“القاعدة” والحوثيون والمواجهة الحتمية


جو حمورة

“اليمن ينهار أمام أعيننا”. بهذ الجملة الصريحة والمقلقة وصف أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، الوضع في اليمن بعدما سيطر الحوثيون على صنعاء وقاموا بإصدار إعلان دستوري في السادس من شباط لاستكمال انقلابهم. لم يُعجب هذا الإعلان الأطراف اليمنية الأخرى، فيما بدأت الاشتباكات بين الحوثيين وتنظيم “القاعدة” تتزايد في شكل كبير، وباتت الاعتقالات التعسفية تطال المعارضين للحكم الجديد في شكل غير مسبوق، وسط أحداث متلاحقة تنذر كلها بقرب اندلاع حرب مفتوحة بين الأطراف اليمنية.

مع فشل المبعوث الأمميّ جمال بن عمر في الخروج باتفاق بين الأطراف السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية في اليمن، أصدر الحوثيون إعلاناً دستورياً من جانب واحد لإدارة البلاد لمرحلة انتقالية لمدة سنتين. وقضى الإعلان بحل البرلمان وتشكيل مجلس وطني انتقالي مؤلفٍ من 551 عضواً ومجلس رئاسي من خمسة أعضاء، كما نص على ضرورة الاستمرار بالعمل بالدستور اليمني ما لم تتعارض أحكامه مع أحكام الإعلان الجديد. وفي هذا الإعلان الذي أصدره المجلس السياسي للحوثيين استكمال للانقلاب الذي قاموا على السلطة الشرعية في صنعاء، فيما أصبح المجلس الحوثي المقرب من إيران هو المسيطر على القصر الرئاسي ومقاليد السلطة في البلاد، بعدما وضع الرئيس عبدربه منصور هادي، ورئيس وزرائه خالد بحاح وأعضاء الحكومة تحت الإقامة الجبرية.

لم يُعجب هذا الإعلان الأطراف اليمنية المتعددة كما دول مجلس التعاون الخليجي، فيما باركت إيران هذا الانقلاب وما تبعه من سيطرة الحوثيين على مقاليد الحكم في اليمن. في المقابل، قام عدد كبير من السفارات والبعثات الدبلوماسية بتعليق تمثيلها في اليمن ومنها الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا وغيرها من الدول، ما ينبئ بعزلة دولية على الحكم الجديد، كما أشاع قلقاً وترقباً لما ستؤول إليه الأوضاع في اليمن.

داخلياً، وبالإضافة إلى سيطرة الحوثيون على صنعاء، سيطروا كذلك على حوالي نصف محافظات اليمن، ومن بينها الحديدة في الغرب، وإب وذمار والبيضاء في الوسط، كما على صعدة في الشمال والتي تمثل معقلهم الرئيس. نتيجة لذلك، رفضت القوى الداخلية في اليمن هذا التطور، فبدأت المظاهرات المعارِضة لهم تتزايد يوماً بعد يوم، فيما الصدامات مع الحوثيين تحصد المزيد من القتلى الأبرياء، كما تحولت الاعتقالات التعسفية بحق الناشطين المدنيين إلى أحداث يومية متكررة. وفي حين يأخذ هذا النضال غالباً أسلوباً سلمياً في التحرك، يبقى الدافع الأساسي له الخلفية القبلية والسياسية للمتظاهرين المختلفة عن تلك التي تعود للحوثين، غير أن الخطر الحقيقي في اليمن يتمثل بالصدام العسكري المتصاعد بين الحوثيين وتنظيم “القاعدة”.

جماعة أنصار الله الحوثي (الشيعية) في شمال اليمن

جماعة أنصار الله الحوثي (الشيعية) في شمال اليمن

وكما يسيطر الحوثيون على محافظات عدة من اليمن، كذلك يفعل تنظيم “القاعدة”، إذ يسيطر في شكل جزئي أو كامل على محافظات أبين وشبوة وحضرموت في جنوب البلاد، ويتوعد التنظيم الحوثيين بحرب لا هوادة فيها. في حين تزايدت حدة الاشتباكات التي تعود إلى أعوام بين الطرفين بعدما نفذ الحوثيون انقلابهم وسط استعمال كل طرف للآخر حجة لبقائه وعمله أمام القوى الإقليمية.

يُقدم تنظيم “القاعدة” نفسه لدول الخليج العربي على أنه الطرف اليمني الوحيد القادر على محاربة الحوثيين، خصوصاً وأن هؤلاء يشكلون امتداداً إقليمياً للنفوذ الإيراني. فيما يسعى الحوثيون لتقديم أنفسهم كمحاربين لإرهاب تنظيم “القاعدة” وساعين لبناء استقرار في اليمن وتقوية السلطة المركزية فيه. ومع استعمال كل طرف الآخر كحجة لشرعيته العسكرية، تتضاءل فرص السلام في اليمن، كما يتراجع دور القيادات والأحزاب والقبائل في الحياة السياسية لصالح الحرب بين التنظيمين المسلحين.

