داعية “فنانات الإغراء”.. هارون يحيى يحارب داروين

جو حمورة

harun (3)

بات العالم صغيراً. ينطلق متصفّح الإنترنت من صفحة إلى أخرى لعلّه يجد ما يغنيه، ومن موقع إلى آخر يحط رحاله على ما يلفت نظره ويغريه بمعرفة أي مستجد.

اكتشف الموقع الإلكتروني لتلفزيون “الجديد” مؤخراً.. البارود. وأوهم زائريه بأن محطتهم اكتشفت جديداً عبر إفرادها خبراً عن داعية إسلامي تركي يدعى هارون يحيى يأتي بالراقصات إلى مكتبه ويعطيهنّ محاضرات دينية مباشرة على الهواء. وعلى الرغم من أن الموقع نقل الخبر عن صفحات عربية أخرى سبقته إلى هذا “الفتح الإعلامي العظيم”، إلا أنّ الكثير من وسائل التواصل الاجتماعية ومواقع إلكترونية أخرى تناقلت الخبر لمئات المرات ليصل إلى عدد كبير من الناس.

وليحيى، المعروف تركياً بـ”عدنان أوكتار”، حكاية مثيرة أكثر من كونه “داعية فنانات الإغراء” كما وصفته المقالات العربية الأخيرة، المهتمة حصراً باللعب على الغرائز الجنسية للمشاهدين لكسب حفنة من المتابعين. وهي أنه من أبرز الدعاة الإسلاميين الأتراك وأكثرهم شهرة وتأثيراً. فيما إلقاءه المحاضرات للشبان والشابات لا يزال مستمراً منذ أكثر من عشرة سنوات وهو ليس بالأمر الجديد البتة. في حين يمكن مشاهدة الكثير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعية كما على المواقع المناصرة له، والمنتشرة بكثافة بين الأتراك وفي أرجاء العالم.

أما سيرة الداعية فمليئة بالنشاط، إذ أنه صاحب حوالى 300 كتاباً موقّراً في الدين والعلوم السياسة، والتي تُرجمت معظمها إلى عشرات اللغات. كما يملك محطة تلفزيونية خاصة، ومواقع إلكترونية متعددة تتيح لمئات الآلاف من محبيه التواصل معه وقراءة أفكاره. بالإضافة إلى أنّ “المفكر الإسلامي العصري”، كما يحب أن يعرِّف عن نفسه، يملك قضية “مهمة”، ويعمل من أجلها دون كلل.

ويُعادي الداعية الإسلامي الإلحاد بشكل عام، ويؤدّي، على طريقته، وظيفته “الطبيعية” عبر التبشير بالدين وتفسير محتواه. كما يركّز بشكل أساسي على عداء ونقد النظرية الداروينية حول “النشوء والارتقاء”. في حين يعمد مناصروه الكثر إلى زيارة المدن والقرى التركية من أجل “تنوير” الناس على حقيقة وجودهم، وضحد الأفكار الداروينية حول التطور، التي لا تَرُد نشأة الإنسان إلى الله.

أما أشهر ما يثيره يحيى من جدل في تركيا، كما عند مكتشفي ظاهرته، فهو “استقدام” أجمل الفتيات التركيات إلى مكتبه وإعطاءهم محاضرات دينية، كما تأديتهنّ لحلقات من الرقص بين الحلقة الدراسية والأخرى. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب يبدو ترفيهياً ومبتذلاً، أو حتى رخيصاً بعض الشيء، إلا أنه أثبت جدواه في التسويق. حيث لا تزال نسبة مشاهدي يحيى مرتفعة، ويُنظر إلى حلقاته التلفزيونية كمزيج يجمع بين التسلية والتشويق من جهة، والقيم الأخلاقية والتعليم الديني من جهة أخرى.

أما طريقة إدارة برنامج يحيى المثير للجدل فيبدأ بكلمة له في موضوع ديني ما، فيما الكاميرا تتنقل بينه وبين وجوه وأجساد الفتيات بلباسهنّ القصير والمثير دائماً. ثم، بعد نهاية الحلقة الدراسية الدينية الأولى، يتم بث الموسيقى الفلكلورية والطربية التركية فتتسابق الفتيات إلى الرقص أمام الداعية بطريقة مثيرة، فيما يعمد هو إلى النظر إليهن أو الرقص معهنّ أحياناً، أو يكتفي، كما غالباً، بالتمايل في مقعده أحياناً أخرى. وبعد دقائق معدودة من الرقص والموسيقى يعود “الانضباط” إلى الاستوديو، فيبدأ يحيى بدرس ديني جديد في أمور الشريعة الإسلامية.

