Articles about Turkey & the Middle East

Joe Hammoura

You can find some of my published articles about Turkey and the Middle East in English on these links

The Supreme Mind, Genies and the Dollar Bill: Turkey and Conspiracy Theories

Freedom Eroded: The Precarious State of Turkey

Iraq’s weak Leviathan and the sectarian demon: “the rise” of Christian militias

Turkey and Russia: An Alliance or a Gimmick?

The Kurdish Genie in the Iranian Bottle

Turkey-Israel Relations: A Troubled Marriage

Presidentialism à la Turque: Turkish Democracy Hanging in the Balance

The Refugee Crisis: A Geopolitical Blessing in Disguise

Turkey expanding to Africa: A case of strategic diversification

130604071413-03-turkey-protest-0604-horizontal-gallery

Advertisements

ترامب في تركيا: من عدو المسلمين إلى حليف محتمل

جو حمورة

3500

تتلاحق المواقف المشجعة والمتشائمة من فوز دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وكان آخرها سلسلة مواقف من القيادة السياسية التركية بدت غير اعتيادية بتوقعاتها وتمنياتها. وكعادتها، أبرزت هذه الأخيرة ميلاً للإستفادة من كل حدث يجري في العالم، وبدت منفتحة لإعادة العلاقات التركية – الأميركية إلى سكتها الطبيعية، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد شهدت توترات كثيرة في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.

خلال السنة الماضية “إفترق” الحليفان التاريخيان لبعض الوقت، وراح كل منهما في طريقه لحل مشاكله الخاصة أو إعادة إنتاج دور له في السياسة الإقليمية والدولية. بالنسبة لتركيا، شكل التردد الأميركي في محاربة النظام السوري، ومنع تركيا من القيام بالأمر مباشرة، سبباً أساسياً لتزعزع العلاقة بين أنقرة ووشنطن. ثم كانت محاولة الإنقلاب العسكرية ليل 15 تموز، والتي اتهمت تركيا الولايات المتحدة بالوقوف وراءها، وذلك بسبب حمايتها لمنفذ الإنقلاب الداعية الإسلامي فتح الله غولن. فما كان من أنقرة إلا أن أدارت ظهرها لواشنطن وراحت تطرق أبواب موسكو، فتلقف الدب الروسي الذئب التركي “المغدور” من أميركا، وتوافقا على إعادة علاقاتهما الوثيقة، أكان في الاقتصاد أو في السياسة أو حتى في الحرب في سوريا. كما اقتنص الحكم التركي فرصة محاولة الانقلاب، وعمل على إنهاء كل النفوذ السياسي والديني والإجتماعي الذي بناه فتح الله غولن على مدى العقود الماضية.

وشكل هذا الأخير مثار جدل وخلاف بين واشنطن وأنقرة بسبب استمرار إقامته في ولاية بنسلفانيا إلى اليوم، وعدم رغبة أميركا بتسليمه إلى السلطات التركية. إلا أن ترامب، ومساعديه، لهم آراء أخرى بدت في مضمونها أقرب إلى تحقيق مصالح تركيا من تلك العائدة للمرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون. ومنها تصريح ترامب الذي قال فيه أنه معجب بسياسة وحنكة وجرأة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب قدراته الكبيرة التي أبداها خلال مواجهته محاولة الإنقلاب، دون أن ينسى التذكير بأهمية العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدين وتاريخهما التعاوني العائد إلى خمسينيات القرن الماضي.

ولترامب عدة استثمارات في تركيا، ومنها برجان تجاريان ضخمان في وسط اسطنبول. إلا أن الحساسية الإسلامية الزائدة لدى القيادة التركية، ورفضها لتصريحات ترامب السابقة التي رأتها معادية للإسلام، لم تدفعها صوب التودد لترامب قبل الإنتخابات. وخلال تلك الفترة، دعا الرئيس التركي، بموقف أقرب إلى الشعبوية منه إلى السياسة المتزنة، إلى إزالة إسم ترامب عن واجهات الأبراج التي يملكها في إسطنبول. ولأن السياسة التركية يمكنها التعايش مع كل المتغيرات وتفتقد للثوابت والوضوح، بات الموقف التركي معاكوساً بعد بروز نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية، فما عاد “ترامب عدو المسلمين”، بل بات “حليفاً محتملاً لتركيا”.

