بيروت لم تعد مدينتي

جو حمورة

Mideast Lebanon Trash

… وأخيراً وصلت إلى بيروت. وطأت قدماي المدينة التي غبت عنها لفترة، لأعود وأغادرها مسرعاً بعد أيام قليلة.

تفاجئك هذه المدينة بغرابتها، وبكثرة الشعوب والثقافات فيها. بات اللبنانيون عملة نادرة أصلاً، وأحياناً لا ترى أحداً منهم في الشارع. معظم سكانها هجروها أو هاجروا منها، أو باتوا يسكنون في قراهم ويأتون إليها لا لشيء غير السعي إلى الربح المادي.

نهاية الأسبوع البيروتي مضجرة. لا يبقى فيها إلا سيئو الحظ وسكانها “الأصليون”، كما العمال الأجانب والنازحون. طبعت الأزمة السورية ومأساة شعبها بصماتها على كل شبر في المدينة: هنا مكتب لتوظيف الوافدين، وهناك دكان للاجئ جديد، وبجانبهما تمر عربة خضار يجرها فقير، وحولهم جميعاً جبال من النفايات تلف بيروت من كل الزوايا.

وعلى الرغم من مرور سنة ونيف من عمر أزمة النفايات، لا يبدو من مشهدها في بيروت أنها بالفعل قد بدأت بعد. الأزمة بدأت للتو، والقادم أسوأ.

إنه الصباح. رائحة “باريس الشرق” الكريهة تملأ المكان. كل شيء له رائحة الخردل ودخان الحرائق والبكتيريا. إنتهى منذ فترة طويلة زمن الاستيقاظ على زقزقة عصافير الحي وصراخ بائع الكنافة. كل هذا بات من الماضي الذي غاب ولن يعود. لم يبقَ في هذا المكان إلا الفوضى والطمع والجشع والباحثون عن لقة عيش في كومة قمامة في أي شارع.

حتى الفروقات الطبقية تقلصت أمام قوة القمامة. ما عاد هنالك فرق شاسع بين شارع راقٍ وآخر شعبي حقير، إذ أن كل شيء بات متشابهاً، وله نفس اللون الكئيب والرائحة الكريهة. يتشارك الغني والفقير بقاسم مشترك نادر في مدينة كبيروت. ما عادت لعنجهية الغني ورائحة عطره أي أفضلية على عرق جبين أي فقير. فالجميع يتنشقون دخان حرائق النفايات ليلاً، ويمرون في الشوارع المليئة بالنفايات نهاراً، وتنخر أجسادهم الموبقات نفسها دون تمييز أو تفرقة.

العام الماضي، وعلى غير عادة، بادر بعض اللبنانيين إلى مواجهة السلطة السياسية بالتظاهر والعصيان لحل أزمة النفايات. تحمس البعض وعارض آخرون، إلا أن الحركة الشبابية المعارِضة فقدت ثقة الشارع سريعاً، وما عادت تؤخذ على محمل الجد، وباتت نشاطاتها أقرب إلى فلكلور سيئ الإخراج. انتهت الحركة وبقيت الأزمة، ثم زادت الأمراض وكثرت النفايات. ما عاد العيش في بيروت يُحتمل لزائر موسمي مثلي أو حتى لسكانيها الدائمين.

سوداوية المشهد البيروتي له إيجابية وحيدة، القرية اللبنانية باتت ملجأ لكارهي بيروت الجدد. إذ إننا بمعظمنا، نحن اللبنانيين، سكان قرى جبلية بالأساس. وبيروت والمدن الساحلية الأخرى، هي عندنا مجرد مكان للتجارة والعمل والتعليم والطبابة والمادة. يوم نزلنا إليها منذ عشرات السنوات، هربنا من روتين وبساطة القرى، كما هرب البعض منّا بسببب الحرب والفوضى، ورحنا نبحث عن فرص جديدة وخدمات أفضل. ما كنّا ندرك أن هذا النزول هو إنحطاط، ليس في الجغرافيا فقط، إنما في الأخلاق والقيم.

القرى مقبرة الطموح، والمدن مقبرة القيم. يوم نزلنا إلى “باريس الشرق” كنّا مسحورين بألوانها وتعقيدها، وكانت “جنّة” بالنسبة لقادم من قرية ليس فيها أي لون غير خَضار الشجر وقرميدية سطوح المنازل. كثرة الطموح والطمع قتلت أرواحنا في النهاية، أو ربما نحن من قتلنا بيروت. أفسدنا العيش على أهلها، وأخذنا منها ما نريد، ثم تركناها يوم بات العيش فيها شبه مستحيل.

