دولة “داعش” وجدت.. لتبقى


جو حمورة

على الرغم من إثارته اهتمام العالم بشكل عام والأوساط الأكاديمية الإسلامية بشكل خاص، لم يقدم “داعش” بإعلانه إقامة دولة الخلافة الإسلامية على أي جديد على صعيد الفكر الإسلامي “الحديث”. إنّما التنظيم الموصوف بالإرهابي أتى كخلاصة لتطور هذا الفكر الإسلامي خلال حوالى قرن من الزمن، كما لتطور أجيال متلاحقة ربّاها تنظيم “القاعدة” في الدول الآسيوية ذات الأكثرية الإسلامية من أجل قتال كل آخر مختلف عن هويتهم الدينية ونظرتهم إلى الأمور الشرعية والفقهية.

منذ هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وقيام مصطفى كمال “أتاتورك” بإلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924، عاش العالم الإسلامي في تناقض فكري فيما بين تداعيات نشر مفهوم الدولة الحديثة من جهة وإرث الإسلام التقليدي من جهة أخرى، ووسط غياب “الزعيم” التقليدي الذي بقي وجوده هو الثابت في التجربة التاريخية للمسلمين على الرغم من تبدّل قادتهم وأحوالهم. فمنذ نشأة الدين الإسلامي ومروراً بكل من الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، ووصولاً إلى الخلفاء العثمانيين، جمع الخليفة في شخصه على مر الزمن ما بين السلطة الدينية والسياسة والعسكرية في آن واحد. فيما شغل إلغاء الخلافة، وإدخال المجتمعات الإسلامية في طور الحداثة القسرية على يد الانتداب والاستعمار، كمقدّمة لردة فعل عنفية، فكرية وعسكرية، بدأت ملامحها في سعي بعض المفكرين إلى استنباط حلول للمسلمين بالعودة إلى الجذور الإسلامية وإعادة بناء دولة الخلافة، حيث كان أبرزهم المفكر الإسلامي محمد رشيد رضا.

محمد رشيد رضا

محمد رشيد رضا

وتكمن أهمية رشيد رضا في الخط البياني للحركة الإسلامية الحديثة، في أنه شكّل حلقة الوصل فيما بين محمد بن عبد الوهاب وحسن البنا، أي فيما بين “الوهابية” و”الإخوان المسلمون”، فساهمت كتاباته في تشرّب حركة “الإخوان” بعضاً من النزعة السلفية في أوائل بدايتها في العقد الثاني من القرن العشرين. ورشيد رضا، المولود في قرية القلمون في شمال لبنان، عايش فترة إلغاء السلطنة العثمانية والخلافة بشكل نهائي، إلا أنه راح ينشر ويكتب ويزور الأقطار الإسلامية للتبشير بأهمية العودة للحكم الإسلامي الصحيح، فوضع كتابه “الخلافة” مفصّلاً فيه نظرته لكيفية بعث الحكم الإسلامي من جديد، ومركّزاً على تعاون العرب والتُرك والكُرد لتحقيق هذه الغاية، فيما كان اختياره لمدينة الموصل كعاصمة للخلافة الموعودة يعود برأيه لتموضعها في الوسط الجغرافي للعالم الإسلامي من ناحية ولأنها تضم كرداً وعرباً وتركاً من ناحية أخرى.

إلا أن أحلام رشيد رضا لم تثمر إلا بعد حوالي قرن من الزمن، وذلك على يد أبو بكر البغدادي الذي حقق إقامة الخلافة الإسلامية على أجزاء من العراق وسوريا، فيما باتت الموصل عاصمة الدولة الناشئة وأهم مدنها من حيث الموقع والحجم السكاني والتاريخ الثقافي والسياسي، كما أنّها المدينة التي ألقى فيها البغدادي أول خُطبِه الدينية كخليفة. إلا أن الدولة الإسلامية الناشئة لم تعتمد فقط على البُعد الجغرافي الذي ركّز عليه رشيد رضا عند اختياره لعاصمة الخلافة ومكانها، إنما على البُعد السياسي الذي وضعه المفكر الجهادي وأحد منظري “القاعدة” عبدالله بن محمد في كتابه “المذكرة الإستراتيجية” الذي كتبه على شكل رسالة ودليل استراتيجي إلى كل من يريد تطبيق نظام الخلافة وتحقيقه.