ومن هذه المواقف دعوة الرئيس الأميركي المنتخب إلى زيارة تركيا، كما ترحيب من أردوغان ومن مسؤولين رسميين آخرين بـ”الديمقراطية” الأميركية وبفوز “الرجل الأميركي الجريء”. هذا وبدت أغلبية المقالات والتحليلات التي بثتها التلفزيونات التركية مرحبة بفوز ترامب، ومهاجِمة لهيلاري كلينتون ولزوجها بيل، لقيامهما مرات عديدة بالمشاركة في مؤتمرات حوار أديان ولقاءات ثقافية نظمها مقرّبون من الداعية الإسلامي فتح الله غولن. بالإضافة إلى ذلك، لم ينسَ أحد من الأتراك مطالبة العهد الأميركي الجديد بتسليم غولن “حفاظاً على سلامة العلاقة بين البلدين”.

وكان أحد أبرز مستشاري ترامب الجنرال المتقاعد مايكل فلين، والذي تمت تسميته مؤخراً مستشاراً للامن القومي، قد عبّر مرات عديدة عن مواقف مؤيدة لتركيا. كما دعا في مقالات له، كما في تصريحات قبل الإنتخابات وبعدها، إلى تسليم غولن إلى السلطات التركية، مشبهاً إياه بالرجل الخطير والخارج عن القانون الذي يجب معاقبته. كما أشارت مجموعة من المقالات الصادرة في الولايات المتحدة إلى أن فلين كان قد تلقى أموالاً من مسؤولين أتراك عبر رجل الأعمال التركي إيكيم ألب تكين والذي هو رئيس المجلس الإقتصادي التركي – الأميركي والمقرّب من الحكومة التركية. وعلى الرغم من صعوبة الجزم والإثبات بأن مواقف فلين قد تكون مدفوعة الثمن مسبقاً، إلا أن الأكيد أنه بات لتركيا رجل موالٍ لها في البيت الأبيض، وهو صاحب أرفع المراكز التنفيذية والأمنية في الإدارة الأميركية الجديدة.

على الجهة المقابلة، وصف أردوغان بأن التغيير والحقبة الجديدة في واشنطن مليئة بالفرص الإيجابية التي يمكن أن يكون لها وقع إيجابي على العلاقات بين تركيا وأميركا. كما باتت أبراج ترامب في إسطنبول مدعاة فخر للإعلام التركي، فيما يتناقل هذا الإعلام “بطولات” فلين بشكل يومي على محطاته وصحفه، كما تم ربط مواقفه الداعمة لتركيا بقدرة حكومتها على فرض نفسها على العالم.

وإذ يبدو الحكم التركي براغماتياً في التعامل من مسألة التغيير في أميركا، كذلك يبدو العهد الأميركي الجديد. فلا ثوابت واضحة في مواقف الطرفين، بل مجرد مواقف شعبوية تتغيّر بحسب الظروف، وهذا ما يمكن أن يجمعهما سوياً، ويعيد العلاقات التركية – الأميركية إلى سابق عهدها. وعندما يتم هذا الأمر سيكون غولن أول الضحايا، وسينتهي أمره سجيناً في أنقرة، لتطوي تركيا حقبة طويلة من عمل الداعية الإسلامي على زعزعة استقرارها.

وعلى الرغم من أن المواقف التركية والأميركية قد تتغيّر في أي لحظة، إلا أن الإشارات الإيجابية الصادرة من الجانبين تؤكد أن تركيا خلال بداية عهد ترامب ستكون أفضل مما كانت عليه عند نهاية عهد أوباما. وهذا ما قد يفتح المجال أمام تعاون روسي – تركي – أميركي في سوريا، لإنهاء الحرب فيها أو تنظيمها على الأقل، خاصة وأن ترامب لا يبدو بعيداً عن النظرة الروسية للحل في سوريا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة، عدد 1587.

الفرص المهدورة لإيقاف الحرب السورية: مضيعة وقت برعاية دولية

جو حمورة

14446069_1225931354115346_5202945444224908682_n

لم تعد الحرب السورية، منذ زمن طويل، حرباً أهلية. بل تحوّلت، مع كثرة المتدخلين والفاعلين فيها، إلى مواجهة من نوع آخر. لا هي حرباً باردة دولية بالمعنى التقليدي، ولا مواجهة مباشرة بين القوى العظمى. إنما فوضى محلية وإقليمية ودولية، يلعب فيها الكثير من الأطراف دور المتدخل والفاعل حيناً، والمهادن والراعي أحياناً أخرى. كما تساهم الدول المحيطة بتذكية نار الحرب بالسلاح والمقاتلين غالباً، أو بتقديم مبادرات وحلول كما فعلت واشنطن وموسكو مؤخراً.

ليل العاشر من أيلول خرج وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري من اجتماعهم في جنيف بمبادرة حل للأزمة السورية. وتضمنت وقفاً لإطلاق النار بين قوات النظام السوري والمعارضة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة لقصف مواقع “الدولة الإسلامية” و “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً). هذا بالإضافة إلى أن مبادرة الحل تضمنت بنوداً بقيت سرية حول العملية السياسية وتغيير النظام بعد سريان وقف إطلاق النار.

إتفاق لافروف – كيري ليس الأول من نوعه، وعلى الأرجح لن يكون الأخير. إذ أن السنوات الخمس الماضية حفلت بعشرات المبادرات ومشاريع الحلول، والتي بقيت بمعظمها حبراً على ورق بسبب تسويف النظام السوري، كما بسبب غياب الجدية الدبلوماسية في التعاطي مع الأزمة. وكما الحال مع هذه المبادرات كلها، تبقى الإرادة الدولية ضعيفة القدرة في فرض اتفاقاتها على القوى المحلية، إذ أن الكثير منها لا تكترث لكل هذه الإتفاقات والحلول، ولا ترى إلا الحرب طريقاً للنضال، وتعتبر هذه التسويات مجرد مضيعة للوقت. في حين تستغل قوى أخرى وقف إطلاق النار والعمليات الحربية من أجل تجميع القوى المقاتلة والتحضير للمواجهات العسكرية القادمة.

وكما الحال مع معظم اتفاقات وقف إطلاق النار، تسير الأمور بشكل إيجابي بداية، ثم ما تلبث أن تستعر الحرب من الجديد. وهذا ما بدأ بعد إتفاق لافروف – كيري، حيث صمد وقف إطلاق النار، بصعوبة، لعدة أيام، ثم بدأت المواجهات تعود إلى سابق عهدها. وهذا بات مساراً شبه طبيعي ومُكرر في الحرب السورية، ذلك لأن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة، كما الحلول المقترحة، فشلت كلها بعد فترات زمنية بسيطة.

في الماضي، في الثاني من تشرين الثاني عام 2011، توصلت الجامعة العربية إلى اتفاق مع الحكومة السورية نص على إنهاء القتال، والإفراج عن المعتقلين وإخراج الجيش من المدن. إلا أن الحكومة السورية لم تلتزم بما تعهدت به وتابعت ممارسة العنف ضد شعبها، فتم طردها من الجامعة. ثم قام مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان بالتوافق مع الحكومة السورية على هدنة في 12 نيسان عام  2012، إلا أنها انهارت بعد ساعات قليلة بسبب استمرار عنف النظام.

الفشل الذي مُني به كوفي أنان إستمر بعد ذلك، إذ أنه سعى في 30 حزيران، في جنيف، إلى التوصل إلى توافق على عملية إنتقالية في سوريا. غير أن الدول الحاضرة، وخاصة روسيا والصين، كان لها تفسيراً مختلفاً عن الدول الأخرى للبنود المتفق عليها، فتحوّل الإتفاق إلى فرصة مهدورة إضافية بعدما تمسكت كل من الدولتين بعبارة “الشعب السوري يحدد مستقبله”. بينما أرادت الدول الأخرى، وخاصة تركيا وبريطانيا وفرنسا، إخراج بشار الأسد من السلطة كمقدمة ضرورية لنجاح العملية الإنتقالية.

وبعد إستعمال النظام لغاز السارين ضد السوريين، تم التوصل نهاية العام 2013 إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو قضى بتسليم دمشق لأسلحتها الكيميائية. ويُعتبر هذا الإتفاق المُرعى دولياً، إلى حد ما، الإتفاق اليتيم الذي تم تطبيقه، ولم يتم نقضه أو القفز فوق بنوده. ويعود هذا الأمر إلى الخطر الضخم الذي يُشكله السلاح الكيميائي على الدول المحيطة بسوريا بشكل أساسي، وليس إلى الإكتراث الدولي بمئات المدنيين الذي قضوا نتيجة استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية.

