ثورة روميّة ناقصة وأخرى إسلاميّة شاملة


جو حمورة

من هم عامة الشعب؟ كل شيء.

ماذا يريدون؟ أن يكونوا شيئاً ما.

حين أطلق الأب “إمانول سييس” عام 1789 هذا الشعار في واحدٍ من أشهر كِرّاساته الثورية، كانت فرنسا تُقبل على ثورتها التي غيّرت وجهها ووجه العالم. على المقلب الآخر من ضفاف المتوسط، كان العالم الإسلاميّ يعيش سنينه العجاف، والخلافة الإسلاميّة العثمانية تعيش في مرحلة الانحسار والخسوف. فمع خسارة “الرجل المريض” النفوذ والسلطة رويداً رويداً، وتعرض أراضيه للقضم من قِبل العالم الغربي، كان أفول الخلافة الإسلاميّة عام 1924، تبعه استيراد مبادئ الثورة الفرنسية العلمانية إلى تركيا الناشئة. كذلك، باتت الشعوب المحرَرة من السلطنة مسرحاً لسياسات التغريب، فيما دُفِنت الخلافة والسلطنة جنباً إلى جنب في كتب التاريخ حتى الأمس القريب.

كراس الأب سييس الثوري:

كراس الأب سييس الثوري

منذ بدايتها، طبعت الثورة الفرنسية وجه الحضارة المسيحيّة الأوروبية، ثم انتقلت، مبادئها الثلاث (الحرية – المساواة  – الأخوة)، بعد زمن، لتصبح القيم الناظمة لحياة الشعوب الغربية، والشروط الضامنة لشرعية أنظمتها السياسية. وعلى الرغم من أن الثورة قامت ضد الكنيسة والنبلاء وسطوتهم على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إلّا أن المبادئ المسيحيّة لم تغب عنها، بل كانت إحدى محركاتها.

حرّرت النزعة الإنسانيّة في المسيحيّة الروح الفردّية للقيام بالثورة الفرنسية، فغلبت الفردية والروحانية على المؤسسة الكنسيّة والشريعة. باتت حرية الإنسان وحاجاته المتغيّرة أهمّ من النص الجامد، ومساواته مع غيره أبدى من هرمية السلطة، والنزعة الثورية الرافضة لديه أولى من الخضوع للملك. كذلك، لعبت ثلّة من رجال الدين والمفكرين من ذوي الخلفية الكاثوليكية دوراً في نقل السلطة من يد رجال الدين والنبلاء إلى يد عامة الشعب؛ فباتت المسيحيّة أكثر إنسانية. في المقابل، وبالتوازي مع تراجع سلطة الإكليروس، “هُجّنت” مبادئ التعليم الكنسي بحسب ما آلت إليه الثورة الفرنسية ونتائجها، كما أقلمت التطورات السياسية والاجتماعية اللّاحقة الدين المسيحيّ ليتماشى مع نظم الدولة الحديثة. فيما بات أي حراك مسيحيّ “ثوريّ” اليوم لا يتمّ إلا على يد رأس السلطة الكنسيّة، كما هي الحال مع البابا “فرنسيس” الحالي في التصريحات والتصرفات والسياسات الإصلاحية التي يقوم بها.

بالعودة إلى المقلب الآخر من المتوسط، يبدو العالم الإسلاميّ اليوم في وضع تتمازج فيه حالتي اللاإستقرار بالثورة. وعلى الرغم من عدم علميّة وصفه بالعالم الواحد، إلا أن هاتين الحالتين تبدوان معممتين في كل العالم الإسلاميّ، وتجعل إمكانية وصفه بالعالم الواحد ممكنة. في حين أن الثورة الإسلاميّة في الزمن الحاضر تأخذ أشكالاً عدة، فتبدأ من الديمغرافيا وصولاً إلى الفكر، مروراً بكل من الاقتصاد و”الإرهاب”!

إلى أقصى الشرق در. من أندونيسيا صاحبة المئتي مليون مسلم إلى كل من أقليتي الصين والهند المسلمتين وبقية الدول الإسلاميّة الصغيرة، تبدو الثورة هنا ذات طابع ديمغرافي. أما اللاستقرار فيعود إلى العلاقة الشائكة مع الأديان الشرقية المجاورة، ويأخذ شكل التقاتل العنفي بين الأديان كما حصل في مجازر بورما التي طالت المسلمين خلال العام الماضي. أما في باكستان وأفغانستان والشيشان وغيرها من دول القوقاز، فهذه دول سبّاقة في ثورتها، فكانت أول من مارس الجهاد للتحرر من السوفيات، ثم ضد روسيا فأميركا، فيما باتت تصدّر اليوم الجهاديين المخضرمين إلى بقية العالم الإسلاميّ.

لإيران وتركيا قصة أخرى. فبالإضافة إلى إسلاميتهما الدائمة والصاعدة، فإن لثورتيهما طابعاً سياسياً وإقتصادياً أكثر منه ديمغرافي. هما ثورتان تسعيان لتصدير نموذجيهما إلى العالم المحيط بهما، كما دعم القوى الإسلاميّة في كل مكان. ولا يختلف وضعهما عن وضع كل من قطر والسعودية، إلا أن هذا الثنائي الخليجي يملك كذلك ورقة النفط والغاز ويستطيع أن يتحكم بإنتاجه أو أقلّه أن يكون لاعباً اقتصادياً عالمياً في سياساته وأسعاره.

