وحيدون في مواجهة السيسي


جو حمورة

لم تفد الثورتان المصريتان المتتاليتان في تخليص البلاد من الفوضى والصّراعات والأزمات المتلاحقة. كانت المظاهرات ولا تزال دائمة على مدى سنة كاملة، فيما المشاكل الأمنية بازدياد، وضعف الحكم بات “طبيعيا”، والفوضى والأزمات الاقتصادية لا تغيب عن مصر. على وقع الأزمات الدائمة، يستمر الصراع بين جماعة “الإخوان المسلمين” والحكم العسكري من ناحية، كما بين التيارات المدنية والدينية والعسكرية من ناحية أخرى. في المقابل، وبوتيرة أدنى، يستمر الصراع على مصر من خارجها بين محور قطر – تركيا من جهة ومحور السعودية – الإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى، فيما الثورة المصرية ومفاهيمها التحريرية باتت من الماضي، بعدما تحولت القوى “الثورية” إلى أدوات للصراع السياسي التقليدي داخل مصر وعليها.

ما أن وصل الرئيس المصري ذو الخلفية العسكرية عبد الفتح السيسي إلى الحكم في مصر في العام 2014 حتى تفاءل المصريون خيراً بانتهاء المشاكل الأمنية والإقتصادية الدائمة. لكن التفاؤل هذا تراجع رويداً رويداً مع بقاء الأزمات الاقتصادية على حالها، إضافة لانتهاج الحكم الجديد سياسة عنفية تجاه حركة “الإخوان المسلمين” الخارجة من السلطة برضى شعبي معطوف على شرعنة شعبية لعمل المؤسسة العسكرية بالمجال السياسي. زُجّت قيادات الجماعة في السجون، وحُلّت بعض أجهزتها السياسية ومؤسساتها الاجتماعية وباتت تنظيماً إرهابياً في عين الدولة، إلا أن القطاع الطلابي والنسائي في الجماعة لا يزال ناشطاً ويعمل ليلَ نهار من أجل تقويض السلطة العسكرية والسياسية في مصر.

على وقع العلاقة المتوترة بين الطرفين، زادت جماعة “الإخوان” من حراكها الشعبي على شكل مظاهرات طلابية وتحركات نسوية في أغلبية المدن المصرية خصوصًا في الجامعات، وأتت هذه التحركات المؤلفة من آلاف المظاهرات المتنقلة كردّ فعل على القمع الرسمي لأجهزة “الدولة العميقة”. ففي مصر اليوم، كما في تركيا إبّان حكم العسكر السابق قبل العام 2002 مثلاً، تؤلف المؤسسة العسكرية والقضائية وقطاعات واسعة من المؤسسات الإعلامية شبكة واحدة من المصالح والتوجّهات، وتقوم بممارسة الحُكم للدولة وللرأي العام بعيداً عن المفاهيم الدستورية والقانونية أو حتى الديمقراطية. وتتحول جماعات المصالح هذه إلى دولة ضمن الدولة، وسط ترابطها فكرياً وسياسياً، وتسيّر الدولة والشعب في شكل غير مرئي عبر إيجاد عدوٍ لهما، وهو الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة “الإخوان المسلمين” في الحالة المصرية اليوم.

لم تستطع التحركات المعارِضة تحقيق إنجاز نوعي حتى الآن، إلا أنها عكّرت صفو حكم السلطة المصرية وشكّلت أزمة أمنية وشرعية لها. فالمشاكل الأمنية التي ترافق تتابُع التحركات المعارِضة، كما أولوية السلطة لمكافحة ما تصفه بالإرهاب، يجعل من الشؤون المعيشية والاقتصادية والاجتماعية تتراجع إلى المراتب الدنيا في أولويات السلطة، ما ينتج تزايد المعارضين للحكم لأسباب غير سياسية. وفي حين تخلق “الدولة العميقة” للشعب المصري عدواً لها وهو الإسلام السياسي، يسعى هذا “العدو” إلى تعظيم الأزمة السياسية والأمنية والاقتصادية للمصريين عبر التظاهرات، فيصبح المواطن العادي في حيرة بين اختيار دعم السلطة لمواجهة الأزمة الأمنية التي يخلقها حراك الإسلاميين، أو اختيار معارضة الحكم العسكري بسبب فشله في حل الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية الدائمة.

من مظاهرة في مصر

من مظاهرة في مصر

كما يرافق هذا الاختيار “الصعب” تطرف من قِبل الطرفين، فأصبحت حركة “الإخوان” أكثر راديكالية في مواجهة السلطة وبرزت عندها النزعات السلفية الدفينة التي تصب جام غضبها على الأقليات الدينية حيناً وعلى العسكر غالباً. وفي مقابل راديكالية المعارضة، فإن راديكالية السلطة لا تقلّ عنها سوءاً، فقد بدأت منذ حين بقمع منظم رافقه تعتيم إعلامي وأحكام قضائية معظمها جائرة بحق المعارضين. بالإضافة إلى إعادة الإعتبار للرئيس المصري السابق حسني مبارك والحكم عليه بالبراءة في قضايا عدة، فيما الرئيس الأسبق محمد مرسي لا يزال في السجن ينتظر براءة لا يبدو أنها ستأتي.

وفي وقت تتصالح قطر الداعمة للـ”إخوان” المصريين مع كل من السعودية والإمارات الداعمتين للحكم المصري، وتعيد هذه الدول علاقاتها الدبلوماسية مع بعضها البعض، تبدو جماعة “الإخوان” في مصر قد باتت معزولة أكثر من أي وقت مضى. فباستثناء الدعم التركي الذي يبقى محدود التأثير، باتت الجماعة شبه وحيدة في مواجهة الحكم العسكري، فيما لم يبقَ لها سوى مواجهة ما تسميه “الراديكالية السلطوية” براديكالية إسلامية مضادة، ما قد يوصل مصر إلى ما لا تحمد عقباه في مواجهة لا يبدو أن هناك أفقاً لحلّها إلا بقضاء طرف على آخر، أو تسوية سياسية تبدو بعيدة التحقيق.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 12 كانون الثاني 2015 (العدد رقم 1490)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s