ما إن انتهى يومي الثاني في بيروت، حتى بات الذهاب إلى قريتي ضرورة. لأزمة النفايات حسنات، وهي لقاء الأجداد والتنعم ببعض الهواء الصحي. لا تزال القرية اللبنانية، بالإجمال، تحافظ على معظم هويتها. صحيح أن التمدن دخل إليها حديثاً، إلا أن قدومه لم يكن يسيراً، بل واجهته شدة أبناء القرى وتقاليدها المتجذرة. وهؤلاء بات استهلاكهم مزيجاً من منتجات الأرض والوجبات السريعة، كما تغيّر نوع الآليات التي يستخدموها، فيما باتت بعض بيوتهم من طبقات عدة. إلا أنهم، لحسن حظي، لم يتمدنوا بالقدر الكافي، وبقوا أبناء قرى في التفكير والإحساس، وإن تغيرت بعض أنماط استهلاكهم ومظهرهم الخارجي.

العودة إلى الجذور فيها شيء من الروحانية، ولكون موقع القرى في الجبال، يبدو الصعود إليها إرتفاعاً نحو السماء. وكلما زادت المسافة بُعداً عن بيروت ومحيطها، اكتشفت أنني أغادر مكاناً لم أنتمِ إليه يوماً. قد تكون الأزمات الكثيرة والدائمة التي تندلع في عاصمة لبنان مصدر هذا الإحساس. أو ربما هي إشارة إلى أن الانتماء الحقيقي في بلادي هو انتماء للأرض والجذور، وليس لشقة في بناية في حي في منطقة فيها خليط من لبنانيين قادمين من كل أطراف البلاد لا يربطهم ببعضهم البعض إلا القليل.

أقضي أوقاتي في قريتي، وحيث يجب أن أقضيها أصلا، ما لي ببيروت؟ تبدو من بعيد أرضاً غريبة، لكأنها بلد آخر. سكان القرى لطفاء بشكل عام، وغالباً ما يساعد بعضهم بعضاً. قليل من السياسة، والكثير من التراث والأرض واللقاءات العائلية تشغل أيامهم. لا نفايات ولا أزمات مستعصية تقلق لياليهم، إنما مجرد “هموم” لا تزيد عن مسائل تتعلق بحال موسم الزيتون، والطقس المتقلب، ومَن سيتزوج مَن.

بيروت لم تعد مدينتي، باتت من الماضي. لن أطأها إلا لمغادرة لبنان عبر مطارها بين فترة وأخرى، تخلينا عن قرانا مرة في الماضي، الآن نعود إليها، ولن نتركها ثانية.

جو حمورة، بيروت لم تعد مدينتي، الجزيرة مباشر، في 15 أيلول 2016.

وثائقي عن حركة Otpor والثورة الصربية

هذا وثائقي عن الحركة الشبابية التي قادتها منظمة Otpor في صربيا والتي إستطاعت خلال سنتين أن تطيح بالرئيس الصربي سلوبودان ميلوزوفيتش من السلطة.
ربما نستطيع أن نتعلم من هذه الحركة المدنية التي استخدمت النضال اللاعنفي للخلاص من حكامنا.

***

***

راجع أيضاً:

مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي

الأساطير اللبنانية والتركية: بين طائر الفينيق والذئب الأغبر

هل مسيحييّ لبنان ومسلميه شعب واحد؟

لبنان في القرن الماضي قبل أن يَلتهمه البترو – دولار

العلاقة الوجدانية بين العرب والحذاء

تعود علاقة العرب بالحذاء إلى مراحل تاريخية قديمة، وهي علاقة متجذرة وقوية، سنشرحها في هذه الدراسة الصغيرة، التي “يشوبها” بعض الإستهزاء، بطريقة منهجية تاريخية. كذلك نلفت انتباه القارئ إلى أن مضمون النص عنصري تجاه العرب ! 