وفي هذا الكتاب الصادر عام 2011، يركّز بن محمد على أهمية القوة العسكرية وعملها الضارب والسريع في بناء معنويات جيش الخلافة، كما على الحرب الإعلامية التي يجب أن تكون دموية لدرجة أن تنهي كل معركة قبل بدئها عبر إخافتها للأعداء من هول “الإجرام”. وفي مقاربة ما طرحه بن محمد نظرياً وقام به البغدادي عملياً، يمكن ملاحظة التطابق بين النظرية المقترحة وأدوات التطبيق “الداعشية” في كل من سوريا والعراق على مدار العام 2014، حيث كانت كل الجيوش المختلفة تنهار سريعاً أمام تقدم جنود الخلافة الساحق. أما الماكينة الإعلامية لـ”داعش” فكانت تُنزل الرعب في قلوب أعداء التنظيم، بينما يقوم أعداؤه أنفسهم في بث فيديوهات التنظيم بشكل متكرر وساذج لظنهم أنهم يؤلبون الرأي العام ضد “داعش”، فيما التنظيم يكسب شهرة ويَدب الخوف في نفوس أعدائه في الوقت ذاته.

إضافة إلى الدعاية والحسم السريع، يَذكر كتاب “المذكرة الإستراتيجية” أهمية جذب المهاجرين المسلمين من كل أصقاع الأرض إلى دولة الخلافة اعتماداً على الدعاية وبث الروح المعنوية وتقديم المغريات للمقاتلين. وفي نظرة سريعة على دور المهاجرين إلى دولة الخلافة في الحرب وأهميتهم العددية حيث يمكن رؤيتهم في كل الفيديوهات التي تظهر يومياً على وسائل الإعلام، يمكن القول أن البغدادي وسياسة دولته طبّقت ما اقترحه بن محمد في كتابه.

داعش يستعرض قوته

داعش يستعرض قوته

وعدا ذلك، يقدّم الكتاب نفسه مقترحات على شكل أمثلة عن كيفية العمل العسكري والسياسي، ويقترح مثلاً نقل وقتل كل الأقليات الدينية لكي لا “تبقى شوكة في خاصرة المسلمين وباباً للتدخل في شؤون دولة الخلافة”. بالإضافة إلى استخدام النفط، بعد الاستيلاء عليه، من أجل تحقيق الموارد المادية اللازمة لأدوات الحرب، فيما هي مقترحات يبدو أن البغدادي قد أخذ بها وطبقها بحذافيرها بعدما مارس “داعش” الاضطهاد بحق الأقليات الدينية والعرقية من مسيحيين وشيعة وأيزيديين وأكراد وقبائل عدة، كما جعل من النفط والآبار التي سيطر عليها أدوات لزيادة موارده المادية والتقدم إلى مناطق جديدة بعد تعزيز آلته العسكرية.

بالعودة إلى فكر رشيد رضا من جهة وفكر عبدالله بن محمد من جهة أخرى والكثير من المفكرين فيما بينهما، يمكن الركون إلى حقيقة أن الدولة الإسلامية التي نراها تقوم بممارسة القتل اليوم ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج أزمة سياسية وعسكرية في كل من سوريا والعراق فقط، إنما هي نتاج أزمة دينية في صلبها، وفشل كل المحاولات التحديثية بالمعنى الغربي للمجتمعات الواقعة في قلب المشرق العربي كما ظلم وطائفية نظامي البعث في سوريا والعراق. وعلى الرغم من أن التحالف الدولي المؤلف من 60 دولة يقاتل “داعش” منذ حوالي الثلاثة أشهر، ويلقي بقنابله على رؤوس التنظيم وقياداته، إلا أن هذا الأخير لا يزال يتمدد في العديد من الأماكن. كما أنه بدأ بكسب التعاطف والمبايعة الفعلية خارج أماكن سيطرته، وكان آخرها سيطرة مقاتلين إسلاميين على مدينة درنة على الحدود الليبية – المصرية وقيامهم بمبايعة “داعش”، كما قيام تنظيم “أنصار بيت المقدس” في سيناء المصرية أيضاً بمبايعة التنظيم، وصولاً إلى الخلية المغربية الصغيرة التي أعلنت مبايعة “داعش” وتمكنت السلطات المغربية من القاء القبض على أفرادها الأسبوع الماضي، علماً أن التنظيمين والخلية بعيدون جغرافياً عن أرض الخلافة وعاصمتها. وتؤشر هذه الاحداث المتنقلة إلى أن “داعش” لا يزال يتقدّم في أكثر من مكان ويحقق مكاسب عدة متكلاً على سلسلة من المفكرين الإسلاميين الذين يشكلون القاعدة لفكره وأسلوب عمله السياسي والعسكري، كما على عشرات آلاف المهاجرين القادمين للموت في أرض الخلافة طمعا بالجنة وببقاء دولة الخلافة الإسلامية.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 1 كانون الأول 2014 (العدد رقم 1485)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

3 thoughts on “دولة “داعش” وجدت.. لتبقى

  1. التنبيهات: الفيلم الأميركي المسيئ عن النبي محمد ( + فيديو الفيلم) | نـقـد بـنـّـاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s