100 ألف صاروخ وفيلم


جو حمورة

لم يسهم شيء، ربّما، في زيادة وعي الشعوب وتعزيز ثقافتها بقدر ما ساهم فيه الفن السينمائي على مرّ التاريخ الحديث. قد يصحّ هذا القول عن معظم شعوب العالم، أمّا في لبنان، فهذا التأثير لم يأخذ يوماً مداه، أكان بسبب ضآلة الإنتاج السينمائي المحليّ، أو بسبب الرقابة الحكوميّة والأمنيّة المتشدّدة التي تظهر من الحين للآخر لمنع روّاد السينما في لبنان من تذوّق الفن السابع بحريّة.

للأمن العام اللبناني تاريخ حافل باستعمال مقصّه الرقابيّ أو حتى منع عرض الأفلام العالميّة بشكل كامل، وآخرها كان منع الفيلم الإيراني “الأكثرية الصامتة تتكلم”، والذي كان من المفترض أن يُعرض في بيروت ضمن مهرجان “أفلام المقاومة الثقافية” في السادس عشر من الشهر الحالي. ليست هذه المرّة الأولى التي يُمنع فيها اللبنانيون من مشاهدة الأفلام الإيرانيّة السياسيّة والثقافيّة، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة. إلا أنّ حجّة “الإخلال بالآداب العامّة” التي تُجّتر عادةً لتبرير استخدام مقص الرقيب لن تنفع هذه المرّة، فالسّبب سياسيّ بامتياز.

من فيلم الأكثرية الصامتة تتكلم

من فيلم الأكثرية الصامتة تتكلم

الفيلم الإيرانيّ الممنوع يعود للمخرجة الإيرانية باني خوشنودي، ويَعرضُ مشاهد على شكل فيلم وثائقي للثورة الخضراء الإيرانيّة التي قامت سنة 2009 على الحكم الإيراني، والتي قمعتها السلطات الإيرانيّة بشكل وحشي، وأعادت على أثرها “الأكثرية الصامتة” للصمت. وليس بخافٍ على أحد أن وجود قوى سياسيّة وعسكريّة لبنانيّة مرتبطة بالحكم الإيراني تمنع عرض الأفلام الثقافيّة والسياسيّة المعنيّة بالداخل الإيراني، خاصوصاً أنها كانت تظهر بطشه. والمفارقة أن حزب “المقاومة” يمنع، مباشرة أو بشكل غير مباشر، فيلماً مخصصاً لعرضه في مهرجان “أفلام المقاومة الثقافية”، في وقت تشهد البلاد العربية والمشرقيّة كلها “مقاومات” متنوّعة تبدأ بمقاومة السلطات الديكتاتوريّة مروراً بمقاومة الاحتلال ووصولاً إلى مقاومات اجتماعية على أشكالها من أجل تأمين لقمة العيش والحياة الكريمة.

من المؤسف أن دولة وحزباً يصفان نفسهما بالمقاومة، وبلداً يتبجّج بازدهار الحريات في ربوعه، أن يُمنع فيلم يناقش تجربة مقاومة لم يُكتب لها النصر حتى، لكأن أحداً لا يعلم أن الحكم الديني الإيراني، كما غيره، يمارس القمع بحق مواطنيه. والمؤسف أكثر، أن حزباً يمتلك 100 ألف صاروخٍ يخشى من فيلم مدّته ساعة واحدة، وبذلك يمنع اللبنانيين من أبسط حقوقهم الثقافيّة، فيما السينما وروادها يدفعون الثمن وسط غياب شبه كامل للتبرير الرسميّ، وغياب كامل للحجّة المقنعة للمنع.

جو حمورة، 100 ألف صاروخ وفيلم، في 28 تشرين الثاني 2014

———————- 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s