآن نعود إليها، ولن نتركها ثانية.

جو حمورة، بيروت لم تعد مدينتي، الجزيرة مباشر، في 15 أيلول 2016.

لبنان في عيون تركية

جو حمورة

ليس حدث إختطاف الطيارين التركيين في لبنان، حدثاً واحداً في تركيا. لكل صحيفة قراءتها المختلفة للقضية، وتحليلها الموسع الذي يتناول الخبر من موقعها كإعلام معارض أو موالٍ لسياسة السلطة الحاكمة في تركيا. هكذا جاءت حادثة إختطاف الطيار التركي مراد اكنيبار، ومساعده مراد اغجا، لدى خروجهما من مطار رفيق الحريري في بيروت، “فرصة” لإدانة سياسة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم، أو للثناء على خياراته وطريقة معالجته للأزمة.

بشكل عام لا تصنف الصحف التركية، الموالية أو المعارضة، حزب الله أو الخاطفين بالـ”إرهابيين”، لكن الموالية منها تؤكد أن تركيا لا تتفاوض مع الخاطفين، “وهذا ما لم تفعله مع 158 مخطوفاً منذ العام 2002 إلى اليوم”. أما الأهم، فبروز موضوع الخطف كفرصة لانقضاض المعارضة على سياسة تركيا الخارجية، ومناسبة لتحريك الرأي العام، ولا تبدو، في هذه الحالة، الصحافة التركية مختلفة كثيراً عن نظيرتها اللبنانية، فعدا مصيبة المخطوفين من كلا البلدين، تجمعهما الآن مصيبة “الصحافة”.

turky-beirut

لجريدة “زمان” أولوية في الحصول على “سبق صحافي” من السفير التركي في لبنان. فعدا كونها أشهر الصحف التركية وأكثرها مبيعاً، فلسياستها الموالية للحكومة تقدير من السفير إينان أوزيلديز. وتفرد الصحيفة حيزاً كبيراً لتصريح السفير المُطمئن لأهالي المخطوفين، كما لرفض التهم التي تربط بلاده بملف مخطوفي أعزاز. من ناحية أخرى، تقول “زمان” المملوكة من الداعية الاسلامي فتح الله غولن، إن عملية الخطف هذه ليست الأولى بحق الأتراك في لبنان. كما ولا تنسى التأكيد على قرب الإفراج عن المخطوفين وسلامة مصالح بلادهم في لبنان. فبالنسبة إلى “زمان” السياسة الشرق-أوسطية لتركيا بألف خير.

على عكس زميلتها لا تبرز صحيفة “حرييت” أي طمأنة لحال المخطوفين أو المصالح التركية في لبنان. إنما “تستغل” فرصة الخطف للوم سياسة تركيا الخارجية وتحميلها كل ما يحصل للأتراك في العالم.هذا الموقف نابع من أن الصحيفة، ذات الميول الأتاتوركية، تعبّر عن موقف حزب “الشعب الجمهوري” المعارض، وترى، حسبما تنشره، أن الحدث يؤكد تصاعد العداء تجاه الأتراك وذلك نتيجة السياسة التركية الخارجية، التي يبدو أنها خرجت عن “سياسة الصفر مشاكل” المعلنة. كذلك لا تنسى “حرييت” خبر “تذلل” تركيا لإيران لدخولها بوساطة للإفراج عن المخطوفين الأتراك والإشادة بالدور الإيراني “الإيجابي” في لبنان وقضية المخطوفين. أما مواقف الحاجة حياة عوالي، في متابعة قضية المخطوفين، فلها قيمة في الصحيفة أكبر من عمل وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، إذ تتابع الصحيفة تصريحات الحاجة حياة وتنقلها كما لو أنها مصدر يوازي المصادر الرسمية.

وكونها مملوكة من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، لمضمون صحيفة “صباح” إشارات لمعرفة الموقف التركي الرسمي في أي موضوع. عمدت الصحيفة، عند مقاربة موضوع المخطوفين الأتراك، بالإكتفاء بنقل ما تبثه وكالة انباء الأناضول “شبه” الرسمية، ما يعني أن الموقف الرسمي التركي غير ناضج إلى الآن. من ناحية أخرى تركز “صباح” على جدية الحكومة التركية في معالجة مسألة المخطوفين، كما على جدية عمل سفير تركيا في لبنان وعلاقاته “المميزة” مع القوى السياسية فيه. أما تصريحات الرسميين اللبنانيين فلها الحيز الأكبر في الصحيفة ذات الميول الإسلامية، فمواقف الرئيسين نجيب ميقاتي ونبيه بري ووزير الخارجية عدنان منصور، بارزة بشكل كبير، وهم “حزينون لأن الخطف تزامن مع عيد الفطر”.

