الانقلاب التركي الفاشل: دم، قانون وإعلام

نشرت خلال الأسبوع الماضي بضعة مقالات حول الانقلاب التركي الفاشل. يمكن الاطلاع عليها على الروابط التالية:

كاريكاتير عربي إيراني عن تركيا.. “يا فرحة ما تمت”

“إنقلاب” في 12 ثانية: إعلام تركي جادّ وعربي مسيّس

الإعلام التركي: العالم معنا.. فمن علينا؟

محاولة انقلاب وصراع على النفوذ: قضاة تركيا يدفعون الثمن

إعلان حالة الطوارئ في تركيا: السلطة “تنظف الدولة”

“انقلاب” على الانقلاب: كيف سيحكم أردوغان تركيا؟

Supporters of Tukish President Erdogan celebrate after soldiers involved in the coup surrendered on the Bosphorus Bridge in Istanbul

Supporters of Tukish President Tayyip Erdogan celebrate after soldiers involved in the coup surrendered on the Bosphorus Bridge in Istanbul, Turkey July 16, 2016. REUTERS/Yagiz Karahan

“إنقلاب” في 12 ثانية: إعلام تركي جادّ وعربي مسيّس

جو حمورة

15 (2)

بمكالمة مجانية واحدة، استطاع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن “يحرق” ملايين صرفت على إنقلاب عسكري فاشل. فما أن بدأت أخبار قيام الجيش بالسيطرة على المرافق العامة في أنقرة واسطنبول حتى استخدم رجب طيب أردوغان سلاح الشعبية الفعال، ولم يكلفه الأمر إلا هاتف بسيط وتطبيق مجاني إسمه “فايس تايم”.

12 ثانية فقط استغرق كلام أردوغان عبر “فايس تايم” ليحث الناس على “النزول إلى الشوارع للحفاظ على الديمقراطية”. فيما تم نقل كلامه على قناة CNN turk التركية بشكل استثنائي عن طريق إبراز صورته الخارجة من هاتف محمول على الشاشة التلفزيون. إلا أن تلبية نداء أردوغان السريعة لم تمنع الجيش من الإستمرار بمحاولة الإنقلاب، فيما وُضعت المحطات التلفزيونية كلها في مأزق حول كيفية متابعة مجريات الإنقلاب وأسلوب تغطيته.

وكأي محاولة إنقلاب عسكرية، باشر الجيش التركي بالسيطرة على محطة التلفزيون الرسمية، فنجح في الدخول إلى مبنى تلفزيون “تي أر تي” بسرعة وبث عليها بيانات إنقلابه و”سيطرة الجيش على الحكم”. في حين راحت المحطات الأخرى الموالية للسلطة تدافع عن الديمقراطية والشرعية، وتبث معظم الوقت كلام أردوغان وصوراً “للشعب الغاضب والرافض لعودة الديكتاتورية”.

إلا ان سيطرة العسكر على محطة “تي أر تي” الرسمية لم تستمر طويلاً، إذ تم “تحريرها” بعد ساعتين من الدخول إليها وطرد معظم الموظفين منها. فعادت المحطة التي تملك قنوات تبث في اللغات التركية والعربية والإنكليزية إلى كنف الحكومة لتتابع تشجيع الأتراك على النزول إلى الشارع ومعارض الحركة الإنقلابية.

اللافت ان المحطات التلفزيونية المعارضة تجاهلت الموضوع والتزمت الصمت تجاه الأحداث بداية، ثم عادت والتحقت بالإعلام الموالي للدفاع عن السلطة. كما تم الدخول إلى بعضها وتعطيل بثها لساعات، كما حصل مع “مجموعة دوغان الإعلامية” التي تملك العديد من المحطات والجرائد والمواقع الإلكترونية ذات التوجه العلماني. كذلك الامر، تم حجب مواقع “السوشيال ميديا” كـ”تويتر” و “فايسبوك” بشكل شبه كامل بعد ساعة واحدة من الإعلان عن بداية الإنقلاب، الأمر الذي جعل من متابعة الأتراك لما يجري في بلادهم أصعب من العادة.

