“لعبة العروش”.. الإستثناء الذي ينافس الدراما التركية في أرضها

جو حمورة

15 (2)

ما أن انتهت الحلقة الأخيرة من الجزء السادس من “لعبة العروش” حتى أثبت المسلسل نفسه كواحد من الأكثر شعبية حول العالم. يوماً بعد يوم، كرس المسلسل “ثقافة” مشاهدة خاصة لمتتبعيه، فيما ازدادت شعبيته بشكل هستيري في تركيا، في الفترة الأخيرة.

والى جانب ان العمل مليء بالأحداث المتلاحقة والأبطال والكثير من المفاجآت المثيرة، يقضي متابعوه أيامهم في تحليل الأحداث السابقة وتوقع تلك اللاحقة في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الإلكترونية، كما قراءة المقالات التحليلية التي يبثها معظم المواقع والصحف الأجنبية المشهورة.

وتدور أحداث المسلسل المقتبس عن روايات “أغنية من ثلج ونار” لمؤلفها جورج آر. آر. مارتن في مكان خيالي تتصارع فيه سبع عائلات للسيطرة على العرش الحديدي للممالك السبعة. ويتناول المسلسل الكثير من القضايا التي تمسّ حياة الإنسان العامة والخاصة كالدين، والجنس، والحرب، والسلطة، والعدالة، والتراتبية الاجتماعية والانتقام.

وكانت السنوات الأخيرة شاهدة على ظاهرة لا تنفك تزداد شعبية في تركيا، وبطلها هو مسلسل “لعبة العروش”. فالعابرون في أسواق المدن الكبرى سيلاحظون بعض اللافتات والدعوات الترويجية أمام المقاهي والحانات التي تعلق على حدثٍ ما كان قد جرى في المسلسل، وتدعو الزبائن إلى الاحتفال به في الداخل. أو تكتفي بدعوتهم إلى مشاهدة المسلسل، أو لقطات منه، في توقيت محدد مسبقاً، رافعة واحدة من الشعارات المشهورة لأبطاله.

وفي العام 2014، كان الجيش التركي قد أعلن منع مشاهدة “لعبة العروش”في أكاديمياته العسكرية وفي مساكن الجيش، وذلك “من أجل حمايتهم من المحتوى الجنسي، والعنف والسلوك السيء”. إلا أن ذلك القرار ساهم كدعاية إيجابية للمسلسل على عكس المتوقع، فزاد عدد متتبعيه بداعي الحشرية أولاً، ومن ثم تعلقوا به. كما قام أتراك آخرون، بعد العام 2014 وإلى اليوم، بإنشاء منتديات إلكترونية ومجموعات “فايسبوكية” لمناقشة وتتبع أخبار المسلسل الأشهر عالمياً، فيما عمد آخرون إلى تأليف الأغاني لأبطال المسلسل وضحاياه معتمدين على الألحان التراثية التركية.

بعد تسمّر ملايين المشاهدين أمام شاشة محطة HBO الأميركية لمشاهدة آخر تطورات المسلسل وغزوات أبطاله ومصرعهم قبل نهايته، يعمد أتراك الى شراء المسلسل على أقراص مدمجة بأسعار زهيدة، أو يشاهدون الحلقات على المواقع الإلكترونية بعد أن تتم قرصنتها، الأمر الذي جعل المسلسل يحتل المركز الأول عالمياً من ناحية عدد المرات التي قُرصن فيها.

وكما الحال في الكثير من الدول التي شهدت اقبالاً على العمل منذ العام 2011، وأعاقته لغة المسلسل الناطق بالانكليزية، كذلك في تركيا، تبقى اللغة المحلية هي السائدة، فيما اللغات الأجنبية قليلة الانتشار ولا تفهمها إلا نسبة ضئيلة من ساكني المدن الكبرى.

