الهجرة غير الشرعية.. القوانين والإجراءات التركية غير كافية


جو حمورة

نشر أولاً على موقع المفكرة القانونية

الصورة من موقع aljazeera.com

ليست تركيا جنّة المهاجرين وضحايا الحرب، إنّما الممر ما قبل الأخير إلى دول الاتحاد الأوروبي. قد تكون حالة لاجئيها السوريين خصوصاً، والعراقيين والأفريقيين عموماً، أفضل من أوضاع اللاجئين في الدول الشرق الأوسطية الأخرى. إلا أن بريق صورة الحياة في الدول الغربية، لا يزال يشكل عاملاً حاسماً في اختيار اللاجئين المغامرة إلى أوروبا، وإن كلّفهم الأمر، أحياناً، الموت في سبيل الوصول إليها.

تزدهر عمليات الهجرة غير الشرعية من تركيا باتجاه أوروبا، حيث نشهد يومياً كيف يدفع بعض قليلي الحظ حياتهم ثمن المغامرة. غير أن الوقائع الجديدة التي فرضتها الحروب المحيطة بتركيا، والتي اندفع بسببها ملايين اللاجئين إلى أراضيها، خلقت شبه “طبقة” جديدة من الأتراك والسوريين والبلغاريين وغيرهم من دول العالم. وهذه “الطبقة” التي امتهنت حديثاً مهنة تهريب البشر، لم تُخلق من عدم، إنما بسبب وجود شبكات تهريب ناشطة في تركيا منذ عشرات السنوات. وقد أدّت زيادة أعداد الحالمين بالهجرة إلى أوروبا إلى تعزيز شبكات المهرِّبين هذه وأعدادهم وثراءهم، حتى باتوا يمدّون نفوذهم وعملهم من الحدود السورية – التركية إلى حدود فيينا وبرلين.

ويدافع أحد المهرِّبين عن مهنته الجديدة بأسلوبه الخاص في مقابلة مع الجزيرة: “في السابق كانت الحياة جيدة في سوريا.. الآن، ما عاد يوجد شيء، والجميع يسعى للهرب. الناس الذين ألتقيهم يبدون كالموتى، لكنّني أعطيهم أملاً بحياة جديدة، ثم، في النهاية، أرسلهم إلى برّ الأمان. بالنسبة إلينا، من المهمّ أن يصل المهاجرون إلى المكان الذي يريدونه. وعندما يشعرون بالرضى عن الخدمة، يعطون رقمي لأهلهم وأصدقائهم، الأمر الذي أبقاني في هذا العمل منذ ثلاث سنوات، بينما غيري من المهرِّبين توقّف عمله” [1].

هذه “المهنية” في العمل قد تكون دقيقة، أو، ربّما، مجرد مبالغة واعتزاز بالنفس. إلا أن الكثير من الحالات الأخرى شهدت على إهمال المهرِّبين لحياة ركابهم، فانتهى الكثير منهم غرقى في عرض البحر، أو مخنوقين في شاحنة مع عائلاتهم، أو، في حالات أفضل، معتقلين من قبل الشرطة.

في المقابل، سعت الدولة التركية لمحاربة تهريب اللاجئين عبر أراضيها، ولكن من دون تحقيق نجاحات حقيقية في التقليل من عمليات الهجرة غير الشرعية. كما عملت على إصدار بعض التنظيمات والتشريعات واعتماد بعض السياسات للحدّ من هذه الظاهرة التي تجتاحها وتخلق لها، ولأوروبا، مشاكل جمّة. غير أن التنظيمات القانونية بقيت مجرد حبر على ورق ولم ينتج عنها تطبيق فعلي وحازم لمضمونها.

أسباب الهجرة غير الشرعية وطرقها

يَسكن في تركيا حوالي مليوني لاجئاً سورياً. هذا الرقم الكبير لا يعدو كونه مجرد إحصاء لهؤلاء الذين سجلوا أسماءهم داخل تركيا، فيما مئات الآلاف من اللاجئين الآخرين يعيشون فيها من دون صفة قانونية. ومنهم من اختار البقاء في المخيمات التي أنشأتها تركيا لإيوائهم، وغيرهم تأقلموا مع حياة المُدن وضواحيها، فيما آخرون يسعون للهجرة منها، والابتعاد قدر الإمكان عن ويلات الشرق الأوسط وحروبه.