ولأنها “مشغولة” بمحاولة إعادة الأتراك إلى ساحة تقسيم، لم تتداول صحيفة “جمهورييت” اليسارية خبايا موضوع الخطف، ربما لصعوبة فهم الواقع اللبناني في عيون بعض الأتراك. هذا الواقع تفهمه الصحف الأخرى، التي تصف اللبنانيين بأنهم “منقسمون طائفياً في ما بينهم على خلفية الاحداث السورية”، وتعرّف عنهم من دون مواربة: حزبٌ الله “الشيعي”، رئيس الحكومة “السني”…

خلال الأسبوع الماضي، وتزامناً مع حادثة إختطاف الطيارين التركيين، لم تغب سيرة لبنان عن الصحف وسائر وسائل الإعلام في تركيا. بات هذا البلد في عيون الأتراك، بؤرة غير آمنة، يتحول فيها الزائر التركي إلى طريدة قد يسهل الإنقضاض عليها.

تشوهت صورة لبنان في تركيا، البلد الذي يجمعنا به أكثر بكثير من المصالح السياحية التي تسير غالباً في إتجاه واحد، من لبنان إلى تركيا وليس العكس. أما الخوف على صورة لبنان السياحية فلا ينبع من حادثة إختطاف الطياريين، إذ دُمّرت هذه الصورة من قبل، مع إختطاف اللبنانيين والسوريين والخليجيين.. في قصة باتت يومية.

نشرت هذه المقالة في جريدة المدن الالكترونية

عجرفة “السلطانة” فرنجية

في خضم الحرب اللبنانية، ومع بداية المناوشات العسكرية عام 1977 بين الكتائب والمردة شمال لبنان، قاد عدد من رجال الدين الموارنة عدة وساطات بين الطرفين لرأب الصدع وإعادة اللحمة بين الفريقين. إلا أن الكبرياء الأنثوي المتمثل في رفض “صونيا فرنجية” (عمّة الوزير سليمان فرنجية) لوساطات الصلح بين آل الجميل وآل فرنجية، أي بين الكتائب والمردة، وقف حاجزاً أمام أي تسوية أو مصالحة. الأمر الذي أدى لاحقاً إلى تزايد المناوشات بين الطرفين شمالاً، ما أسفر عن مقتل المسؤول الكتائبي في قرية “شكا” جود البايع، تبعه مجزرة إهدن التي راح ضحيتها ابن رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية، والتي تم على أثرها تهجير الكتائبيين من منطقة الشمال.

لا يختلف اقطاعيو آل الجميل سابقاً عن إقطاعيي آل فرنجية أو غيرهم من الإقطاعيين اللبنانيين بشكل عام: حكم عائلة كبيرة مالكة للأراضي والأموال واللقب على “رعية” من الأتباع والمناصرين الخنوعين، وارتباط حكم العائلة بمكانٍ جغرافي-مناطقي ثابت وإمكانية للتمدد خارجه أحيانا، وخضوع تام لرأس العائلة المالكة للمال والأرض والخدمات. بالإضافة إلى عدم وجود برنامج سياسي أو قضية جدية لهم، كما حرية الالتفاف الانتهازي الذي يقوم به رأس العائلة في المواقف السياسية طالما أن التأيد شبه مضمون وكلام “البيك” و”الشيخ” شبه مقدس، ناهيك عن ممارسات برجوازية سطحية من قبل نساء العائلة الإقطاعية الحاكمة…

تختلف تجربة آل الجميل عن تجربة آل فرنجية. الأوائل بدؤوا مسيرتهم السياسية بمعاداة الإقطاع ثم إنتهوا إقطاعيين، فيما آل فرنجية بدؤوا مسيرتهم كإقطاعيين واستمروا كذلك. آل الجميل استطاعوا بناء حزبٍ استطاع سابقاً زيادة انتشار نفوذه عبر خلق نوع من فكر سياسي وبناء حزبي وتنظيمي جعل من انتماء الأعضاء انتماء مزدوجاً بين واحد لرأس العائلة الإقطاعية وآخر لإطار تنظيمي، فوصل الحزب إلى ذروة قوته أوائل الحرب اللبنانية وانتهى دوره الفاعل قبل نهايتها.