غير أن الترجمة التركية لـ”لعبة العروش”، والتي يتم العمل عليها والانتهاء منها بسرعة بمبادرة من بعض المواقع الإلكترونية المحلية، جعلت حلقات المسلسل جاهزة للمشاهد التركي نهار الإثنين من كل أسبوع، وذلك بعد أن يتمّ رفعها على مواقع إلكترونية متخصصة في قرصنة إنتاجات عالمية وإتاحتها مجاناً للجميع.

وعلى الرغم من أن مشاهدة المسلسلات الأجنبية في تركيا تبقى نادرة مقارنة بنسبة المشاهدين للإنتاج المحلي، يشكّل مسلسل “لعبة العروش” استثناءً لهذه القاعدة. فالإنتاج السينمائي والتلفزيوني التركي ضخم، ويملك نسبة مشاهدين كبيرة، كما يصدّر الكثير من إنتاجه إلى الخارج، سواء أكان إلى الدول العربية، أو إلى مناطق البلقان والقوقاز وغيرها.

في حين يرى أحد أبرز المترجمين للمسلسل إلى التركية “جام أوزدمير”، بأسلوب ممازح، “أن النسبة المرتفعة لمشاهدي لعبة العروش دليل على أن المسلسل تركي الهوية لكنه مموّل من شركة أميركية”. كما يؤكد على أن الجودة العالية، والترجمة السريعة والمواضيع التي يطرحها المسلسل في حلقاته هي من الأسباب الأساسية التي أدت إلى شهرته محلياً.

هذه الاستثنائية المكتسبة تساهم برفد المسلسل بالمزيد من الشعبية في تركيا، وخصوصاً بين الشباب الجامعي الذي يتأثر بخيارات بعضه البعض. كما نافس “لعبة العروش” العديد من المسلسلات التي أنتجها الإعلام التركي بميزانية وجودة عالية خصيصاً لشهر رمضان، إلا أنه لم يبلغ بعد حد التغلب على نسبة مشاهدي مباريات كرة القدم المحلية والوطنية التي تبقى الأكثر شهرة ومتابعة بين الأتراك.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

Advertisements

“تتريك” أغاني فيروز.. لبنان كمستورد ألحان

جو حمورة

maxresdefault

لم يعد بالأمر المفاجئ أن تستمع لأغنية عربية جديدة وتكتشف أن أنغامها مسروقة من لحن تركي، إسباني أو يوناني. الإستعارة، أو السرقة، باتت أقرب إلى عادةٍ متكررة تعوّض عن النقص في الإبداع العربي. لكن الجديد، أن الالحان اللبنانية باتت خلفية موسيقية لأغان تركية، وأبرزها، أغاني الاخوين الرحباني.

والحال انه بسبب كثرة “مقتبسي” الألحان في دول حوض البحر المتوسط، وتشابه الثقافات والأنغام بينها، لم يَعد يُنظر كثيراً إلى مُقتبِس الألحان بشكل سيء، بل يجرد من بعض التقدير والثناء المستحقين لصاحب اللحن الأصلي، من دون أن ينفي ذلك قدرة الكثير من المقتبسين على الهروب من الإعتراف.. والفضيحة. إلا أن ذلك بات أصعب من الماضي، مع وجود وسائل التواصل الإجتماعية والمواقع الكثيرة المتخصصة بالترويج للموسيقى والأغاني.

بتصفح بعض هذه المواقع، تبرز ظاهرة سرقة الألحان اللبنانية من قِبل فنانين أتراك خلال سبعينيات وثمانينات القرن الماضي بشكل خاص. صحيح أن السرقة هذه قد تبدو تهمة مبالغاً فيها، وربما فيها تجنٍّ، على إعتبار أن نقل اللحن ربما تم بعد شرائه من صاحبه اللبناني، كما يمكن أن يكون الملحن اللبناني والتركي إستعارا اللحن، مداورة، من طرف ثالث.

وتبرز ألحان الأخوان الرحباني وأغنيات فيروز كأكثر المواد التي تم نقلها إلى التركية. وهذه الألحان لم تقتصر على مدة سنوات قليلة فقط، إنما شملت عشرات السنوات، كما لم تقتصر على أغان عاطفية من مشهد مسرحي، بل تعدتها حتى إلى الأغاني الوطنية اللبنانية.

