صناعة هوية: فهم تركيا من خلال مسلسلاتها التاريخية

جو حمورة1 (1)

لا تكفي النظريات والتحليلات السياسية لفهم سياسات بلد ما. هذه الاختصاصات العلمية ضرورية بطبيعة الحال، إلا أن الاعتماد عليها حصراً ينتج قصوراً في فهم هوية الشعوب وسياسات الدول البارزة في عالم اليوم. وعلى عكس البلاد الراقدة في “روتينها” السياسي، تبرز الإحاطة بكل جوانب “صنع الهوية” ضرورية لفهم الشعوب الحيوية ونظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين، ثم قراءة سياسات الحكومات تبعاً لمحددات الهوية “المصنوعة”.

تبرز تركيا كواحدة من الدولة التي عمدت إلى “صناعة هوية” قديمة – جديدة لشعبها خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر التركيز على البُعد الإسلامي والقومي في نظرتها إلى نفسها وإلى العالم. وقد تم ذلك بعدة طرق، كاعتماد حكام تركيا وحزب “العدالة والتنمية” على الكثير من المسلسلات التلفزيونية التي شجعوها (مادياً ومعنوياً) لتخدم كمنشّطات لـ”إعادة إحياء” الهوية الإسلامية التركية، وبالتالي استبدال الهوية العلمانية – الغربية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال “أتاتورك”.

عدا مسلسل “حريم السلطان” الذي أخذ شهرة عالمية في السنوات الماضية، يبرز مسلسلان مهمان مؤخراً يُعرَضان على الشاشات الرسمية. الأول هو “قيامة أرطغرل” الذي احتل المركز الأول في نسبة المشاهدة في السنتين الماضيتين، أما الثاني فهو “عاصمة عبد الحميد” الذي حقق أرقاماً قياسية عند المشاهد التركي، والذي يُبث مترجماً إلى الكثير من لغات العالم في الوقت نفسه [1[.

إن كان “حريم السلطان” قد أتم الغاية من صناعته عبر تنقية الصورة السلبية عن السلاطين والدفاع عنهم، كما إعادة كل فشل سياسي إلى صراعات النساء في أروقة القصور، فقد خدم هذان المسلسلان قضية مكمّلة. وهي قضية ذات طابع “هجومي” أكثر مما هو دفاعي، عبر إبراز هوية خاصة للأتراك، وتقديم فهم محدد لتاريخ هذا الشعب في مراحل متعددة، وربط وجوده على الأرض بمشيئة إلهية، وبث تنميط محدد للآخرين “أعداء الشعب التركي” و “عديمي الشرف” و “الصليبيين الكفار” و “الصهاينة”، إلخ.

يحكي المسلسل الأول قصة حياة أرطغرل بن سليمان شاه (والد عثمان مؤسس الدولة العثمانية) كقائد قبيلة تركية تجمّعت حوله جميع عناصر تكوين دولة جديدة تحمل لواء الفتح الإسلامي بين عاميّ 1231 و 1281. وذلك في فترة عانى فيها العالم الإسلامي حالة من الشتات والضعف والصراعات.

يهتم المسلسل بالتفاصيل التزيينية وبالمضمون على حد سواء. من الناحية الأولى، تبرز الأزياء العسكرية القديمة بشكل لافت وأساسي بالمسلسل، وهذا ما يمكن أن يقدّم فهماً (أو تبريراً) لاعتماد رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان أزياءً مماثلة لحرس قصره الجمهوري [2]. قول الرجل الأقوى في تركيا “نحن أحفاد هذه الشعوب والدولة العثمانية” [3] لا يكون بالكلام فقط، إنما في الرموز كذلك.

1 (6)

من ناحية المضمون، يبرز الخطاب الإسلامي بشكل واضح في المسلسل. فكل حدث له تبرير ديني، وكل خطوة تقوم بها القبيلة هي في سياق تنفيذ مشيئة إلهية. أما المتصوّف والعالِم الإسلامي “ابن عربي”، الذي يؤدي دور المرشد الديني لأرطغرل في المسلسل، فيُعنى بتقديم التبرير والمنطق الديني لكل شيء عبر ذكر الآيات القرآنية والأحاديث والروايات الدينية والتاريخية والأمثال والحِكم عند التُرك. وبالتالي، إن ما يقوله المسلسل هو أن كل عمل خارج عن إرادة الله هو باطل، كما يؤكد على أهمية الدين في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية، ويُعطي المسوغات التاريخية للقومية التركية، وهو ما يبرز كذلك في سياسات حزب “العدالة والتنمية” الداخلية اليوم بشكل دائم [4[.