في بداية العام 2014، رعت واشنطن وموسكو محادثات بين النظام السوري وشخصيات المعارضة فيما يُعرف بـ”جنيف 2″. إلا أن الإختلافات العميقة بين الطرفين أدت إلى قيام الوسيط الأممي الأخضر الإبراهيمي بتعليق المفاوضات، ومن ثم الإستقالة من مهمته في 13 أيار من نفس العام. وكانت هذه المحادثات الجدية الأخيرة التي جسلت فيها القوى السورية المحلية على طاولة واحدة، لتعود وتتحوّل كل المحادثات والإتفاقات اللاحقة إلى تواصل إقليمي ودولي حصراً. ومنها محادثات فيينا التي أتت بعد شهر واحد من بداية العمليات الجوية الروسية فوق الأراضي السورية، وضمت، بالإضافة إليها، 16 دولة أخرى كان من بينهم، للمرة الأولى، الجمهورية الإيرانية. وعلى الرغم من مشاركة جميع القوى الدولية كما الإقليمية المحيطة بسوريا، إلا أن مصير المحادثات كان كسابقاته، ولم يتوصل إلى أي نتيجة عملية.

مع فشل المحادثات المحلية، كما المبادرات الإقليمية والدولية، قام مجلس الأمن بتبني خطة حل للأزمة السورية. وتضمنت إقتراحاً لمفاوضات مباشرة بين المعارضة والنظام السوري، كما وقفاً لإطلاق النار، بالإضافة إلى تبني قيام حكومة سورية إنتقالية بعد 6 أشهر وإجراء انتخابات. إلا أن هذا القرار بقي بعيداً عن التطبيق، وإن تخللته جلسات متقطعة بين المعارضين والنظام لم تفلح بالتوصل إلى أي نتيجة تُذكر، ثم عُلقت الجلسات بعد هجوم النظام السوري على المعارضين في ضواحي دمشق.

وفي 27 شباط 2016 أعلن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي مستورا التوصل إلى تصنيف أميركي – روسي – أممي مشترك للمنظمات الإرهابية، واقتصار الضربات الجوية عليها فقط. إلا أن النظام السوري وروسيا لم تلتزمان بالاتفاق، وتابعا ضربهم للمراكز العسكرية والمدنيين المعارضين. ثم إنتهى الأمر بالتوصل إلى الإتفاق الأخير بين واشنطن و موسكو لفرض وقف لإطلاق النار، وقيادة عمليات عسكرية مشتركة ضد المنظمات الإرهابية.

ومن الملاحظ في هذه المحادثات كلها، أن الأطراف المشاركة فيها كانت تتغير بين فترة وأخرى. وكانت، في البداية، تضم ممثلين عن القوى المحلية والإقليمية، لتعود وتصبح مرتبطة أكثر بالدول الكبرى. كما أن المحادثات التي شهدت مشاركة للسوريين تبقى ضئيلة بالمقارنة مع العدد الإجمالي للمحادثات الدولية والإقليمية، ما يُبرز مدى تعقيد الأزمة من ناحية، كما خروجها عن نطاق سيطرة السوريين ذاتهم من ناحية أخرى.

كذلك الأمر، لعب النظام السوري دوراً سلبياً وتسويفياً بعد كل محادثات شارك فيها، فكانت مماطلته وعدم إلتزامه بما وقع عليه السبب المباشر الذي أدى إلى إفشال الكثير من التسويات وعمليات وقف إطلاق النار. وهذا ما كان ينتج عنه تعليق المعارضين لمشاركتهم في المحادثات وعدم العودة إليها إلا بعد تدخلات دولية وضمانات إقليمية. كما أن المحادثات خلال السنوات الماضية، أبرزت ضعف المعارضة السورية في جلسات التفاوض، ويعود هذا الأمر إلى أن المعارضين الذين يسكنون خارج سوريا لا يمثلون الشيء الكثير في الداخل، وهؤلاء يبقون أكثر تحرراً في رفض التسويات أو عدم الإنصياع لها.

على العموم، شهدت السنوات الخمس الأخيرة الكثير من المحادثات والتسويات، إلا أنها لم تؤدِ إلى المأمول منها. هذا في وقت لا ضمانات حقيقية اليوم بأن يكون الإتفاق الأميركي – الروسي الأخير إستثناءاً لهذه القاعدة. وعلى الرغم من الجهود الإقليمية والدولية المبذولة إلا أن الأمم المتحدة، والجامعة العربية وغيرها من المنظمات والدول المعنية بالسلام العالمي أثبتت فشلها الذريع في إيقاف الحرب السورية التي حصدت حوالى نصف مليون شخص.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة

عسكر وقضاة.. تركيا الجديدة تهندس نفسها

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan

Cumhurbaşkanı Recep Tayyip Erdoğan, özel uçak TUR ile Azerbaycan’ın başkenti Bakü’ye gitti. (Aykut Ünlüpınar – Anadolu Ajansı)

 

من أكبر جنرال في الجيش إلى أصغر موظف في اتحاد كرة القدم التركي، لم تسلم جمعية أو اتحاد أو مؤسسة، رسمية وخاصة، من تغيير طالها في الفترة الماضية. أتى الانقلاب الفاشل كهدية للحكومة على طبق من فضة، وقدم لها إمكانية تغيير موظفيها بسهولة، كما فتح الباب أمامها لإعادة هيكلة المؤسسات وطرد من لا يواليها، تحضيراً لبسط نفوذها على مؤسسات الدولة كما على القطاع الخاص.

لا حكومة شرعية تريد انقلابيين يسعون لزعزعة استقرار البلاد في داخلها، ولا حكم تعرض لمحاولة انقلاب عنفية يتساهل، مبدأياً، في التعامل مع أخصامه. إلا أن كثرة الذين تعرضوا إلى العقاب، أكان عبر الاعتقال أو الإعفاء أو الفصل، تُبرز أعمال الحكومة كأنها قمعية وانتقامية أكثر من كونها دفاعاً عن أمن الأتراك وصوناً للقانون. من ناحية أخرى، ورغم ضخامة عدد الذين تمت معاقبتهم، والسرعة في انتقائهم، يبقى التغيير الأساسي هو الذي تعرّض وستتعرّض له أنظمة أعرق وأكبر الأجهزة الرسمية التركية.

المؤسسات العسكرية والأمنية والجهاز القضائي هي التي لديها، مقارنة مع بقية أجهزة الدولة، أكبر هاشم من الحرية في التصرف والعمل. فأنظمتها السابقة كانت تعطيها القدرة على العمل غالباً بعيداً عن أعين الدولة والحكومة، وتتمتع بقدرة على مزاحمة السلطة السياسية والتغريد خارج سرب قراراتها. في حين أن الانقلاب الفاشل فتح الباب أمام إعادة هيكلتها، وربط أنظمتها أكثر بالسلطة السياسية المركزية لتكون جزءاً منها وليس كمنافسة لها.

في هذا المقال نلقي الضوء على آخر عمليات معاقبة الانقلابيين وموظفي الدولة في تركيا، كما التغييرات التي طالت المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية. هذا بالإضافة إلى قضايا قانونية أخرى مثل السعي إلى إعادة العمل بعقوبة الإعدام وقضية تسليم الولايات المتحدة الأميركية للداعية الإسلامي فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب.

الطرد القانوني غير أخلاقي.. أميركا لا تسلم غولن

مع مرور أكثر من شهر على فشل المحاولة الانقلابية لم ترسِ التقارير القادمة من تركيا على رقم نهائي للمحجوزين والمطرودين. إلا أن الرقم الرسمي الأخير الذي أعلنه وزير الداخلية التركي “أفكان علاء” في 11 آب / أغسطس أشار إلى أن عدد المطرودين من وظائفهم قد بلغ 76 ألفاً، كما تم احتجاز 5171 شخصاً وألقي القبض على حوالى 17 ألف آخرين[1].

قد تبدو هذه الأرقام الضخمة مفاجئة لشعوب الدول الصغيرة المجاورة للدولة التركية، إلا أن هذه الأخيرة توظّف حوالى 150 ألفاً في السنة الواحدة، كما إن أعداد موظفيها الإجمالي يصل إلى عدة ملايين، فتكون بالتالي نسبة المطرودين بسيطة جداً بالمقارنة مع العدد الإجمالي. من ناحية أخرى يُشكل طرد الموظفين جماعياً “تقليداً” تركياً يتم دائماً بعد العمليات الإنقلابية، ولم يكن آخره اعتقال أكثر من 120 ألف شخص من “غير المرغوب بهم”  بعد انقلاب العام 1980 بأشهر قليلة[2]، وبضعة عشرات آلالاف بعد انقلاب العام 1997.

هذا التخفيف من حجم الطرد الجماعي لا يبرر فعله على جميع الأحوال، ولا هو إقرأ المزيد