ومن هذه الألحان، أحصينا 21 أغنية “فيروزية” تم نقلها إلى التركية، مع ما يعني ذلك أن إيجاد المزيد منها هو أمر كبير الإحتمال. ومنها لحن “طريق النحل”  التي غنتها الفنانة التركية “أدجا بيكان”، ولحن أغنية “لا إنتَ حبيبي” التي غناها الفنان التركي “فردي أوزبيان”. بالإضافة إلى أغنية “وينن” التي أخذها “إركين كوراي”، وهو الفنان التركي الذي اشتهر بإستعارة الألحان العربية و”تتريكها” وغنائها بصوته مثلما فعل مع لحن أغنية “عالعين موليتين” التراثية التي نقلها إلى التركية عام 1974.

يمكن قياس مسار الإستعارة بين الفن اللبناني والتركي بحسب فترتين زمنيتين مختلفتين. الأولى، الممتدة بين ستينيات إلى ثمانينات القرن الماضي، حيث كان الفن اللبناني خلالها في “عصره الذهبي”، والعروض المسرحية والمهرجانات لا تتوقف، والإنتاج الموسيقي اللبناني يتخطى حدود بلد الأرز. فيما تشكل استعارته مشروع شهرة لفناني الدول المحيطة به، فأخذ الأتراك الكثير منه.

في المقابل، أدّى تراجع مستوى وضخامة الإنتاج الفني اللبناني، بعد الثمانينات، إلى تحوّل المصدِّر إلى مستهلك وباحث عن ألحان من ثقافات أخرى، فكانت الفترة الثاني حيث تحوّل الإنتاج اللبناني، في الكثير منه، إلى نسخة معدلة ومهجنة من الألحان التركية وألحان الشعوب الأخرى المحيطة بالمتوسط.

أما الأغاني الوطنية اللبنانية، والتي تربى جيل كامل من اللبنانيين عليها، فهي تعرضت بدورها إلى الإستعارة والسرقة. ومن غير المعيب القول أن الرحابنة استقدموا بعض هذه الألحان من الثقافات الأجنبية، إلا أن الأتراك فعلوا الأمر ذاته وحوّلوا الألحان الوطنية إلى أغاني عشق تتناسب مع الأجواء الرومانسية للفن والمسرح التركي في السبعينيات والثمانينيات. فلحن أغنية “هيلا يا واسع” الرحبانية باتت بالتركية أغنية عشق ومناجاة تحت عنوان “أين أنت أين“، فيما باتت الأيقونة الفيروزية “بحبك يا لبنان” أغنية عاطفية من حبيب عاشق لحبيبته الخجولة تحت عنوان “أنظري لسقوطي“.

تراجع مستوى الفن اللبناني ترافق كذلك مع وفاة الرحابنة، وتوقف مسرحهم عن العمل والإنتاج، وغياب الفنانة صباح ووديع الصافي وإنحسار جديد فيروز تحت وطأة العمر، كما وظهور طفرة من الفنانين المهتمين بجمال خدودهم ومؤخراتهم أكثر من صوتهم أو معاني أغانيهم.

في المقابل، شهدت السنوات العشر الأخيرة “ثورة” في الفن التركي، أكان من ناحية الضخامة، أو من ناحية نوعية الإنتاج السينمائي والمسلسلات والفنون الأخرى المرافقة، كما اكتسب الإنتاج التركي أسواقاً جديدة في العالم العربي وفي لبنان. فيما بات الفن اللبناني، بمعظمه، بالكاد يستطيع أن ينافس في دول الخليج العربي والمغرب العربي والأردن بعدما كان الأول والأنشط في هذه الدول منذ سنوات قليلة مضت.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

“قضية البجع”: تدوين الأسرار ومصير أوغلو

جو حمورة

قد يكون توصيف حالة الإعلام التركي بالهستيرية، توصيفاً ملطفاً عند النظر إلى كيفية تعاطيه حالياً مع خلافات حكام تركيا. فالأسبوع الماضي حمل كثيراً من الهمس والتلميحات حول “خلافات الأخوة”، كذلك أظهر كثيراً من التسريبات والنظريات “المؤامرتية” التي لم تستثنِ أروقة المكاتب السياسية ووسائل الإعلام والمدونات الإلكترونية.