وفيما يصرّ مناصروا الداعية على أن معلمهم جمع المجد من طرفيه، عبر مجالسة أجمل “مخلوقات الأرض” وتعليمه لأنبل القيم السماوية في آن، يبقى أسلوبه الإعلامي والتسويقي الملفت غير مقبول البتة من قبل بعض الأتراك. حيث لا يُستثنى من بعض الانتقادات بين الحين والآخر، وخصوصاً من قبل دعاة آخرين يرون في أساليبه انتقاصاً من الدين. في حين يتحاشى يحيى الرد عليهم غالباً، ويؤكد على حرية أسلوب العمل طالما الغاية هي التبشير بالدين وإعلاء شأنه، كما لا يمتنع أحياناً من السخرية من غيرتهم منه بسبب فشلهم ونجاحه.

وبعد أن أثمر عمله شهرة في تركيا والبلقان وأوروبا خلال السنوات الماضية، يعمل يحيى ومساعدوه هذه الأيام على التوجه إلى الجمهور العربي و “اقتحام” هذا العالم. وذلك عبر كتابته مؤخراً مقالات في بعض الصحف والمواقع العربية، كما عبر إنشاء صفحات إلكترونية وحسابات له تبث أفكاره وتعاليمه بلغة “الضاد”، بالإضافة إلى إعطاء دروسٍ بشكل متزايد تتعلق باللاجئين والوحدة الإسلامية والحضارة العربية خلال الفترة الأخيرة.

قد تبدو أساليب يحيى متطرفة إن قورنت بأساليب الدعاة الإسلاميين الكلاسيكية، إلا أنها تبرز، بالتأكيد، كم هو مختلف الإسلام التركي عن الإسلام العربي. كما تبرز كيف أن الإعلام وأسلوب تقديم “المنتج” بطريقة شيّقة إلى المشاهد يمكنه أن يخدم قضية ما، فيما تبقى قضايا نبيلة أخرى أسيرة الفشل بسبب عدم تقديمها بطريقة مميزة إلى الجمهور.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

 

Advertisements

منسيّو الأناضول وحقوقهم: الزازاكيون والموارنة

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

الصورة من موقع silkroad.livedead.org

شكّل تركيا واحة غنية بالأقليات المختلفة، كفسيفساء يصعب حصر تنوّعها من اللمحة الأولى. ففيها الكثير من الأقليات الدينية، والقومية، واللغوية والاجتماعية بشكل يناقض الرواية الرسمية التي تؤكّد أن الأكثرية الساحقة من سكان تركيا هم أتراك القومية، وتُرك اللسان، وإسلام الدين وسنّة المذهب.

فزيارة ميدانية إلى الأناضول التركي تكشف للمرء عن هذه الفسيفساء التي لا تنتهي. فهذا كردي يريد حكماً خاصاً لقوميته. وذاك أرمني يريد حقوقاً دينية. وآخر علاهي يريد أن يتم الاعتراف به كطائفة. وغيره علوي يبحث عن عروبته، وغجري يريد حقوقاً اجتماعية أسوة ببقية المواطنين الأتراك.

والأقليات في تركيا كثيرة جداً، وتشكّل مادة دسمة للعلوم والسياسية والاجتماعية، كما للتدخلات الأجنبية. وفيما تبدو مهمة حصّرها بمقال واحدٍ مستحيلة، لا يمنع الأمر عن تعداد مُعظمها، وخصوصاً تلك المجموعات القومية والدينية غير المعترف بها في تركيا.

فبداية مع الأقليات القومية – الإثنية، والتي يشكّل الأكراد العنصر الأساسي فيها، كما العرب والألبانيون والأرمن والأشوريون والبوسنيون. بالإضافة إلى الشيشانيين والفرس واليونانيين والأذاريين والزازاكيين. وعلى الرغم من تفاوت أعداد كل مجموعة، إلا أنها موجودة كلها في تركيا، وموزعة على كامل مساحتها، ولها “معاقل” تتحصن بها ديمغرافياً، كما مطالب خاصة تعمل وتناضل من أجل تحقيقها.

أما الأقليات الدينية فمتنوّعة كتنوّع المجموعات القومية – الإثنية. وهي تتألف من العلاهيين والطرق الصوفية المتعدة خصوصاً، كما العلويون والمسيحيون السريان والأرمن بشقيهما الكاثوليكي والأرثوذكسي. بالإضافة إلى اليونانيين الأرثوذكس والبروتستانت والشيعة والكاثوليك، وصولاً إلى الإيزيديين واليهود والموارنة. هذه المجموعات مُبعثرة على الأراضي التركية ومتفاوتة في العدد، وتسكن في المدن التركية الكبرى باستثناء العلاهيين والعلويين والموارنة وقسم من السريان.

