الإعلام الحزبي التركي: كلنا رابحون


جو حمورة

لا شكّ أن الإعلام يمكنه غالباً إقناع الناس بما يريد. هذه إحدى وظائفه الدائمة التي تتخطى تلك الوظيفة الأساسية المتعلقة بإبلاغ الناس بالحقيقة المجرّدة. وهاتان الوظيفتان معمّمتان على معظم الدول وأغلب وسائلها الإعلامية العامة والخاصة.

هنا تركيا. لكأن الحرية الإعلامية تتماها مع موقعها الجغرافي الوسطي بين الشرق والغرب. في تركيا مساحة مقبولة من الحريات الإعلامية التي تقارب تلك الموجودة في أوروبا، وفيها، كذلك، الاحتكار المحدود للوسائل الإعلامية على النمط العربي، وإن بفارق كبير. وسطيّة الحرية الإعلامية كوسطيّة الموقع الجغرافي بين عالمين متناقضين. غير أن الإعلام التركي شغله الشاغل إقناع الناس هذه الأيام، وإن كان على حساب الحقيقة المجرّدة.

انتهت الانتخابات البرلمانية التركية عشية السابع من حزيران/يونيو الحالي وهلل الجميع للفوز. أخذ كل حزب من الأحزاب الأربعة التي باتت ممثلة بالبرلمان على عاتقه إقناع الجمهور بأنه الرابح. إقناع الأحزاب للجمهور التركي يبدأ بإقناع جمهورها الخاص بالفوز، لأنها قليلة هي الناس التي تستمر بالرّهان على “الأحصنة” الخاسرة في العمل السياسي والانتخابات المقبلة.

بعد دقائق من إقفال صناديق الإقتراع وإعلان النتائج، نظّم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم مهرجاناً أمام مركزه الرئيسي في مدينة أنقرة، وحشد الآلاف من المناصرين، على الرغم من أنه حصد بشكل مفاجئ على 40.8 بالمئة من الأصوات فقط. هلّل الجميع بالفوز الذي حققه الحزب وأطلقت المفرقعات النارية في السماء، كما خطب رئيس الحزب أحمد داوود أوغلو في الجماهير بلغة المنتصر، وإن كانت النظرات العابسة للنواب الواقفين خلفه التي أظهرها الإعلام مراراً دليلاً على مرارة الهزيمة.

تراجع الحزب الحاكم بـ9 بالمئة من الأصوات مقارنة مع الانتخابات السابقة عام 2011 التي حصد فيها 49.8 بالمئة، إلا أن الإعلام الموالي للحزب هلل للنجاح وبارك للقيادة ووعد الناخبين بتحقيق الآمال. فيما الحزب لم يستطع تحقيق هدفه بتعديل الدستور ليصبح رئاسياً كما وعد دائماً، أو حتى تشكيل حكومة منفرداً كما درجت عليه العادة أن يفعل منذ عام 2002.

الأحزاب الأخرى ليست أفضل حالاً، فوهم الفوز اجتاح مخيلتهم والتبشير به على لسان الجميع. حزب “الشعب الجمهوري” العلماني تراجع مقارنة مع انتخابات عام 2011، فيما لم يحصد حزب “أتاتورك” العريق إلا 24 بالمئة من الأصوات على الرغم أنه كان من السهل عليه الاستفادة من الأخطاء المتتالية لغريمه، الحزب الحاكم.

وكان رئيسه الحالي “كمال كيلتشدار أوغلو” قد وعد قبل الانتخابات بأيام بأنه سيتنازل عن رئاسة الحزب إن لم يحقق أكثر من 25 بالمئة من الأصوات على الأقل، إلا أنه، وبدل الوفاء بوعده، أعلن أن حزبه حقق نصراً. حتى أن جريدته الخاصة، “حرييت”، غطّت على فشل الحزب بالترويج لفشل الآخرين، حيث كانت تضع مقالات على موقعها الإلكتروني كل 12 ساعة تبرز فيها الوقت الذي مرّ من دون أن يتكلم أردوغان.

في المقابل، قام حزب “الحركة القومية” اليميني، الذي حصد 16 بالمئة من الأصوات فقط، بالبدء بوضع شروطه التعجيزية للمشاركة بالحكم: استقالة أردوغان، وإلغاء محادثات السلام مع الأكراد. وفي حين تبدو شروط الحزب للوهلة الأولى كأنها صادرة عن فائز مظفر، إلا أن الحزب لم يحقق نصراً إلا بدائرة انتخابية واحدة (عثمانية، وسط تركيا) من أصل 81.

من احتفالات دياربكر

من احتفالات دياربكر

أما حزب “الشعوب الديمقراطي” ذو التوجهات والميول الكردية، والذي فاز بـ13 بالمئة فقط من الأصوات، فنظم مواكب سيّارة تهليلاً بالنصر في شوارع معقله الرئيس دياربكر، شرق تركيا. في حين أن الأكراد في تركيا يعدّون وحدهم حوالى ربع الناخبين، واضطر الحزب إلى ترشيح مسيحيين وأيزيديين ومثليين جنسياً ويساريين للحصول على أكبر نسبة من الأصوات، لم تسعفه في النهاية بأن يصبح ممثلاً حقيقياً لليسار التركي كما يطمح، وبقي ممثلاً للأكراد فقط كما كان دائماً.

الجميع يتصرف على أنه قد ربح ويسعى إلى إقناع مؤيديه بذلك. فيما الخطابات العالية النبرة والمفرقعات والشروط غير الواقعية تفيد الأحزاب لإقناع الجمهور، كذلك تفعل المؤسّسات الإعلامية التي تروّج لآراء أحزابها دون ملل. في حين أن الحقيقة المجرّدة تقول أن جميع الأحزاب هُزمت ولم تحقق ما أرادته، والفائز الوحيد في الانتخابات هي تركيا التي علّمت الجميع درساً في التنوع والديمقراطية.

———————-

إقرأ أيضاً:

السلاطين العثمانيون يترشحون للإنتخابات

الدعاية الانتخابية التركية: “العدالة والتنمية” ينجز والمعارضة تصفق!

القانون كأداة تغيير إجتماعية: تركيا وأسلمة المجتمع والدولة

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s