وعلى الرغم من إرهابهم الموصوف، وفي خضم كل الفوضى التي يخلقونها، يمكن إعتبار كل من “القاعدة”، و”داعش” و”بوكو حرام” وغيرها من المنظمات الإرهابية، ذات نزعة ثورية. وتغطي نشاطات هذه المنظمات الثلاث معظم العالم الإسلاميّ الآسيويّ والأفريقيّ، فيما تجد بتفسيرها الخاص للعقيدة الإسلاميّة المبررات الفكرية لوجودها وإيمانها وعملها. كذلك، لا تكتفي هذه المنظمات بالتنظير كغيرها من المنظمات الإسلاميّة الناقمة على حال الأمة، إنما تتخطاها لتطال الأطر الدعوية، والفكرية والقتالية والسعي لتغير حال العالم الإسلاميّ.

Pope Francis frees a dove at the Istanbul's Holy Spirit Cathedral November 29, 2014 in Istanbul. Pope Francis arrived in Turkey the day before for his first visit to the overwhelmingly Muslim but officially secular state, in a challenging trip aimed at building bridges with Islam and supporting the embattled Christian minorities of the Middle East.

Pope Francis frees a dove at the Istanbul’s Holy Spirit Cathedral November 29, 2014 in Istanbul.

تبدو المقارنة مغرية بين أسلوبي ثورتي البابا “فرنسيس” في العالم المسيحيّ وثورات المنظمات الإرهابية في العالم الإسلاميّ، حيث تقوم الأولى على الشخص الواحد ورؤيته المميزة للحياة والإيمان ودور الكنيسة. أما الثورة الثانية فلا تقوم على شخص، بل على مجموعات متعددة ومترامية الأطراف لا يربطها إلا الإيمان بفكر محدد. بمعنى آخر، إن الثورة البابوية الحالية نابعة من شخص يملك فكراً متنوراً، فيما ثورة المنظمات الإرهابية نابعة من فكر ظلامي تطبّقه مجموعة من الأشخاص، فيما وجود هؤلاء لا يعني انتصار هذا الفكر كما أن غيابهم لا يعني زواله، بينما ثورة بابا روما مرتبطة بشخصه والمرجح أن تنتهي مع نهاية ترأسه لكرسيه الرسولي.

من جهة أخرى، تبدو الثورة المسيحيّة نابعة من السلطة، بينما الثورة الأصولية الإسلاميّة فنابعة من الناس. تقوم الأولى على سياسات وقرارات من كرسي وحاكم، بينما الثانية فقائمة على النضال في الزوايا ومنابر المساجد وضواحي المدن وساحات الجهاد. الأولى ثورة “من فوق” لا تطال تأثيراتها إلا مُريديها، بينما الثانية فثورة “من تحت” تطال المؤمن بها وغير المؤمن بها على حدٍ سواء، وما تحوّل الإرهاب في العقد الأخير إلى قضية عالمية سوى دليل على ذلك.

كذلك، تأتي ثورة البابا الروميّ كردّة فعل على ابتعاد الناس عن الإيمان في العالم المسيحيّ، كما انكماشهم الديمغرافي. بينما الثورة في العالم الإسلاميّ فيقابلها تقرب الناس أكثر من الدين، وإنفلاش ديمغرافي إسلامي، كما ردّة فعل لما آل إليه حال المسلمين من لعب دور هامشي في ركب الحضارة خلال القرن الماضي. وباتوا، كما وصف “إمانول سييس” يوماً عامة الشعب، يمثلون “كل شيء”، ويسعون أن يكونوا من صانعي الحضارة خلال القرن الحالي، لا مجرد متلقين لتأثيرات حضارات الغير عليهم كما كان الحال عليه خلال القرن الماضي.

نشرت أولاً على موقع مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط تحت عنوان “بين ثورة البابا فرنسيس وثورات التكفيريين”.

———————-

إقرأ أيضاً:

وحدة “الجهاديين” وانقسامات الفرنسيين: «استسلام» في باريس

تركيا تعزز حضورها في العراق

صعود العلويين في تركيا رغم غياب الاعتراف الرسمي

Advertisements

9 thoughts on “ثورة روميّة ناقصة وأخرى إسلاميّة شاملة

  1. تنبيه: صور قديمة للشخصيات اللبنانية -9- | نـقـد بـنـّـاء

  2. تنبيه: “القاعدة” والحوثيون والمواجهة الحتمية | نـقـد بـنـّـاء

  3. تنبيه: السيادة التركية فوق كل اعتبار | نـقـد بـنـّـاء

  4. تنبيه: صور قديمة للشخصيات اللبنانية -10- | نـقـد بـنـّـاء

  5. تنبيه: … لكن أين الإعلام التركي من جريمة زهران علوش؟ | نـقـد بـنـّـاء

  6. تنبيه: السلاطين العثمانيون يترشحون للإنتخابات | نـقـد بـنـّـاء

  7. تنبيه: الدعاية الانتخابية التركية: “العدالة والتنمية” ينجز والمعارضة تصفق! | نـقـد بـنـّـاء

  8. تنبيه: الإعلام التركي في معركة مع الأكراد | نـقـد بـنـّـاء

  9. تنبيه: التدخل التركي في سوريا.. في الصحف فقط | نـقـد بـنـّـاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s