تركيا تعزز حضورها في العراق


جو حمورة

لم تكن زيارات رئيس الحكومة التركية الخارجية يوماً إلا حدثاً إستثنائياً في الدبلوماسية الإقليمية. فالبرفوسور التركي المرموق أحمد داوود أوغلو يجمع إلى خبرته الأكاديمية المعتبَرة حِنكة سياسية ملفتة مكّنته من التمايز عن بقية نظرائه من السياسيين. فمن أكاديمي وواضعٍ اللبنات الأساسية للسياسية الخارجية التركية الحديثة إلى صاحب مناصب سياسية عدة تدرّج فيها إلى أن أصبح رئيس الحكومة التركية الحالي، جامعاً ما بين البُعد النظري الذي وَضعه لسياسة بلاده الخارجية والبُعد والعملي لتطبيقها، منتجاً سياسة خارجية حيوية ومؤثرة لتركيا في محيطها.

حطّ أوغلو رحاله في العشرين من شهر تشرين الثاني في جارته العراقية التي تشهد أزمة أمنية وعسكرية بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مساحات واسعة من العراق، إضافة لأزمة سياسية بين حكومة بغداد المركزية وحكومة الإقليم الكردي. ولدولة العراق التي مزّقتها الحروب أولوية في سياسة تركيا الخارجية حالياً، إذ أنّها الجار القريب ومنبع للموارد الطبيعية ومصدر تهديد للأمن القومي التركي. فكانت الزيارة التي بدأها أوغلو في بغداد ومن ثم في عاصمة الإقليم الكردي إربيل محط أنظار العراقيين، كما تضمنت بحثاً بين الجانبين تركّز على المواضيع الأمنية والنفطية بشكلٍ خاص.

من بغداد التي تتخبط بأزمتها السياسية على وقع “الصراع” الإيراني – الأميركي، اتفق الطرفين التركي والعراقي على زيادة التعاون الأمني والإستخباراتي بينهما من أجل مواجهة التهديد المتمثل بـ”داعش”. كما أعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي أن “تركيا دعتنا للتعاون عسكرياً في مواجهة الإرهاب ونحن رحبنا بذلك”، مضيفاً أن هناك صفحة جديدة من العلاقات بين الدولتين آملاً بالانتصار على “داعش” في القريب العاجل. أمّا أوغلو، فردّ على الإيجابية العراقية بأفضل منها، حيث دعا نظيره العراقي إلى زيارة تركيا في الـ24 من كانون الأول القادم مؤكداً أن العبادي رحب بالدعوة وسيلبيها.

على الرغم من عمق الروابط بين كل من الشعبين التركي والعراقي وتلازم التجربة التاريخية المشتركة بينهما، قد يكون التقارب بين السلطتين التركية والعراقية استثناءاً بذاته. إلا أنّ المميز في هذه الزيارة هو زيادة الحضور التركي في العراق في ظل وجود حكومة محسوبة سياسياً على إيران، وفي وقت تتفاوض فيه هذه الأخيرة مع الدول الغربية على برنامجها النووي وما قد يترتب عليه من إعادة توزيع في النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط في حال تم التوصل إلى اتفاق مبدأي بين الطرفين. وقد يكون أوغلو، من خلال تعزيز تقديم يد العون لحكومة العراق ضد “داعش”، قد أصاب عصفوراً ثانياً في الوقت عينه، وطرح بلاده كضامنٍ إقليمي وبديلٍ أمني وعسكري محتملاً لحكومة بغداد مكان إيران.