وخلافاً للإعلام التركي، كان الإعلام العربي على العكس، مسيساً جداً وقليل الموضوعية في نقله لمحاولة الإنقلاب. فإن كانت معظم المحطات التركية، الموالية منها والمعارضة، قد رفضت الإنقلاب وشجعت على معارضته بشكل مقبول وخالٍ من التخوين الجارح والمس بهيبة الدولة والبلاد والجيش، إلا أن بعض الإعلام العربي حمل قضية الإنقلاب على أكتافه وجعلها قضيته.

محطة “الجزيرة” إلتزمت الموضوعية في نقلها للحدث الآتي من تركيا، ثم باتت أكثر شجباً له مع بروز بوادر فشله. أما محطة “الميادين” فبدت فرحة “لسقوط أردوغان المدوي.. ولدفع أنقرة ثمن التدخل في شؤون دمشق”. في حين راح ضيوفها يهللون لـ”إنتفاضة الجيش وعودة الديمقراطية” ويعتبر بعضهم، كالعميد المتقاعد أمين حطيط “أن الإنقلاب ناجح ناجح ناجح”، دون أن ينتبه الخبير الإستراتيجي إلى أن أجهزة الشرطة والمخابرات العامة ومعظم قيادات الجيش وفرقه، باستثناء الجوية، تبرأت من محاولة الإنقلاب وعملت على إفشاله.

مع بزوغ ساعات الفجر الأولى، ملأ الاتراك معظم ميادين تركيا وسيطروا على أغلب دبابات الإنقلابيين، كما كرر أردوغان دعواته من على الشاشات هذه المرة “للوقوف أقوياء في وجه أعداء البلاد”. هذا في وقت كانت لا تزال بعض المحطات العربية تغطي على حزنها بفشل الإنقلاب بالتوعد بـ “أن سقوط أردوغان قادم عاجلاً أو آجلاً”.

ككل حدث مفاجئ، سريع ومهم يقع الإعلام أمام إمتحان التعامل معه، إلا أن تجربة محاولة الإنقلاب أبرزت أن المحطات الإعلامية التركية بمختلف مشاربها، جادة ومسؤولة وتهتم لمصالح بلادها. كما أبرز الحدث مجدداً أن الإعلام العربي مسيس جداً، كثير العواطف والتمنيات، وقليل الموضوعية.

نشرت أولاً على موقع جريدة المدن

 

تركيا – روسيا: مصالحة ومصالح

جو حمورة

putin-and-erdogan-660x330

خفتت أصوات الأتراك المنددة بالسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والسياسة الروسية في سوريا، وحلت مكانها تعابير المصالحة والإنفتاح والتعاون. يومان فقط كانا كافيين ليتساءل الجميع حول ما يجري في أنقرة، وكيف تحوّل “العدو” الإسرائيلي إلى طرف يمكن التعاون معه، والخصم الروسي إلى شريك اقتصادي وسياسي مهم ودائم؟

غلبت الواقعية السياسية على المثاليات في سياسة تركيا الأخيرة بعدما تحوّلت في الأشهر الماضية إلى متفرج على الأحداث في العراق وسوريا وفلسطين من دون أن تكون لاعباً موازياً للاعبين الإقليميين الآخرين. فالعزلة التي وضعت تركيا نفسها فيها نتيجة الرهان على المعارضة السورية المعتدلة حيناً والإسلامية أحياناً، أضرت بمكانتها الشرق أوسطية، كما أدت إلى تعرض مصالحها الإقليمية للخطر، ونقلت المخاطر الإرهابية إلى داخلها.

وكان الإنفجار الذي وقع في مطار “أتاتورك” الدولي في 28 حزيران الماضي دليلاً على أن الإرهاب ما عاد في حدائق تركيا الخلفية، بل بات في عقر دارها. كما بات الإرهاب خطراً مشتركاً ومتفلتاً من كل ضوابط، ويدعو تركيا وروسيا إلى التعاون لمواجهته، خصوصاً أن المهاجمين الثلاثة على مطار “أتاتورك” جاؤوا من روسيا ودول آسيا الوسطى الدائرة في فلكها والتي تشهد صعوداً للمشاعر الدينية والحركات الإرهابية في الفترة الأخيرة.

الإرهاب المتنقل بين بلد وآخر بات مصدراً حقيقياً لعدم الإستقرار، وخطراً يهدد كل المعنيين في الحرب السورية، ويشكل سبباً أساسياً للتقارب بين الأتراك والروس غير المعفيين من تحمل أوزاره. كذلك الأمر، شكلت عوامل أخرى أسباباً توازي العامل الإرهابي في تحفيز التقارب التركي – الروسي الأخير، وفي إسراع الطرفين للخروج من عنق الزجاجة، ونسيان حادثة إسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية فوق أراضيها في تشرين الثاني الماضي.

وتشكّل الحرب السورية الميدان الأساسي للخلاف التركي – الروسي، فكل منهما يقف، سياسياً، على نقيض من الآخر. كما أن دخول موسكو على خط العمل العسكري المباشر في سوريا لم يحافظ على مصالح أنقرة الإقليمية فيها. فعلى العكس من حالة كلٍ من إسرائيل وإيران، لم يحفظ التدخل الروسي مصالح تركيا، أكان في مهاجمته مراراً للميليشيات التركمانية والفصائل المعارضة الحليفة لتركيا، أو في دعمه للمساعي الإستقلالية للأكراد في شمال سوريا. في حين حافظت روسيا، بعد تدخلها العسكري، على قدرة الإيرانيين ليكونوا لاعبين أساسيين في سوريا، كما على مصالح إسرائيل في إبقاء المناطق القريبة من حدودها آمنة وهادئة.

على أن إعادة العلاقات الروسية – التركية الطبيعية سينعكس على الأرض السورية بحيث أن موسكو ستأخذ بحساباتها مصالح أنقرة الإقليمية الآن، فتخفف من مهاجمة الفصائل المعارضة القريبة منها. وهذا ما كان قد أعلن عنه تلميحاً وزير الخارجية التركية مولود تشاويش أوغلو خلال لقاءه نظيره الروسي سيرغي لافروف حيث رأى أنه “لا خلاف بين روسيا وتركيا في تحديد مفهوم الإرهاب”، مشيراً إلى أن بلاده تعتبر تنظيم “الدولة الإسلامية” و “جبهة النصرة” تنظيمين إرهابيين.

من ناحية أخرى يحمل التقارب التركي – الروسي خبراً سيئاً لأكراد سوريا، فالدعم السياسي والعسكري الذي تلقوه من روسيا قد يتعرض للتراجع في الأيام الآتية. وذلك أكان للحساسية التركية تجاه المساعي الإستقلالية الكردية، أم لأن المعارك الأساسية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” تتركز الآن في العراق بشكل أساسي ولا ضرورة قصوى لدعم أكراد سوريا كما درجت عليه العادة.

وفي إنتظار تبلور صورة للعلاقات المستجدة بين الدولتين، وربما عملهما مستقبلاً على تسوية ما للحرب السورية، تستفيد تركيا الآن من رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا عليها. ومنها إعادة السماح بالرحلات التجارية والسياحية إلى تركيا، ورفع العقوبات على دخول الخضروات والفاكهة التركية إلى أسواقها الداخلية، وهي عقوبات أضرت بالإقتصاد الروسي المتهالك أكثر مما أضرت بالإقتصاد التركي على جميع الأحوال.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1568.

القصة الكاملة للتسوية التركية – الإسرائيلية: خطف “حماس” من حضن إيران

جو حمورة

1032010859

ما إن أعلن المسؤولون الأتراك والإسرائيليون عن التوصل إلى حل الخلاف وإنهاء القطيعة الدبلوماسية بينهما حتى ازدادت التكهنات حول تلك الخطوة وتوقيتها. بعض الفاعلين في سياسات الشرق الأوسط وتسوياته رحّبوا، فيما الآخرون شجبوا، إلا أن الجميع ينتظر ليرى مدى جدية تطبيق مقرّرات الاتفاق وعودة المياه إلى مجاريها بين الحليفتين السابقتين.

من أجل تعزيز نفوذها الخارجي وفوزها بإعجاب المسلمين والعرب، بدت العلاقات الجيدة بين تركيا وإسرائيل كشوكة في خاصرة هذه الأخيرة ونقطة ضعف إن أرادت التسويق لنفسها في الشرق الأوسط. فاستمالة المسلمين والعرب تبدأ دائماً بالعداء لإسرائيل، وإن كان هذا العداء شكلياً حيناً، أو مكلفاً أحياناً أخرى للمغامرين في استحداثه. إلا أن تركيا بقيادة حزب “العدالة والتنمية” المحافِظ، “غامرت” في تبني بعض العداء لإسرائيل، خاصة بعد فشل تسوية السلام التي قادتها بين سوريا وجارتها العبرية عام 2007.

وفي تلك السنة كذلك سيطرت حركة “حماس” على غزة، فيما انتهت الحروب الإسرائيلية الموسمية على القطاع بأن دفعت بالمسؤولين الأتراك إلى اتخاذ مواقف عدائية علنية وقاسية ضد إسرائيل. ثم ما لبثت أن انقطعت العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين بعد إرسال أنقرة سفينة “مافي مرمرة” لفك الحصار عن غزة، والتي استقبلها الجيش الإسرائيلي بقوة النار موقعاً عشرة قتلى جلّهم من الأتراك.

مع تلك الحادثة بات في جعبة الإدارة التركية حجة تسهل الترويج للعداء لإسرائيل محلياً وعربياً، وقضية تبرر بها مواقفها دولياً. فما كان منها إلا أن وضعت ثلاثة شروط على إسرائيل من أجل استئناف العلاقات الدبلوماسية معها. وهي، أولاً، الاعتذار العلني عن حادثة “مافي مرمرة”. والتعويض المادي لأهالي القتلى ثانياً. وفك الحصار عن قطاع غزة كشرط ثالث وأخير.

طوال الفترة الممتدة من العام 2010 إلى اليوم شهدت العلاقات الدبلوماسية قطيعة بين الطرفين، بالإضافة إلى تصريحات عدائية لم توفر أي منهما. إلا أن العلاقات السياحية والاقتصادية لم تتأثر سلبياً، بل تعزّزت بشكل متصاعد. وذلك، بشكل خاص، بعد تقديم رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتانياهو” عام 2013 اعتذاراً علنياً لتركيا عن حادثة “مافي مرمرة”، متمّماً بذلك الشرط الأول من الشروط التي وضعتها أنقرة لاستئناف العلاقات الدبلوماسية.

تلى الاعتذار الإسرائيلي تعزيز التبادل التجاري والخدماتي بين البلدين. كما دارت، بالتوازي، مفاوضات طويلة بينهما من أجل إتمام الصفقة النهائية. أما الولايات المتحدة الأميركية فرعت المفاوضات، كما دفعت وزير خارجيتها “جون كيري”، مراراً، إلى التدخل والعمل لتذليل العقبات والمواقف المتصلّبة. وذلك خاصة بعد خروج التفاوض عن مساره وتضمينه طلبات تركية لإسرائيل من أجل الضغط على الأكراد، وطلبات إسرائيلية للجانب التركي تتعلق بشكل علاقاتها مع الأطراف المتحاربة في سوريا.

مع ازدياد الضغوط الأميركية، وُضع هذان البندان ضمن آخر الأولويات، ومن ثم تم إخراجهما من ملف التفاوض وتُركا لما بعد التوافق النهائي وعودة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين. في المقابل، وافقت إسرائيل على دفع حوالى 20 مليون دولار لأهالي ضحايا سفينة “مافي مرمرة” منفذة بذلك الشرط التركي الثاني، فيما تعهدت تركيا بإسقاط الدعاوى القضائية المُقامة على الجيش الإسرائيلي. ثم تلى ذلك فتح باب التفاوض على البند الثالث، وهو الأهم، والمتعلق بفك الحصار عن غزة، وبشكل علاقة تركيا بحركة “حماس”.

قاد المفاوضات الرسمية عن الإسرائيليين مبعوث نتانياهو الشخصي “جوزف جيجانوفر” ووكيل وزارة الخارجية التركية “فاريدوم سينيروغلو”، والذي تم مكافئته على نجاحه في المفاوضات بتعينه ممثلاً دائماً لتركيا في الأمم المتحدة خلال شهر حزيران. إلا أن الملفات الأمنية أخذت بُعداً في المفاوضات كذلك، حيث قاد الأمنيون محادثات موازية لتلك السياسية في أنقرة رئسها مدير الموساد الإسرائيلي “يوسي جوهان” ورئيس الاستخبارات التركية “حقان فيدان”.

جرت المفاوضات حول الشرط الأخير خلال شهري أيار وحزيران في أنقرة حيناً، وفي بعض العواصم الأوروبية أحياناً أخرى. أمّا الأطراف الأميركية والألمانية والنروجية فقد كانت تُبلّغ بتطورات المفاوضات لكونها جزءً من التسوية من ناحية، ولضغطها على الإسرائيليين والأتراك لمتابعة التفاوض من ناحية أخرى وصولاً إلى خواتيمها السعيدة.

انتهى التفاوض نهاية شهر حزيران، وتم الوصول إلى صيغة مقبولة تُرضي الطرفين فيما خص الحصار على غزة من ناحية، وعلاقة تركيا بحركة “حماس” من ناحية أخرى. ففي حين لم يتوصل الأتراك إلى إقناع الإسرائيليين بفك الحصار عن القطاع بشكل كلي، وهو طلب لا يبدو أن إسرائيل مستعدة لدفعه لأي أحد على جميع الأحوال، اقتنع الجانب الإسرائيلي بفك الحصار بشكل محدود. وهو المكسب الذي يُسجل للدبلوماسية التركية التي استطاعت أن تعطي الفلسطينيين متنفساً اقتصادياً حقيقياً لم يستطع أحد من المتشدقين بالقضية الفلسطينية تحقيقه منذ العام 2007.

أمّا مفهوم “فك الحصار بشكل محدود” عن قطاع غزة فيعني عملياً، حسب التفاوض ونتائجه، السماح لتركيا ببناء “مستشفى الصداقة التركية – الفلسطينية” في غزة. وهو مشروع قديم نسبياً كانت قد تقدمت به تركيا وأمنت تمويله، فيما تم التوافق في المفاوضات على قيام شركة “أكر للإعمار” النروجية ببناءه. كما تم السماح لتركيا ببناء معمل لتحلية مياه البحر في القطاع، ومعمل آخر لإنتاج الطاقة الكهربائية بمشاركة ممولين وشركات ألمانية. بالإضافة إلى السماح لأنقرة بإدخال المساعدات الإنسانية بحرية إلى غزة، على أن يبقى لإسرائيل حق مراقبة البضائع وكميتها والمواد التي يتم إدخالها إلى القطاع من أجل بناء كل هذه المشاريع.

قد يبدو هذا الدعم المادي التركي سخياً جداً للغزاويين، إلا أن فوائده عليها تبقى كبيرة وكثيرة على المدى المتوسط والطويل. فعلى الرغم من تراجع بريق القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال تتمتّع بحيز مهم من الاهتمام الإقليمي والدولي. فتركيا، لا تهدف إلى كسب تأييد العرب والغزاويين من خلال هذه المشاريع فحسب، بل تهدف إلى التأثير أكثر في القضية الفلسطينية وعلى حركاتها المسلحة، كما تسعى إلى الحصول على مقعد في أي مفاوضات فلسطينية – إسرائيلية أو إسرائيلية – عربية مقبلة، وذلك بوصفها صاحبة دور فاعل ليس في محيطها السوري والعراقي فقط بل في قطاع غزة كذلك.

ويبدو الطرفان، التركي والإسرائيلي، في العلاقة مع قطاع غزة كأنهما يهدفان إلى الوقوف في وجه طرف ثالث وهو الطرف الإيراني. فإسرائيل يهمها أن تكون تركيا أفعل وأنشط في القطاع لربط حركة “حماس” بأنقرة أكثر مما هي مرتبطة بطهران، مع ما يعني ذلك من سهولة التواصل بين تل أبيب وأنقرة لحل أي تطور في فلسطين، أو الضغط على حركة “حماس” للتراجع عن موقف من هنا أو القبول بتسوية من هناك. بالإضافة إلى أن الاتفاق التركي الإسرائيلي يقدّم بديلاً للغزاويين لاستبدال العلاقة مع إيران بالعلاقة مع تركيا، وأسلوب الحرب والفوضى بأسلوب آخر يقوم على الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والخدمات، وهي أمور يحتاجها قطاع غزة حالياً أكثر من أي يوم مضى.

من ناحيته، يسعى الجانب التركي إلى مد نفوذه إلى القطاع ومحاولة التأثير أكثر في القضية الفلسطينية ومجرياتها، وذلك ضمن المواجهة والعلاقة الملتبسة بينه وبين الجانب الإيراني. فعلى الرغم من أن الطرفين لا يعلنان العداء لبعضهما البعض بشكل واضح وصريح ويستمران في توطيد علاقاتهما الاقتصادية المباشرة، إلا أن ظل الصراع على النفوذ بين إيران وتركيا لا يغيب عن التطورات والأحداث في الشرق الأوسط والقوقاز. كما يصيب الإتفاق التركي – الإسرائيلي النفوذ الإيراني الإقليمي في الصميم، ويهدف إلى “خطف” حركة “حماس”، بالمعنى السياسي، من حضن طهران ووضعها في حضن أنقرة.

من ناحية أخرى، أدى القبول بشروط تركيا إلى طلب الإسرائيليين من الأتراك تغير شكل علاقاتهم بحركة “حماس”، وهو الأمر الذي استجابت له أنقرة، وأبلغته إلى رئيس المكتب السياسي في الحركة خالد مشعل خلال لقاءه مع رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في 24 حزيران. فبات على حركة “حماس” التزام السكينة الآن، والاتكال أكثر على الدبلوماسية بدل الأعمال العدائية مقابل الحصول على المساعدات التركية، وتجنباً للضغط عليها من قبل أنقرة وتل أبيب معاً.

مع إعلان التوصل النهائي إلى اتفاق بين إسرائيل وتركيا، تكون هذه الأخيرة قد قدمت لقطاع غزة ما لم يستطع كل العرب وإيران، مجتمعين أو متفرقين، من تقديمه. كما ستشهد الأيام المقبلة عودة بعض الحميمية الدبلوماسية والسياسية في علاقات تل أبيب وأنقرة، وربما عملهما على مشاريع أخرى أكثر تعقيداً مثل الحرب السورية وتطوراتها المعرّضة لمواجهة تنسيق سياسي واستخباراتي تركي – إسرائيلي قادم.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1567.