تتعدّد الأسباب التي تدفع السوريين وسواهم للمغادرة إلى أوروبا. ومن هذه الأسباب، إعتقادهم أنهم سيبقون مجرد لاجئين في تركيا مهما طالت إقامتهم فيها، بينما يمكنهم، بعد سنوات معدودة، الحصول على جنسية إحدى الدول الأوروبية، والتمتّع بحقوق وواجبات أسوة ببقية المواطنين. ومنها أيضاً موقع تركيا، الذي يشكّل مدخلاً جغرافياً طبيعياً للدخول إلى أوروبا من جنوب شرقها، بالإضافة إلى تشجيع أقارب اللاجئين وأصدقائهم ممن سبقوهم بالقدوم إلى أوروبا. غير أن للدكتورة “ستيفاني ناوين” من جامعة ميشيغن الأميركية رأياً مغايراً عن الأسباب التي تدفع باللاجئين في تركيا إلى مغادرتها، وهو رأي نادراً ما يُذكر في المقالات والدراسات، وينقصه، على جميع الأحوال، الكثير من الأبحاث الميدانية. تعتبر “ناوين” أن “السبب الرئيسي لارتفاع نسب الهجرة يعود إلى افتقار المدن التركية، كإسطنبول مثلاً، للفضاء الثقافي والاجتماعي الخاص ما يحرم اللاجئين إمكانية التأقلم مع الحياة في المدن الكبرى أو التمتع بفرص بها، الأمر الذي يجعلهم أكثر قبولاً لفكرة الهجرة إلى أوروبا لتحصيل حقوق أكبر لهم”[2] . وقد يكون هذا السبب الاجتماعي المتعلق بندرة الفرص في تركيا واحداً من الأسباب الأساسية للهجرة حقاً، إلا أن تعدد الأسباب، وتَشعّبها، لا يفسد حقيقة أن النتيجة واحدة، وهي أن الكثير من السوريين يبحثون عن فرصة للذهاب إلى أوروبا مهما إرتفع الثمن، ومهما كثرت المخاطر.

أما الطرق إلى أوروبا فتتعدّد. فبعض اللاجئين ومهرِّبيهم يتخذون من تركيا قاعدة للانطلاق إلى الدول الاسكندينافية مروراً بروسيا، ودول أوروبا الشرقية، بعد عبور البحر الأسود. وهذا المسار هو، عملياً، الأطول والأقسى، إلا أنه الأكثر أماناً، فيما فرص القبض على اللاجئين وإعادتهم من حيث أتوا أقل من الطرق الأخرى.

أما الطريق الثاني فيمر عبر بلغاريا، فيصل اللاجئون إليها، من تركيا، عبر البر أو البحر. إلا أن قيام الدولة البلغارية بتعزيز قواتها على الحدود مع تركيا وعلى حدودها البحرية في العامين الماضيين، أدّى إلى اعتماد المهرِّبين بشكل أساسي على طريق ثالث. وهذا الطريق ينطلق من المدن التركية الساحلية، كـ”بودروم” و”إزمير” الواقعتين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ويمرّ بإحدى الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي، ومن ثم ينطلق برحلات صغيرة ومتعددة إلى عمق الأراضي اليونانية، ومنها، عبر البر، إلى أوروبا الوسطى والغربية[3] . فيما يشهد هذا الطريق النسبة الأكير من حالات الغرق التي يتعرض لها الهاربون إلى أوروبا.

أما أعداد المهرِّبين والمهرَّبين فلا يمكن معرفتها بشكل حقيقي. فهذا النوع من التجارة، المُقدرة قيمتها بحوالي الـ16 مليار دولاراً أميركياً في السنوات الـ15 الأخيرة [4]، يتميز بالكثير من السرية. وقد بلغ معدّل عدد الوافدين إلى اليونان عبر تركيا 5 آلاف شخصاً يومياً خلال العام 2015 [5]، الأمر الذي يُعطي فكرة عن الحجم الهائل من الأفراد الذين ينطلقون إلى أوروبا من الأراضي التركية.