خلال زيارة رئيس الحكومة التركية إلى مخيمات تدريب جيش البشمركة الكردي

خلال زيارة رئيس الحكومة التركية إلى مخيمات تدريب جيش البشمركة الكردي

أما إربيل، والتي قام أوغلو بزيارتها أيضاً، فالوضع الأمني والعسكري أفضل حالاً فيها من الوضع في بغداد، كذلك هو التعاون القديم العهد نسبياً بين الإقليم وتركيا والذي قطع أشواطاً متقدمة منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى الحكم في أنقرة. وقد بادر أوغلو في اجتماعه مع رئيس الإقليم الكردي مسعود البرزاني إلى التركيز على الشق الأمني بين الطرفين مؤكداً أن “أمن الإقليم الكردي حيوي وضروري لتركيا ويحمل أبعاداً تاريخية، إنسانية واستراتيجية”، فيما اعتبر البرزاني أن أوغلو عرض خلال زيارته “كل أشكال الدعم” من أجل الحفاظ على أمن الإقليم وإستقراره. وقد عرج رئيس الحكومة التركية خلال زيارته كذلك على مركزين لتدريب قوات “البشمركة” الكردية والتي تديره قوات من النخبة التركية في منطقة زاخو في الإقليم الكردي، واعتبر خلال الزيارة أن دعم تركيا لقوات “البشمركة” سيزيد باستمرار.

هذا الحدث، وقبله سماح تركيا بمرور قوات “البشمركة” في أراضيها لدخول مدينة كوباني/عين عرب السورية، يدلّان على عمق التنسيق الأمني والعسكري بين تركيا والإقليم ومدى إيجابيته في مواجهة “داعش”، يضاف إليه التنسيق السياسي والإقتصادي بين الطرفين. ففي الوقت الذي تتشعب فيه العلاقات بين الجانبين لتشمل كافة الأشكال الممكنة، يبقى الموضوع النفطي أساسياً في العلاقة بينهما، وهذا ما يؤكده الطرفان عبر استمرار تدفق النفط الكردي إلى تركيا.

إلا أن قيام الإقليم الكردي بنقل النفط من أراضيه عبر الأراضي التركية، ومن دون الرجوع إلى حكومة بغداد المركزية، لطالما أثار مشاكل ونزاعات سياسية وقضائية بين الطرفين العراقيين. غير أن تسوية مؤقتة لهذا النزاع قد تمّت بالفعل مع توصل الحكومتين العراقيتين إلى اتفاق فيما بينهما يُعطى على أثره الإقليم بعض الأموال المخصصة له من الميزانية المركزية مقابل “تصديره” لبعض منتجاته النفطية لحكومة بغداد. وعلى الرغم من أن الإتفاق المؤقت الذي تم الإعلان عن تفاصيله مع زيارة أوغلو إلى العراق له ملامح إتفاق بين دولتين مستقلتين لا بين حكومة مركزية وإقليم في الدولة نفسها، إلا أنه يضمن لكِلا الطرفين ما يحتاجانه من موارد نفطية ومالية لمواجهة أثار المعركة مع “داعش”، بالاضافة إلى ضمان مصالح تركيا الاقتصادية من صادرات النفط الكردي ويضعها حارساً على الإتفاق خاصة وأن تصدير النفط مرتبط بها بشكل مباشر.

وكما يقدم أوغلو بلاده كضامنٍ إقليمي وأمني للعراق بسلطتيه، كذلك يفعل في الموضوع النفطي، ويرعى اتفاق بين الحكومتين العراقيتين خاصة وأن النفط الكردي، كما النفط العراقي ما عدا الموجود جنوب البلاد، لا يمكنه أن يُصَدّر إلا عبر الأراضي التركية مروراً بالإقليم الكردي لأن “داعش” يسيطر على أنابيب النفط الأخرى. في حين أن الإتفاق النفطي بذاته يؤمّن مصالح الأطراف الثلاث المعنية به، كما يزيد من حضور تركيا في العراق كضامن للإتفاق وللعلاقة بين حكومتيه.

نشر أولا على موقع تركيا-نيوز2023

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

One thought on “تركيا تعزز حضورها في العراق

  1. تنبيه: ثورة روميّة ناقصة وأخرى إسلاميّة شاملة | نـقـد بـنـّـاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s