أما خارجيا، فلا يبدو أن الانقلاب الحوثي وما تبعه يحمله بشائر خير للخليج العربي، خصوصاُ وأن إيران تموّل الحوثيين لقربها العقائدي والسياسي والديني منها، فجعلت الحديقة الخلفية للسعودية تحت سيطرتها عبر أداتهم الحوثية. هذا الأمر دفع بمجلس التعاون الخليجي إلى دعوة مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قرار تحت الفصل السابع يتيح التدخل العسكري الدولي في اليمن، معتبرين في بيانهم “أن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين يهددهما استمرار الانقلاب على الشرعية في اليمن”.

تبعاً لهذا الطلب، ولاحتدام المواجهات بين اليمنيين، أصدر مجلس الأمن في الخامس عشر من شباط قراراً دعا فيه الحوثيين إلى ترك السلطة والانسحاب من المؤسسات الحكومية التي استولوا عليها والإفراج عن المعتقلين والعودة إلى طاولة المفاوضات. لكن القرار لم يتم وضعه تحت الفصل السابع، إنما اكتفى بالتهديد بفرض حزمة عقوبات في حال لم يلتزم به الحوثيون. في المقابل، لا يبدو أن الحوثيين في وارد التخلي عن السلطة التي استولوا عليها، ما ينبئ بعقوبات قاسية ستطالهم وتطال اليمن، ما يجعل الوضع الاجتماعي والأمني أكثر صعوبة وقابلاً للانفجار على نطاق واسع بين المعارضين للحوثيين وحكام اليمن الجدد.

وليس ببعيد عن الدبلوماسية الدولية، بدأت القوات البحرية المصرية والسعودية مناورات مشتركة للتصدي لمخاطر اعتراض السفن التجارية في الممرات الملاحية، والتدرّب على إدارة عمليات الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة بالبحر الأحمر ضد أي تهديد باعتباره ممرا دوليا هاما للاقتصاد العالمي. وتتزامن هذه التدريبات مع التحذيرات التي وجهتها مصر للحوثيين بشأن الاقتراب من مضيق باب المندب، إذ أعلن مسؤولون أمنيون مصريون عن تنسيق مصري – سعودي للقيام برد عسكري مشترك للتعامل مع أي خطر على أمن البحر الأحمر في اليمن.

ويشكّل مضيق باب المندب ممراً أساسياً بين خليج عدن والمحيط الهندي من جهة والبحر الأحمر وقناة السويس وإسرائيل من جهة أخرى، كما يشكل ممرا استراتيجياً عالمياً، فيما يُعتبر تهديده من قبل الحوثيين خطراً حقيقياً على التجارة العالمية ونقطة متقدمة لإيران في الخليج العربي.

في مقابل الأزمة المتعددة الأوجه في اليمن، فإن خسارة صنعاء عربياً لصالح النفوذ الإيراني قد تقبل به على مضض الدول العربية الغارقة في الفوضى والحروب في كل مكان. إنما وصول إيران إلى مضيق باب المندب وكسبها لورقة استراتيجية في وجه السعودية، هو أمر خطير لن تقبل به أي من السعودية، أو مصر، أو إسرائيل أو العالم. إلى ذلك، فإن العقوبات الغربية التي سيفرضها مجلس الأمن والدول العربية على اليمن، كما تكاليف الحرب بين الحوثيين و “القاعدة” من جهة، ومواجهة الحوثيين للشعب اليمني المعارض لهم من جهة أخرى، سيجعل من مسألة المحافظة على الحكم الانقلابي الجديد في اليمن مكلفاً للحوثيين وإيران من خلفهم.

قد تكون إيران وأداتها الحوثية قد حققا تقدماً في صنعاء وسيطرا على نصف البلاد وأصدرا إعلاناً دستورياً لحكمها، إنما حدود حراكهما العسكري تبقى ناقصة مع رفض اليمنيين ومجلس الأمن الدولي للإنقلاب وما تلاه من قرارات. وفيا يهم اليمنيون لتوسيع رقعة الرفض لحكم الحوثيين، و “القاعدة” لقتالهم، تقع كل من إيران والحوثيين في فخ الحكم والسلطة فيصبح المحافظة عليهما مكبِّلاً لقدرة حكامها على المناورة، والكلفة المالية للمحافظة عليهما مرتفعة، وتضاف إلى تكاليف إيران المادية الباهظة للمحافظة على نفوذها في بلدان عربية أخرى.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 23 شباط 2015 (العدد رقم 1496)

———————-

إقرأ أيضاً:

وحدة “الجهاديين” وانقسامات الفرنسيين: «استسلام» في باريس

صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

ثورة روميّة ناقصة وأخرى إسلاميّة شاملة

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s