في هذا المقال نلقي الضوء على مجموعتين منسيتين في الأناضول التركي. وهما أقليتان عانتا وناضلتا من أجل حقوقهما بشكل يتشابه إلى حدٍ ما مع معاناة ونضالات الأقليات الأخرى. وهما الأقلية الزازاكية التي تملك لغة خاصة بها، والتي أبرزت مطالبها الثقافية واللغوية بشكل كبير في السنوات الأخيرة، كما الأقلية المارونية ذات المطالب الدينية حصراً.

لا حقوق لغوية خاصة للأقلية الزازاكية

تختلف الأبحاث المتعلقة بتصنيف الأقلية الزازاكية بين كونهم قومية مستقلّة بشكل كامل، أو في كونهم فرعاً من القومية الكردية. إلا أن لهؤلاء ملامح هوية خاصة تجعلهم يتمايزون عن “أقاربهم” الأكراد. وأبرزها أن للزازاكيين لغة خاصة، وهي اللغة الزازاكية المُنشقة عن اللغات الإيرانية [1]، ولكنّها تتمايز عنهم بحيث أنها تُكتب بالحرف اللّاتيني. كذلك الأمر، تختلف الأبحاث حول أعداد الزازاكيين في الأناضول، وذلك لعدم وجود أي إحصاءات رسمية منشورة في “تركيا العلمانية” تُصنّف الأفراد حسب هوياتهم القومية أو الدينية. إلا أن الزازاكيين يُحصون عددهم بحوالي إقرأ المزيد

لبنان ليس إسطنبول: جدّي غلب التمدّن

جو حمورة

knyst_mar_shlytta

“لا تتوهم أن الحياة خارج لبنان أكلة عسل”. بهذه الكلمات ودّعني جدّي، ثم طبع قبلة على خدّي وأنهى حديثه: “لا تتأخر بالعودة قبل أن أغادر (إلى السماء)”.

يثبت أجدادنا دوماً أنهم على حق، خصوصاً إن كان الأمر يتعلق بالمشاعر. فمن عاصر لبنان الحديث، من ازدهار وحرب وفقر وكرامة، لا شك بأنه يعرف أكثر من شاب يقصد بلداً أجنبياً بهدف الدراسة. مرّت أربعة أشهر على مغادرتي للبنان، ولا تبدو الحياة هنا، في تركيا، “أكلة عسل”.

تستقبلك هذه البلاد بأبهى حللها. الشرق والغرب وحضاراتهما يُختصرون بمدينة سُميّت إسطنبول. هنا، كل شيء يلمع. الجدران، الأطباق، المساجد، التُحف… والعيون. حتى البحر الذي يقسم المدينة إلى شطرين فيه شيء من اللمعان. كيف لمدينة تحوي على 15 مليون إنسان أن تنعم ببحر غير ملوث!؟

تتفاجأ وأنت تنظر إلى السياح الأوروبيين بمدى الدهشة الظاهرة على وجوههم. التمعن في أدق تفاصيل الشوارع والمتاحف هواية السائح، خصوصاً من توحي لك مشيته البطيئة أنه في سن التقاعد. الضخامة صفة ملتصقة بكل شيء، وهذه المدينة تكره البساطة. كنائسها ومساجدها أبزر معالمها، وتحتل مساحة كبيرة من وسط المدينة، كما الاهتمام الأكبر من آلات تصوير المارة.

من حيث آتي، من جبل لبنان، تغلب البساطة على بيوت الله. ضخامة الكنائس عندي أقرب إلى الاسراف غير المبرر من أي أمر آخر. البساطة سمة كنيستي وشكلها وناسها، فيما كنائس إسطنبول أقرب إلى متاحف ضخمة وقصور عاجية، حيث يراود زائرها شعور من اثنين: إما الدهشة وإما النفور.

مقارنة كنائس لبنان مع كنائس اسطنبول تبدو مغرية. البساطة سمة الأولى، وشكلها الحجري المربّع يوحي إليك بالدقة والعشوائية في آن. أجراسها الصدئة تضفي على روادها الدائمين لمحة من التاريخ والتراث. لم تُبنَ كنيسة في جبل لبنان بقدرة إمبراطورية أو مساهمة صندوق أجنبي، إنما بزنود وتعب فلاحي القرى. هؤلاء هم الكنيسة على جميع الأحوال.