***

أولا: حذاء أبو القاسم الطنبوري

“أبو القاسم الطنبوري” هو شخصية تاجر من بغداد يتسم بالبخل رغم غناه، ظل يستعمل نفس الحذاء لمدة سبعة سنين وكلما تَقَطّع منه موضع جعل مكانه رقعة، إلى أن صار في غاية الثقل، وصار الناس يضربون به المثل… حاول “أبو القاسم الطنبوري” التخلص من الحذاء القديم والبالي، لكنه كان يعود إليه في كل مرة يحاول التخلص منه مسجلاً أروع قصة حب ووفاء بين الإنسان العربي والحذاء، ليتبين مدى أهمية الحذاء ومدى إخلاصه لصاحبه معلناً بصورة رمزية أسطورية إحدى إعجاز العرب. (راجع كتاب “ثمرات الأوراق في المحاضرات” لـ تقي الدين بن حجة الحموي)

امرأة سورية تضع الحذاء العسكري على رأسها في مظاهرة داعمة للجيش السوري

امرأة سورية تضع الحذاء العسكري على رأسها في مظاهرة داعمة للجيش السوري

ثانيا: قصة “خفيّ حنين”

كان هناك بائع أسمه “حنين” أتاه رجل إعرابي أراد أن يشتري منه خفين فاختلفا على السعر، وأراد “حنين” أن يكيد له فذهب إلى طريق قرية الإعرابي فوضع الخف الأول في الطريق ووضع الثاني على مسافة بعيدة من الأول وأختبئ خلف شجرة. ثم أتى الأعرابي فرأى أحد الخفين فقال ما أشبه هذا بخف “حنين” ولو كان معه أخر لأخذته وعندما سار رأى الأخر مطروحا، فندم على تركه الأول فنزل عن ناقته وربطها ثم رجع إلى الأول، فخرج حنين من مخبأه فحلّ ربطة الناقة وسرقها منه. رجع الإعرابي إلى قريته فسألوه قومه بماذا عدت فقالـ: “بخفيّ حنين” وشاعت هذه القصة على صورة مثل “وهو عاد بخفيّ حنين”، وهذا المثل يُضرب على كل من رجع خائباً ومهزوماً…وهذا ما يشبه عودة العرب من جولاتهم وصولاتهم العسكرية التي تذكرنا بخفي حنين وبحالة الهزيمة المستمرة والخيبات المتتالية والعجز العربي، كما تبرز لنا مدى توطد علاقتهم بالحذاء.

ثالثا: الحذاء وتاريخ مصر

تكشف الدراسات التاريخية أن “شجرة الدّر” (أميرة حكمّت مصر لمدة 80 يوماً في عام 1250م) وبعد إجبارها التنازل عن الحكم، حاولت التآمر على الملك “عز الدين أيبك” فقتلته، فقبض عليها المماليك وسلموها إلى زوجته الملك، التي أمرت بدورها جواريها بالهجوم على “شجرة الدّر” وضربها بالقباقيب (نوع من الأحذية) حيث فارقت الحياة بسبب صفع النساء لها أكمل القراءة

“الخوري” شكيب والجريمة المكررة

جو حمورة

كان صغيرا وفي عيونه براءة الأطفال الصافية، كان مميزاً من بين الأولاد في سنه مع إنه يعيش في منزلٍ وعائلةٍ مستقرةٍ عادية، حينها أدخل أهل شكيب ولدهم إلى إحدى المدارس التابعة لمطرانية بيروت المارونية طمعاً بمستواها العلمي الجيد.

خلال حصص التعليم الديني الإلزامية في المدرسة لسنوات عدة، لم يعلق في ذهن شكيب  سوى ما علموه إياه عن الله وهو: الله القوي، العنيف، الباطش، المخيف، الله الذي يعاقب ويأمر ويقاصص…وذلك بسبب تركيز التعليم الديني في هذه المدارس  على العهد القديم وأحداثه وطبع صورة الله في أذهان الأطفال على أنه المراقب للجميع، الحاد الطبع، الباطش والمعاقب الذي يأخذ حياة البشر لأنهم لم يعبدوه، من دون أن ننسى تأثيرات الأفكار الشعبية المتداولة بين الأطفال: كفكرة ظهور القديسين في الليل ليخنقوا من يعصوا الأهل والأساتذة، وطبعاً فكرة موت المسيح وقيامته، ولولا هاتان الفكرتان الأخيرتان لظننا أن المدارس المسيحية تربي أطفالاً يهود.

كبر شكيب وبات الآن طالباً جامعياً، فقرر الانخراط في العمل الرعوي الجامعي فأصبح رئيس التجمع، كما بات خادماً في كنيسة رعيته معظم أيام الأسبوع.