أما أعداء التُرك في المسلسل فهم كثر. فحيناً هم المغول “البرابرة”، وحيناً آخر هم “الصليبيون”، وغالباً يتم تسميتهم جميعاً بـ”الكفار” ببساطة، وذلك في أسلوب يجعل من الجميع عدواً للأتراك. الأمر الذي يمكنه، إلى حد ما، تفسير السخط الشعبوي “الأردوغاني” من كل دول العالم الساعية إلى إضعاف بلاده. بالإضافة إلى ذلك، لا يكتفي المسلسل بالتنميط اللفظي الواضح بين الأتراك والآخرين، أو بين “الخير و الشر” كما يظهر في سياق حلقاته، إنما يُدخل التقنيات البصرية والألوان لتحبيب المشاهد بـ”قوى الخير” وتنفيرها من “قوى الشر”. ويتم ذلك عبر إظهار اجتماعات “الصليبيين” التآمرية مثلاً في زوايا القصور المعتمة. وإظهار أبناء القبيلة التركية بخيولهم البيضاء، فيما الأعداء بخيولهم السوداء. وعبر التذكير بأن الغرب يريد جعل الأتراك “يتبعون ملتهم” ويقومون دوماً بتعذيب السجناء، فيما التُرك يحترمون السجناء بشكل دائم ولا يريدون إلا الخير للإنسانية، وأمثلة كثيرة لا تحصى.

عدا أعداء الخارج، فإن لأعداء الداخل حصة الأسد من المشاهد وحبكة المسلسل. ففي القبيلة دائماً خائن يتعامل مع الأغراب لمصلحته الشخصية على حساب مصلحة الجماعة، ويؤسس منظمة أو أخوية لإقلاق راحة التُرك. الأمر الذي يبرز كأنه تدليل على أعداء الحكم التركي الحالي، الذين هم إما منظمة “العمال الكردستاني” الموصوفة بالحزب الإرهابي في القانون التركي، أو منظمة “فتح الله غولن” المتهمة بالقيام بمحاولة انقلابية عام 2016.

للأقليات الدينية والعرقية كذلك وجود في شخصيات المسلسل، ويتم إظهارها كمتيّمة بالتُرك وبجهادهم العسكري والديني والأخلاقي. فالأرمني (التاجر) يساعد الأتراك خلال الحرب، والكردي (الفقير) يقاتل إلى جانبهم، والمسيحية (الأميرة) تقبل الدعوة الإسلامية وتلعب دوراً في نشر الإسلام. ومثلما يؤكد المسلسل على احترام الأديان الأخرى وعلى سعادة أبنائها للعيش بين المسلمين، يؤكد كذلك على أن التُرك هم أصحاب الرسالة الأصلح في بث روح الإسلام وقيادة العالم الإسلامي. ويتم ذلك في الرسائل الدينية الواضحة التي يقولها بطل المسلسل، كما عبر تجاهل المسلسل للخلافة العباسية التي كانت قائمة في ذلك الوقت، على الرغم من أن “قيامة أرطغرل” اعتمد وذكر معلومات تاريخية وأسماء حكام وإمارات صحيحة تاريخياً.

نظرة المسلسل للأتراك وهويتهم وغايتهم تفيد، في نهاية المطاف، بأن قيادة العالم الإسلامي هي حق لهم. وهذا ما يفسر الخطاب التركي الإسلامي العالي النبرة تجاه قضايا “الأمة الإسلامية” ومحاولة مساعدتها. ومنها، مثلاً، إغاثة تركيا شبه وحيدة لمسلمي ميانمار [5]. كما قيامها وحيدة بمغامرة غير محسوبة لمحاولة فك الحصار عن قطاع غزة عام 2010. ومحاولة لعب دور طليعي في قيادة العالم الإسلامي عبر الدعوة إلى تنظيم “القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي” حول مدينة القدس في اسطنبول بعدما اعتبرتها الولايات المتحدة الأميركية عاصمة إسرائيل.

أما المسلسل الثاني فيتابع أبرز الأحداث التي جرت خلال الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، فضلاً عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه. أما أعداء الأتراك في مسلسل “عاصمة عبد الحميد” فهم البريطانيون والصهاينة الذين يمثل أحدهم دور تيودور هرتزل. ويتم إبراز هذا الناشط النمساوي اليهودي ومؤسس الصهيونية السياسية المعاصرة كمخبول، حيث يسرق مؤلفاته من أعمال غيره، ويخون أصدقاءه، ويخطف والده ويعذبه، ولا عمل له سوى إسقاط الخلافة الإسلامية وإقامة دولة إسرائيل. هذا ويقوم المسلسل ببث الكثير من الدعاية السلبية بحق دولة إسرائيل المفترضة واليهود، بشكل يتلاقى مع النبرة العالية التي يطلقها أردوغان وأعضاء حكومته بحقهما، وربط كل ما يجري من أحداث في العالم بمؤامرة ما يقودها اللوبي اليهودي كما بات يُردد دائماً في الإعلام التركي الرسمي والخاص [6[.

1-5

أما بالنسبة للأقليات، فكما هو حالهم في “قيامة أرطغرل” كذلك هو في “عاصمة عبد الحميد” الذي يُظهر بعضهم متنعمين بالسلام والأمن والغبطة للعيش في ظل الخلافة الإسلامية. إلا أن هذا المسلسل الأخير، يُظهر الأرمن والروم كمغرّر بهم، وتقودهم خفية جماعات غربية وصهيونية هدفها زعزعة استقرار السلطنة، وهو ما يشبه في نتائجه الانتقادات التركية الدائمة للأقليات و “مكرها” وعلاقاتها مع الغرب. وربما يفسّر كذلك بعض أسباب حصول اعتداءات على الأقليات الدينية والعرقية بين الحين والآخر.

وعلى الرغم من أنها كانت “الرجل المريض” في ذلك الزمن، إلا أن سلطنة عبد الحميد الثاني تبدو خارقة القوة في المسلسل، حيث يوعِز إلى الهنود بمهاجمة الإنكليز، ويدعم الإيرلنديين لتحصيل حقوقهم، ويساعد الاقتصاد الأميركي، ويرسل ظابطاً يستطيع سرقة الكتب البريطانية السرية من أرشيف الدولة. إلا أنه، كذلك، طيب القلب وإنساني، حيث يراقب، بعد الصلاة، الأطفال في الشوارع من شرفة قصر “يلدز”، ويصنع رجلاً خشبية لصبي أرمني مبتور الساق.

على هذا المنوال يتابع المسلسل إظهار جبروت الخليفة العثماني وفضائله الأساسية الثلاث: القوة، الإيمان والطيبة. وهذا تماماً ما حاول إظهاره “السلطان” الحديث أردوغان في شخصيته طوال سنوات حكمه. فهو القوي الذي لا يهرب، ويحارب الإنقلابيين وجهاً لوجه، ويرسل جيشه إلى سوريا.. والمؤمن المصمّم على إعادة الإعتبار للدين في بلاده، والذي يبني أكبر مسجد (شاملجا) في تاريخ الجمهورية على أعلى تلة اسطنبولية.. والطيب الذي يلتقي مع الناس في الشوارع ويزور منازل الفقراء [7]، ويستقبل الأفراد العاديين والاستثنائيين في قصره، ويعمل على تحسين الاقتصاد والظروف الاجتماعية لشعبه.

هذا ويبدو الدعم الذي يقدمه الحكم التركي لإنتاج هذه المسلسلات كثير الوضوح. وهو دعم لا يقتصر على انتاجها وتشجيع عرضها على شاشات الدولة، إنما يتعداه إلى زيارات ميدانية يقوم بها أردوغان إلى أماكن التصوير، واستقبال المخرجين وأبطال المسلسلات، والكلام عنها علناً بأسلوب دعائي يشجع الناس على حضور الحلقات المتتالية.

قد يبدو القول بأن هذه المسلسلات التاريخية هي تجسيد للواقع التركي أمراً مبالغاً به، إلا أن الإنصاف يقضي الإقرار بأن المسلسلات والواقع يتغذيان بعضهما من بعض. غير أن الأكيد هو أن سياسات الحكم التركي ومسلسلاته باتت أكثر وضوحاً في إبراز هوية الأتراك وغايتهم وقيمهم. فيما استحصل الحكم الحالي على شرعية استمدها من هوية شعبه “المصنوعة” من أجل تحقيق ما يسعى إليه، وهو قيادة العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال، إلا أنه لا بأس من المحاولة لتحقيقه، خاصة أن قيادة الدول والشعوب العربية للعالم الإسلامي ليست بتجربة ناجحة على جميع الأحوال.

نشرت أولاً على موقع مركز الشرق الأوسط للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

Advertisements

إزدهار السينما التركية.. الانقلاب نعمة فنية

جو حمورة

reis-movie-1

باتت محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة في تركيا، فرصة للمنتجين السينمائيين لتقديم أعمال سينمائية، وتحوّل الحدث السياسي إلى نعمة فنية تملأ جعبهم بالأموال وأوقاتهم بالعمل. كما فتحت شهية شركات الإنتاج التي واظبت على تقديم الدراما في وقت سابق، للتوجه سريعاً إلى إنتاج أفلام قصيرة عن حياة بعض الأفراد الذين لقوا حتفهم خلال المحاولة الانقلابية، فيما راح آخرون يحضّرون للعمل على فيلم عن الإنقلاب.

“اتحاد أوراسيا الإعلامي” يعمل حالياً على تصوير فيلم “المحاولة”، وذلك من أجل “تحقيق فهم صحيح حول ما شهدته تركيا ليلة 15 تموز، وللفت الأنظار إلى وحدة الشعب التركي في تلك الليلة التي وقعت فيها محاولة انقلابية فاشلة”، بحسب ما قال رئيس الاتحاد، خالد ضيا ألب تكين. كما أعلن منتجو مسلسل “وادي الذئاب” أنهم سيعدّون فيلماً يتناول محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا، وذلك “تلبية للطلب الجماهيري الكبير”.

فالسينمائيون، من منتجين ومخرجين وممثلين وشركات، كانوا منذ بضع سنوات مقربين من السلطة السياسية، ورفضوا في الأسابيع الماضية، المحاولة الانقلابية، فردياً أو من خلال نقاباتهم، واصطفوا إلى جانب الشرعية ضد الانقلابيين. كما شاركوا بقوة وبشكل متميّز في المظاهرات الداعمة للحكومة بعد 15 تموز، وإتخذوا مكاناً لهم على منصات المهرجانات المحلية في ساحات المدن للدفاع عن السلطة ومعارضة محاولة الانقلاب.

وتأتي تلك الجهود في ظل ازدهار السينما التركية والتنوّع في انتاجها، إذ تواكب المتغيّرات التي تمر بها البلاد وتستغل الأحداث السياسية من أجل تقديم المزيد من الإفلام إلى الجمهور.

وعلى الرغم من إزدياد قدرة القطاع السينمائي على تقديم المزيد كمّاً ونوعاً وحصده للجوائز بشكل دائم، إلا أنه يبقى مقرّباً جداً من الحكومة التركية التي تستخدمه تارة في الترويج لنفسها داخلياً وتارة في الخارج. غير أن التحالف بين السلطة السياسية من جهة وشركات إنتاج الأفلام من جهة أخرى لا يمنع من استفادة وتألق هذخ الأخيرة، كما ازدياد قدرتها على التأثير في الجمهور المحلي والعالمي.

ولا تغيب الأفلام السياسية التي تؤرّخ لحياة أفراد كان لهم تأثير في الشأن العام عن العرض في دور السينما، وكان آخرها إنتاج فيلم يؤرخ لحياة رئيس تركيا الحالي رجب طيب أردوغان. ويتطرق هذا الفيلم الذي يحمل عنوان “الريّس” إلى طفولة أردوغان وشبابه ونضاله الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى فترة دخوله السجن وخروجه منه عام 1999.

وعلى الرغم من اعتبار منتج الفيلم علي آفجي أن إنتاجه “لا يروّج لشخص ولا هو متحيّز”، إلا أن الكثير من النقّاد والمعارضين يجدون صعوبة في تصديق كلامه ويؤكدون على عكسه. وينتظرون تاريخ عرض الفيلم في 14 تشرين الأول القادم للتأكيد على آرائهم.

وحتى ذلك الوقت، تشارك السينما التركية في 11 فيلماً في “مهرجان مونتريال الدولي للأفلام”. هذا الرقم الكبير لصناعة الأفلام التركية تُعطي فكرة عن تطور هذا القطاع كمّاً ونوعاً. فمنذ سنوات قليلة، كانت السينما التركية متواضعة الإنتاج وتركّز في الغالب على أفلام موجّهة للجمهور المحلي، إلا أن الأمور تغيّرت خلال السنوات العشر الأخيرة بشكل جذري، حيث باتت ميزانية صناعة الأفلام التركية توازي المليار دولار سنوياً.

تنتج “يشيل تشام”، أو هوليوود تركيا، مئات الأفلام كل عام، وتتوزع بين الكوميدي والرومانسي والاجتماعي. في حين برزت، خلال السنوات القليلة الماضية، الأفلام السياسية ذات الإنتاج الضخم، والتي بات لها جمهورها الخاص الذي يوازي بحجمه جمهور الأفلام الأخرى.

فمن فيلم “رجل حر” (2011) الذي يؤرخ لحياة سعيد النورسي (متصوّف ساهم في حرب الإستقلال)، مروراً بفيلم “فاتح 1453″ (2012) الذي يعالج موضوع دخول العثمانيين إلى القسطنطينية، وصولاً إلى “المكتوب الأخير” (2015) الذي تجري أحداثه خلال الحرب العالمية الأولى. تحصد هذه الأفلام السياسية الثناء في الداخل، كما الشهرة والجوائز في الخارج.

وبسبب كثرة تردده، بات خبر حصد بعض هذه الأفلام لجوائز على المستوى العالمي خبراً عادياً بالنسبة للأتراك. إذ لا يمر مهرجان عالمي للسينما ولا يكون لـ”يشيل تشام” حضور فيه، خصوصاً أن صناعة الأفلام التركية باتت، من حيث الحجم، في المركز الثالث عالمياً، بعد الولايات المتحدة الأميركية والهند، وذلك بحسب السفير التركي في كندا سلجوق أونال.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني

يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي

جو حمورة

1471341314_

صدر عن مركز “فينيكس للدراسات اللبنانية” في جامعة الروح القدس – الكسليك كتاب جديد بعنوان “يوسف السّودا: الجبل الملهم مهبط الوحي“.

يقع الكتاب في 192 صفحة، ويتضمن مقدمة عن يوسف السّودا يليها تقديم عن حياته ومنشوراته، ثم فصلان يتناولان أفكاره القومية التي صبغت فكر جيل كامل من اللبنانيين الذين كان لهم الدور الأبرز في حياة لبنان السياسية والفكرية بعد الاستقلال.

هو المناضل والشاعر والسياسي والدبلوماسي والأكاديمي والمفكر الذي عمل على تحقيق استقلال لبنان وسيادته، وبث الروح الوطنية بين اللبنانيين. اهتم السّودا بالتاريخ اللبناني، وألف الكتب، وتميّز بقدرته على الخطابة وتأليف الشعر. كما لعب دوراً سياسياً بارزاً منذ ما قبل قيام دولة لبنان الكبير إلى حين وفاته عام 1969، ومثل لبنان دبلوماسياً في البرازيل ودولة الفاتيكان.

تقديراً واحتراماً لهذا الوطني الكبير من بلادنا، نشر مركز فينيكس للدراسات اللبنانية هذا الكتاب الذي يحتوي بين دفتيه بعضاً من كتابات وأفكار وأشعار ومشاريع يوسف السّودا. وهي، جميعها، مستقاة من أرشيفه الخاص المودع في جامعة الروح القدس – الكلسليك، والتي تضيء على حقيقة أفكار السّودا الوطنية، وآماله ونضاله في سبيل لبنان واستقلاله.

الكتاب متوفر في: 

Librairie Antoine

Virgin

Université Saint-Esprit de Kaslik – USEK

الاغاني التركية بالعربية: الرومانسي مقابل “بوس الواوا”!

جو حمورة

438

بوجود “اليوتيوب”، بات سهلاً جداً الاستماع إلى أي أغنية تخطر في البال. لا هَم إن كانت قديمة أو جديدة، منفردة أو من “ألبوم”، أو حتى من مسرحية. يستمع الناس عادة إلى أغانٍ بلغاتهم الخاصة، بالإضافة إلى الأغاني الإنجليزية المشهورة بشكل عام، فيما تبقى نادرة كثرة الإستماع إلى أغانٍ في لغات غير معروفة من قِبلهم. غير أن الأتراك عمدوا في الفترة الأخيرة إلى دخول السوق الموسيقي العربي وإن في العالم الإفتراضي، وترجموا أغانيهم إلى العربية، ونشروها بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعية من أجل التأثير في العرب بكل الوسائل الممكنة.

ببحث بسيط في “يوتيوب”، يمكن إيجاد الكثير من الأغاني التركية. واحدة لفتاة بثيابها الليلية تغني على النسق الأجنبي، وآخر يعزف على الطبل التراثي الاناضولي، وغيرهم من المنشدين الإسلاميين والصوفيين. إلا أن الكثير من الأغاني والفيديو كليبات المنشورة في المواقع المتخصصة بالفن والموسيقى، بات يتضمن ترجمة إلى العربية، وهي في معظمها ذات دلالة وكلمات عميقة.

في “يوتيوب”، شبكة بإسم Ak Music Turk، وتقوم ببث الأغاني التركية مع ترجمتها إلى لغة الضاد. أما أبرزها فهي تلك العائدة لمسلسلات وأفلام مشهورة، أو لمسابقات ومباريات فنية تركية محلية، بشكل يجعل من مهمة المتلصص الفني سهلة إذا أراد معرفة ماذا يجري من تطورات فنية في تركيا أو على مستوى الموسيقى والتأليف والفن فيها.

أما الترجمة فهي محترفة ودقيقة، وتعمد إلى بث الكلمات بعد تركيب الجمل بشكل سهل، خصوصاً وأن تركيبة اللغة التركية يختلف جذرياً عن تلك العربية. في حين يتم انتقاء معظم الأغاني ذات الطابع الرومانسي التي تتحدث عن العشق والحب، أو تلك التي تظهر قبضايات أحياء تركيا أو التي تتكلم عن الحرب والتضحية في سبيل الوطن.

كذلك الأمر، تجد في المواقع المعنية بالفن، النشيد الوطني التركي مترجماً إلى العربية، كما أناشيد سياسية لحزب “العدالة والتنمية” الحاكم وحتى دعاياته الانتخابية القصيرة. بالإضافة إلى أغانٍ أخرى لاقت قبولاً عربياً ملفتاً، كأغنية الفنانة “سيمغي” التي حظيت بأكثر من مليوني مشاهدة خلال أقل من سنة من بثها مترجمة إلى العربية، وأغنية “خطأنا معك” للفنانة التركية الصاعدة فرح زيدان ذات الأصول اللبنانية.

يمكن من خلال متابعة مضمون الفيديو كليبات التي تتم ترجمتها إلى العربية الانتباه إلى أن اختيار الأغاني ليس صدفة أو يتوقف فقط على جمال الأغنية، بل له هدف التقريب بين الثقافتين العربية والتركية.

آلاف الأغاني تصدر سنوياً في تركيا، إلا أن تلك المترجمة إلى العربية يتم انتقاؤها بعناية، لتصيب في معانيها وصورها وكلماتها، المتلقي العربي، فتشبهه في صورها وفلكلورها أو في معانيها. أما تلك الخاصة جداً بالتراث التركي، أو تلك التي تتحدث عن مشاكله وأزماته وفوضاه، فلا ترجمة عربية لها.

من ناحية أخرى، لا ترجمة للأغاني العربية إلى اللغة التركية، إنما محاولات فردية بسيطة لبث الإنتاج العربي في سوق العالم الإفتراضي التركي. فيكتفي بعض الأفراد بترجمة عناوين الأغنية العربية فقط وببثها في “يوتيوب” مجدداً، فيلقى بعضها نجاحاً مثل أغنية “يا هلا بالضيف” للفنانة ليال خداج، والتي تعود إلى برنامج “ستوديو الفن” القديم. أو بعض الأغاني التي فيها جسد أكثر مما فيها فن، كأغنية “بوس الواوا” لهيفا وهبي التي تمت مشاهدتها حوالي مليون ونصف المليون مرة بعد وضع عنوانها بالتركية.

كذلك الأمر، تعمد بعض الشبكات العربية الدائرة في فلك حزب البعث السوري إلى بث أغانٍ للجيش أو لجوليا بطرس مع ترجمة إلى اللغة التركية من أجل اجتذاب سكان الولايات القريبة من سوريا. إلا أن هذه المحاولات تبقى فردية وقليلة من حيث الحجم والتأثير، ولا تصل إلى عدد كبير من الناس على عكس الحالة مع الأغاني التركية المترجمة إلى العربية.

وكما هو الأمر مع المسلسلات والأفلام، كذلك هي الحال مع الأغاني، حيث يبقى التأثير التركي في العرب أكبر بأشواط من تأثير العرب في الأتراك. وفي وقت تقدّم تركيا أفضل ما لديها ثقافياً من أجل التأثير في العرب، لا يقدم العرب شيئاً يُذكر، وإن قدموا فيكون عادة أسوأ ما لديهم.

نشرت أولاً على موقع المدن الإلكتروني