هؤلاء الذين نراهم جالسين في زوايا الكنائس بخشوع، ولا يعيشون ازدواجية بين حياتهم الروحية والعامة هم الكنيسة. هؤلاء الذين يتنافسون بفرح على من “يربّع” الجرس هم الكنيسة. أشتاق إلى هؤلاء، وليس لقاصدي الكنائس للمناسبات الاجتماعية وحب الاختلاط. اشتقت لصوت الجرس “الطبيعي” المصنوع بقوة زنود رجال القرى، وليس لمكبر الصوت الذي يُعيد شريط صوت الجرس كصنم تنقصه حياة.

بعيداً عن التفاصيل.. والبساطة، كنائس إسطنبول تأتي من عالم آخر. يدخل إلى كل واحدة منها بضعة آلاف من الناس يومياً، ولكن لالتقاط الصور. الكنائس في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الغابرة هي، عملياً، متاحف، بعضها تحوّلت ملكيته رسمياً إلى الدولة، وغيرها أصبح متحفاً بحكم الأمر الواقع وندرة المؤمنين وغياب الرعية وخدّامها.

مجنون ذلك الذي يبحث عن البساطة في إسطنبول. الهندسة، الزخرفة، الذهب واللوحات الرائعة توحي إليك بأنك أمام عرش عثماني أو حاكم روماني سيخرج عليك من وراء المذبح. كيف لكنيسة كانت تحكم المشرق كله من حديقتها الخلفية أن تتحول إلى متحف لالتقاط الصور؟ كيف لرعية ملكت أبهى الكنائس وأجمل المزارات أن تتضاءل إلى حد الاختفاء؟

صحيح أن الحكم العثماني كما التركي العلماني اللاحق لم يعاملا، غالباً، أقليات إسطنبول بشكل جيد. إلا أن مصائب مسيحيي هذا الزمن هم “المسيحيون” أنفسهم، وليس أي أحد آخر. الكذب، الدجل، البغض والنميمة أخطر على المسيحيين من أعتى جيوش الأرض. عدم الاهتمام بالشأن العام والمجتمع، و “الترفع” عن العمل السياسي والتنموي أخطر على المسيحيين من شرور أقوى الممالك. اللامبالاة مرضنا القاتل.

في حالة إسطنبول، تفكّكت الروابط العائلية وزاد حب المظاهر وامتلاك الكماليات عندما قلّدت إسطنبول أسلوب استهلاك ونمط المدن الأوروبية، فأغرى التمدّن الناس للابتعاد عن الكنيسة (والجامع). وحياة التمدّن، بدورها، حثت الناس على ترك الأرض والهجرة للبحث عن أحلام الثروة والسعادة. فُقد الإيمان وفُقد حب الوطن، ففرِّغت الكنيسة وهاجرت الرعية. فيما بقيت الكنائس مجرد متاحف أنيقة شاهدة على أناس إستسلموا أمام خطر صنعوه بأيديهم، و”فرّوا” إلى أوروبا دون معركة.

كثرت الكنائس (والمساجد) في هذه المدينة حتى باتت معظمها فارغة. غلبت الضخامة بساطة الإيمان. تم إيلاء الشكل أهمية فاقت المضمون والمعنى. اهتم الأتراك ببيوت الله الفارهة لأسباب تجارية وإيديولوجية وأهملوا أبناءه. غلب التمدّن والاستهلاك على نمط حياة ملايين المدينة، واستسلم الجميع للمال واللذة. هجر الله المدينة وترك لزوارها بيوته.

التمدّن مصيبة العصر، وهو المرض الذي يخلق ازدواجية في حياة الناس. تُبهرك المدينة و “ثقافتها” الرثة بالألوان والأموال. وعلى مبانيها الفارهة تقدّم لك “الخلاص” على شكل لوحة إعلانية: استهلك تعش سعيداً. امتلك لتصبح أهم. اقترض لترضي غرورك. صفّق لتترقى…

لبنان ليس إسطنبول. تختلف الكنائس ويختلف الناس. التمدّن لم يقتل أرواحنا بعد. لا يزال جدّي، وآخرون مثله، ينظرون إلى المدينة بشيء من التوجّس والبُغض. هذه المدن “الغريبة” سرقت أبناءهم في الحرب أو هربتهم عبر موانئها ومطارها، وانتجت كل فساد وظلم في لبنان. كيف لمن يرى فقراء بيروت مرميين على زجاج السيارات للتسوّل وآخرين تحت جسورها ألا يكره هذه المدينة؟ كيف يمكن لمن وعدته المدينة بالسعادة والفرح والعمل وأنهته مرمياً ومذلولاً على قارعة طريق ألا يكره زعماءها؟ كيف يمكن لأبناء الجبل والبقاع وأطراف لبنان ألا يكرهوا فساد ومركزية المدينة وأموالهم تذهب لتنميتها فقط؟

جدّي ربى أولاده الثمانية على حب الأرض والكنيسة والقرية، وأحفاده استمروا على العهد. لم نغرق في وحل المدن، ولم نتعلق بقشورها وإعلاناتها المثيرة ووعودها الكاذبة. بقينا أولاد قرى، نعيش فيها أو نزورها مواظبين كل أسبوع. التربية الصالحة غلبت التمدّن وأبقتنا أولاد الأرض والرجاء.

اقترب عيد الميلاد ولا عيد في إسطنبول. زيارة لبنان باتت ضرورة، وجدّي ينتظر أحفاده في زاوية الكنيسة.

نشر أولاً على موقع لبنان الرسالة

تزوير توقيع “أتاتورك”.. متحف “آيا صوفيا” كنيسة أم مسجد؟

جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

wallpaper-Hagia-sophia-is-a-unique-Turkey-Wallpapers

عند بروز أي نزاع بين تركيا وأحد جيرانها، تطفو بعض الملفات العالقة على العلن. النزاع التركي – الروسي الأخير أعاد إحياء موضوع متحف “آيا صوفيا” التركي، بعدما طالب نواب في البرلمان الروسي بتسليم المتحف الذي كان يوماً الكنيسة الأم للمسيحيين الأرثوذكس، إلى الجانب الروسي[1] . وعلى الرغم من أن هذه الدعوات لم تكن الأولى من نوعها، وتنم غالباً عن عصبوية ونوستالجيا دينية، إلا أن إعادة إحياء الموضوع يتم بموازاة دعوات تركية متصاعدة لتحويل المتحف إلى مسجد، والتي، بدورها، تنم غالباً عن ردات فعل شعبوية ذات منحى انتقامي.

يُعتبر متحف “آيا صوفيا” الأيقونة التراثية والمعمارية والدينية الأشهر الذي يُظهر أبهى حلل ومعالم مدينة إسطنبول. كما يُعطي فكرة لزواره عن جبروت وعراقة الإمبراطوريات التي مرّت على هذه المدينة الضخمة، فيما أنّ انتقال المعلم من كنيسة إلى مسجد، ومن بعدها إلى متحف، تناسب دائماً مع هوية المدينة الدينية والسياسية، وبالتالي مع هوية تركيا ككل.

فيوم كانت القسطنطينية (إسطنبول سابقاً) عاصمة مسيحيي المشرق، كانت “أيا صوفيا” أبرز كنائسها المقدسة، وقد تحوّلت إلى مسجد يوم دخل العثمانيون إليها، لتعود وتصبح متحفاً تحت حكم العلمانيين الأتراك. أما اليوم، فتتصاعد الدعوات للعبث بهوية المتحف مع صعود الإسلاميين في تركيا، وذلك بالاعتماد على حجة قانونية تؤكد أن مرسوم العام 1934 القاضي بتحويل “آيا صوفيا” إلى متحف لم يكن قانونياً، ولم يكن يعبّر عن إرداة باني الجمهورية الحديثة مصطفى كمال “أتاتورك”.

الحكمة المقدسة”… الحلم الذي أصبح كنيسة ثم مسجداً

من الصعوبة تصوّر حاكم ناجح من القرون الماضية دون وجود مشاريع قام بتنفيذها في عهده. فلا الجاه ولا التيجان يخلّدها التاريخ أو يحفر أسماء حامليها فيه. لا يكترث التاريخ مطولاً للضحايا أو للأبطال، للخونة أو للجزارين، فكل ما يبقى من أعمال رجال الماضي هو ما دُوِّن في الكتب عنهم، أو ما حملته اللوحات الرخامية من أسماء على مداخل المشاريع الكبرى.

هذه المشاريع لا تأتي من عدم، إنما، غالباً، من أحلام أصحابها. يتحوّل بعضها الى حقيقة تدوم لأجيال لاحقة، أما التي لا يُكتب لها النجاح، فتخلد قليلاً على وسادة الزمن وتبقى فكرة تنتظر من يعيد إيقاظها. عام 360، كانت المسيحية قد بدأت انتشارها الواسع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، فأراد الإمبراطور الروماني “قسطنطين” إقامة كنيسة ضخمة للدين الجديد؛ فلا استمرارية للإمبراطوريات إن لم يكن فيها إقرأ المزيد