قوانين محاربة الهجرة غير الشرعية قبل الحرب السورية

اتخذت الدولة التركية سابقاً الكثير من التدابير التي تتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية. إلا أنّ هذه الإجراءات لم تكن كافية لمنعها، أو حتى منع عمليات الإتجار بالبشر وبالأعضاء البشرية المزدهرة فيها. ومع تدفّق اللاجئين خلال الحرب السورية، لم تقف تركيا موقف المتفرج من تضخم الأزمة، والتي جعلت من مسألة تهريب البشر على الصعيد العالمي مرتبطة باسمها. فقامت بسنّ عددٍ من القوانين والتنظيمات واتخذت بعض الإجراءات. إلا أن ذلك لم يؤدّ إلى التقليل من عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا.

سابقاً حصّنت تركيا نفسها بسلسلة من القوانين والاتفاقات لمحاربة الهجرة غير الشرعية. ومنها التوقيع، عام 2003، على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وبروتوكولها الإضافي المتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو. وبالتوازي مع هذه الاتفاقية وبروتوكولها قامت تركيا باتخاذ إجراءات قانونية عديدة، ومنها:

  • إقرار قانون متعلق بتصاريح العمل للأجانب عام 2003. وقد أعطى هذا القانون وزارة العمل والضمان الاجتماعي إمكانية إصدار أنواع تصاريح العمل للأجانب وتنظيم شؤونهم، الأمر الذي من المفترض أن يساهم في التخفيف من سعيهم للهجرة.
  • إقرار قانون النقل البري وتنظيماته عامي 2003 و2004، والتي أعطت للدولة إمكانية مصادرة آليات النقل إن ثبت قيام سائقيها بتهريب المهاجرين، كما عدم تجديد رخص قيادتهم لمدة ثلاث سنوات.
  • إقرار المادة 79 من القانون رقم 5237 من قانون العقوبات التركي عام 2005 والذي حدّد فيها معنى “تهريب المهاجرين”. كما نصّت المادة على عقوبة تتراوح بين 3 و8 سنوات سجن لمهرِّبي المهاجرين. وأقرت زيادة بمقدار النصف من مجمل فترة العقوبة في حال كان المحكوم عليه يقوم بعمله ضمن عصابة منظمة.
  • انضمت تركيا إلى “منظمة الهجرة الدولية” عام 2004، وزادت من تعاونها مع دول الاتحاد الأوروبي في خصوص الهجرة غير الشرعية [6].

أُقرّت هذه القوانين كجزء من التزام تركيا طلبات الاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إليه، وذلك  في فترة 2003-2005 عندما كانت تتهيأ لبدء مفاوضات الإنضمام. إلا أنه وبسبب فشل المفاوضات بعد هذا التاريخ، تم إيقاف تحديث القوانين المتعلقة بالمهاجرين والهجرة غير الشرعية، وذلك لحين العام 2013، بعدما أرخت أزمة اللاجئين السوريين أوزارها على الدولة والمجتمع التركي، ولاحقاً على دول الاتحاد الأوروبي ككل.

الإصلاحات القانونية والسياسات ما بعد الحرب السورية

مع بداية الحرب السورية وقدوم الآلاف إليها، تأخرت تركيا في إقرار أو اتخاذ إجراءات قانونية، وذلك لاقتناعها، في الفترة الأولى من الحرب السورية، بأنها لن تطول، وستنتهي بعودة السوريين المهجرّين إلى أرضهم[7] . لم تتوافق حسابات الحقل السوري مع البيدر التركي. فبدأت أنقرة، متأخرة، بوضع قوانين تتعلق باللاجئين من أجل تنظيم أوضاعهم، والتي تضمّنت مواد تُعنى بالهجرة غير الشرعية، وأهمها “قانون الأجانب والحماية الدولية” (4 نيسان / أبريل 2013).