أخت رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه

أخت رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه “صونيا فرنجية” المعروفة، بحسب سجلاتها العدلية واوراقها الثبوتية، باسم سلطانة. عمّة الوزير سليمان فرنجية

أما تجربة آل فرنجية، فلم تستطع خلق انتماءٍ لمناصريها أبعد من انتماءهم للعائلة، ناهيك عن تبني مواقف سياسية لا تمثل بأي شكل من الأشكال الموقف التاريخي لمسيحيي الشمال. فلا يعدو “حزب” المردة سوى تجربة ناقصة لم تستطع استبدال التزام أعضاءها، ولو بشكل محدود، من التزامٍ وخضوع لرأس العائلة إلى انتماء آخر حزبي ضمن إطار تنظيمي. لذلك نرى أن للكتائب بعض الحضور في المناطق البعيدة جغرافياً عن نفوذ آل الجميل في المتن الشمالي، بينما لا نرى أي حضور يذكر للمردة بعيداً عن منطقة شمال لبنان وفي عقر دار العائلة الإقطاعية زغرتا والاقضية المجاورة.

في مقابلة لها مع تلفزيون الـNBN، لم تستحِ صونيا فرنجية من اعتبار نفسها إقطاعية بكل ما للكلمة من معنى، كما لم تتوانَ عن ذم غيرها لاعتبار نفسها ذات مكانة تفوق بقية البشر لحملها اسم العائلة، لكأن الدم الذي يجري في عروقها أغلى من دماء غيرها أو أن الهواء الذي تتنشقه “السلطانة” فرنجية ذو ماركة عالمية لا يحصل عليها بقية البشر.

فوقية وعجرفة وأزمة مرَضية في شخصيتها تفوق التصور، تصنف الناس بـ”هذا من جماعتنا.. وكل عمرو بيشتغل عنا” ثم تتفاجئ أن الزمن بدأ يتغير عبر اعتبارها “ما كان معو سيارة يمشي… هلأ صار معو ملايين.. فما فينا نحكي معه لأن مش من المستوى”، دون أن تدري أن زمن البكوات والمشايخ والأمراء قد أوشك على الأفول بعد أن اجتاحت الأحزاب قرى لبنان ومنظمات المجتمع المدني مدنه، وبات الجميع يملك شهادات تفوق بكثير ما يحمله أفراد العائلات الإقطاعية من شهادات مزورة بالعلم والثقافة والوطنية.

ربما حسناً فعلت “السلطانة” فرنجية بالتعبير عن فوقيتها المريضة بالشكل المقيت الذي فعلته، فحقيقة الناس نادراً ما تظهر للعلن، وربما تبقى، رغم وقاحة ما تعتقد، أفضل من غيرها، إلا أن الأكيد هو أن لب المشكلة ليس الإقطاعيين أنفسهم بل هؤلاء الأتباع قليلوا الحيلة والمعرفة الخاضعين، طواعية، لهم.

هذا فيديو آخر عن كيفية تعامل الإقطاعي مع رعيته الخنوعة:

——————

اقرأ أيضاً:
آخر أحفاد “أتاتورك”… ينشق!
الخوري شكيب والجريمة المكررة
المرشد في المعامليتن

ملحد وطائفي في آن !؟

جو حمورة

في 20 حزيران 2012 أطلق بعض الشباب اللبناني حركة معترضة على التمديد للمجلس النيابي. هذا التمديد الذي وافق عليه علناً، أو ضمناً، كل الأحزاب اللبنانية الفاعلة والممثلة لطوائفها في النظام السياسي اللبناني، والمشكّلة للأداة السياسية الضامنة لحقوق الطوائف التي تمثلها في الدولة لا أكثر.

أما مصير هذه الحركة، التي عرفت بـ “ثورة البندورة”، سيكون الفشل الحتمي، ليس لأنها غير محقة في مطلبها، إنما ببساطة لأنها حركة هائمة خارج النضال الطائفي اللبناني.

من فعاليات "ثورة البندورة" أمام مجلس النواب اللبناني

من فعاليات “ثورة البندورة” أمام مجلس النواب اللبناني

أثبت التاريخ اللبناني، منذ إنشاء دولته عام 1920، أن أي حراك مدني ذات أهداف سياسية أو إجتماعية خارجة عن الطوائف ومصالحها لا يقدم أو يؤخر تحركها في تغيير أي شيئ. أما وإن حققوا شيئاً ما يوماً، فما هو إلا بالتحالف مع أحد أو بعض الطوائف، أو مجرد عطاءات من هذه الطوائف أو تلك في تلاقي ظرفي بين هدف الحركة المدنية ومصالح الطوائف السياسية، الإجتماعية أو الوجودية.

المحرك الأساس لكل الحركات والمظاهرات التي تجري في لبنان، هو دائماً قضية ما ذات بُعد أخلاقي، أما ما يساهم بشكل أساس في استمراها، وصولاً لغايتها، فهو الإحساس الطائفي للمشاركين فيها. فإن تظاهر 500 شخص من كل لبنان بحجة قضية محقة كما يحصل اليوم، فإن عديدهم سيتقلص تباعاً دون تحقيق شيئ يذكر. كل ذلك والأغلبية العظمى من اللبنانيين لا يحركها العمل السياسي المستدام إلا الدافع الطائفي العميق في وجدانهم.

 ***

ملحد وطائفي في آن !؟

منذ أن إندلعت الحرب الطائفية في سوريا وبدأ تأثيرها يظهر عميقاً على الطوائف اللبنانية، لاحظت أن العديد مِن مَن يصفون أنفسهم بالملحدين، يتصرفون ويتكلمون بشكل طائفي تماماً كبقية اللبنانيين. فتسائلت، كيف يمكن لشخصٍ ما أن يكون ملحداً وطائفياً في آن؟

إن الإنتماء الطائفي في لبنان والشرق بشكلٍ عام، هو أعمق حتى من الإيمان الديني بذاته. مرد ذلك الى أن “الطائفة” بمعناها العميق ليست مجرد طقوس وصلوات وإيمان بالغيبيات… إنما هي مجتمع تاريخي وسياسي قائم بذاته، له كل المميزات التاريخية والسياسية والأدبية والروحية والإجتماعية والثقافية… التي تجعل من كل طائفة شعباً قائماً بذاته، يختلف جذرياً مع الطوائف/الشعوب الأخرى.

الإنتماء الطائفي في الشرق هو أكبر ما وصل إليه الفرد من انتماءٍ سياسي ووجودي حقيقي، وهو عميق أكثر من الإيمان بذاته ودفين حد الروح في ذاكرة المنتمين إلى الطوائف. أما فكرة الإنتماء للدولة، الوطن، القومية وكذبة إنصهار الشعوب فما هي سوى أفكار مستوردة من الغرب، التي تملك شعوبها مفاهيم وتاريخ خاص ومجتمعاتها مختلفة جذرياً بالتكوين عن الطوائف/الشعوب في الشرق.

الطائفة إذاً، ليست مجرّد صلوات وايمان بالغيبيات، بل تحولت مع التاريخ الى شعب أو شبه قومية يشكل الدين ركناً من اركانها لكن طبعاً ليس كلّها. لذلك من الطبيعي أن نرى إنساناً ما ملحداً، أي فاقد لأحد أركان الطائفة، لكنه طائفي بكل ما للكلمة من معنى، عبر إحساسه بمشاعر ووجدان الطائفة التي ينتمي إليها ودفاعه عنها حينما تدعي الحاجة.

***

الجيش اللبناني بصلاحيات حكم

أثارت صورة فوتوغرافية لزمرة من الميليشياويين في صيدا يتمخترون أمام آلية للجيش، دون أن يحرك الأخير ساكناً، ردة فعلٍ عامةٍ شاجبة. كذلك كانت ردة الفعل بعد عرض فيديو لحاجز ميليشياوي في منطقة البقاع يسمح لآلية للجيش بالمرور.

ما يجري حقاً هو أن الجيش اللبناني، أمام خيارين للتصرف في المناطق التي تشهد صعوداً في التقاتل الطائفي. فإما أن يبقى كما هو ويلعب دور المفاوض والمنظم للصراع الطائفي بين المتقاتلين بصلاحيات حكمٍ حيادي، فيجنب بذلك اللبنانيين “مشكوراً” إشتداد وتطرف الصراع والمعارك.

أفراد الجيش اللبناني يشاهدون مجموعة ميليشياوية تمر في شوارع مدينة صيدا

أفراد الجيش اللبناني يشاهدون مجموعة ميليشياوية تمر في شوارع مدينة صيدا

أما الخيار الثاني، فهو الإشتباك مع هذه الميليشيات، ما يعرض الجيش نفسه الى احتمال الإنقسام، خاصة وأن الجيش اللبناني ومن يعملون في أعلى قياداته هم أيضاً ممثلين للطوائف/الشعوب اللبنانية، وأفراده من نسيج المجتمع الطائفي اللبناني، كما أن خيارٌ كهذا سيجعله عرضةً لرصاص المتقاتلين سوياً !

هذا هو الواقع بعيداً عن المثاليات والأوهام، يفضل مسؤولو الجيش المدنيين تنظيم قتال الطوائف والحد من قتالهم عند المقدرة للحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه، بدلاً من أن يصبح الجيش بذاته عرضة للقتال مكانهم. أما الحق والقانون فلا مكانٍ لهما في الواقع اللبناني.

—————————-

يمكن الاطلاع على صور نادرة للشخصيات اللبنانية أو على صور قديمة ونادرة للحرب الأهلية اللبنانية

الخوري شكيب والجريمة المكررة

المرشد في المعامليتن