المعنيون كثيرون، والقضية واحدة. فهي استمرار رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو في لعب دور في السلطة وموقع القرار أم لا. وذلك بعد خلافه مع رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان. وتصدر هذا الخلاف صفحات الصحف وحديث الأتراك في مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة.

The Pelican brief

إلا أن “أزمة الحكم” التي ظهرت إلى العلن في الثالث من شهر أيار/ مايو، لم تكن جديدة بالنسبة إلى متصفحي وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات الإلكترونية التركية. إذ إن مدونة واحدة كانت سبّاقة في الكشف عن أسباب الخلاف بين الرجلين الأقوى في تركيا، وطرحت مصير أوغلو وأسباب إقصائه من السلطة.

فقبل يومين، في الأول من أيار/ مايو، انفردت مدونة جديدة حملت إسم “قضية البجع” بحوار متخيل مستوحى من الواقع بين أردوغان وأوغلو. و”قضية البجع” (The Pelican Brief) هو فيلم رعب سياسي مستوحى من رواية أميركية يعود إلى العام 1993، يدور حول خلافات تتعلق بقضايا سياسية وقانونية، وينتهي باستقالة الحاكم ومغادرته للسلطة.

بالمقارنة مع مضمون التدوينة الوحيدة المنشورة على المدونة، يبدو اختيار الإسم موفقاً، حيث يدور الحوار حول “المتآمرين على تركيا” في إشارة إلى أوغلو، و”القائد المخلص” المشار إليه بأردوغان. ويعتبر المدون المجهول الهوية، الذي تردّ معظم الصحف التركية هويته إلى أحد الصحافيين المقربين من أردوغان، أن “تركيا بحاجة إلى التخلص من الخونة”، وأن أوغلو ناكر للجميل بعدما تم اختياره لرئاسة الحكومة ورفضه لاحقاً تغيير الدستور التركي لجعل البلاد ذات نظام رئاسي.

ويعود الخلاف الأخير بين أردوغان وأوغلو إلى رغبة الأول في التقدم نحو إقرار دستور جديد لتركيا يعطيه صلاحيات كبيرة، فيما لا يبدو الثاني كثير الحماسة لهذا الطرح الذي سيقلل من صلاحياته. فيما عمد أردوغان، وبسبب سيطرته على المكتب السياسي لـ”حزب العدالة والتنمية” الذي يرأسه أوغلو، إلى تقليص صلاحيات هذا الأخير في تعيين مسؤولي الحزب.

في حين انتهى الأمر بأن شن الإعلام التركي الموالي للرئيس حملة إعلامية خجولة واكبت الإعلان عن تنظيم مؤتمر حزبي عام جديد لانتخاب رئيس جديد للحزب، ما يعني نهاية عصر أوغلو في رئاسة “العدالة والتنمية” والحكومة.

وعمد نص التدوينة الطويل الذي تم نشره آلاف المرات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إبراز أسباب وجوب مغادرة أوغلو السلطة، ووضع معظم اللوم عليه في المشاكل الداخلية والخارجية التي تواجه الدولة التركية. وانتهى النص بجملة “هذه معركة، وهوية الخاسر واضحة”، في إشارة إلى أن نهاية تأثير أوغلو في القرار السياسي ستكون كنهاية فيلم “قضية البجع”، وذلك عبر الاستقالة والإنسحاب من المشهد السياسي المؤثر ومركز القرار.

قد يكون اختيار أردوغان ومكتبه أساليب المدونات السرية، والهمس في التعاطي مع إخراج أوغلو من السلطة مفهوماً لعدم “نشر غسيل” حكام تركيا على صفحات الصحف الأولى، ولعدم إظهار ضعف السلطة التركية وخلافات حكامها وإختلاف خياراتهم السياسية حسب ما يقول المعارضون. إلا أن إعتماد هذا الأسلوب يشي بأساليب مخابراتية عند المواجهة السياسية بين “الأخوة”، والإتكال على الفضاء الإلكتروني والمدونات كأسلوب ضغط سياسي مؤثر على مصير البلاد وحكامها، وبروز هذا الحيز الحر لقول ما لا يمكن قوله في الإعلام المرئي والمكتوب الملزَم باستخدام كلمات منمقة واتباع أساليب محترفة وشبه موضوعية عند التعاطي مع قضايا سياسية تتعلق بمصير القابضين على السلطة.

ورغم أنها مجرد مدونة إلكترونية، إلا أن “قضية البجع” كانت سبّاقة في إذاعة بيان إستقالة أوغلو قبل خمسة أيام من تلميحه لذلك. فيما بات مصير رئيس الحكومة التركية معلقاً بمؤتمر حزبه العام الذي سيعقد في 22 أيار/ مايو. وهو مؤتمر يسيطر أردوغان على القرار السياسي لمعظم أعضائه، حيث من المتوقع أن يصبح أوغلو بعد انعقاده الرئيس السابق لحزب “العدالة والتنمية”.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين

جو حمورة

harun (3)

بات العالم صغيراً. ينطلق متصفّح الإنترنت من صفحة إلى أخرى لعلّه يجد ما يغنيه، ومن موقع إلى آخر يحط رحاله على ما يلفت نظره ويغريه بمعرفة أي مستجد.

اكتشف الموقع الإلكتروني لتلفزيون “الجديد” مؤخراً.. البارود. وأوهم زائريه بأن محطتهم اكتشفت جديداً عبر إفرادها خبراً عن داعية إسلامي تركي يدعى هارون يحيى يأتي بالراقصات إلى مكتبه ويعطيهنّ محاضرات دينية مباشرة على الهواء. وعلى الرغم من أن الموقع نقل الخبر عن صفحات عربية أخرى سبقته إلى هذا “الفتح الإعلامي العظيم”، إلا أنّ الكثير من وسائل التواصل الاجتماعية ومواقع إلكترونية أخرى تناقلت الخبر لمئات المرات ليصل إلى عدد كبير من الناس.

وليحيى، المعروف تركياً بـ”عدنان أوكتار”، حكاية مثيرة أكثر من كونه “داعية فنانات الإغراء” كما وصفته المقالات العربية الأخيرة، المهتمة حصراً باللعب على الغرائز الجنسية للمشاهدين لكسب حفنة من المتابعين. وهي أنه من أبرز الدعاة الإسلاميين الأتراك وأكثرهم شهرة وتأثيراً. فيما إلقاءه المحاضرات للشبان والشابات لا يزال مستمراً منذ أكثر من عشرة سنوات وهو ليس بالأمر الجديد البتة. في حين يمكن مشاهدة الكثير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعية كما على المواقع المناصرة له، والمنتشرة بكثافة بين الأتراك وفي أرجاء العالم.

أما سيرة الداعية فمليئة بالنشاط، إذ أنه صاحب حوالى 300 كتاباً موقّراً في الدين والعلوم السياسة، والتي تُرجمت معظمها إلى عشرات اللغات. كما يملك محطة تلفزيونية خاصة، ومواقع إلكترونية متعددة تتيح لمئات الآلاف من محبيه التواصل معه وقراءة أفكاره. بالإضافة إلى أنّ “المفكر الإسلامي العصري”، كما يحب أن يعرِّف عن نفسه، يملك قضية “مهمة”، ويعمل من أجلها دون كلل.

ويُعادي الداعية الإسلامي الإلحاد بشكل عام، ويؤدّي، على طريقته، وظيفته “الطبيعية” عبر التبشير بالدين وتفسير محتواه. كما يركّز بشكل أساسي على عداء ونقد النظرية الداروينية حول “النشوء والارتقاء”. في حين يعمد مناصروه الكثر إلى زيارة المدن والقرى التركية من أجل “تنوير” الناس على حقيقة وجودهم، وضحد الأفكار الداروينية حول التطور، التي لا تَرُد نشأة الإنسان إلى الله.

أما أشهر ما يثيره يحيى من جدل في تركيا، كما عند مكتشفي ظاهرته، فهو “استقدام” أجمل الفتيات التركيات إلى مكتبه وإعطاءهم محاضرات دينية، كما تأديتهنّ لحلقات من الرقص بين الحلقة الدراسية والأخرى. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب يبدو ترفيهياً ومبتذلاً، أو حتى رخيصاً بعض الشيء، إلا أنه أثبت جدواه في التسويق. حيث لا تزال نسبة مشاهدي يحيى مرتفعة، ويُنظر إلى حلقاته التلفزيونية كمزيج يجمع بين التسلية والتشويق من جهة، والقيم الأخلاقية والتعليم الديني من جهة أخرى.

أما طريقة إدارة برنامج يحيى المثير للجدل فيبدأ بكلمة له في موضوع ديني ما، فيما الكاميرا تتنقل بينه وبين وجوه وأجساد الفتيات بلباسهنّ القصير والمثير دائماً. ثم، بعد نهاية الحلقة الدراسية الدينية الأولى، يتم بث الموسيقى الفلكلورية والطربية التركية فتتسابق الفتيات إلى الرقص أمام الداعية بطريقة مثيرة، فيما يعمد هو إلى النظر إليهن أو الرقص معهنّ أحياناً، أو يكتفي، كما غالباً، بالتمايل في مقعده أحياناً أخرى. وبعد دقائق معدودة من الرقص والموسيقى يعود “الانضباط” إلى الاستوديو، فيبدأ يحيى بدرس ديني جديد في أمور الشريعة الإسلامية.

وفيما يصرّ مناصروا الداعية على أن معلمهم جمع المجد من طرفيه، عبر مجالسة أجمل “مخلوقات الأرض” وتعليمه لأنبل القيم السماوية في آن، يبقى أسلوبه الإعلامي والتسويقي الملفت غير مقبول البتة من قبل بعض الأتراك. حيث لا يُستثنى من بعض الانتقادات بين الحين والآخر، وخصوصاً من قبل دعاة آخرين يرون في أساليبه انتقاصاً من الدين. في حين يتحاشى يحيى الرد عليهم غالباً، ويؤكد على حرية أسلوب العمل طالما الغاية هي التبشير بالدين وإعلاء شأنه، كما لا يمتنع أحياناً من السخرية من غيرتهم منه بسبب فشلهم ونجاحه.

وبعد أن أثمر عمله شهرة في تركيا والبلقان وأوروبا خلال السنوات الماضية، يعمل يحيى ومساعدوه هذه الأيام على التوجه إلى الجمهور العربي و “اقتحام” هذا العالم. وذلك عبر كتابته مؤخراً مقالات في بعض الصحف والمواقع العربية، كما عبر إنشاء صفحات إلكترونية وحسابات له تبث أفكاره وتعاليمه بلغة “الضاد”، بالإضافة إلى إعطاء دروسٍ بشكل متزايد تتعلق باللاجئين والوحدة الإسلامية والحضارة العربية خلال الفترة الأخيرة.

قد تبدو أساليب يحيى متطرفة إن قورنت بأساليب الدعاة الإسلاميين الكلاسيكية، إلا أنها تبرز، بالتأكيد، كم هو مختلف الإسلام التركي عن الإسلام العربي. كما تبرز كيف أن الإعلام وأسلوب تقديم “المنتج” بطريقة شيّقة إلى المشاهد يمكنه أن يخدم قضية ما، فيما تبقى قضايا نبيلة أخرى أسيرة الفشل بسبب عدم تقديمها بطريقة مميزة إلى الجمهور.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية