إيران تحيي “عوني”.. كاشف صفقات الفساد التركية

جو حمورة

1 (1)

لم تظهر أسماء تركية “وازنة” في فضيحة “وثائق بنما” بعد، وربما لن تظهر أبداً. ففي تركيا، عادة ما يتم تسريب تفاصيل عن النشاطات الاقتصادية والسياسية داخل البلاد أولاً، ويتم نشرها ضمن البيت الداخلي وعلى وسائل الإعلام المحلية، فتفقد بريقها وتأثيرها عند بلوغها العالمية.

تنتقد المعارضة الحكومة التركية، وتكشف عن بعض الوثائق بين الحين والآخر، فيرد المتهمون بفضائح مماثلة تطال المعارضين. فيتحول بعض الأفراد إلى المحاكم، ويستقيل آخرون كما يحصل في أي دولة ديمقراطية، لتعود وتسود فترة من الصمت تحضيراً لمعركة فضح قضايا فساد جديدة بعد فترة. وكانت أبرزها تلك الفضيحة التي طالت أربعة وزراء أتراك في العام 2014 وأدت إلى استقالتهم، والتي عمد إلى تسريب تفاصيلها حساب على موقع “تويتر” يحمل اسم  “فؤاد عوني“.

أخيراً، في 11 نيسان/ أبريل، عاد حساب “عوني” إلى الحياة بعد طول انقطاع. فغرّد عن خلافات بين رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة أحمد داوود أوغلو. واعتبر أن الأخير ما عاد في حسابات الأول الساعي إلى تغيير الدستور التركي “ليتناسب مع طموحاته السلطوية”، كما بدأ العمل على الضغط عليه من أجل دفعه للاستقالة بعدما “بدأ أوغلو يُبدي تمايزاً عن أردوغان في التعاطي مع المعارضة، والقطاع الإعلامي، والحرب مع الأكراد”.

ولهذا الحساب “التويتري” قصة مثيرة. إذ إنه عمد إلى تسريب كثير من التفاصيل عن شؤون السلطة وكواليسها في تركيا بين العام 2013 وبداية 2015، ومنها معلومات صحّت وأخرى لم تصح. في حين لم تستطع الحكومة أن تعرف هوية صاحب الحساب، على الرغم من أنها تشير دائماً إلى “أيادِ خبيثة تعبث بأمن الوطن”، وتتهم الداعية الإسلامي “فتح الله غولن” والبيروقراطيين في أجهزة الشرطة وقضاة مقربين منه بالوقوف وراءه “بغية إضعاف تركيا”.

وعلى الرغم من أن حساب “عوني” الذي يتابعه نحو 3 ملايين مغرد يستخدم اللغة التركية، إلا أن الإعلام المحلي المرئي والمكتوب لم يكترث كثيراً “بالجديد” الذي أتى به. أكان بسبب حساسية الموضوع الذي طرحه، أو لأن الموضوع الذي طرحه ليس بجديد بسبب كثرة المقالات والتعليقات التي تؤكد كل فترة عن خلافات بين حكام تركيا.

غير أن الإعلام الإيراني الناطق بالعربية، ركز على الخبر وجعله أقرب إلى الحقيقة الحتمية، ونشرته قناة “العالم” على موقعها الالكتروني، فتبعتها معظم المواقع التي تدور في فلكها.

بعد “العالم” نقل موقع “شفقنا” العراقي- الإيراني الخبر، ثم تبعه موقع “أخبارك. نت” المصري وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطة بقناة “العالم” بشكل أو بآخر. ولم تكتفِ هذه الأخيرة بتعميم الخبر، بل أرفقته بصورة تظهر الشخصيتين التركيتين في حالة بكاء، لإبراز صورة تركيا الضعيفة التي تريدها إيران.

ولم تأتِ هذه الدعاية السلبية دون سياق عام، إذ إن الإعلام الإيراني الداخلي زاد من نسبة انتقاداته لحكام تركيا في الفترة الأخيرة، ما أدى إلى استدعاء السفير الإيراني في أنقرة بداية العام 2016 رداً على بث تقارير قاسية ضد تركيا في الإعلام الإيراني. كما يعمد المتحدثون باسم وزارة الخارجية التركية إلى انتقاد الإعلام الإيراني، بين الحين والآخر، لأنه “يبث الشائعات والكراهية ضدنا”.

