ترامب في تركيا: من عدو المسلمين إلى حليف محتمل

جو حمورة

3500

تتلاحق المواقف المشجعة والمتشائمة من فوز دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وكان آخرها سلسلة مواقف من القيادة السياسية التركية بدت غير اعتيادية بتوقعاتها وتمنياتها. وكعادتها، أبرزت هذه الأخيرة ميلاً للإستفادة من كل حدث يجري في العالم، وبدت منفتحة لإعادة العلاقات التركية – الأميركية إلى سكتها الطبيعية، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد شهدت توترات كثيرة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

خلال السنة الماضية “إفترق” الحليفان التاريخيان لبعض الوقت، وراح كل منهما في طريقه لحل مشاكله الخاصة أو إعادة إنتاج دور له في السياسة الإقليمية والدولية. بالنسبة لتركيا، شكل التردد الأميركي في محاربة النظام السوري، ومنع تركيا من القيام بالأمر مباشرة، سبباً أساسياً لتزعزع العلاقة بين أنقرة ووشنطن. ثم كانت محاولة الإنقلاب العسكرية ليل 15 تموز، والتي اتهمت تركيا الولايات المتحدة بالوقوف وراءها، وذلك بسبب حمايتها لمنفذ الإنقلاب الداعية الإسلامي فتح الله غولن. فما كان من أنقرة إلا أن أدارت ظهرها لواشنطن وراحت تطرق أبواب موسكو، فتلقف الدب الروسي الذئب التركي “المغدور” من أميركا، وتوافقا على إعادة علاقاتهما الوثيقة، أكان في الاقتصاد أو في السياسة أو حتى في الحرب في سوريا. كما اقتنص الحكم التركي فرصة محاولة الانقلاب، وعمل على إنهاء كل النفوذ السياسي والديني والإجتماعي الذي بناه فتح الله غولن على مدى العقود الماضية.

وشكل هذا الأخير مثار جدل وخلاف بين واشنطن وأنقرة بسبب استمرار إقامته في ولاية بنسلفانيا إلى اليوم، وعدم رغبة أميركا بتسليمه إلى السلطات التركية. إلا أن ترامب، ومساعديه، لهم آراء أخرى بدت في مضمونها أقرب إلى تحقيق مصالح تركيا من تلك العائدة للمرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون. ومنها تصريح ترامب الذي قال فيه أنه معجب بسياسة وحنكة وجرأة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب قدراته الكبيرة التي أبداها خلال مواجهته محاولة الإنقلاب، دون أن ينسى التذكير بأهمية العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدين وتاريخهما التعاوني العائد إلى خمسينيات القرن الماضي.

ولترامب عدة استثمارات في تركيا، ومنها برجان تجاريان ضخمان في وسط اسطنبول. إلا أن الحساسية الإسلامية الزائدة لدى القيادة التركية، ورفضها لتصريحات ترامب السابقة التي رأتها معادية للإسلام، لم تدفعها صوب التودد لترامب قبل الإنتخابات. وخلال تلك الفترة، دعا الرئيس التركي، بموقف أقرب إلى الشعبوية منه إلى السياسة المتزنة، إلى إزالة إسم ترامب عن واجهات الأبراج التي يملكها في إسطنبول. ولأن السياسة التركية يمكنها التعايش مع كل المتغيرات وتفتقد للثوابت والوضوح، بات الموقف التركي معاكوساً بعد بروز نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فما عاد “ترامب عدو المسلمين”، بل بات “حليفاً محتملاً لتركيا”.