نص القانون الجديد الذي حمل الرقم 6458 على أمور أساسية عدّة، وأهمّها تعريف الصفة القانونية للقادمين إلى تركيا من سوريا وبالتالي تحديد حقوقهم وواجباتهم. كما تضمّن إصلاحات وإجراءات عدّة هدفت السلطات التركية منها إلى التخفيف من وطأة أزمة اللاجئين عليها، كما من الهجرة غير الشرعية منها، والتي كانت، عام 2013، قد بدأت تزدهر بشكل كبير. وتبعاً للقانون الجديد، تمّ توحيد الدائرة المعنية بتسجيل اللاجئين، وذلك من أجل التخفيف من مشقّات التنقل على كاهلهم، كما من أجل حصر شؤون اللاجئين في إدارة واحدة، الأمر الذي يسهم بجمع المعلومات عن اللاجئين، وبالتالي معرفة من قام بالهجرة غير الشرعية منهم. كما أعطي لهذه الإدارة، التي أنشأها القانون تحت إسم “المديرية العامة لإدارة الهجرة”، صلاحيات اقتراح تشريعات وتنفيذ خطط من أجل مكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية ضحاياها [8].

وقبل نهاية العام 2015، نادراً ما كانت السلطات التركية تعترض وتعتقل مهرِّبي المهاجرين. وحين كانت تقوم بذلك، فكان ذلك يحصل عرضاً ورداً على تصاعد الإنتقادات الأوروبية والدولية لها. إلا أن تصاعد وطأة أزمة المهاجرين غير الشرعيين على أوروبا دفع الإتحاد الأوروبي إلى فتح حوار استمر لتسعة أشهر مع تركيا، وذلك من أجل البحث عن سبل لتخفيف معاناة أوروبا من الأعداد الهائلة من طالبي اللجوء التي تصلها يومياً.

مع تقدم المفاوضات، استطاع الطرفان، التركي والأوروبي، عقد اتفاق نهائي في الثلاثين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015. ونصّ الإتفاق على اتخاذ تركيا كل الخطوات اللازمة من أجل الحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، في مقابل التزام الاتحاد الأوروبي بتزويدها بالأموال لمساعدة اللاجئين القاطنين بها، وبإلغاء تأشيرات الدخول للأتراك إلى أوروبا، كما وبإعادة إطلاق عجلة المفاوضات حول إنضمامها للإتحاد [9].

مع وضع الاتفاق موضع التنفيذ بات المهرِّبون في أزمة، إذ أنهم باتوا عرضة لمواجهة القوانين التركية وإرادة الدولة التركية التي بدا أنه عليها الوفاء بما التزمت به مع الاتحاد الأوروبي بعد الاتفاق. وشهدت البلاد، منذ بداية شهر كانون الأول / ديسمبر 2015 وحتى نهاية شهر كانون الثاني / يناير 2016، حالات متزايدة من إيقاف للمهرِّبين، كما ومنع السوريون من مغادرة أراضيها بشكل فاق مجموع المداهمات والتوقيفات التي تمت في العامين 2014 و2015.

وتضجّ الصحافة مؤخراً بأخبار القبض على المهرِّبين في تركيا. فتفيد إحداها عن قيام الشرطة بمداهمات متزامنة في عدة ولايات أفضت إلى إيقاف 11 متهماً، بينهم أجنبيين، بتهمة تهريب لاجئين من جنسيات مختلفة إلى أوروبا[10] . ويتحدث خبرٌ آخر عن أمر إحدى المحاكم التركية القبض على ستة أتراك متهمين بتهريب أفراد إلى الإتحاد الأوروبي عبر بحر إيجة، وبينهم أحد مسؤولي الأمن الذي كان يغضّ الطرف عن عمليات التهريب[11] . ويتناول خبر آخر مداهمات نفذها الأمن التركي والألماني بالتزامن، في كلا الدولتين، للقبض على شبكة من الذين يعملون في مجال تهريب اللاجئين إلى أوروبا [12].

ضيّقت السلطات التركية على المهرِّبين الذين ازدهرت أعمالهم بين عامي 2013 و2015. إلا أن هذا التضيق لا يعني زوال هذا العمل المخالف للقانون. كما لا يعني أن المهرِّبين سيتخلون بسهولة عن أعمال جنوا منها أموالاً طائلة في السنوات الماضية، بل يعني، فقط، أنهم باتوا أكثر تأنياً في عملهم.

أساليب التهريب: الخبرة تغلب القانون

لم تغيّر الإجراءات القانونية والسياسات التركية الشيء الكثير من أزمة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وعلى الرغم من تراجع أعداد المهاجرين في الشهرين اللذين تليا عقد الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إلا أن مرد ذلك يعود إلى “حالة الطقس السيئة وليس بسبب منع تركيا اللاجئين من عبور المتوسط إلى اليونان” على حد ما جاء على لسان وزير الداخلية الألماني[13] . وكحال الطيور ومواسم هجرتها، تبدو كذلك حالة المهاجرين غير الشرعيين، حيث تصاب حركة نشاطهما بالفتورفي فترات الشتاء، وذلك في انتظار الربيع لتعود وتزدهر من جديد أعمال المهرِّبين.