من ناحية أخرى، تعامل الإعلام العربي الموالي لتركيا مع تسريبات “عوني” ومقالات الإعلام الإيراني بروية. فركز على عمق العلاقة بين أردوغان وأوغلو، وبثت المواقع الإلكترونية التركية- العربية المختلفة صوراً تظهرهما يفتتحان ملعباً لكرة القدم في اسطنبول ويلعبان الكرة، مبرزين عمق الصداقة التي تجمعهما والتي لا تستطيع بعض الأخبار الغامضة والمشكوك بصحتها أن تؤثر عليها.

ولم يستثنِ الإعلام التركي الناطق بالعربية إبراز صور الرئيس التركي السابق عبدالله غول في حالة انسجام مع الثنائي أردوغان- أوغلو. وذلك على الرغم من أن أسباب مغادرة غول السلطة، وتراجع تأثيره في الحياة السياسية التركية، تعود إلى الصراعات الخفية التي تتحكم بهذا الثلاثي، والتي بقيت دائماً خلف جدران القصور المغلقة والتكهنات، ولم تتحوّل يوماً “مانشيتات” فضائح على صفحات الجرائد ووسائل الإعلام.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

غجر تركيا.. زمن الرقص لم ينتهِ بعد

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

hurriyetdailynews.com

تُصارع معظم الأقليات التركية قدرها من أجل انتزاع الاعتراف بها من قِبل السلطة. تحرز بعض الأقليات تقدماً نحو هدفها من أجل تحقيق حقوق خاصة، فيما تتراجع غيرها ويتم دمجها “قهراً” مع الأكثرية. إلا أن أغلبها لا تتغير أوضاعها على الرغم من كثرة نضال أبنائها الاجتماعي والسياسي والثقافي والقانوني.

وتتعدد الأقليات التركية بشكل يصعب حصره وتبيان ظروف كل منها، إلا أنها تقسم إلى مجموعات ثلاث هي الأقليات الدينية – الطائفية، والأقليات القومية – الإثنية، والأقليات ذات الطابع الاجتماعي. ونادراً ما تضيء المقالات العربية والأجنبية على أوضاع أقليات تركيا الاجتماعية، على الرغم من خصوصيتها. ومنها الأقلية الغجرية التي تُشكل واحدة من أكثر الأقليات تمايزاً وفقراً، كما الشاهدة في السنوات القليلة الماضية على الكثير من التطورات.

ولا تحبّذ الدولة بإيديولوجيتها القومية التركية غالباً، الاعتراف بأي وجود وتمايز في المجتمع، وتسكنها نزعة وقناعة بأهمية وحدة الشعب. فتكتفي ببث أفكارها ونظرياتها القاهرة للأقليات المتعددة، وذلك بغض النظر عمن يحكم تركيا، سواء كانوا علمانيين أو قوميين أو إسلاميين. إلا أن السلطة تفتح أحياناً بعض المجالات وتعطي بعض الحقوق للأقليات من أجل اجتذاب أصواتهم الانتخابية، أو التهدئة من “روعهم” واندفاعهم النضالي، أو من أجل إظهار تركيا كدولة تحترم التعددية الثقافية وإبراز هذا الامر كنقطة إيجابية تقربها من مسعاها للدخول إلى الاتحاد الأوروبي.

في هذا المقال، نناقش أوضاع الأقلية الغجرية في تركيا بعد التعريف بها. كما التعدّي على حيّهم الإسطنبولي وتدميره، ما أدى إلى تشتت أعضاء مجتمعهم. بالإضافة إلى الإصلاحات و”العطاءات” التي تقدّمها السلطة لهم بين الحين والآخر، كما نضالهم السياسي والاجتماعي من أجل تحقيق حقوق خاصة وحصولهم على الاعتراف بالتمايز والوجود.

من هم الغجر؟

تشير معظم الدراسات الأكاديمية إلى أن أصول الغجر تعود إلى شبه القارة الهندية، حيث قام العديد منهم بمغادرتها في القرن الحادي عشر في اتجاه الغرب، فسكنوا إيران وتركيا والقوقاز والبلقان وأوروبا. وكانوا يأتون إلى تلك البلاد يوم كانت ممالك قوية للعمل في مجالات الترفيه كالرقص وعزف الموسيقى في قصور أصحاب السلطة والنفوذ. ثم استوطنوا لاحقاً الأراضي التي قدموا إليها، وسكنوا، غالباً، في ضواحي المدن الكبرى والعواصم.

وفي غالب الأمر، تبنّى الغجر القادمون إلى الأراضي الجديدة دين سكانها. فغجر البلقان هم في معظمهم من أكمل القراءة

هستيريا “أردوغانية” تضرب الحريات: الانتقاد ممنوع.. والجميع متآمر

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

zaman (2)

بلغ عدد الدعاوى التي رفعها مكتب رئيس الجمهورية التركية على مواطنيه بتهمة إهانته الـ1845 دعوى حتى الآن. هذا الرقم القياسي الضخم المسجل باسم الرجل الأقوى في تركيا رجب طيب أردوغان، تراكم منذ نهاية العام 2014 إلى اليوم حسب ما أعلن وزير العدل التركي “بكير بوزداغ” [1].

قد تبدو مقارنة هذا الرقم القياسي مع رؤساء وملوك العالم أمراً مغرياً، إلا أن أردوغان تقدم بأشواط كثيرة على كل نظرائه خلال العام المنصرم. كما شهدت بلاده إغلاق مؤسسات إعلامية عدّةوالاستيلاء عليها، وملاحقة صحافيين بشكل غير مسبوق ما بين عامي 2015 و 2016. الأمر الذي وضع مسألة الحريات الصحفية والإعلامية والشخصية في تركيا على بساط البحث، وأبرزت تركيا كدولة تزداد جنوحاً نحو الدكتاتورية يوماً بعد يوم بحسب المنظمات الحقوقية الدولية المعنية بالحريات الصحفية والعامة.

لم تأتِ هذه الدعاوى الكثيرة، واهتمام الحكم التركي بإسكات معارضيه بأي طريقة ممكنة، بشكل مفاجئ للكثيرين في تركيا. بل هي مشهد من مسرحية طويلة عمد الحكم التركي خلالها إلى ممارسة سياسات قمعية وعقابية تجاه المؤسسات الإعلامية والأفراد الذين لا يدورون في فلكه. كما أن هذا الجنوح الدكتاتوري لم يظهر خلال العامين الأخيرين فقط في ظل سياسة أردوغان وحكومة بلاده، بل يُعد امتداداً لسياسات قديمة عمد فيها رئيس الجمهورية وحزبه إلى الضغط والاستيلاء على المؤسسات الإعلامية المعارضة لهما منذ العام 2004.

إلا أن العام الأخير كان الشاهد على ازدياد القمع المنظم للمؤسسات الإعلامية والصحفيين والأفراد. بشكل أبرز صورة سلبية عن تركيا بدأت تأخذ مكان تلك النظرة النموذجية التي كونها الأجانب حولها كدولة قانون عصرية حافظت على القيم الاجتماعية والدينية المحافِظة ولها حكم قوي وفاعل، ولم تتخلَ، في نفس الوقت، عن حماية الحريات العامة لمواطنيها.

أردوغان يتحدى “دوندار” والمحكمة الدستورية

منذ اندلاع الأزمة السورية واتهام جارتها التركية بتسعيرها عبر دعم المجموعات المقاتلة فيها، بات الكلام عن الدور التركي في الحرب السورية محفوفاً بالمخاطر. هذا الأمر اكتشفه رئيس تحرير جريدة “جمهوريت” اليسارية “جانت دوندار” بعدما نشرت صحيفته صوراً لجهاز الاستخبارات التركي أثناء قيامه بإرسال أسلحة ومعدات عسكرية إلى داخل الأراضي السورية. فما كان من أردوغان إلا أن رفع دعوى شخصية بحق “دوندار” ومدير مكتب الصحيفة في أنقرة “إرديم غول”، أدت إلى توقيفهما ومحاكمتهما منذ نهاية العام 2015. فيما كانت الصور المنشورة للأسلحة المهرّبة تعود إلى أكمل القراءة

منسيّو الأناضول وحقوقهم: الزازاكيون والموارنة

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

الصورة من موقع silkroad.livedead.org

شكّل تركيا واحة غنية بالأقليات المختلفة، كفسيفساء يصعب حصر تنوّعها من اللمحة الأولى. ففيها الكثير من الأقليات الدينية، والقومية، واللغوية والاجتماعية بشكل يناقض الرواية الرسمية التي تؤكّد أن الأكثرية الساحقة من سكان تركيا هم أتراك القومية، وتُرك اللسان، وإسلام الدين وسنّة المذهب.

فزيارة ميدانية إلى الأناضول التركي تكشف للمرء عن هذه الفسيفساء التي لا تنتهي. فهذا كردي يريد حكماً خاصاً لقوميته. وذاك أرمني يريد حقوقاً دينية. وآخر علاهي يريد أن يتم الاعتراف به كطائفة. وغيره علوي يبحث عن عروبته، وغجري يريد حقوقاً اجتماعية أسوة ببقية المواطنين الأتراك.

والأقليات في تركيا كثيرة جداً، وتشكّل مادة دسمة للعلوم والسياسية والاجتماعية، كما للتدخلات الأجنبية. وفيما تبدو مهمة حصّرها بمقال واحدٍ مستحيلة، لا يمنع الأمر عن تعداد مُعظمها، وخصوصاً تلك المجموعات القومية والدينية غير المعترف بها في تركيا.

فبداية مع الأقليات القومية – الإثنية، والتي يشكّل الأكراد العنصر الأساسي فيها، كما العرب والألبانيون والأرمن والأشوريون والبوسنيون. بالإضافة إلى الشيشانيين والفرس واليونانيين والأذاريين والزازاكيين. وعلى الرغم من تفاوت أعداد كل مجموعة، إلا أنها موجودة كلها في تركيا، وموزعة على كامل مساحتها، ولها “معاقل” تتحصن بها ديمغرافياً، كما مطالب خاصة تعمل وتناضل من أجل تحقيقها.

أما الأقليات الدينية فمتنوّعة كتنوّع المجموعات القومية – الإثنية. وهي تتألف من العلاهيين والطرق الصوفية المتعدة خصوصاً، كما العلويون والمسيحيون السريان والأرمن بشقيهما الكاثوليكي والأرثوذكسي. بالإضافة إلى اليونانيين الأرثوذكس والبروتستانت والشيعة والكاثوليك، وصولاً إلى الإيزيديين واليهود والموارنة. هذه المجموعات مُبعثرة على الأراضي التركية ومتفاوتة في العدد، وتسكن في المدن التركية الكبرى باستثناء العلاهيين والعلويين والموارنة وقسم من السريان.

في هذا المقال نلقي الضوء على مجموعتين منسيتين في الأناضول التركي. وهما أقليتان عانتا وناضلتا من أجل حقوقهما بشكل يتشابه إلى حدٍ ما مع معاناة ونضالات الأقليات الأخرى. وهما الأقلية الزازاكية التي تملك لغة خاصة بها، والتي أبرزت مطالبها الثقافية واللغوية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، كما الأقلية المارونية ذات المطالب الدينية حصراً.

لا حقوق لغوية خاصة للأقلية الزازاكية

تختلف الأبحاث المتعلقة بتصنيف الأقلية الزازاكية بين كونهم قومية مستقلّة بشكل كامل، أو في كونهم فرعاً من القومية الكردية. إلا أن لهؤلاء ملامح هوية خاصة تجعلهم يتمايزون عن “أقاربهم” الأكراد. وأبرزها أن للزازاكيين لغة خاصة، وهي اللغة الزازاكية المُنشقة عن اللغات الإيرانية [1]، ولكنّها تتمايز عنهم بحيث أنها تُكتب بالحرف اللّاتيني. كذلك الأمر، تختلف الأبحاث حول أعداد الزازاكيين في الأناضول، وذلك لعدم وجود أي إحصاءات رسمية منشورة في “تركيا العلمانية” تُصنّف الأفراد حسب هوياتهم القومية أو الدينية. إلا أن الزازاكيين يُحصون عددهم بحوالي أكمل القراءة