ومن هذه المواقف دعوة الرئيس الأميركي المنتخب إلى زيارة تركيا، كما ترحيب من أردوغان ومن مسؤولين رسميين آخرين بـ”الديمقراطية” الأميركية وبفوز “الرجل الأميركي الجريء”. هذا وبدت أغلبية المقالات والتحليلات التي بثتها التلفزيونات التركية مرحبة بفوز ترامب، ومهاجِمة لهيلاري كلينتون ولزوجها بيل، لقيامهما مرات عديدة بالمشاركة في مؤتمرات حوار أديان ولقاءات ثقافية نظمها مقرّبون من الداعية الإسلامي فتح الله غولن. بالإضافة إلى ذلك، لم ينسَ أحد من الأتراك مطالبة العهد الأميركي الجديد بتسليم غولن “حفاظاً على سلامة العلاقة بين البلدين”.

وكان أحد أبرز مستشاري ترامب الجنرال المتقاعد مايكل فلين، والذي تمت تسميته مؤخراً مستشاراً للامن القومي، قد عبّر مرات عديدة عن مواقف مؤيدة لتركيا. كما دعا في مقالات له، كما في تصريحات قبل الإنتخابات وبعدها، إلى تسليم غولن إلى السلطات التركية، مشبهاً إياه بالرجل الخطير والخارج عن القانون الذي يجب معاقبته. كما أشارت مجموعة من المقالات الصادرة في الولايات المتحدة إلى أن فلين كان قد تلقى أموالاً من مسؤولين أتراك عبر رجل الأعمال التركي إيكيم ألب تكين والذي هو رئيس المجلس الإقتصادي التركي – الأميركي والمقرّب من الحكومة التركية. وعلى الرغم من صعوبة الجزم والإثبات بأن مواقف فلين قد تكون مدفوعة الثمن مسبقاً، إلا أن الأكيد أنه بات لتركيا رجل موالٍ لها في البيت الأبيض، وهو صاحب أرفع المراكز التنفيذية والأمنية في الإدارة الأميركية الجديدة.

على الجهة المقابلة، وصف أردوغان بأن التغيير والحقبة الجديدة في واشنطن مليئة بالفرص الإيجابية التي يمكن أن يكون لها وقع إيجابي على العلاقات بين تركيا وأميركا. كما باتت أبراج ترامب في إسطنبول مدعاة فخر للإعلام التركي، فيما يتناقل هذا الإعلام “بطولات” فلين بشكل يومي على محطاته وصحفه، كما تم ربط مواقفه الداعمة لتركيا بقدرة حكومتها على فرض نفسها على العالم.

وإذ يبدو الحكم التركي براغماتياً في التعامل من مسألة التغيير في أميركا، كذلك يبدو العهد الأميركي الجديد. فلا ثوابت واضحة في مواقف الطرفين، بل مجرد مواقف شعبوية تتغيّر بحسب الظروف، وهذا ما يمكن أن يجمعهما سوياً، ويعيد العلاقات التركية – الأميركية إلى سابق عهدها. وعندما يتم هذا الأمر سيكون غولن أول الضحايا، وسينتهي أمره سجيناً في أنقرة، لتطوي تركيا حقبة طويلة من عمل الداعية الإسلامي على زعزعة استقرارها.

وعلى الرغم من أن المواقف التركية والأميركية قد تتغيّر في أي لحظة، إلا أن الإشارات الإيجابية الصادرة من الجانبين تؤكد أن تركيا خلال بداية عهد ترامب ستكون أفضل مما كانت عليه عند نهاية عهد أوباما. وهذا ما قد يفتح المجال أمام تعاون روسي – تركي – أميركي في سوريا، لإنهاء الحرب فيها أو تنظيمها على الأقل، خاصة وأن ترامب لا يبدو بعيداً عن النظرة الروسية للحل في سوريا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1587.

“الريّس” يحكم سيطرته على تركيا

جو حمورة

820141212728

لم يعد رجب طيب أردوغان بعيداً جداً عن إعلان نفسه حاكماً أبدياً على الشعب التركي. فبعد أن استحق لقب أقوى الشخصيات السياسية في تاريخ الجمهورية من دون منازع، يتقدم الرجل نحو تتويج حكمه بصلاحيات كبرى في النظام السياسي. إذ أن الدستور الجديد الذي يعمل عليه حزب “العدالة والتنمية” سيعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة في ممارسة الحكم، لينتهي بذلك زمن “الرئيس الحَكَم”، ويصبح فعلاً “الرئيس الحاكم”.

إلا أن القوة التي سيعطيها الدستور لرئيس الجمهورية، تهدف، عملياً، إلى جعل النظام السياسي متناسباً مع الواقع. فأردوغان لن يأخذ من الدستور ما لم يحققه بذاته، أو ما لم تعطه قوته الشخصية القدرة على ممارسته. فإن كان الدستور التركي الآن لا يُعطي الكثير من الصلاحيات للرئيس التركي، إلا أن أردوغان يتصرف وفق الدستور الجديد حتى قبل إقراره.

ويعود هذا الأمر بشكل أساسي إلى القوة السياسية والشعبية التي يملكها أردوغان، والتي استطاع تحقيقها بسبب عوامل عدة. ومنها ما هو مرتبط بفشل الأحزاب المعارضة، وغيرها مرتبط بتحالفه مع تجمعات “غير سياسية” تؤمن له الشعبية والنفوذ. هذا بالإضافة إلى سيطرته على حزبه السابق، واستفادته من الأحداث الأخيرة التي جرت في تركيا، والتي سهلت عليه مهمة الإنقضاض على معارضيه بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية، أكان حزب “العمال الكردستاني”، أو جماعة الداعية الإسلامية فتح الله غولن.

وعلى الرغم من أنه ليس عضواً في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، إلا أن لديه نفوذاً كبيراً على حزبه السابق، أكان بين مناصريه، وحتى في مجالسه السياسية. فيوم إفترق رئيس الحزب السابق أحمد داوود أوغلو عن أردوغان، لم يتكلف هذا الأخير إلا بضعة ضغوط على المجلس السياسي لحزب “العدالة والتنمية”، فتم إحراج أوغلو وإخراجه من رئاسة الحزب والحكم ومن المشهد السياسي في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، يتمتع أردوغان بشعبية كبيرة بين فقراء تركيا وأغنياءها. وهما “عكازتان” تؤمنان له القدرة على الفوز بأي إنتخابات يخوضها. فالفقراء المتحلقون حول الطرق الصوفية التركية المؤثرة جداً في المجتمع، يؤمّنون له نسبة مقبولة من الشعبية والأنصار، تضاف إلى سكان الأناضول وضواحي المدن الكبرى المؤيدين له تقليدياً. في المقابل، عزز أردوغان طوال فترة حكمه من سياسات الدولة الليبرالية، ومكّن الشركات الكبرى من الإستثمار وتحقيق الأرباح، فتحالفت “طبقة” كبيرة من رجال الأعمال مع الحكومة. ففي حين يقوم الحكم بتسهيل أعمالها، وتخفيف أعباءها الضريبية وفتح أسواق لها في الخارج، يستفيد بدوره من تجمعات رجال الأعمال من أجل تعزيز تفوذ الطبقة الحاكمة داخل تركيا، أكان شعبياً أو سياسياً أو مالياً.

من ناحية أخرى، لخطاب حزب “العدالة والتنمية” وأردوغان، قدرة كبيرة على استقطاب الأتراك. ويعود ذلك إلى سياساتهم الإقتصادية الناجحة، كما بسبب السياسات الإجتماعية المحافِظة التي يطبقونها. إذ أن التركيز على أهمية إعلاء شأن الدين من ناحية، والعودة إلى أمجاد السلطنة العثمانية من ناحية أخرى، تؤثر على انتماءات الأتراك وميولهم السياسية والعقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، يعود قسم من قدرة أردوغان على فعل ما يريده في تركيا إلى ضعف المعارضة الداخلية، وبخاصة الأحزاب الأخرى. ومنها حزب “الشعب الجمهوري” العلماني، الذي يتحكم برئاسته كمال كيلتشدار أوغلو ذو الكاريزما الضعيفة، والمحافظ على تنظيم حزبه القديم، والعقيدة العلمانية الأتاتوركية التقليدية. كما حزب “الحركة القومية” المتطرف، المتلهي بخلافات عميقة على السلطة بين أعضائه، والذي لا يقدم أي شيء في خطابه السياسي عدا التهجم العنصري على الأكراد والأقليات الدينية والقومية الأخرى.

بالمقارنة بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم، يبدو هذا الأخير أكثر تكيّفاً مع الواقع، وأكثر حيوية في تقديم خطابه إلى الناس، بينما يبقى الحزبان المعارضان جامدين كمن يعيد تكرار عبارات الماضي دون تقديم أي جديد. وهذا ما يُضاف إلى أن الإنتلجنسيا الحاكمة، والمتحلقة حول حزب “العدالة والتنمية”، قامت بنقد الأتاتوركية على مدى السنوات الماضية، وأفقدتها الجاذبية التي كانت مُلهمة للكثير من الأتراك.

فبعد حوالى 15 عاماً على حكم “العدالة والتنمية” تراجع بريق مصطفى كمال وعقيدته العلمانية، ولم يبقَ منها إلا صور أتاتورك على الجدران. فالإنتلجنسيا المتحكمة بالفضاء التركي العام، وفي الإعلام والمؤسسات السياسية، أفقدت العقيدة بريقها، وقدمت نقضاً لها شمل كل مكوّناتها.

لم يعد أتاتورك البطل الأوحد الذي حرر تركيا من الدول الغربية في مطلع القرن الماضي، بل بات واحداً من كثيرين حققوا هذا الأمر. كما لم يعد “البطل المحنّك” الذي توصّل إلى معاهدة لوزان عام 1923 التي أعلنت إستقلال تركيا، بل باتت النظرة النقدية هي الطاغية حالياً عند ذكر المعاهدة، وذلك بسبب تضمنها رسماً لحدود “صغيرة” لتركيا، وإفقادها أراضٍ باتت اليوم تابعة لسوريا واليونان.

وفي الجامعات، كما في الإعلام، وحتى في القضاء، يتراجع وهج الأتاتوركية. إذ ما عاد القضاء التركي يحاكم، إلا نادراً، من ينتقد شخص أتاتورك في العلن. كما بات الإعلام يخفف من استخدامه الكلمات المنمقة عند ذكره مصطفى كمال. هذا في وقت بات انتقاد أفكار أتاتورك العلمانية أمراً طبيعياً في الأوساط الجامعية والبحثية. خسر أتاتورك الهالة التي صنعها لنفسه، وباتت الهالة تحلق فوق رأس أردوغان.

كذلك الأمر، ساهمت السياسات الإجتماعية المحِافظة التي عمد إلى تطبيقها حزب “العدالة والتنمية” إلى إبراز الفروقات الكبيرة بين الإسلام السياسي والعلمانية. وعلى الرغم من أن هذه الفروقات أمر واضح ومفروغ منه، إلا أنها تبقى، بالنسبة إلى الأتراك، أمراً صعب التمييز. غير أن كثرة السياسات المحافظة وإعلاء شأن الدين بالحياة الإجتماعية والسياسية، يجعل من الأتراك يبتعدون رويداً رويداً عن كل ما تعنيه العلمانية والأتاتوركية.

من ناحية أخرى، أدى فشل محاولة الإنقلاب الأخيرة إلى تطبيق سياسات “انتقامية” من قبل أردوغان والحزب الحاكم بحجة محاربة الإرهاب. لذلك، عمدوا إلى إضعاف قوة الداعية الإسلامي عبر اعتقال أنصاره وطردهم أو إغلاق أعمالهم ومصالحهم. فدفع عشرات الآلاف ثمناً لذلك، أكان في المؤسسات الأمنية أو التعليمية أو القضائية أو الإعلامية. هذا في وقت يحل مكانهم اليوم أنصار أردوغان، الذين باتوا يسيطرون بحكم الأمر الواقع على معظم البيروقراطية التركية ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية الرسمية والخاصة. وهذا ما يجعل من أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” أصحاب قدرات كبيرة في التأثير على الأتراك من ناحية، كما في أخذ أي قرار وتطبيقه من دون أن يجدوا أي معارض حقيقي لهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، يجنح المجتمع التركي اليوم نحو نوع من “تأليه” لشخص أردوغان. فيتم الآن إنتاج فيلم ترويجي عن حياته تحت عنوان “الريّس”، كما تقام له غالباً بعض الأدعية في المساجد التي تتضرع لحمايته، ويتم إلصاق صوره في كل مكان. هذا بالإضافة إلى بروز مجموعات مدنية شبه متعسكرة ليلة محاولة الإنقلاب ولها ارتباطات مباشرة به.

بات أتاتورك من الماضي، وللأتراك اليوم “ريّس” وملهم جديد. هو الحاكم القوي والفعلي، أكان عبر الدستور الحالي أو عبر الدستور الجديد المنوي إقراره. فالواقع في تركيا أقوى من الدساتير، والحاكم القوي لا يحتاج دائماً إلى قوانين ومواد، بل إلى شعبية وقدرة مادية ومجموعات دينية تؤمن له استمراره بالسلطة، بالإضافة إلى معارضة بسيطة وبليدة تفيد أردوغان أكثر من أي فائدة يمكن أن تقدمها لبلادها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1581.

الإجراءات ما بعد محاولة الانقلاب في تركيا

جو حمورة

هذه بعض المقالات عن الإجراءات والأحداث التي جرت في تركيا بعد إفشال محاولة الإنقلاب:

إجراءات ما بعد محاولة الانقلاب: قمع الأكراد متواصل

صعود وانهيار إمبراطورية غولن التعليمية

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

إعلان حالة الطوارئ في تركيا: السلطة “تنظف الدولة”

محاولة انقلاب وصراع على النفوذ: قضاة تركيا يدفعون الثمن

%d9%85%d9%86-%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b9-wsj-com_

الفرص المهدورة لإيقاف الحرب السورية: مضيعة وقت برعاية دولية

جو حمورة

14446069_1225931354115346_5202945444224908682_n

لم تعد الحرب السورية، منذ زمن طويل، حرباً أهلية. بل تحوّلت، مع كثرة المتدخلين والفاعلين فيها، إلى مواجهة من نوع آخر. لا هي حرباً باردة دولية بالمعنى التقليدي، ولا مواجهة مباشرة بين القوى العظمى. إنما فوضى محلية وإقليمية ودولية، يلعب فيها الكثير من الأطراف دور المتدخل والفاعل حيناً، والمهادن والراعي أحياناً أخرى. كما تساهم الدول المحيطة بتذكية نار الحرب بالسلاح والمقاتلين غالباً، أو بتقديم مبادرات وحلول كما فعلت واشنطن وموسكو مؤخراً.

ليل العاشر من أيلول خرج وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري من اجتماعهم في جنيف بمبادرة حل للأزمة السورية. وتضمنت وقفاً لإطلاق النار بين قوات النظام السوري والمعارضة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة لقصف مواقع “الدولة الإسلامية” و “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً). هذا بالإضافة إلى أن مبادرة الحل تضمنت بنوداً بقيت سرية حول العملية السياسية وتغيير النظام بعد سريان وقف إطلاق النار.

إتفاق لافروف – كيري ليس الأول من نوعه، وعلى الأرجح لن يكون الأخير. إذ أن السنوات الخمس الماضية حفلت بعشرات المبادرات ومشاريع الحلول، والتي بقيت بمعظمها حبراً على ورق بسبب تسويف النظام السوري، كما بسبب غياب الجدية الدبلوماسية في التعاطي مع الأزمة. وكما الحال مع هذه المبادرات كلها، تبقى الإرادة الدولية ضعيفة القدرة في فرض اتفاقاتها على القوى المحلية، إذ أن الكثير منها لا تكترث لكل هذه الإتفاقات والحلول، ولا ترى إلا الحرب طريقاً للنضال، وتعتبر هذه التسويات مجرد مضيعة للوقت. في حين تستغل قوى أخرى وقف إطلاق النار والعمليات الحربية من أجل تجميع القوى المقاتلة والتحضير للمواجهات العسكرية القادمة.

وكما الحال مع معظم اتفاقات وقف إطلاق النار، تسير الأمور بشكل إيجابي بداية، ثم ما تلبث أن تستعر الحرب من الجديد. وهذا ما بدأ بعد إتفاق لافروف – كيري، حيث صمد وقف إطلاق النار، بصعوبة، لعدة أيام، ثم بدأت المواجهات تعود إلى سابق عهدها. وهذا بات مساراً شبه طبيعي ومُكرر في الحرب السورية، ذلك لأن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، كما الحلول المقترحة، فشلت كلها بعد فترات زمنية بسيطة.

في الماضي، في الثاني من تشرين الثاني عام 2011، توصلت الجامعة العربية إلى اتفاق مع الحكومة السورية نص على إنهاء القتال، والإفراج عن المعتقلين وإخراج الجيش من المدن. إلا أن الحكومة السورية لم تلتزم بما تعهدت به وتابعت ممارسة العنف ضد شعبها، فتم طردها من الجامعة. ثم قام مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان بالتوافق مع الحكومة السورية على هدنة في 12 نيسان عام  2012، إلا أنها انهارت بعد ساعات قليلة بسبب استمرار عنف النظام.

الفشل الذي مُني به كوفي أنان إستمر بعد ذلك، إذ أنه سعى في 30 حزيران، في جنيف، إلى التوصل إلى توافق على عملية إنتقالية في سوريا. غير أن الدول الحاضرة، وخاصة روسيا والصين، كان لها تفسيراً مختلفاً عن الدول الأخرى للبنود المتفق عليها، فتحوّل الإتفاق إلى فرصة مهدورة إضافية بعدما تمسكت كل من الدولتين بعبارة “الشعب السوري يحدد مستقبله”. بينما أرادت الدول الأخرى، وخاصة تركيا وبريطانيا وفرنسا، إخراج بشار الأسد من السلطة كمقدمة ضرورية لنجاح العملية الإنتقالية.

وبعد إستعمال النظام لغاز السارين ضد السوريين، تم التوصل نهاية العام 2013 إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو قضى بتسليم دمشق لأسلحتها الكيميائية. ويُعتبر هذا الإتفاق المُرعى دولياً، إلى حد ما، الإتفاق اليتيم الذي تم تطبيقه، ولم يتم نقضه أو القفز فوق بنوده. ويعود هذا الأمر إلى الخطر الضخم الذي يُشكله السلاح الكيميائي على الدول المحيطة بسوريا بشكل أساسي، وليس إلى الإكتراث الدولي بمئات المدنيين الذي قضوا نتيجة استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية.

في بداية العام 2014، رعت واشنطن وموسكو محادثات بين النظام السوري وشخصيات المعارضة فيما يُعرف بـ”جنيف 2″. إلا أن الإختلافات العميقة بين الطرفين أدت إلى قيام الوسيط الأممي الأخضر الإبراهيمي بتعليق المفاوضات، ومن ثم الإستقالة من مهمته في 13 أيار من نفس العام. وكانت هذه المحادثات الجدية الأخيرة التي جسلت فيها القوى السورية المحلية على طاولة واحدة، لتعود وتتحوّل كل المحادثات والإتفاقات اللاحقة إلى تواصل إقليمي ودولي حصراً. ومنها محادثات فيينا التي أتت بعد شهر واحد من بداية العمليات الجوية الروسية فوق الأراضي السورية، وضمت، بالإضافة إليها، 16 دولة أخرى كان من بينهم، للمرة الأولى، الجمهورية الإيرانية. وعلى الرغم من مشاركة جميع القوى الدولية كما الإقليمية المحيطة بسوريا، إلا أن مصير المحادثات كان كسابقاته، ولم يتوصل إلى أي نتيجة عملية.

مع فشل المحادثات المحلية، كما المبادرات الإقليمية والدولية، قام مجلس الأمن بتبني خطة حل للأزمة السورية. وتضمنت إقتراحاً لمفاوضات مباشرة بين المعارضة والنظام السوري، كما وقفاً لإطلاق النار، بالإضافة إلى تبني قيام حكومة سورية إنتقالية بعد 6 أشهر وإجراء انتخابات. إلا أن هذا القرار بقي بعيداً عن التطبيق، وإن تخللته جلسات متقطعة بين المعارضين والنظام لم تفلح بالتوصل إلى أي نتيجة تُذكر، ثم عُلقت الجلسات بعد هجوم النظام السوري على المعارضين في ضواحي دمشق.

وفي 27 شباط 2016 أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي مستورا التوصل إلى تصنيف أميركي – روسي – أممي مشترك للمنظمات الإرهابية، واقتصار الضربات الجوية عليها فقط. إلا أن النظام السوري وروسيا لم تلتزمان بالاتفاق، وتابعا ضربهم للمراكز العسكرية والمدنيين المعارضين. ثم إنتهى الأمر بالتوصل إلى الإتفاق الأخير بين واشنطن و موسكو لفرض وقف لإطلاق النار، وقيادة عمليات عسكرية مشتركة ضد المنظمات الإرهابية.

ومن الملاحظ في هذه المحادثات كلها، أن الأطراف المشاركة فيها كانت تتغير بين فترة وأخرى. وكانت، في البداية، تضم ممثلين عن القوى المحلية والإقليمية، لتعود وتصبح مرتبطة أكثر بالدول الكبرى. كما أن المحادثات التي شهدت مشاركة للسوريين تبقى ضئيلة بالمقارنة مع العدد الإجمالي للمحادثات الدولية والإقليمية، ما يُبرز مدى تعقيد الأزمة من ناحية، كما خروجها عن نطاق سيطرة السوريين ذاتهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، لعب النظام السوري دوراً سلبياً وتسويفياً بعد كل محادثات شارك فيها، فكانت مماطلته وعدم إلتزامه بما وقع عليه السبب المباشر الذي أدى إلى إفشال الكثير من التسويات وعمليات وقف إطلاق النار. وهذا ما كان ينتج عنه تعليق المعارضين لمشاركتهم في المحادثات وعدم العودة إليها إلا بعد تدخلات دولية وضمانات إقليمية. كما أن المحادثات خلال السنوات الماضية، أبرزت ضعف المعارضة السورية في جلسات التفاوض، ويعود هذا الأمر إلى أن المعارضين الذين يسكنون خارج سوريا لا يمثلون الشيء الكثير في الداخل، وهؤلاء يبقون أكثر تحرراً في رفض التسويات أو عدم الإنصياع لها.

على العموم، شهدت السنوات الخمس الأخيرة الكثير من المحادثات والتسويات، إلا أنها لم تؤدِ إلى المأمول منها. هذا في وقت لا ضمانات حقيقية اليوم بأن يكون الإتفاق الأميركي – الروسي الأخير إستثناءاً لهذه القاعدة. وعلى الرغم من الجهود الإقليمية والدولية المبذولة إلا أن الأمم المتحدة، والجامعة العربية وغيرها من المنظمات والدول المعنية بالسلام العالمي أثبتت فشلها الذريع في إيقاف الحرب السورية التي حصدت حوالى نصف مليون شخص.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة