الإعلام الكردي يخلق بطلة.. والتركي يدحض الاساطير

جو حمورة

في الوقت الذي كانت تتنافس فيه الدول الراعية لمؤتمر جنيف على استقطاب الأكراد السوريين أو اقصائهم عن طاولة المفاوضات، كان بعض أكراد تركيا يقودون صراعاً من نوعٍ آخر. فمنذ الشهر الأخير للعام الماضي وحتى اليوم، سقط في جنوب شرق تركيا أكثر من ألف قتيل، أغلبهم من مقاتلي حزب “العمال الكردستاني” الذي يقود حرباً ضد الجيش التركي والأجهزة الحكومية الرسمية.

تلف الحرب حياة الأكراد من كل ناحية، ولكل معركة ضحاياها وأبطالها. وحيث تدور المعارك اليوم في “سور” و “جيزري” و “سيلوبي” جنوب شرقي تركيا، بدأت بطلة جديدة مدجّجة بالذخائر وببندقية قنص “تفوق طولها”، تأخذ مكانة في حياة الأكراد، واسمها الحركي هو “روزا أفجي”.

وككل معركة طويلة الأمد، يحتاج المقاتلون إلى بطل. والبطل في معارك الأكراد هو غالباً إمرأة جميلة وعفوية ومسلحة ترد بطش “رجال” السلطة وغير الكُرد عن شعبها. ولخلق أسطورة متكاملة، يبدو اختيار الأكراد لاسم “روزا أفجي” مدروساً وجزءاً من الحرب الإعلامية. فاسم “روزا”، اختير، ربما، تيمناً بـ”روزا شانينا” إحدى أبرز القنّاصات السوفياتيات خلال الحرب العالمية الثانية، فيما كلمة “أفجي” التي تعني “الصياد” في اللغة التركية، تم اختيارها في محاولة لإظهار مهنة ومهنية حاملة الاسم دون عناء.

1 (1)

وتتشابه قصة “روزا” مع “بطلة” أخرى تم الترويج لها في معركة مدينة “كوباني / عين العرب” السورية ضد تنظيم “داعش” في نهاية العام 2014. وكما حال “نالين عفرين” التي نُسجت عنها الكثير من المرويات بعدما “ألبسها” الإعلام الكردي وناشطوه “التويتريون” بطولات الدفاع عن المدينة السورية الكردية، كذلك هي حال “روزا أفجي” الذي يخلق الإعلام الكردي اليوم بطولات حولها، والتي تحوي الكثير من المبالغة.

خبر إطلاق الأكراد، في تركيا، اسم “روزا” على مواليدهم الجدد تيمناً بها، وآخرٌ عن قنصها يومياً، وبدقة متناهية، لبضعة عناصر من الجيش التركي وغيرها الكثير من الروايات المبعثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن “المصادر الميدانية”، يخلق صورة بطولية عن “روزا” قد لا تستحقها. إلا أنّ “معركة الصمود بوجه الجيش التركي”، كما يطلق عليها الأكراد الناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعية، بحاجة إلى أسطورة تشد العزائم وتظهرهم بحكم المدافعين عن أرضهم وعرضهم من “آلة البطش العسكرية التركية”، حتى لو تَطلّب الأمر بعض المبالغة والكذب.

لا صورة حقيقية لروزا..  مثل كل “الأبطال” الوهميين، يترك تخفيها مساحة للتخيل عن شكلها، ومظهرها. أكثر الصور المتداولة لها، هي تلك التي تظهر فتاة جميلة، تحمل قناصة حديثة.. لكن الصورة غير مؤكدة. فكل موقع وحساب في “تويتر” ينشر صورة يجدها “ملائمة” لقصة “الاسطورة الكردية”، علماً أن احدى اكثر الصور مشاركة في الحسابات الكردية، تعود الى تلك الحسناء.

اليوم تتراجع “السياسة” على حساب الحرب في حياة أكراد تركيا. وعلى الرغم من أنّهم شهدوا استقراراً أمنياً منذ نهاية العام 2012 وحتى الأمس القريب، إلا أن هذا المشهد المسالم بات بحكم المنتهي، كما باتت حالتهم مشابهة لحالة أبناء جلدتهم في كل من العراق وسوريا.

و”يتعارك” المهتمون بالحرب الدائرة في جنوب شرقي تركيا، في العالم الافتراضي، بين من ينشر صوراً متعدّدة لفتيات كرديات بثياب “كاكية” بشعرهنّ المجدل وبنادقهنّ الحربية، وبين آخرين، أتراك يكرّرون ما يقوله القانون التركي عن أن مقاتلي حزب “العمال الكردستاني” هم إرهابيون لا أكثر.

فيما تتضخم صورة “روزا” يوماً بعد يوم، وتتحول إلى ظاهرة تخشى تركيا أن تتحوّل إلى قدوة لغيرها من المقاتلين والمقاتلات، فيقوم الإعلام التركي بنشر مقالات عن أنواع الأسلحة القناصة وإظهار القناصين الذين قتلهم الجيش التركي وإحصاء عدد الباقين على قيد الحياة، فيما يعمد آخرون إلى نشر  فيديوهات عن “عملية ملاحقة روزا أفجي” العسكرية ولكن من دون أن يُوفّق بها.

تستمر الحرب الدائرة في جنوب شرقي تركيا، إلا أن مقارنة الضجة التي تحدثها مع تلك التي خلقها الإعلام الكردي والإقليمي والعالمي خلال حرب الدفاع عن “كوباني / عين العرب” لا تبدو ممكنة. فالمعركة اليوم تقع في عمق أراضي تركيا التي لا تسمح للكثيرين بالتدخل في شؤونها الداخلية، وذلك على عكس حال الأراضي السورية التي يتدخل فيها الجميع بسهولة ويخلق كل إعلام روايات وبطولات على هواه.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

العبث بالثقافة: حرب على الأكاديميين والكتب التركية

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

içerik

لم يتوقع الكاتب الأميركي، “نعوم تشومسكي”، أنّ توقيعه على عريضة تطالب السلطة التركية بانتهاج سياسات أكثر سلمية تجاه الأكراد، ستؤدي للزجّ بزملائه الأتراك في السجن. ففي العاشر من شهر كانون الثاني/ يناير، شارك “تشومسكي”، ومجموعة من الأكاديميين الأجانب، وآخرون أتراك، بالتوقيع على عريضة تدعو إلى إيجاد حلّ سلمي للحرب الدائرة بين حزب “العمال الكردستاني” والجيش التركي.

فمنذ أواسط شهر كانون الأول / ديسمبر الماضي، وحتى نهاية الشهر الأول من العام 2016، ذهب ضحية الاشتباكات الدائرة في جنوب شرق تركيا حوالي الألف شخص، معظمهم من المقاتلين والمدنيين الأكراد. فيما كانت دعوات الأكاديميين الأجانب، والأتراك، دون صدى في أروقة أنقرة السياسية، حيث لم تبدِ السلطات أي اكتراث للأخذ بآرائهم لحل “المسألة الكردية”، إنّما عَمدت إلى معاقبتهم بذريعة أنّهم “يدعمون الإرهاب”.

أكثر من أربعة آلاف أكاديمياً يواجهون، اليوم، عقوبات وتحقيقات وضغوطات معنوية، لأنهم أقدموا على عملٍ يُناقض رؤية السلطة لكيفية إدارة الصراع مع الأكراد ومقاتلي “العمال الكردستاني”. فيما تشي الخطابات والمواقف المتلاحقة من ساسة الحزب التركي الحاكم إلى المدى الذي وصلت إليه السلطة في معاقبة كل مخالف لرأيها.

وتراوحت الضغوطات التي طالت الأكاديميين بين التحقيقات القضائية من جهة والإنتقادات السياسية من جهة أخرى. كما تمّ السعي إلى تشويه صورتهم عبر وسائل الإعلام بأكثر من طريقة. إلا أنّ تناول قضية الأكاديميين بقسوة، ولأكثر من مرة، على لسان رئيس الجمهورية التركية “رجب طيب أردوغان”، قد أبرز مسألةً تتعدّى حدود معاقبة مجموعة من الأكاديميين لا يدورون في فلك السلطة.

فقد شهدت تركيا، خلال السنوات القليلة الماضية، تدخّلاً للحزب الحاكم، عبر الحكومات التي سيطر عليها، في الشؤون الثقافية، محاولاً تأطير الثقافة العامة حسبما يرى ويؤمن. فليس ببعيد عن تعزيز الارتباط بين أتراك اليوم والتاريخ العثماني، وإعادة إحياء الثقافة العثمانية والإسلامية في مجتمع ذي هوية أكمل القراءة

تركيا والاتحاد الأوروبي: مسار الانضمام، الإصلاحات واللاجئون

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

turkey

لم تأخذ قضية في تركيا اهتماماً سياسياً وقانونياً وإعلامياً بقدر تلك المتعلّقة بإمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من الفشل الكبير الذي لحق بهذا المسار على مدى عشرات السنوات، لا يزال حلم الإنضمام إلى جنة النادي الأوروبي يراود حكّام تركيا وشعبها. وعلى الرغم من احتلال الإصلاحات القانونية والاجتماعية التي يتوجب على تركيا القيام بها حيزاً مهماً في هذا المجال، يتعامل الطرفان، الأوروبي والتركي، مع هذه المسألة عبر تقديم المصالح السياسية والاقتصادية على القانونية.

وعلى الرغم من أن تاريخ تَقدُّم تركيا بطلب الإنضمام إلى الاتحاد يعود إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنّ حوالي الـ30 سنة من العمل لم تفلح في تحقيق ذلك. ففي العام 1987، تقدمت تركيا بشكل رسمي بطلب للدخول في “المؤسسة الاقتصادية الأوروبية” التي تحوّلت، في العام 1992، إلى ما يُعرف اليوم بالاتحاد الأوروبي. غير أن مسار التفاوض بين تركيا والأطراف الأوروبية أتت مخيبة للآمال في معظم الأوقات، وتحوّل المسار الذي من المفترض أن يأخذ أبعاداً قانونية وإصلاحية إلى مجرد ميدان للتفاوض والضغط السياسي.

وقد شهدت نهاية العام 2015 على حدث إيجابي في علاقة تركيا بالاتحاد وفي مسار الانضمام. ويعود هذا الحدث إلى فتح الاتحاد لفصل جديد للتفاوض بما يتعلّق بالسياسة الاقتصادية والنقدية. وتزامن هذا الأمر مع نجاح المفاوضات التركية الأوروبية في موضوع الحدّ من تدفّق اللاجئين السوريين إلى أوروبا، والذي أتى على أثره القبول الأوروبي بفتح فصل واحد فقط من الفصول الـ34 المتبقية التي يتوجب على تركيا النجاح فيها حسب معايير الاتحاد لتمكينها من الإنضمام إليه.

سنلقي في هذا المقال الضوء على علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي، وعلى الإصلاحات التي قامت بها في سعيها الدائم للإنضمام إليه ، كما على “استغلال” تركيا لأزمة اللاجئين السوريين لتتقدم خطوة إلى الأمام في مسيرة الانضمام.

بدايات مسيرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي

على رغم من أنه كان في طور التشكّل في حينها، إلا أن تاريخ بداية العلاقة الرسمية بين تركيا والاتحاد الأوروبي تعود للعام 1963، وهو التاريخ الذي أصبحت فيه تركيا عضواً مشاركاً في “الجماعة الاقتصادية الأوروبية” (أو السوق الأوروبية المشتركة) وذلك بعد أن تقدّمت غريمتها، اليونان، لطلب العضوية في نفس المجوعة. ثم وقّعت تركيا، في العام 1973، على بروتوكولات إضافية مع “السوق الأوروبية المشتركة” [1].

بعد هذا النجاح النسبي أصبحت تركيا البلد الأكثر اندماجاً على الصعيد أكمل القراءة

هكذا “حجّم” الاعلام التركي الخطاب الروسي

جو حمورة

تُقاس قوة حكام الدول بسياساتهم وبردود أفعالهم خلال الأزمات. أزمة اسقاط تركيا للطائرة الروسية في شمال سوريا، أظهرت حجم الارتباك لدى الدولتين. الجانب الروسي، بدا متخبطاً، وأظهر إعلامه شبقاً للانتقام جراء إسقاط طائرته الحربية قرب الحدود التركية – السورية في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. فيما انتهج ساسة “غريمته” تركيا سياسة أكثر عقلانية، وفضّلوا البحث عن مخرج للأزمة المستجدة، لا تعميقها.

مع مرور أسبوعين على إسقاط الطائرة الروسية باتت الأزمة وراء الدولتين، واقتصرت المواجهة على بعض العقوبات الاقتصادية والسياحية هنا وهناك. فيما أظهرت الأزمة أن الإعلام التركي عقلاني وجدي أكثر، إذا ما قورن بالتصريحات المتضاربة والسياسات المبعثرة والشعبوية للإعلام الروسي.

turkey

التقييم الأخير لأداء الدولتين الاعلامي، أظهر أن كلاً منهما أولى أهمية لإقناع جمهوره بشكل أساسي بأن دولته تنجح في فرض سياساتها على الآخر، ولم يهدفا إلى ممارسة ضغوط معنوية جدّية على الدولة الأخرى. فنسي الجميع الطائرة الروسية وأسباب سقوطها بعد فترة، وانصرف الإعلامَ، في روسيا كما في تركيا، إلى شؤونه الخاصة.

في البداية، أثار إسقاط تركيا للطائرة الروسية زوبعة في فنجان العلاقة بين الشريكين الاقتصاديين. سُمع صدى أزمة الطائرة في أروقة الدول الكبرى، كما على الصفحات الأولى من الصحف العالمية. البعض توقع حرباً، وغيرهم أمل بانتقام روسي من تركيا، فيما قلل آخرون من شأن رد فعل الجانب الروسي، وفي مقدمهم الإعلام التركي.

وسعى الإعلام التركي إلى بث روح معنوية إيجابية في نفوس الأتراك كما فعل ساسة تركيا، فـ”لا حرب في الأفق مع الدبّ الروسي، والأزمة عابرة”. وأجمعت الصحف التركية الورقية كما تلك الإلكترونية، على مُسلّمة واحدة، إذ أنها أفردت، وبشكل غير اعتيادي، الكثير من المساحة للمقالات ولتصريحات الخبراء التي تؤكد حاجة روسيا الاقتصادية للسوق التركي.

كما أظهر الإعلام التركي “سذاجة” إدارة الجانب الروسي للأزمة بين الدولتين. فإلغاء بعض الجامعات الروسية لبروتوكولات التعاون مع أخرى تركية أخذ حيزاً مهماً في الإعلام التركي. كما قيام الشرطة الروسية بالتضييق، وطرد بعض الطلاب الأتراك من مساكنهم في موسكو، لا شك أنه أظهر للأتراك، على الأقل، ضعف الجانب الروسي وردات فعله “الصبيانية”.

واستغلت تركيا تعدّد سياسات روسيا الانتقامية ومحدودية معظمها في وجهتين. الأولى دفعتها للتقليل من قيمتها على الصعيد الإعلامي، فيما الثانية كانت دعوة لروسيا للجلوس على الطاولة “من أجل التفاهم”، من دون أن ترد على الإستفزاز الروسي بآخر. وكان تصريحان تركيان رسميان أخذا أهمية كبرى في الإعلام التركي خلال “المواجهة” مع روسيا، وتم تداولهما بشكل ضخم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية. أحدهما هو وصف رئيس الحكومة التركية، أحمد داوود أوغلو، التصريحات الروسية بـ”الدعايات السوفياتية البالية”، فيما كان الثاني هو التزام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالاستقالة من منصبه في حال أثبتت موسكو إدعاءاتها بأن أنقرة تتعاون مع “داعش” في مجال النفط.

الإعلام سلاح الدول والسياسيين. أوغلو وأردوغان، إلى جانب الإعلام التركي، غيّرا البروباغندا الروسية ضد تركيا، فبات على الجانب الروسي إثبات مصداقية اتهاماته أمام العالم، فيما أبدى الجانب التركي استعداده للذهاب حتى النهاية في تحدي موسكو. الدليل في مقابل الدليل، والتصريح في مقابل التصريح، والمقال في مقابل المقال. البروباغندا تقنع من يضع نفسه في مرماها، فانتهت “المواجهة” الإعلامية بأن أثبت الإعلام التركي للأتراك أن لا تأثير لروسيا وسياساتها فيهم.

كذلك الامر، أظهر الإعلام التركي وحدته في مواجهة التحدي. فمعظم أحزاب المعارضة ساند الحكومة في مواقفها وأعمالها، وكذلك فعلت المؤسسات الإعلامية التابعة لها أو تلك التي تدور في فلكها. وكانت حصة الأسد الإعلامية لحزب “الحركة الوطنية” القومي المعارض، المعروف بشراسته في معارضة الحزب الحاكم، وذلك عبر تأييده المطلق للحكومة ووضع نفسه في خدمتها. فالوحدة الداخلية تصبح عنصر قوة عند الأزمات الكبرى والمخاطر الخارجية، وتختفي ثنائية المعارضة – الموالاة إلى حين انقشاع غبار الأزمة وعودة الحياة السياسية إلى طبيعتها.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية