الإعلام الحزبي التركي: كلنا رابحون

جو حمورة

لا شكّ أن الإعلام يمكنه غالباً إقناع الناس بما يريد. هذه إحدى وظائفه الدائمة التي تتخطى تلك الوظيفة الأساسية المتعلقة بإبلاغ الناس بالحقيقة المجرّدة. وهاتان الوظيفتان معمّمتان على معظم الدول وأغلب وسائلها الإعلامية العامة والخاصة.

هنا تركيا. لكأن الحرية الإعلامية تتماها مع موقعها الجغرافي الوسطي بين الشرق والغرب. في تركيا مساحة مقبولة من الحريات الإعلامية التي تقارب تلك الموجودة في أوروبا، وفيها، كذلك، الاحتكار المحدود للوسائل الإعلامية على النمط العربي، وإن بفارق كبير. وسطيّة الحرية الإعلامية كوسطيّة الموقع الجغرافي بين عالمين متناقضين. غير أن الإعلام التركي شغله الشاغل إقناع الناس هذه الأيام، وإن كان على حساب الحقيقة المجرّدة.

انتهت الانتخابات البرلمانية التركية عشية السابع من حزيران/يونيو الحالي وهلل الجميع للفوز. أخذ كل حزب من الأحزاب الأربعة التي باتت ممثلة بالبرلمان على عاتقه إقناع الجمهور بأنه الرابح. إقناع الأحزاب للجمهور التركي يبدأ بإقناع جمهورها الخاص بالفوز، لأنها قليلة هي الناس التي تستمر بالرّهان على “الأحصنة” الخاسرة في العمل السياسي والانتخابات المقبلة.

بعد دقائق من إقفال صناديق الإقتراع وإعلان النتائج، نظّم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم مهرجاناً أمام مركزه الرئيسي في مدينة أنقرة، وحشد الآلاف من المناصرين، على الرغم من أنه حصد بشكل مفاجئ على 40.8 بالمئة من الأصوات فقط. هلّل الجميع بالفوز الذي حققه الحزب وأطلقت المفرقعات النارية في السماء، كما خطب رئيس الحزب أحمد داوود أوغلو في الجماهير بلغة المنتصر، وإن كانت النظرات العابسة للنواب الواقفين خلفه التي أظهرها الإعلام مراراً دليلاً على مرارة الهزيمة.

تراجع الحزب الحاكم بـ9 بالمئة من الأصوات مقارنة مع الانتخابات السابقة عام 2011 التي حصد فيها 49.8 بالمئة، إلا أن الإعلام الموالي للحزب هلل للنجاح وبارك للقيادة ووعد الناخبين بتحقيق الآمال. فيما الحزب لم يستطع تحقيق هدفه بتعديل الدستور ليصبح رئاسياً كما وعد دائماً، أو حتى تشكيل حكومة منفرداً كما درجت عليه العادة أن يفعل منذ عام 2002.

الأحزاب الأخرى ليست أفضل حالاً، فوهم الفوز اجتاح مخيلتهم والتبشير به على لسان الجميع. حزب “الشعب الجمهوري” العلماني تراجع مقارنة مع انتخابات عام 2011، فيما لم يحصد حزب “أتاتورك” العريق إلا 24 بالمئة من الأصوات على الرغم أنه كان من السهل عليه الاستفادة من الأخطاء المتتالية لغريمه، الحزب الحاكم.

وكان رئيسه الحالي “كمال كيلتشدار أوغلو” قد وعد قبل الانتخابات بأيام بأنه سيتنازل عن رئاسة الحزب إن لم يحقق أكثر من 25 بالمئة من الأصوات على الأقل، إلا أنه، وبدل الوفاء بوعده، أعلن أن حزبه حقق نصراً. حتى أن جريدته الخاصة، “حرييت”، غطّت على فشل الحزب بالترويج لفشل الآخرين، حيث كانت تضع مقالات على موقعها الإلكتروني كل 12 ساعة تبرز فيها الوقت الذي مرّ من دون أن يتكلم أردوغان.

في المقابل، قام حزب “الحركة القومية” اليميني، الذي حصد 16 بالمئة من الأصوات فقط، بالبدء بوضع شروطه التعجيزية للمشاركة بالحكم: استقالة أردوغان، وإلغاء محادثات السلام مع الأكراد. وفي حين تبدو شروط الحزب للوهلة الأولى كأنها صادرة عن فائز مظفر، إلا أن الحزب لم يحقق نصراً إلا بدائرة انتخابية واحدة (عثمانية، وسط تركيا) من أصل 81.

من احتفالات دياربكر

من احتفالات دياربكر

أما حزب “الشعوب الديمقراطي” ذو التوجهات والميول الكردية، والذي فاز بـ13 بالمئة فقط من الأصوات، فنظم مواكب سيّارة تهليلاً بالنصر في شوارع معقله الرئيس دياربكر، شرق تركيا. في حين أن الأكراد في تركيا يعدّون وحدهم حوالى ربع الناخبين، واضطر الحزب إلى ترشيح مسيحيين وأيزيديين ومثليين جنسياً ويساريين للحصول على أكبر نسبة من الأصوات، لم تسعفه في النهاية بأن يصبح ممثلاً حقيقياً لليسار التركي كما يطمح، وبقي ممثلاً للأكراد فقط كما كان دائماً.

الجميع يتصرف على أنه قد ربح ويسعى إلى إقناع مؤيديه بذلك. فيما الخطابات العالية النبرة والمفرقعات والشروط غير الواقعية تفيد الأحزاب لإقناع الجمهور، كذلك تفعل المؤسّسات الإعلامية التي تروّج لآراء أحزابها دون ملل. في حين أن الحقيقة المجرّدة تقول أن جميع الأحزاب هُزمت ولم تحقق ما أرادته، والفائز الوحيد في الانتخابات هي تركيا التي علّمت الجميع درساً في التنوع والديمقراطية.

———————-

إقرأ أيضاً:

السلاطين العثمانيون يترشحون للإنتخابات

الدعاية الانتخابية التركية: “العدالة والتنمية” ينجز والمعارضة تصفق!

القانون كأداة تغيير إجتماعية: تركيا وأسلمة المجتمع والدولة

Advertisements

رثاء الفكر القومي اللبناني والتركي

جو حمورة

موت كل مفكّر فرصة. في البدء، هي فرصة للقراءة عنه وفيه. وفي الختام، هي مناسبة لاستعراض ما آل إليه فكره. غاب المفكر اللّبناني سعيد عقل لتوّه، وهو، بالإضافة لكونه شاعراً وأديباً وسياسياً، من أهم منظّري القومية اللبنانية التي أنشأت أجيالاً كاملة من القوميين اللبنانيين منذ أواسط القرن الماضي.

عام 1912، أي في تاريخ مولد سعيد عقل في مدينة زحلة اللبنانية، كان الأتراك يعيشون آخر أيام السلطنة بعد قرون مديدة من حكم بني عثمان، فيما طبول الحرب العالمية الأولى تَقرع أبواب أوروبا. بالتوازي، بدأ الفكر القومي التركي يأخذ مداه في رِحاب السلطنة. وكان عماده ثلة من المفكرين المتعلمين في أوروبا والمتأثرين بحداثتها، إذ كان من أبرزهم المنظّر القومي التركي ضياء كوك ألب.

Ziya Gökalp: 1876-1924

Ziya Gökalp: 1876-1924

تعود بداية بروز الفكر القومي إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث أتى كخاتمة لتطور الفكر الأوروبي بعد عصر النهضة في أوروبا. وكانت القومية، بشتى أشكالها، “ضرورة” فكرية وحجّة سياسية لنشوء الدولة بمفهومها الحديث. إلا أن كلاً من الفكر القومي اللبناني والتركي، وغيرهم من الأفكار القومية الشرق-أوسطية المقترحة على مسرح القرن الماضي، أتوا كنسخ “مهجّنة” للفكر القومي ذو النشأة الأوروبية، وقد احتاج هذا الأخير إلى قرن من الزمن ليصل إلى بلادنا. هذه الفترة الزمنية استغرقها الاستشراق من ناحية، والانتداب من ناحية أخرى، لبث فكره “الغريب” في شعوب الشرق الأوسط.

في تركيا، الأقرب جغرافياً إلى أوروبا منه إلى لبنان، راح كوك ألب يبثّ الفكر القومي مع نخبة من المفكرين الآخرين. وقد عمد هؤلاء إلى استحضار التاريخ والسِمات التركية، لا الإسلامية، وإبرازها كمرجع وهوية للعثمانيين. كما أحيوا الأساطير التركية القديمة وأعلوا شأنها، وأبرزوا اللغة التركية كعنصر جامع بين الأتراك داخل حدود السلطنة وصولاً إلى التُرك قاطني آسيا الوسطى، حتى حدود الصين. هذه الأفكار أتت نتيجة ضُعف السلطنة التي كانت توصف بالـ”الرجل المريض” في أدبيات الاستشراق الأوروبي حينها،  وبسبب تأثير الثقافة الأوروبية على كوك ألب ورفاقه.

انتهت الحرب العالمية الأولى ومعها السلطنة. وراح الفكر القومي يأخذ مداه لا بين الناشئة ولا حتى النخب  -كما كان قبل الحرب- إنما في السلطة، حيث تبنّاه أول رئيس للجمهورية التركية: مصطفى كمال “أتاتورك”. باتت القومية المحرك الأساسي للسلطة وهويتها، كما المرجع الفكري لحكامها. فدفعت الإثنيات غير التركية والأقليات الأخرى ثمن الراديكالية القومية للجمهورية التركية الناشئة. كما غابت المساواة بين الجماعات داخل تركيا، وبات كل مخالف لإرادة الدولة القومية عدواً لها. فحُلت الجماعات الدينية، ونُكّل بالأكراد وغابت حرية الرأي والعمل السياسي بحجّة أن الحاكم هو الممثل “للقوم”، وهؤلاء هم مجموع السّكان الخاضعين للدولة والحاكم من دون سؤال.

Said Akl: 1912-2014

Said Akl: 1912-2014

أما في لبنان، فلم يشارك أحد في السلطة بشكل حقيقي بعد تبنيه صراحة قومية سعيد عقل اللبنانية. إلا أن منطلقات فكر الرجل تشبه تلك التي انطلق منها كوك ألب. فمن التركيز على المفهوم القومي للشعب “الواحد”، ونكران الفروقات الإثنية والدينية، إلى إعادة إحياء الأساطير الغابرة، وصولاً إلى إعلاء شأن الدولة القومية التي من شأنها أن تُمحي كل التمايزات والفروقات بين الجماعات. غير أن ظروف الحياة وواقع حقيقة هوية الشعوب أقوى من كل الإيديولوجيات والأفكار.

في تركيا، ذهبت القومية التركية أدراج الرياح، فيما حلّ مكانها تيار الإسلام السياسي الأكثر شرعية في تمثيل الأتراك. ومع وصول حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي للحكم منذ العام 2002، تصالحت هوية السلطة الرمزية مع هوية الناس الحقيقية، وما عاد النقيض بينهما بارزاً. وربما هذا أحد الأسباب الضامنة، من أسباب كثيرة، لفوز “العدالة والتنمية” الدائم في الإنتخابات التركية. فيما باتت الحكومات التركية المتعاقبة تستطيع أن تعترف بالأقلية الكردية مثلاً وتطرح حلولاً لها، في حين كان الحكم القومي يرفض حتى الاعتراف بوجود هذه الأقلية أساساً.

أما في لبنان، فتمايز مكوناته وتعدديته الدينية والطائفية ضمنت دفن الفكر القومي اللبناني في لحده. فقد غلبت تعددية المجتمع اللبناني كل أفكار الصهر القومي التي مرّت على لبنان. وباتت التعددية فيه، ليس شكلاً من أشكال النظام السياسي فحسب، إنما ميزة للبنانيين وهوية السلطة بذاتها، وتُمارس يومياً في السلطة والقوانين الخاصة وبين عامة الناس.

على مدى القرن الماضي، فشلت الأفكار القومية في الشرق الأوسط في قمع الهويات الدينية واللغوية والإثنية الخاصة بمكونات الدول وتوحيدها. ويعود فشل الفكر القومي الهجين إلى أنه، كفكر، جامد في التاريخ من ناحية ويقدّم نفسه كحقيقة مطلقة من ناحية أخرى، في وقت أن الحياة ومتطلباتها وتطور الشعوب دائمي الحركة. أضف إلى ذلك أنه ذو منشأ أوروبي غريب عن شعوب المشرق وتاريخها بشكل عام.  فيما يكمن خلاص هذه الشعوب في تلائم وتجانس هوية النظام والسلطة مع الهوية الأولية لمجمل مكونات الشعب، وهي الهوية الدينية والطائفية في أغلب الأحيان.

نشر أولا على موقع تركيا-نيوز2023

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

ملحد وطائفي في آن !؟

جو حمورة

في 20 حزيران 2012 أطلق بعض الشباب اللبناني حركة معترضة على التمديد للمجلس النيابي. هذا التمديد الذي وافق عليه علناً، أو ضمناً، كل الأحزاب اللبنانية الفاعلة والممثلة لطوائفها في النظام السياسي اللبناني، والمشكّلة للأداة السياسية الضامنة لحقوق الطوائف التي تمثلها في الدولة لا أكثر.

أما مصير هذه الحركة، التي عرفت بـ “ثورة البندورة”، سيكون الفشل الحتمي، ليس لأنها غير محقة في مطلبها، إنما ببساطة لأنها حركة هائمة خارج النضال الطائفي اللبناني.

من فعاليات "ثورة البندورة" أمام مجلس النواب اللبناني

من فعاليات “ثورة البندورة” أمام مجلس النواب اللبناني

أثبت التاريخ اللبناني، منذ إنشاء دولته عام 1920، أن أي حراك مدني ذات أهداف سياسية أو إجتماعية خارجة عن الطوائف ومصالحها لا يقدم أو يؤخر تحركها في تغيير أي شيئ. أما وإن حققوا شيئاً ما يوماً، فما هو إلا بالتحالف مع أحد أو بعض الطوائف، أو مجرد عطاءات من هذه الطوائف أو تلك في تلاقي ظرفي بين هدف الحركة المدنية ومصالح الطوائف السياسية، الإجتماعية أو الوجودية.

المحرك الأساس لكل الحركات والمظاهرات التي تجري في لبنان، هو دائماً قضية ما ذات بُعد أخلاقي، أما ما يساهم بشكل أساس في استمراها، وصولاً لغايتها، فهو الإحساس الطائفي للمشاركين فيها. فإن تظاهر 500 شخص من كل لبنان بحجة قضية محقة كما يحصل اليوم، فإن عديدهم سيتقلص تباعاً دون تحقيق شيئ يذكر. كل ذلك والأغلبية العظمى من اللبنانيين لا يحركها العمل السياسي المستدام إلا الدافع الطائفي العميق في وجدانهم.

 ***

ملحد وطائفي في آن !؟

منذ أن إندلعت الحرب الطائفية في سوريا وبدأ تأثيرها يظهر عميقاً على الطوائف اللبنانية، لاحظت أن العديد مِن مَن يصفون أنفسهم بالملحدين، يتصرفون ويتكلمون بشكل طائفي تماماً كبقية اللبنانيين. فتسائلت، كيف يمكن لشخصٍ ما أن يكون ملحداً وطائفياً في آن؟

إن الإنتماء الطائفي في لبنان والشرق بشكلٍ عام، هو أعمق حتى من الإيمان الديني بذاته. مرد ذلك الى أن “الطائفة” بمعناها العميق ليست مجرد طقوس وصلوات وإيمان بالغيبيات… إنما هي مجتمع تاريخي وسياسي قائم بذاته، له كل المميزات التاريخية والسياسية والأدبية والروحية والإجتماعية والثقافية… التي تجعل من كل طائفة شعباً قائماً بذاته، يختلف جذرياً مع الطوائف/الشعوب الأخرى.

الإنتماء الطائفي في الشرق هو أكبر ما وصل إليه الفرد من انتماءٍ سياسي ووجودي حقيقي، وهو عميق أكثر من الإيمان بذاته ودفين حد الروح في ذاكرة المنتمين إلى الطوائف. أما فكرة الإنتماء للدولة، الوطن، القومية وكذبة إنصهار الشعوب فما هي سوى أفكار مستوردة من الغرب، التي تملك شعوبها مفاهيم وتاريخ خاص ومجتمعاتها مختلفة جذرياً بالتكوين عن الطوائف/الشعوب في الشرق.

الطائفة إذاً، ليست مجرّد صلوات وايمان بالغيبيات، بل تحولت مع التاريخ الى شعب أو شبه قومية يشكل الدين ركناً من اركانها لكن طبعاً ليس كلّها. لذلك من الطبيعي أن نرى إنساناً ما ملحداً، أي فاقد لأحد أركان الطائفة، لكنه طائفي بكل ما للكلمة من معنى، عبر إحساسه بمشاعر ووجدان الطائفة التي ينتمي إليها ودفاعه عنها حينما تدعي الحاجة.

***

الجيش اللبناني بصلاحيات حكم

أثارت صورة فوتوغرافية لزمرة من الميليشياويين في صيدا يتمخترون أمام آلية للجيش، دون أن يحرك الأخير ساكناً، ردة فعلٍ عامةٍ شاجبة. كذلك كانت ردة الفعل بعد عرض فيديو لحاجز ميليشياوي في منطقة البقاع يسمح لآلية للجيش بالمرور.

ما يجري حقاً هو أن الجيش اللبناني، أمام خيارين للتصرف في المناطق التي تشهد صعوداً في التقاتل الطائفي. فإما أن يبقى كما هو ويلعب دور المفاوض والمنظم للصراع الطائفي بين المتقاتلين بصلاحيات حكمٍ حيادي، فيجنب بذلك اللبنانيين “مشكوراً” إشتداد وتطرف الصراع والمعارك.

أفراد الجيش اللبناني يشاهدون مجموعة ميليشياوية تمر في شوارع مدينة صيدا

أفراد الجيش اللبناني يشاهدون مجموعة ميليشياوية تمر في شوارع مدينة صيدا

أما الخيار الثاني، فهو الإشتباك مع هذه الميليشيات، ما يعرض الجيش نفسه الى احتمال الإنقسام، خاصة وأن الجيش اللبناني ومن يعملون في أعلى قياداته هم أيضاً ممثلين للطوائف/الشعوب اللبنانية، وأفراده من نسيج المجتمع الطائفي اللبناني، كما أن خيارٌ كهذا سيجعله عرضةً لرصاص المتقاتلين سوياً !

هذا هو الواقع بعيداً عن المثاليات والأوهام، يفضل مسؤولو الجيش المدنيين تنظيم قتال الطوائف والحد من قتالهم عند المقدرة للحفاظ على ما تبقى من ماء الوجه، بدلاً من أن يصبح الجيش بذاته عرضة للقتال مكانهم. أما الحق والقانون فلا مكانٍ لهما في الواقع اللبناني.

—————————-

يمكن الاطلاع على صور نادرة للشخصيات اللبنانية أو على صور قديمة ونادرة للحرب الأهلية اللبنانية

الخوري شكيب والجريمة المكررة

المرشد في المعامليتن

ثمانون من النضال: أنطوان نجم فيلسوف القضيّة اللبنانيّة

نديم يوسف البستاني

بغياب الاحتفالات والاستقبالات والتكريمات الفضفاضة، احتفل الأستاذ أنطوان نجم في الأسبوع الفائت بعيد مولده التاسع والسبعين وسط لفيف ضيق من الأصدقاء و المحبين. بالرغم من استحقاقه أسمى الحفاوة وأبهى المعايدات، إلا أنه منذ نشأته في الحياة السياسية والفكرية فضل التزهد والابتعاد عن الأضواء، حيث اصطفى ذاته للانخراط في غياهب العمل الملتزم، ما يلزم لإنجاح النتاج، وسط طقوس صارمة من النزاهة والترفع. وإن كانت الأضواء تنفر من كارهيها إلا أن الأنوار تتكوكب حول من كره الأضواء.

425189_10151614724974477_346449815_n

لقبه البعض، بضمير المقاومة اللبنانية والقضية اللبنانية، و لقبه آخرون بفيلسوف الفكر اللبناني للإنسانية، وصنفه البعض من صقور اليمين، وهته آخرون بما قد يعد مديحاً بأنه كاره الزعماء.
أعطاه بشير الجميل، وهو كان مستشاره الأول، كنية “نبتون” (تحببا)، أما هو فاستخدم فيما مضى اسم ” أمين ناجي” كاسم مستعار، مفسرا الأمر بقوله اللاذع: “موظف الدولة ممنوع يفكر!” إذ أنه يمنع على الموظفين الحكوميين أن ينشروا أرائهم قبل نيلهم الإذن الرسمي من رؤسائهم …يشرئب معترضا إذ ما ناداه أحد بلقب دكتور، رغم أنه كان يعلّم الفلسفة في جامعة الروح القدس، وقد كان أعد سابقا رسالة بحثية موسعة للدكتوراه حول فكر أنطوان سعادة، إلا أن واجب الانخراط في القضية اللبنانية والعمل الحزبي انتشله من الحياة الأكاديمية، فاكتفى بمنصبه كمدير لثانوية الجديدة الرسمية.

هو صاحب كتاب “لن نعيش ذميين” وأحد كبار المنظرين في طرح الفدرالية و “الحلول المتناقضة” لحلحلة عقدة النظام اللبناني، حيث يطرح قاعدته الذهبية وفكرته الإبداعية بوجوب قبول الأخر كما هو دون محاولة فرض تصوراتنا عليه، ولكن بالوقت عينه التمسك بذاتنا وهويتنا وخصوصيتنا المجتمعيّة دون الرضوخ فالانصهار ضمن قالب تصورات الأخر الذاتية. بالتزامن مع هذا النهج، يشدد على أن إرساء أي حل يجب أن يتأتى بالحوار والرضاء والقبول المتبادل بكل حسن نية بعيدًا عن الفرض والتلطي بظروف الاستقواء و الهيمنة… إذ أنه لا طالما ردد أن ما يأتي بالقوة يذهب بالقوة، أما ما يأتي بالإرادة الخالصة فيترسخ في الوجدان …

إنه يدخل عامه الثمانين بكل إباء وشموخ وتمسك بالقضية… أية قضية؟ قضية العيش الحر في لبنان والشرق.

الأستاذ أنطوان نجم

الأستاذ أنطوان نجم

رغم كل هامته الفكرية العظيمة وأمجاده السياسية و دوره “المرجعي” كأحد صناع تاريخ لبنان الحديث، وكثرة انهماكه بالإنكباب على “مشروع” مستقبلي هائل في قيمته العلمية – السياسية، ورغم كل المكونات المطلوبة لاستحضار تجارب الغرور والتعالي التي قد تفتك بأي إنسان وإن كان من العلماء والمفكرين، فإنك تدخل عليه لترى إنسانا متواضعا غير مدعٍ ومنصت للآخرين لو مهما كان حديثهم بسيطا، وغير “متشاوف” ولا متفاخر وغير محط من قدر الأخر انطلاقا من مسلمات المعرفة والمناصب المسبقة كما تتصرف البورجوازية الفكرية،  وغير قاطع بتجهيل من كان جاهلا ولا يطول بك الوقت لتكتشف أنك في حضرة امرئ يحمل في داخله مزايا القيم الرسولية، إذ تلمس لديه الحماسة والمحبة والاندفاع لا لغاية شخصية ما، إلا من أجل “الكلمة”. تلك الكلمة الإنجيلية التي علمت بحرية الإنسان و مساواة البشر من أجل التحضير للمسار ألخلاصي، والتي تجسدت في الحقل السياسي، حسب رأيه، عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وجميع المواثيق المكمّلة، إذ يعتبرها المرجعية العليا لصوابية أي نظام أو دستور أو قانون .

الحديث معه يطول، ولكن الواقع الذي يعيشه أبهى، إذ أن الأستاذ نجم، بعيد اغتيال “بشير الجميل”، انسحب شيئا فشيئا من الحياة السياسية بعدما أن كان يترأس مصلحة العقيدة في حزب الكتائب و كانت له صولاته وجولاته في هذا المجال، و بعد أن كان من فريق العمل الذي تجمع حول بشير للسير معه نحو مشروع الرئاسة قبل سنوات طويلة من انتخابه وما تخلل ذلك من أحداث درامية وأخرى رؤيوية. فانكب مذاك على العمل الفكري المحض، إذ وضع مجموعة موسوعية تحت عنوان “أفاق مشرقية” تتناول كافة جوانب الفكر السياسي في لبنان، وتصويب المبادئ، وتصحيح المغالطات التاريخية، وتوضيح المنهجية الفكرية مقدما طروحات متماسكة للحلول الموجبة والتصورات المناسبة “النابعة من الواقع والبعيدة عن التبريج”،  للخروج من أزمة النظام مرّكزا على صيغة الدولة الاتحادية والتي يسبق نشوءها قيام أحزاب طوائفية بتكوين فدرالي، تكون الطريق الممهد لتغيير النظام بدءا من تكريسه في نفوس المحازبين المنتسبين لجميع الطوائف.

إضافة إلى هذه الكتب، واظب على كتابة المئات من المقالات في العديد من الصحف اللبنانية. “الفكر الملتزم” دائما ما يشدد عليه مبشرا بضرورة “الالتزام بالقناعات الذاتية أو الوفاء للنفس” و التكرّس من أجلها أقصى المستطاع، بعيدا عن العقائدية والتبعية اللتين يحتقرهما. أما قمة رأس الجليد التي تبوح ببعض من مكنونات حقيقة هذا “الفكر الملتزم”، وحقيقة هذه “الرسولية”، وهذه الرفعة والنزاهة، فتبرز من خلال تفانيه في حرصه الشديد على نشر معرفته ونقل أفكاره ومبادئه ، و شرح مقتضيات “القضية” عبر لقاءات شخصية مع مجموعات شبابية، وغير شبابية، محصورة بعيدا عن المحاضرات الاستعراضية والصالونات السياسية المصفوفة بغية تكوين الزعامات “الضيعجية”… بحيث يتحول اللقاء إلى موعدٍ ثابت من النقاشات العميقة وتبادل الحجة والحجة المضادة، فتمتد الجلسة ساعات عدة، وتتوالى لعدة أشهر.

لا يزال الأستاذ نجم حتى ساعتنا الراهنة، وهو في عيده التاسع و السبعين، متمسكا بهذه المسيرة، ومواظبا عليها منذ ما يجاوز العشرين عاما بشكل يومي، دون كلل أو ملل لدرجة أن “خريجيه” قد تجاوزوا الآلاف بكل أمانة…

وأذكر أني في إحدى اللقاءات قد اصريت عليه أن يريحني من عذاب ذنبي كل ما استثرت اعتراضه عند مناداته بالدكتور، فقال أنه يؤثر بمناداته باسمه أنطوان و لكنه إن كان لا بد من لقب فيكتفي باسم صفته في التعليم الرسمي”أستاذ”، معبرا عن مضضه بقبوله للألقاب..

وأنت فعلا أستاذ لا بل أكثر، أنت معلم! بسنين عديدة، وكل عام والإنسانية والحرية والفكر ولبنان وإياكم بخير.

———————————-

إقرأ للكاتب:

“مشروع اللقاء الأرثوذكسي” لقانون الإنتخابات النيابية في لبنان، دراسة قانونية في مدى دستوريته

طريقة بدعوية لعقد الزواج المدني في لبنان، الآن !!!