من ثم جهد في درس اللاهوت لفترة، كما انخرط لمدة في إحدى الأحزاب المسيحية المعروفة بموازاة ذلك. من الأمور التي لازمت حياته خلال هذه المرحلة صعوده كل ليل جمعة إلى دير عنايا في جبيل، ولم يدع “عيد سيدة” واحد يمر إلا وأمضاه في بلدة “دير الأحمر”، يفضل قراءة الإنجيل للمرة العاشرة والتأمل في صور القديسين المصفوفة على الرفوف في غرفته على أن يمضي أمسية غنائية مع رفاقه مثلاً.

يناقش الجميع حول الدين لكأن إلهه اصطفاه من بين البشر ليتكلم بإسمه، ويعتبر أن من لا يأخذ المسيح مخلصاً له فهو ضالٌ أعمى. يزدرئ الطوائف الأخرى، ويرجم غيره باتهامات أنه مسكون بالعفاريت والشياطين إن خالفه بأمرٍ ما كالقول له أن العهد القديم هو مجرد قصص وأساطير خرافية ورمزية تناقلها الشعب اليهودي وهي ليست بحقائق فعلية.

يرفض فكرة الزواج المدني والمساكنة والإجهاض وأي شيء لا تبرره الكنيسة المعصومة، كما يقول عنها. مع أنه يرى أن الفساد والتزمّت والتخلف في الكنيسة موجود إلا أنه يعتبره بسيط وضروري للحفاظ على متانة المجتمع، كما يرى التشدد الديني ضروري طالما بنظره الحقيقة المطلقة لكل شيء تقررها تعاليم الكنيسة…

بعد ضغوطات عدة من أهله، حاول شكيب لأكثر من مرة الارتباط جدياً بفتاة ما لكنه فشل، حيناً لأنه لم يجد الحب مقارناً ما يريده من حب منها مع رؤيته لحب المسيح لعارفيه… وأحياناً لأنه من كثرة ما تعوَد على صورة الله الباطش والقوي، حسب ما طُبعت في ذاكرته ولاوعيه منذ الصغر، أراد في قرارة نفسه فتاة مماثلة تتحكم به، فسار الأمر على ما يهوى لفترة مع بضعة فتيات ليعودوا ويتخلوا عنه بعد أشهر بحجة الملل.

أحس شكيب بالمرارة من ظلم الحياة المدنية، نتيجة للفشل العاطفي والمادي والمعنوي المتكرر، فقرر متابعة دراسته للاهوت طامحاً ليصبح خوري أخذاً المطران بولس مطر مثالاً له! قاسماً أن ظهوراً عجائبيّ ما قد حصل معه. لذا، درس سنوات أخرى كتابه المقدس وتعاليم كنيسته مبتعداً عن مجتمعه وبنات الجنس الآخر، متخذاً قرار البقاء بتولاً مدى العمر خدمةً للمسيح!

بعد مرور سنوات عدة تخرج الخوري شكيب بحضور أهله وحفنة مِن مَن تبقى له من أصدقاء، ليعود ويصبح أستاذ التعليم الديني في نفس المدرسة التي تخرج منها، فمارس التعليم هناك وكان هدفه إصلاح الشبيبة حسب ما يقول، وخلال هذه السنوات كانت أفضل لحظات في مسيرته التعليمية حين يروي على طلابه:

– قصة كيف أمر الله إبراهيم قتل ابنه إسحق في الجبل .

– قصة تحويل الله زوجة لوط إلى عامود من الملح لأنها عصته.

– قصة كيف سلب الله أيوب أولاده وماشيته وصحته ليختبره .

– قصة ضربات الله العشر للمصريين، ليطلق فرعون سراح الإسرائيليين.

– قصة كيف شق الله البحر الأحمر ليعود ويردمه ماءً قاتلاً ألاف المصريين .

– قصة أمر الله موسى بقتل 300 شخص لأنهم عبدوا عجلاً ذهبياً .

– قصة كيف يرسل الله الثعابين على الشعب لأنه عصا أمره وتململ.

– قصة تزعزع سلطة موسى وتنافسه مع آخرين حين قتل  الله جميع معارضيه قرب خيمة تابوت العهد.

وغيرها الكثير من القصص “الرائعة” الأخرى من العهد القديم التي يعلمها الخوري شكيب لطلابه، ليعود وينهي كل حصة قائلاً لهم: “إن الله يحب الناس جميعاً وذلك يظهر في أعماله كلها ! “

————————–

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

حين تلوّن ذرات العطر سماء الكفيف

ثلاثة أحزاب.. بالمشبرح