ويعمل هؤلاء عبر وسائل متعددة، وغالباً ضمن مبادرات فردية ومجموعات محلية صغيرة وليس ضمن عصابات منظمة كبيرة، الأمر الذي يصعّب مهمة الدولة التركية في اقتفاء أثرهم وملاحقتهم. وتأخذ العلاقات العامة للمهرِّبين حيزاً مهماً من العمل. فبعضهم بات مرجعاً يستشيره الباحث عن سبلٍ للهجرة، أو يُنصح به بسبب إتمامه، باحترافية، لعمليات هجرة غير شرعية سابقة. كما يعمل آخرون على اجتذاب “الزبائن” عبر وسائل التواصل الاجتماعية، فينشؤون صفحات ومواقع إلكترونية تساعد الباحثين عن سبل للهجرة للتواصل مع المهرِّبين، وحتى نشر معلومات عن الأوراق المطلوبة والأسعار المعروضة [14].

وتضم منظمات التهريب العديد من الأفراد، كالشخص الذي يبحث، بحكم شبكة علاقاته الكبيرة، عن “زبائن” للهجرة، والشخص المولج باستلام أموال من اللاجئين، كما ومستأجري المنازل في تركيا وبلغاريا واليونان والدول الأوروبية الأخرى الذي يستقبلون القادمين لأيام محدودة. إلا أن الشخص المركزي في عمليات التهريب هو صاحب السفينة الذي يتحّمل مسؤولية سلامة الركّاب المهاجرين، والذي يتعرض، في حالة التوقيف، إلى عقوبات كبيرة.

وأصحاب السفن، أو بعضهم، باتوا ذوي خبرة في مجال التهريب. فهم يرمون محركات بواخرهم أو بعضاً من المهاجرين معهم في الماء عندما يشاهدون بوارج خفر السواحل، الأمر الذي يُجبر خفر السواحل الأوروبية على تحويل مهمتها من مهمة “تعقب المهاجرين واعتقالهم” إلى “مهمة إنقاذ”، وهي تنتهي بإيصالهم إلى الشواطئ الأوروبية حفاظاً على حياتهم كما ينص عليه القانون الدولي [15]. فيما يعود قسم من الذين يغرقون في البحر، وتنتشل جثثهم على الشواطئ التركية والأوروبية بين الحين والآخر، إلى قيام بعض أصحاب السفن على رميهم منها، وهم في غالب الأمر من الأطفال.

كما وَسّع بعض الأتراك نشاطاتهم الجرمية في الآونة الأخيرة، حيث باتوا يفتتحون بعض المتاجر التي تعمد، سراً، إلى شراء مقتنيات وعملات ذهبية من الذين ينوون الهجرة، على الرغم من أن القانون التركي يمنع شراء العملات الذهبية من قبل المتاجر[16] . ويقوم السوريون، وغيرهم من الطامحين للهجرة، بذلك، لتعذر بيعهم لمقتنياتهم في أوروبا، أو لحاجة المهاجرين للأموال من أجل تأمين المبالغ اللازمة للمهرِّبين، أو لقيام بعض الدول الأوروبية بمصادرتها كبدل عن إيوائهم [17].

تتعدد شبكات المصالح لـ”تجارة” الهجرة غير الشرعية. فبين رغبة المهرِّب الباحث عن مدخول كبير، وحاجة المهرَّب لفرصة من الأمن والاستقرار في أوروبا، يدفع الكثيرون حياتهم كثمن في عرض البحر. فيما لا تبدو المصالح الأوروبية في إيقاف اللاجئين عند الباب التركي، أو القوانين والإجراءات التركية الداخلية، كافيةً للحد من ظاهرة الهجرة، في حين تكسد هذه “التجارة” في الوقت الحالي، وذلك في انتظار ازدهارها من جديد في فصل الربيع.

مراجع هذا المقال متوفرة على هذا الرابط

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s